عرض الرسالة:

موضوع رسالتي العلاقات الدولية العامة في الإسلام "قسم الحرب"، ذلك أني كتبتها واسم الحرب في كل سمع وعلى كل لسان والعالم جحيم يتلظى، فأحببت أن آخذ فيما يأخذ الناس، ولكن على نهج علمي مثمر يشبه العصر الذي نعيش فيه ويعالج أوضاع أهله على ضوء دراسات مقارنة من ذخائر الفقه الإسلامي الحافل ونظريات القانون الدولي الحديث، أردت أن أصنع من ذلك كله في حدود استطاعتي لسان صدق لو أتيح له أن يكون ذا صوت يسمع لأهاب بالناقمين على الحضارة الغربية الحاضرة ولأهاب بأرباب هذه الحضارة أنفسهم، أولئك الذين خلعوا شريعة الغابة، ولم يخلعوا نفوس وحوشها فلم يخفت للشكاة صوت أن هلموا، فهنا في الإسلام وتشريعاته وعند بنيه الغاية القصوى التي يرنو إليها الناس وتنبهر دونها الأنفاس، هنا العدالة الاجتماعية المطلقة، هنا دستور علوى مطرد الحياة يحكم القلوب والجوارح والخطرات أينما تولوا فثم قول الله ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾، وكنت أعلم أن الحرب لابد منتهية والسلام آت وأن الناس لابد متسائلون ماذا عساه يستقبل العالم من نظم الحياة بعد الحرب الضروس، وأنه لذلك ينبغى أن أجمع في دراستي إلى نظم الحرب نظم السلم، كما فعل رجال القانون الدولي الحديث وأن أنتهزها فرصة مواتية لأجعل من دراسة موضوع العلاقات الدولية بطرفيه حجة ماثلة على دحض فريتين كبيرتين، الأولى: أن الإسلام لم يعرض لهذا الفرع من فروع القانون والثانية: أن الإسلام عرض لهذا الفرع، ولكن تشريعه فيه متفاحش القسوة حتى ليعتبر خطرًا على المدنية، ولكن(١) كان الله أرحم بي وبالذين لابد أن يقرؤوا لي من أن يحمل علينا حمل بعير، فخار لي ألا أعدو قسم الحرب والخير فيما اختار الله..

كان لزامًا على الباحث في نظم الحرب باعتبارها من العلاقات الدولية أن يتعرف أولًا ما هذه الحرب، وأي أنواعها يدخل في نطاق البحث، وأيها لا يدخل، فبينا ذلك، وبينا أثر نظام الحكم الإسلامي فيه وكيف أقرت الحرب في الإسلام على أنها سنة طبعية وضرورة اجتماعية، ولكن مع نحو مهذب معقول، واكتفينا في التقديم للرسالة بهذا القدر، ثم قسمنا الرسالة نفسها إلى فصول أربعة ينتظم كل فصل منها عدة من مباحثها:

ففي الفصل الأول- وقد كنا تبينـا انحصار بحثنا في قتال دولة غير مسلمة - أثبتنا مشروعية هذا النوع من القتال وقارناها بمشروعية الحرب في القانون الدولي، ثم عقدنا بحثًا مبسوطًا لنعرف هل الحرب في الإسلام دفاع أو هجوم؟ وتخيرنا أنها دفاع، واستنتجنا أن الإسلام لم يقم بالسيف وإن كان يوجب التأهب الدائم للحرب حيطة وحذرًا وأنه أصلح النظام الحربي الذي يقوم على شهوة التسلط وقارنا هذا كله بحكم القانون الدولي وعمل غير المسلمين.

ثم لم ندع مشروعية القتال حتى حددنا نوعها مستخلصًا من مذاهب شتى ومقارنًا بنوع المشروعية في القانون الدولي، ولكن القتال المشروع في الإسلام لا يمكن أن يكون إلا في حدود مثله العليا، فهو لا ينشب قط من طريق الغدر واختيان المسلمين غيرهم، ولا يؤخذ الناس بشروره وبوائقه إلا من أجل الإصلاح، وبعد تعذر هذا الإصلاح في ظل السلام، ولذلك قامت في الإسلام نظريتا النبذ وإبلاغ المأمن قبل القتال على نحو أنبل من نظريتي "تغير الظروف" و"الإبعاد" المعترف بهما دوليًا، وقام في الإسلام مبدأ تبليغ الدعوة الذي يبدو مبدأ إعلان الحرب بجانبه مشوهًا مبتورًا ينقصه مـا في المبدأ الإسلامي من دقة، وضمان حتى أنه إذا ترك البلاغ فَعَلَى تاركه في الإسلام الجزاء الرادع، وضمان الأنفس والأموال، وإذا فعل فعلى فاعله إعطاء مهلة تتسع لتكوين رأى صحيح، ولا شيء من مثل ذلك قط في التشريعات الحديثة، وهذا هو ما تحدثنا عنه في بحث مقدمات القتال مقارنًا بتشريعات ابتداء الحرب عند الدوليين، وبذلك انتهى الفصل الأول.

وفي الفصل الثاني تناولنا بالبحث النظام الذي يتبع أثناء القتال فأثبتنا أن الإسلام هو واضع الأساس الخلقي في نظام الحرب، بينما ظلت الدول حتى بعد انبثاق فجر الإسلام بقرون طويلة تجرى في معاملتها على قاعدة أن الحرب لا قانون لها.

كما أثبتنا أن الإسلام سبق الشرائع كلها بتحديده المتحاربين بالقوى المتقاتلة فحسب دون العجزة والمدنيين، واستخلصنا ذلك من منازعات طويلة في كلام فقهائنا، وأبدينا ما نراه حكم الإسلام في طوائف تقوم بأعمال تتصل بالجيش المحارب كعمال مصنع الذخيرة وموظفي اللوازم ورجال البريد والأطباء والممرضين وبينا أحوالًا ستة يخرج فيها المدنيون من الأمن والعصمة المقررين لهم، قارنا ذلك كله بالتشريعات الحديثة.

ثم تناولنا وسائل القتال فقسمناها إلى شعبتين كبيرتين، الأولى: وسائل العنف الموجهة إلى الأشخاص، والثانية: وسائل العنف الموجهة إلى الأموال، ففي الشعبة الأولى فرقنا في الأشخاص بين المقاتلة وحدهم، والمقاتلة إذا اختلطوا بالمدنيين أو الأسرى المسلمين، وبحثنا ذلك كله بحثًا مقارنًا، وفي خلال هذا عقدنا بحوثًا مقارنة متتالية في طائفة صالحة من وسائل القتال المشروعة والممنوعة..

فتحدثنا عن السلاح الأبيض، القذائف الثقيلة، التفريق، قطع المياه الحرب البكتريولوجية والكيماوية(٢)، التجسس، وهنا بسطنا القول، فتحدثنا عن مظاهر اهتمام الشارع بالجاسوسية والمحاكمة على التجسس وعقوبة الجاسوس ومعينيه والاستعانة في الجاسوسية بغير المسلمين. ثم أردفنا ذلك ببحث القتل غيلة والاستئجار عليه وبينا اختلاف وجهة النظر فيه بين التشريعين الإسلامي والدولي الحديث وقضينا للإسلام، ثم نقلنا الحديث إلى وسائل الخداع الحربي فبينا مشروعية الخداع أثناء الحرب، وضربنا له الأمثال وعقدنا كلمة خاصة لكل مثال ذكرناه سواء كان الخدعة مشروعة أو ممنوعة.. فمن الخدع المشروعة إيقاع العدو في كمين واستعمال الألغام وهنا بينا ما نراه حكم الإسلام في مستحدثات أنواعها مقارنًا بحكم القانون الدولي.

ثم بحثنا مع المقارنة الحديثة من الخدع المشروعة أيضًا بذر بذور الشقاق في صفوف العدو والتحريض على الثورة وقيام حركات انفصالية وحرب الأعصاب، وما يتصل بها من الرقابة على الصحف وغيرها من وسائل النشر خلال الحرب.

ثم عطفنا إلى الخدع المحرمة فبحثنا من وجهتي نظر الشريعة والقانون التظاهر بالتسليم، أو بطلب المفاوضة، أو التزيى بزي العدو، أو اتخاذ شـاراته، أو محاكاة العدو في نداءاته الحربية، أعنى (استعمال البورى).

ثم تخطينا الخداع إلى غيره فتحدثنا عن الحصار ومشروعيته وتقسيمه إلى حربي وتجاري وعن استعمال النار والأسلحة النارية وافتراق النـاس فـي شأنها وحجاجهم، ومحصنــا مسألة القصاص الحربي، وبينا امتياز الإسلام في ذلك كله، وحكمه فيما تنص عليه لائحة الحرب البرية في المادة ٢٢ من تحريم استعمال المقذوفات وأدوات القتال التي تسبب آلامًا مبرحة لا داعي إليها، وقد اقتضانا ذلك تحقيق معنى المثلة وتوضيحه من غموض واضطراب، وتحقيق حكمها الشرعي، وتحكيمـه فـي موضوع البحث.

ثم انتقلنا إلى بحث الغازات السامة وسائر وسائل التسمم فمنعناهـا مـع المالكية، والتقينا بذلك مع التشريع الدولي الحديث، ولما فرغنا من بحث هذه الوسائل كلها في حالة انفراد المقاتلة عدنا إلى النظر في استعمالها إذا اختلط المقاتلة بالمدنيين، وانتهينا إلى أنه لا فرق بين الحالين، وبينا أن التشريعات الحديثة في ذلك أعنف، وحاولنا استخلاص حكم الإسلام في مسألتين عمليتين، الأولى: إنذار السكان المدنيين قبل الضرب، والثانية: تمكينهم من الجلاء إذا أرادوه.

ثم أعدنا النظر نفسه فيما يستعمل من الوسائل إذا اختلط العدو ببعض المسلمين أو توقى بهم كما يتوقى الفارس بترسه، فقدمهم بين يديه، ورأينا أن دم المسلم لا يباح إلا من ضرورة، وأن المكايد يجب إفسادها على مدبريها، وقارنا ذلك بأحدث النظم الدولية.

وهنا أخذنا في دراسة الشعبة الثانية أعنى وسائل العنف الموجهة إلى الأموال، فقسمناها إلى إتلاف ومصادرة، ثم بحثنا إتلاف الأموال الصامتة واختلاف الآراء فيه، وارتأينا منعه في غير حاجة حربية، وقارنا ذلك بنظرية "فاتيل" وبعض الاتفاقات الدولية، وكذلك فعلنا بإتلاف الحيوان، ثم تعرفنا على المصادرة وتتبعناها في مظانها من الفقه الإسلامي، واستخلصنا أن لا مصادرة في الإسلام بالمعنى المفهوم حديثًا أثناء الحرب على الإطلاق، غير أنا لما أتممنا دراستنا لمظــان المصادرة ببحث تملك غير المسلمين أموال المسلمين عليهم وهـو بحــث مستفيض خلصنا منه بحقيقتين كبيرتين:

الأولى: أن من حق الدولة الإسلامية أن تصادر أموال الأجانب التي حصلوا عليها في بلادهـا مـن غير الوجه المشروع.

والحقيقة الثانية: أن المصادرة بالمعنى الحديث إنما تسوغ في الإسلام على سبيل القصاص فحسب.

ثم التفتنا بعد ذلك إلى أثر الحرب في العلاقات السلمية من سياسية وتجارية وغيرهما، وأثرها في تملك أموال العدو..

ورأينا أن إيضاح أثر الحرب في العلاقات السلمية يحتاج إلى دراسة وافية لنظام التأمين في الإسلام، فدرسناه، وعرفنا كيف يقوم وكيف ينتقض، ومن ذا الذي يملك حق التأمين أو الإشراف عليه، ومن الذي يصح أن يحصل على مزايا الأمان وحصانته، وأين وإلى متى ثم لم ندع هذه المزايا وتلك الحصانة حتى حددناها تحديدًا يقوم على أساس البرهان والحجة، ويأخذ السبيل علــى العابثين بالإسلام وأهله، وقارنا ذلك ببعض أوضاع التأمين في القانون الدولي كجوازات السفر وجواز الأمان وورقة التأمين، ثم أفضنا في دراسة بعض أوضاع التأمين الهامة، فصورنا أولًا: أثر الحرب في العلاقات السياسية وما قرره الإسلام من تأمين الرسل والسفراء وما على المسلمين عامة من احترام هذا التأمين والتزام آثاره مهما تبدل حكامهم، وبينا كذب (جوانفيل) وخطأ (نيس) فيما زعما من أن صيانة الرسل والسفراء لم تكن القرن الثالث عشر الميلادي قائمة على أساس شرعي، وتعرفنا على حكم الإسلام في الامتيازات الواسعة التي يضفيها القانون الدولي على الممثلين السياسيين الدائمين، وفي التمثيل الدبلوماتي الدائم نفسه وفي تعطيل هذا التمثيل بمجرد نشوب الحرب..

ثم صورنا بعد ذلك أثـر الحـرب فـي العلاقات التجارية من جهتين، (الأولى): تجارة الصادرات، (والثانية) ضرائب الجواز (أي الضرائب الجمركية) ففي الناحية الأولى بينا أنه يمتنع تصدير آلات الحرب، بل وسائر تجارة الصادرات إلى بلاد العدو ورددنا على المتسامحين فيما عدا آلة الحرب، وقارنا ذلك بالمذاهب الدولية الحديثة..

وفي الناحية الثانية: تعرفنا على أساس فرض هذه الضرائب، وكيف تقررت في الإسلام وبينا هل تلزم الضريبة بلا شرط؟ وكم يكون مقدارها؟ ومن أي جنس هي؟ وهل تتقاضى عـن جميع أنواع المتاجر؟ وكمياتها؟؟ أو عن نوع دون نوع وكمية دون كمية؟ واخترنا منع دخول الخمر وسائر المناكر إلى بلاد الإسلام، وبينا المدة التي تجزئ الضريبة فيها وتفاوت الآراء في تقديرها، واختيارنا نحن، والفروق في شأن ضرائب الجواز بين أهـل الحـرب وأهل الذمة بما يصور الأثر الحربي فيها، ولم نخل شيئًا من ذلك من المقارنة بالتشريعات الحديثة ما وسعنا..

أما أثر الحرب في تملك أموال العـدو فقد دعانا الكشف عنه إلى بيان افتراق التشريعين الإسلامي والدولي الحديث في معنی الغنيمة، وضرورة عدم التقيد بمدلولها الضيق فيما نحن بسبيله. ثم قسمنا الأموال التي يستولى عليها المسلمون إلى عقار ومنقول، وجعلنا من العقار ما فتح عنوة وقهرًا، ومـا فـتـح تراضيًا وصلحًا، وما جلا عنه أهله، وبينا انتقال الملك في كل من هذه وبحثنا في جواز رده على أهله أو وجوبه كما يرى بعضهم، واخترنا على غير ما نهوى ﴿ومن أضل ممن اتخذ إلهه هواه﴾ أن قسمة المغانم عقارها ومنقولها شيء محتوم إلا أن تسخو عنها نفوس الغانمين في بحث فضفاض أودعناه ردودنا على أفذاذ من أهل العلم كأبي عبيد والفـذاري والقرافي وابن القيم، كما أودعناه مناقشتنا للإمام الشافعي فيما رتبه على الرأي المختار من وجوب نقض القسمة إذا هو وقع باجتهاد بعض ولاة الأمر، وقارنا ذلك كله بالتشريع الدولي الحديث، ونبهنا على تفرد الإسلام برعاية أثر العقيدة الصحيحة في حماية أموال أهلها التي تصادف في البلاد المحاربة، وبينا اختلاف الناس في ذلك، وما يصنع بمال المتجدد في الإسلام إذا قتله ذووه غضبًا لدينهم.

ثم دحضنا الوصمة التي لم يزل أعداء الإسلام يصمونه بها في شأن الكتب والمكاتب التي تصاب في بلاد العدو وما لاقت من تلف وضياع أضر بالحياة العلمية، وعاق نموها، وزيفنا التهم الموجهة في ذلك إلى المسلمين الأولين..

ثم ختمنا الفصل الثاني بكلمة قصيرة عن الهدنة إلى أجل قصير(۳) ثم عقدنا الفصل الثالث لانتهاء الحرب والآثــار المترتبة عليه، وقدمنا له بتمهيد وتعداد جملى لنهايات الحرب، وهي الإسلام والصلح والفتح والتحكيم والانصراف عن القتال..

ثم تناولنا هذه النهايات وآثارها بالبحث المقارن واحدة واحدة. فذكرنا الإسلام وحفظه حرمات المسلم كاملة حتى فيما يتعلق بزوجته وصغاره، وانتزعنا ذلك من محاورات استدلالية سريعة. ثم ذكرنا انتهاء الحرب بالصلح وحكمه في الإسلام، وكيف يتـم مـن طريق المفاوضات ويقبل الانضمام اللاحق، وتكون له قوة الإلزام على أي نحو ابرم وكيف تحتوي الوثيقة المأثورة فيه على أجزاء المعاهدة الأربع المعروفة في التشريعات الحديثة، وكيف ينقسم إلى صلح لإنهاء الحرب إنهاء مؤقتًا وصلح لإنهائها إنهاء دائمًا..

وتحدثنا عن القسم الأول والشروط المعتبرة لصحة عقده فيما يتعلق بالأهلية وبموضوع العقد وبصُلب المعاهدة وبأجلها ومدتها(٤)، وقارنا ذلك كلـه بالتشريعات الدولية الحديثة..

ثم تناولنا بالحديث الصلح الدائم وحددنا عقد الجزية الذي يمثله، وتلمسنا أشبه الأوضاع الدولية الحديثة. وعقدنا بحثًا مطولًا لتعريف الطوائف التي يمكن أن تصالح على الجزية صلحًا دائمًا، وهنـا تسامعنا فيه حجاج الناس، ثم تخيرنا أن نظام الصلح الدائم أعني نظام الذمة سماحة عامة لجميع الطوائف المخالفة. ثم تبينا أثار هذا الصلح الدائم، ومتى يسقط عن المسلمين واجب الحماية الذي يفرضه، وحكم الإسلام في التعويضات الحربية(٥) بالمرونة الحازمة التي أبداهـا فقهاؤنا عند ضعف المسلمين وقوة عداتهم..

ثم ذكرنا انتهاء الحرب بالفتح وآثاره وما ينحو نحوه من النظم الحديثة، وفرغنا بعدئذ للتحكيم فأثبتنا مشروعيته شريعة وقانونًا ورددنا على منكريه من الخوارج وتعرفنا المحكمين وأهليتهم وعددهم وانتخابهم والقواعد التي يطبقونها وأصول الإجراءات التي يتبعونها، وقرار التحكيم الذي يصدرونه، وماله من قوة الإلزام، كل أولئك مع المقارنة بالتشريعات الحديثة، ثم لاحظنا أن في نظام التحكيم الإسلامي مخالفات ينبـو بها عن التحكيم بالمعنى الدولي الحديث، وتساءلنا هل يمكن أن يكون في الإسلام تحكيم بهذا المعنى الحديث، وأجبنا بالإيجاب.

ثم ختمنا نهايات الحرب ببحث الانصراف عن القتال شريعة وقانونًا..

وبذلك خلصنا إلى الفصل الرابع والأخير وموضوعه معاملة الأسرى والجرحى والقتلى..

ففي معاملة الأسرى بينًا من وجهتي نظر التشريع الإسلامي والدولي الحديث علاقة الأسير بأسره، ومعتقلات الأسرى وإقامة أودهم وكسوتهم ومحاكمتهم واستكراههم على إفشاء الأسرار الحربية، وتفريق الإسلام بينهم وبين الأهليين في البلاد المفتوحة وإجماله في معاملة هؤلاء الأهليين وتأمينه إياهم تأمينًا اجتماعيًا فعالًا بما يتضاءل بجانبه ما تعمله الدول الظافرة اليوم من حمل بعض المؤن إليهم، ثم تعرفنا نهاية هؤلاء الأسرى، فتناولنا بالبحث الاستدلالي المقارن مصايرهم فيما يرى فقهاؤنا مصيرًا مصيرًا، فذكرنا القتل ورفضناه بالحجة الناطقة إلا في حالات القصاص الحربي، وذكرنا الاسترقاق واعتراف الأديان والشعوب به في أصقاع الأرض، وكيف عالجـــه الإسلام بالإصلاح والتهذيب وضيق من نطاقه إلى حد أنه لم يعترف به إلا على أن يكون نظامًا من نظم القصاص الحربي، وعمدنا إلى الطعنات الطائشة الحمقاء التي وجهها الكاردينال (لافيجرى) إلى الإسلام في تشريع الرق فرددنا سهامه في نحره..

ثم استعرضنا مقالات أهل العلم في إطلاق سراح الأسرى بلا مقابل، وتخيرنا مشروعيته على ما يسمى بكلمة الشرف أو لا على شيء أصلًا. وقارنا ذلك وقارنا ذلك بالتشريعات الحديثة..

وكذلك فعلنا بتبادل الأسرى أو إطلاق سراحهم بفدية مالية أو مــا يشبهها فاستخلصنا جواز ذلك كله من منازعات طويلة، وبينا فيما يتعلق بتبادل الأسرى هل يجوز التفاضل العددي أولا..

ثم عرضنا لبحث اتخاذ الأسرى ذمة للمسلمين وانشعاب أراء الناس فيه، وقررنا جواز الدخول في معاهدة دولية لتحديد معاملة الأسرى بنوع خاص من أنواع المعاملة المشروعة كالإطلاق بلا مقابل، وأن الأسير الذي يعتنق الإسلام يتأثر مصيره بإسلامه، حتى ليصير حرًا طليقًا إذا تبين خلوص نيته وصدقه، وقارنا ذلك كله بالتشريعات الحديثة..

وهنا عقدنا بحوثًا تكميلية ثلاثة:

الأول: في الاستسلام للأسر، بينـا فيه دقة التشريع الإسلامي وتوفيقه المحكم بين مصلحة الجند ومصلحة القتال نفسه ووقوفه موقفًا وسطًا، بينما ذهبت الدول الحديثة إلى طرفي الإفراط والتفريط.

الثاني: في بيان التعاليم التي يأخذ بها الإسلام بنيه إذا وقعوا في أسـر العـدو فيما يتعلق بالإفضاء بأسرار الدولة والاشتراك مع العـدو فـي عمل مــا، والفرار من الأسر والخطة التي يتبعها الأسير المسلم إذا أطلق العـدو ســـراحه بشرط أو بلا شرط..

الثالث: في واجب المسلمين نحو من يقع منهم في أسر العدو، واحتججنا لذلك كله، وناظرنا فيه وقارناه بالمذاهب الدولية الحديثة .. ثم أفردنا لمعاملة الجرحى والقتلى في الإسلام مقالتين رحيمتين اقترنت فيهما الإنسانية المعقولة بالدليل الناطق، وبحثنا بنوع خاص انتشال الغرقى وإسعاف الجرحى وتشويه القتلى ودفنهم ووقف القتال لنقلهم وتبادل المعلومات عنهم وانتهاب ما على جثثهم، وقارنا تشريع الإسلام في ذلك كله بالنظم الدولية الحديثة..

ثم ختمنا الرسالة بكلمة مفردة وجيزة أشرنا فيها إلى وعورة الطريق الذى سلكنا ومبلغ العناء الذى تجشمنا، وإخلاصنا للحقيقة التي عنينا بالبحث عنها في غمار الأشتات والمفارقات، والتمسنا لأنفسنا في ذلك كله من هذه الإطالة عذير صدق؛ بل شاهد اضطرار.

 

رابط تحميل ملف العرض

___________ 

* نُشر هذا العرض في مجلة المسلم المعاصر، في السنة التاسعة عشر، العددان 73-74. والعرض للرسالة العلمية التي حصل مؤلفها د. إبراهيم عبد الحميد عنها على درجة الدكتوراة عام 1945، وهي لم تنشر إلا قريبا عبر دار الإفتاء المصرية (ضمن أعمال المؤلف الكاملة) بعد سعي دؤوب من الأستاذين الجليلين: د. جمال الدين عطية، ود. محمد كمال الدين إمام (رحمهما الله)!

** ولد د. إبراهيم عبد الحميد سلامة بمحافظة الدقهلية بمصر سنة 1910م، وحصل على ليسانس الشريعة من كلية الشريعة جامعة الأزهر عام 1936م، وعين مدرسًا بالكلية حتى حصل على درجة الدكتوراه عام 1945م، وكان موضوع الرسالة: "العلاقات الدولية في الإسلام". واستمر في التدريس بالكلية حتى سافر في بعثة الأزهر عام 1951م إلى جامعة كمبردج بإنجلترا، وحصل منها على الدكتوراه الثانية وكانت بعنوان: "موقف الزوجة في الفقه الإسلامي"، وعُين على إثرها مديرًا للمركز الثقافي الإسلامي في لندن. ثم عاد للقاهرة عام 1956م، واختير سنة 1963م مديرًا للمركز الثقافي الإسلامي بواشنطن، إلى أن اعتزل بعد ذلك المناصب وتفرغ للتدريس بالكلية حتى سافر إلى الكويت 1968م باحثًا في الموسوعة الفقهية الكويتية، وأنجز لها العديد من الأبحاث المتخصصة في فقه المعاملات، ثم عاد أستاذًا بالدراسات العليا بكلية الشريعة والقانون قسم السياسة الشرعية حتى أحيل للتقاعد سنة 1975م، وعمل خمس سنوات كأستاذ غير متفرغ حتى 1980م. توفي بعد مغرب يوم الجمعة الأول من رمضان سنة 1989م عن عمر يناهز 79 عامًا، وترك عددًا من المؤلفات أكثرها في أبواب الفقه والسياسة الشرعية. نقلا عن موقع تفسير للدراسات القرآنية، عبر هذا الرابط: https://2u.pw/uxzBqWdd.

  1. لم أكد أفرغ من قسم الحرب حتى بدا لي أن دراسة قسم السلم ستضاعف حجم الرسالة مضاعفة فاحشة وسيتطلب من الوقت مالا أملك.
  2. نسبة إلى الكيمياء كيماء، ويجوز فيها زيادة ياء قبل المد أو القصر والهمزة ليست أصلية حتى يجب إبقاؤها كما قال (وغير ما ذكر صحح) لأنهما من كوم وسوم.
  3. بعدما أشرنا إلى أن فترة الجند في الإسلام بإزاء الأغراض في البلد المفتوح عن تلك المخازي التي ترتكبها اليوم جنود الدول الظافرة وبذلك انتهى الفصل الثاني.
  4. ثم تحدثنا عن الآثار المترتبة عليه.
  5. التي كادت تلتحق في العرف الحديث بالشروط الأساسية لكل صلح. ولم ننس التنويه بعد.

أعمال ووثائق وضعتها اللجنة الخاصة

المكلفة بمشروع إحداث محكمة دستورية دولية

 

تونس 2014

 

الفهرس

ملاحظة تمهيدية.

نشأة المشروع.

تقديم عام حول مشروع

إحداث المحكمة الدستورية الدولية

الفصل الأول: المعيارية الدستورية الدولية.

بخصوص الحقوق والحريات.

بخصوص أساس السلطة.

بخصوص مفهوم الديمقراطية في حد ذاته.

بخصوص مفهوم دولة القانون.

بخصوص مبدأ الانتخابات الدورية والنزيهة.

بخصوص نشوء مبدأ الشرعية الديمقراطية.

الفصل الثاني: الجزاءات القضائية.

الفصل الثالث: المحكمة الدستورية الدولية: التركيبة، المهام والقانون المنطبق.

تركيبة المحكمة.

مهام المحكمة.

القانون المنطبق.

 

ملاحظة تمهيدية:

إلى حد هذا التاريخ، لم يقع إرساء المحكمة الدستورية بعد. فهو مشروع يمكن أن يرى النور خلال سنوات. وهذه الفكرة تدافع عنها الهيئة الخاصة التي أحدثت بتونس في شهر جانفي (يناير) 2012. ويرأس هذه الهيئة الخاصة الدكتور محد المنصف المرزوقي، رئيس الجمهورية التونسية.

 

نشأة المشروع:

في سنة 1999 عندما كان في المعارضة، أصدر السيد محمد المنصف المرزوقي مقالًا في جريدة "لبيراسيون" الفرنسية عاد إلى الأفكار المحورية الواردة فيه مرة أخرى في كتابه "الألم العربي" (الذي نشر لاحقًا سنة 2004). وقد أوضح الكاتب في هذا المقال أن علاج العلل المرتبطة بالدكتاتورية ينبغي أن يتم بتدعيم الآليات التي تدعم دولة القانون وتحد من هامش السلطة التقديرية والتعسف في تسيير الشؤون العامة، وذلك بإرساء آلية قضائية دولية.

وفي سنة 2006، تناول الأستاذ عياض بن عاشور هذه الفكرة وفصلها في خاتمة محاضراته التي ألقاها بالأكاديمية الدولية للقانون الدستوري. 

وفي سنة 2011 تأسست "لجنة خبراء" متكونة من:

الأستاذ عياض بن عاشور (تونس)؛

الأستاذة مونيك شميليي جاندرو (فرنسا)؛

الأستاذ غازي الغرايري (تونس)؛

الأستاذ فرحات الحرشاني (تونس)؛

الأستاذ موريس كامتو (كاميرون)؛

الأستاذ سليم اللغماني (تونس)؛

الأستاذ أحمد محيو (الجزائر)؛

الأستاذ كريستيان طوموشات (ألمانيا). 

وقد حرر أعضاء هذه اللجنة النصوص الرئيسية الواردة في هذه الوثيقة، وهكذا اتضحت ملامح فكرة إنشاء محكمة دستورية دولية.

ثم تقرر بعد ذلك إحداث هيئة لذات الغرض تكون مهمتها دعم فكرة تركيز محكمة دستورية دولية ويترأسها رئيس الجمهورية التونسية وتتألف من:

لجنة الشؤون القانونية التي تتكون من الأعضاء في "لجنة الخبراء" سابقًا، ووقع توسيعها بإضافة بعض الأعضاء؛

لجنة تُعنى بالجانب اللوجستي؛ 

وفضلًا عن ذلك فقد انضم إلى هذه الهيئة الخاصة مختصون آخرون في القانون الدولي والقانون الدستوري من مختلف أنحاء العالم وما زال عددهم في ازدياد.

وقد عُين السيد أحمد الورفلي، المستشار القانوني لرئيس الجمهورية التونسية، منسقًا عامًا للهيئة فيما أوكل الجانب الدبلوماسي إلى المستشار الدبلوماسي لرئيس الجمهورية التونسية. 

ويتمثل هدف الهيئة في نشر فكرة المشروع وضمان حصولها على دعم لها من الدول الأعضاء بمنظمة الأمم المتحدة. ويتعلق الأمر في الواقع بمشروع مستقبلي ليس فقط لتونس بل لمحيطها العربي والإسلامي والمتوسطي والإفريقي بل وأيضًا للإنسانية جمعاء.

ومن أهداف هذه الهيئة حشد مجموعة رمزية حول هذا المشروع متكونة من 100 أستاذ في القانون الدستوري والقانون الدولي يمثلون جميع القارات إلى جانب مجموعة من الشخصيات العالمية المرموقة المعروفة في عالم السياسة والفكر والفن والرياضة ومعهم مجموعة من الطلبة.

وبفضل الجهود المبذولة لقيت هذه المبادرة تأييدًا من قبل الدول الإفريقية خلال القمة العشرين للاتحاد الإفريقي. وستواصل تونس العمل من أجل ضمان مساندة المجموعات الأخرى ابتداء بالدول العربية والإسلامية حتى تضمن قبول مشروع القرار الذي سيعرض على الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة في دورتها الثامنة والستين.

تقديم عام حول لمشروع

إحداث المحكمة الدستورية الدولية

منذ أن تأسست منظمة الأمم المتحدة لم يتوقف الحراك الديمقراطي عن التطور والتوسع في كل أرجاء المعمورة. وقد أصبح أحد الروافد الأساسية للعولمة. وتمثل الثورة التونسية مرحلة مهمة في بناء هذه "الديمقراطية العالمية". فقد جاءت لتذكرنا بحتمية الأنسنة الديمقراطية وتفوقها على جميع النظريات السياسية القائمة على استعباد الإنسان وحرمانه من حقوقه الطبيعية والسياسية.

وبعث محكمة دستورية دولية هي إحدى الأفكار الرئيسية لهذه الثورة الديمقراطية. وقد أطلقت تونس هذه الفكرة منذ سنة 1999. وهذا المقترح الذي قدم في عهد الدكتاتورية قد أعيد تناوله بعد الثورة من قبل رئيس الجمهورية والغاية من ذلك التعريف به وتكريسه دوليًا. 

وقد انطلقت فكرة إنشاء محكمة دستورية دولية من ملاحظتين هامتين:

الأولى هي أن الشرعية الديمقراطية أصبحت الأن مبدأ ثابتًا وراسخًا في القانون الوضعي بفضل العديد من الصكوك الدولية، سواء كان ذلك على الصعيد العالمي أو الصعيد الإقليمي. وثمة مبادئ وقواعد تتعلق بالديمقراطية وبدولة القانون وبالانتخابات الدورية التنافسية والشفافة قد أصبحت اليوم من الالتزامات المحمولة على كل الدول، فيتوجب عليها الوفاء بالتزاماتها بحسن نية وتفعيل هذه الواجبات تفعيلًا كاملًا في تشريعاتها الوطنية.

أما الملاحظة الثانية فتتمثل في أن شعوبًا كثيرة ما زالت ترزح تحت أنظمة دكتاتورية دموية أحيانًا أو متسلطة في أهون الأحوال، لا تحترم حقوق الإنسان والضمانات الديمقراطية. وحتى في الأنظمة المحسوبة على الديمقراطية ترتكب الحكومات في كثير من الأحيان خروقات عندما يتعلق الأمر بالتزاماتها في هذا المضمار. فتجاهل بعض الحكومات لهذه الالتزامات الديمقراطية وخرقها لها غالبًا ما يتسبب في اضطرابات سياسية واجتماعية خطيرة وفي اللجوء إلى العنف.

ولا بد من التذكير في هذا الصدد بأهمية عولمة القانون الدستوري، أي عولمة المبادئ المشتركة بين القوانين الدستورية الوطنية لكل دول العالم تقريبًا. فاليوم توجد دون ريب معيارية دولية خاصة، تتألف من مبادئ عامة للقانون العام أو للقواعد الدولية التقليدية وهي دستورية في جوهرها. والأمر يتعلق بالمعايير الخاصة بالقوانين والحريات الأساسية للمواطنين وبالأساس الديمقراطي للسلطة السياسية وبتنظيم السلطتين السياسية والقضائية. إن الدستورية الدولية موجودة ولا جدال فى ذلك.

وبالتالي فإن أهم الدوافع القانونية لإحداث محكمة دستورية دولية هي بالأساس:

ضمان مبدأ الشرعية الديمقراطية. وهذا المبدأ له أساسه في القانون الدولي وهو يتجسد في ممارسة المساعدة الانتخابية التي قد تصل الى التصديق على نتائجها.

استكمال هندسة المؤسسات الدولية التي تُعنى بمراقبة احترام حقوق الإنسان.

واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية هو أحد الأهداف التي تنادي بها منظمة الأمم المتحدة. فهي لم تتوقف عن الاهتمام بالموضوع بحيث إنها بعد نصف قرن من وجودها تمكنت من إعداد مجموعة من النصوص الحامية لهذه الحقوق والحريات والملزمة لكل الدول التي قبلت بها. إلا أن حماية حقوق الانسان تسير جنبًا إلى جنب مع تطور النظام الديمقراطي.

فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان ينص في المادة 21 على ما يلي:

"(1) لكل فرد الحق في الاشتراك في إدارة الشؤون العامة لبلاده إما مباشرة وإما بواسطة ممثلين يختارون اختيارًا حرًا.

(2) لكل شخص نفس الحق الذي لغيره في تقلد الوظائف العامة في البلاد.

(3) إن إرادة الشعب هي مصدر سلطة الحكومة، ويعبر عن هذه الإرادة بانتخابات نزيهة دورية تجري على أساس الاقتراع السري وعلى قدم المساواة بين الجميع أو حسب أي إجراء مماثل يضمن حرية التصويت."

وقد تم تكريس مضمون هذه المادة في المادة 25 من ميثاق الحقوق المدنية والسياسية.

وحرصًا منها على تطبيق هذه النصوص، وضعت منظمة الأمم المتحدة اليات ومؤسسات مثل مجلس حقوق الإنسان التابع لمنظمة الأمم المتحدة ولجنة حقوق الإنسان. أما على الصعيد الإقليمي فتوجد محاكم ومجالس لحقوق الإنسان تم إنشاؤها أو هي في طور التأسيس.

غير أن هذه الأجهزة وهذه الآليات لا تملك دائمًا السلطة لفرض إجراءات ذات طابع قضائي ضد دول تقوم بخرق التزاماتها. وقد تسبب ذلك في حالة إفلات من العقاب وغياب الديمقراطية، وهذا ما يسعى مشروع المحكمة الدستورية الدولية إلى تداركه. فيمكن بالتالي إدراج هذا المشروع في إطار الامتداد المنطقي لعمل منظمة الأمم المتحدة في هذا المجال.

وهكذا سيمكن تركيز محكمة دستورية دولية من تفعيل الالتزامات الدولية الخاصة بالديمقراطية وبالتالي تجنب اللجوء إلى العنف وتجنيب الشعوب آلامًا لا لزوم لها.

وسيتمثل دور المحكمة في تطبيق المبادئ والقواعد الخاصة بالديمقراطية وبالحريات العامة الكونية والإقليمية وستكلف بوظيفتي التقييم والبت في النزاعات.

وفي إطار وظيفة التقييم، تعطي المحكمة آراء موضوعية حول مشاريع النصوص واراء استشارية حول النصوص التي تحال إليها والتي لها اتصال بالديمقراطية والحريات العامة. كما يمكن أن تتعهد بطلب في إبداء رأيها أو لتقديم رأيها الاستشاري من الحكومات أو الهيئات العامة للمنظمات الدولية الكونية والإقليمية أو تحت الإقليمية وكذلك من المنظمات غير الحكومية والأحزاب والجمعيات الوطنية والمنظمات المهنية.

أما في إطار وظيفتها القضائية فهي تَبُت في قضايا الانتهاكات الخطيرة لمبادئ الديمقراطية وللظروف الديمقراطية للانتخابات بعد استنفاذ طرق الطعن الداخلية. كما يمكن أن يتظلم لديها أفراد مدعومون بعريضة موقعة من عدة أشخاص وكذلك الأحزاب السياسية والجمعيات الوطنية والمنظمات المهنية والهيئات العامة للمنظمات الدولية والإقليمية أو شبه الإقليمية والمنظمات غير الحكومية المعتمدة على التأشيرة من الدولة في إطار العملية الانتخابية. وتصدر المحكمة حكمها بشأن الأفعال أو الأعمال المطعون فيها وما إن كانت مطابقة أو غير مطابقة للمبادئ والقواعد الخاصة بالديمقراطية والحريات العامة. والدولة المعنية مطالبة بتنفيذ قرارات المحكمة. ويمكن لهذه الأخيرة أن تفتح مرحلة تمهيدية للوساطة.

ويفترض أن تتركب [تتشكل] المحكمة من 21 قاضيًا تنتخبهم الجمعية العامة للأمم المتحدة من بين قائمة أشخاص تقدمهم الهيئة الانتخابية المكونة من قضاة محكمة العدل الدولية وقضاة المحكمة الجنائية الدولية وأعضاء لجنة القانون الدولي. 

ويهدف المشروع في منتهاه إلى التقليص من الفجوة القائمة بين وعود القانون وطموحاته من جهة وبين التعطيل الناتج عن غياب آليات ملموسة ضرورية لتنفيذ تلك الوعود من جهة أخرى. ويحقق هذا المشروع مبدأ حسن النية ويطبقه مباشرة، وهو المبدأ الذي يمثل أصل الالتزامات الدولية.

وهكذا ستكون هذه المحكمة قبل كل شيء جهازًا مرجعيًا واستشاريًا في خدمة الدول. ويمكن لهذه المحكمة أن تمد يد العون لهذه الدول بتقديم النصائح والآراء والتوصيات ذات الصبغة القانونية إليها، مما يساعدها على تحسين إدارة أنظمتها السياسية. وفضلًا عن ذلك فهي ستكون محكمة بأتم معنى الكلمة تتمتع خاصة بقوة الأمر المقضي به المتصلة بالقرارات ذات الصبغة القضائية، وبالتالي فستكون مدعوة للنظر في التصرفات والقرارات ذات الصبغة الدستورية للدول وخاصة التصرفات والقرارات التي لها علاقة بالمواضيع الكبرى المرتبطة بالحريات العامة من جهة والانتخابات السياسية الوطنية من جهة أخرى. وستكون هذه المحكمة مؤهلة للنظر في الشكاوي المرفوعة من قبل المواطنين والمتعلقة بأي موضوع يمس مصالحهم كمواطنين من الناحية الدستورية، وكذلك الشكاوى المرفوعة من قبل الأحزاب السياسية والجمعيات. ومن ثمة فهي ستساهم بشكل أفضل في استئصال الطغيان وإقامة النظام الديمقراطي في العالم مع إضفاء الطابع المؤسسي عليه. 

الفصل الأول

المعيارية الدستورية الدولية

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وبالتوازي مع منطق سيادة الدولة الذي كان يسود القانون الدولي حتى ذلك التاريخ ويمنحه تناسقه، تطور منذ الحرب العالمية الثانية منطق ثان، وهو منطق حق الشعوب وحقوق الإنسان. وبوجه عام، ثمة إقرار بأن هذه الحقوق لا يمكنها أن تثبت ذاتها إلا مقابل سيادة الدول. 

فإلى حدود منتصف الثمانيات من القرن العشرين، لم تتمكن حقوق الإنسان من فرض نفسها في مواجهة حقوق الدول إلا في مجالين: حق الشعوب في تقرير مصيرها والتوق إلى المساواة بين بني البشر. وتلا ذلك، الحق في التخلص من الاستعمار وإدانة التمييز العنصري. ويفسر هذا الأمر بواقع المجتمع الدولي الذي جعل إدانة الاستعمار وأنظمة التمييز العنصري ممكنة. فقد كانت إدانة الاستعمار ممكنة أولًا باعتبار أن الشعوب جسمت في الواقع حقها في الحرية وأيضًا لأن الاستعمار كأسلوب للهيمنة تجاوزه التاريخ وأخيرًا لأن القوتين العظميين لتلك الفترة لم تكن لهما مصلحة في الإبقاء عليه، بل العكس. أما إدانة أنظمة التمييز العنصري فكانت ممكنة لأنها كانت محل اتفاق يكاد يكون بإجماع الدول.

ولم تستنفذ حقوق الإنسان وحقوق الشعوب كل مخزونها على النحو المأمول. ويحمل التأكيد على حقوق الإنسان وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها في طياته إمكانية تثبيت الحق في الديمقراطية من خلال التأكيد على حق الشعوب في اختيار من يحكمها بحرية، وحق كل شخص في المشاركة في الحياة العامة.

فالمعايير في حد ذاتها ليست إذًا بالجديدة، وإنما الجديد هي تلك الجدلية القائمة منذ سنين في مستوى العلاقة بينها وبين سيادة الدول. وحتى هذه الساعة لم تتمكن هذه الحقوق من أن توجد خارج عباءة سيادة الدول وخارج إطار مبدأ عدم التدخل في شؤونها الداخلية. وقد اعترف القانون الدولي بهذه الحقوق ولكنها لم تكن تجد ضمانات خارج إطار القانون المحلي. فنحن نشهد اليوم محاولة لعولمة ضمانات تلك الحقوق.

وفي هذا الإطار القانوني والسياسي بالذات يصبح من الممكن التفكير في إطلاق فكرة إنشاء محكمة دستورية دولية تعني بضمان تلك الحقوق وإن اقتضى الأمر بتسليط العقوبات ضد الانتهاكات "للمعايير الدستورية الدولية" المتصلة بالديمقراطية وحقوق الإنسان ودولة القانون. 

ويقصد بالمعيارية الدستورية الدولية، المعايير الدولية ذات المضمون الدستوري. وتطلق صفة الدستورية في القانون الداخلي على المعايير المنصوص عليها في الدساتير. ومن البديهي أنه لا يوجد دستور دولي وأنه بالمعنى الشكلي لا توجد قواعد دستورية دولية. ولكن نقصد بالمعيارية الدستورية في القانون الداخلي المعايير التي تكون دستورية المضمون. ويتعلق الأمر بالمعايير التي لها علاقة بحقوق المواطنين وحرياتهم، وبالمعايير المتعلقة بأسس السلطة السياسية، وبتلك المتعلقة بتنظيم السلطة السياسية والقضائية. وبهذا المعنى الثاني، توجد دستورية دولية دون جدال. وسنقتصر في ما يلي على المعايير الاتفاقية أو القانون الرخو ذي البعد الكوني. 

بخصوص الحقوق والحريات، من غير الضروري هنا التذكير بالمعايير المتعلقة بالحقوق الإنسانية المضمنة في صكوك ملزمة سواء كانت متمثلة في الاتفاقيات الكونية العامة أو الاتفاقيات الحامية للحقوق الخاصة أو الاتفاقيات التي تحمي بعض الفئات الخاصة.

بخصوص أساس السلطة، نذكر أولًا المادة 21 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي ينص على ما يلي:

"(1) لكل فرد الحق في المشاركة في إدارة الشؤون العامة لبلاده إما مباشرة وإما بواسطة ممثلين يختارون اختيارًا حرًا.

(2) لكل شخص نفس الحق الذي لغيره في تقلد الوظائف العامة في البلاد.

(3) إن إرادة الشعب هي مصدر سلطة الحكومة، ويعبر عن هذه الإرادة بانتخابات نزيهة دورية تجري على أساس الاقتراع السري وعلى قدم المساواة بين الجميع أو حسب أي إجراء مماثل يضمن حرية التصويت"..

وعلينا أيضًا أن نذكر: 

المادة الأولى المشتركة بين العهدين الدوليين المتعلقين بحقوق الإنسان التي تنص في فقرتها الأولى على ما يلي:

"لكل الشعوب الحق في تقرير مصيرها. وبمقتضى هذا القانون يضبطون بكل حرية نظامهم السياسي ويضمنون بكل حرية تطورهم الاقتصادي، والاجتماعي والثقافي". 

المادة 25 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي ينص على أن: 

"يكون لكل مواطن، دون أي وجه من وجوه التمييز المذكورة في المادة 2، الحقوق التالية، التي يجب أن تتاح له فرصة التمتع بها دون قيود غير معقولة: 

(أ) أن يشارك في إدارة الشؤون العامة، إما مباشرة وإما بواسطة ممثلين يقع اختيارهم بكل حرية، 

(ب) أن ينتخِب ويُنتخَب، في انتخابات نزيهة تجرى دوريًا بالاقتراع العام وعلى قدم المساواة بين الناخبين وبالتصويت السري، تضمن التعبير الحر عن إرادة الناخبين، 

(ج) أن تتاح له، علي قدم المساواة عمومًا مع سواه، فرصة تقلد الوظائف العامة في بلده". 

وتنص المادة 2 (1) التي تحيل إليها المادة 25 المذكورة أعلاه على الآتي: 

"لكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات الواردة في هذا الإعلان، دون أي تمييز، كالتمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو الميلاد أو أي وضع آخر، دون أية تفرقة بين الرجال والنساء". 

المادة 5 من الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري التي تنص على ما يلي: 

"وفاء للالتزامات الأساسية المقررة في المادة 2 من هذه الاتفاقية، تتعهد الدول الأطراف بحظر التمييز العنصري والقضاء عليه بكافة أشكاله، وبضمان حق كل إنسان، دون تمييز بسبب العرق أو اللون أو الأصل القومي أو الإثني، في المساواة أمام القانون، لا سيما بصدد التمتع بالحقوق التالية: (...)

ج) الحقوق السياسية، ولا سيما حق الاشتراك في الانتخابات -اقتراعًا وترشيحًا- على أساس الاقتراع العام المتساوي، والإسهام في الحكم وفي إدارة الشؤون العامة على جميع المستويات، وتولي الوظائف العامة علي قدم المساواة".

وكذلك المادة 7 من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة التي تنص على أن: 

"تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة في الحياة السياسية والعامة للبلد، وبوجه خاص تكفل للمرأة، على قدم المساواة مع الرجل، الحق في: 

(أ) التصويت في جميع الانتخابات والاستفتاءات العامة، والأهلية للانتخاب لجميع الهيئات التي ينتخب أعضاؤها بالاقتراع العام، 

(ب) المشاركة في صياغة سياسة الحكومة وفى تنفيذ هذه السياسة، وفى شغل الوظائف العامة، وتأدية جميع المهام العامة على جميع المستويات الحكومية، 

(ج) المشاركة في أية منظمات وجمعيات غير حكومية تهتم بالحياة العامة والسياسية للبلد". 

كما تتجه الإشارة بصفة خاصة إلى الميثاق الافريقي للديمقراطية والانتخابات والحكم الذي وقعت المصادقة علية في أديس أبابا سنة 2007 ووقعت عليه تونس خلال القمة العشرين لمنظمة الاتحاد الإفريقي يوم 27 جانفي سنة 2013 استنادًا بالأساس إلى التوطئة والمادة 4 من القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي. 

وهذه المعايير الملزمة تعني أن القانون الدولي يعترف بالحق في الديمقراطية وفي انتخابات نزيهة ودورية. وبخصوص هذين المسألتين فإن الانتاج المعياري للجمعية العامة للأمم المتحدة إلى جانب العديد من المؤتمرات الدولية قد أكدت المعايير التقليدية آنفة الذكر ودعمتها.

بخصوص مفهوم الديمقراطية في حد ذاته. عرفت الديمقراطية، كمفهوم يعني طريقة تنظيم سياسي قائم على قيم متفق عليها عادة من قبل غالبية الأمم، طفرة ملحوظة في مجال القانون الدولي بداية من تسعينات القرن العشرين. ويقوم انهيار النظم الشيوعية وتطلعات شعوب أوروبا الشرقية شاهدًا على ذلك. وقد وجدت هذه التحولات السياسية وانعكاساتها الكبيرة على النظام الدولي صداها في مختلف الصكوك الدولية غير الملزمة. ومن المناسب أن نذكر الإعلان النهائي للمؤتمر العالمي حول حقوق الإنسان المنعقد بفيينا في شهر جوان 1993، وإعلان الألفية المصادق عليه بقرار الجمعية العامة عدد 55/2 بتاريخ 08 سبتمبر 2000 وقرار الجمعية العامة عدد 60/1 المؤرخ في 24 أكتوبر 2005 الذي صادق على الوثيقة النهائية للقمة العالمية لسنة 2005، كذلك المؤتمرات الدولية للديمقراطيات الجديدة أو المستعادة، بالإضافة إلى سلسلة قرارات الجمعية العامة التي عنوانها "الجمعية العامة/ منظمة الأمم المتحدة AG/ONU: "دعم منظومة الأمم المتحدة للجهود التي تبذلها الحكومات في سبيل تعزيز وتوطيد الديمقراطيات الجديدة أو المستعادة". 

بخصوص مفهوم دولة القانون. ظهر مفهوم دولة القانون على الصعيد الدولي بالتزامن مع ظهور الديمقراطية. وعلينا أن نذكر مرة أخرى الوثيقة النهائية للقمة العالمية لسنة 2005 وكذلك بسلسلتين من قرارات الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة، الأولى تحت عنوان "تدعيم دولة القانون" والثانية بعنوان "دولة القانون على المستويين الوطني والدولي". 

بخصوص مبدأ الانتخابات الدورية والنزيهة، لا بد أن نسجل أنه ولسنوات عدة، تمت المصادقة بالتوازي على سلسلتين من القرارات، معنونه على النحو التالي "تدعيم فاعلية مبدأ الانتخابات الدورية والنزيهة" و"احترام مبادئ السيادة الوطنية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول في ما يتعلق بالمسار الانتخابي". هذان السلسلتان من القرارات تبطل إحداهما مفعول الأخرى، ولكن نشير إلى أنه ومنذ سنة 2007، اقتصرت الجمعية العامة على السلسلة الأولى من القرارات وهو ما يدعم بوضوح فاعلية مبدأ الانتخابات الدورية والنزيهة.

وبخصوص نشوء مبدأ الشرعية الديمقراطية، نشير إلى أن هذا المبدأ تكون بصفة تدريجية من خلال المساعدة الانتخابية والرقابة الدولية على الانتخابات اللتين تسعيان إلى ضمان انتخابات حرة ونزيهة وشفافة من ناحية، ومن ناحية أخرى من خلال إدانة الاستيلاء غير الديمقراطي على السلطة، ونذكر على سبيل المثال موقفي الجمعية العامة ومجلس الأمن من الانقلابات التي حدثت على الحكومات المنتخبة ديمقراطيًا. ومن المؤكد أنه ولئن كانت النصوص الملزمة في هذا المضمار والصادرة عن المنظمات الإقليمية تبدو أكثر وضوحًا فإننا نلاحظ نفس الرفض لمثل هذه الانقلابات حتى على المستوى الدولي، وهذا ما دفع الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة كوفي عنان إلى التصريح بما يلي: "إن الرأي الذي يقول بأن الانقلابات التي تقوم بها جماعات عسكرية ضد حكومات منتخبة ديمقراطيًا هو عمل غير مقبول أصبح مقبول هو القاعدة"() وإن القرارات التي صدرت عن الجمعية العامة (إثر انقلابات هايتي وبوروندي) وعن مجلس الأمن (إثر انقلابات هايتي وسيراليوني) لخير شاهد على ذلك.

 

الفضل الثاني

الجزاءات القضائية

تكمن خصوصية القاعدة القانونية مقارنة بالقواعد الأخرى العلمية منها والأخلاقية والاجتماعية في عنصر أساسي يميزها، وهي صبغتها الملزمة ومع ذلك فلكي تكون القاعدة القانونية ملزمة، يجب أن يرافقها جزاء يكون بوسع القضاء توقيعه على من لا يمتثل له. 

لا شك أن مبادئ القانون الدستوري استطاعت أن تفرض وجودها كمبادئ ذات قيمة قانونية ولكن فاعليتها ستظل منقوصة ما دامت المحكمة الدستورية الدولية التي تتمتع بسلطة توقيع العقاب بمفهومه الواسع لم تر النور بعد. ويتعلق الأمر في الحقيقة بمعاينة مخالفة نص أو مشروع نص أو ممارسة للمبادئ المعترف بها كمبادئ للقانون الدستوري. 

وهكذا فإن المادة 2 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ينص على ما يلي: 

"2- تتعهد كل دولة طرف في هذا العهد، إذا كانت تدابيرها التشريعية أو غير التشريعية القائمة لا تكفل فعلًا أعمال الحقوق المعترف بها في هذا العهد، بأن تتخذ، طبقًا لإجراءاتها الدستورية ولأحكام هذا العهد، ما يكون ضروريًا لهذا الأعمال من تدابير تشريعية أو غير تشريعية.

3- تتعهد كل دولة طرف في هذا العهد: 

أ- بأن تكفل توفير سبيل فعال للتظلم لأي شخص انتهكت حقوقه أو حرياته المعترف بها في هذا العهد، حتى ولو صدر الانتهاك عن أشخاص يتصرفون بصفتهم الرسمية، 

ب- بأن تكفل لكل متظلم على هذا النحو أن تبت في الحقوق التي يدعي انتهاكه لسلطة قضائية أو إدارية أو تشريعية مختصة، أو أية سلطة مختصة أخرى ينص عليها نظام الدولة القانوني، وبأن تنمى امكانيات التظلم القضائي، 

ج- بأن تكفل قيام السلطات المختصة بإنفاذ الأحكام الصادرة لمصالح المتظلمين."

وإلى حد هذا اليوم، لم يقع إقرار أي جزاء قضائي لخرق المعيارية الدستورية الدولية. 

توجد عقوبات على المستوى الإقليمي، ولكنها ذات صبغة سياسية (تعليق عضوية أو إقصاء من المنظمة)، وهي لا تهم إلا الانقلابات. وبموجب أحكام الفصلين 2 و7 من اتفاقية الاتحاد الأوروبي، يمثل الاتحاد الأوروبي الاستثناء، بما أنه من جهة أولى، تمتد العقوبة لتشمل خرق المبادئ الديمقراطية بصفة عامة، ومن جهة أخرى يضع في اتفاقيات الشراكة التي يبرمها مع الدول الأخرى بنودًا ديمقراطية، يمنحه خرقها الحق في تعليق الاتفاقية.

وعلى المستوى الكوني، لا توجد إلا مراقبة شبه قضائية للاتفاقيات المتعلقة بحقوق الإنسان حين يتم التنصيص فيها على آلية لحماية هذه الحقوق وتطويرها. ولا تختص سوى أربعة فقط من هذه الهيئات، وهي هيئة حقوق الانسان وهيئة القضاء على التمييز العنصري وهيئة مناهضة التعذيب وهيئة القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري ضد المرأة وحسب شروط معينة، لتلقي عرائض من أشخاص يرون أن الحقوق المنصوص عليها في المعاهدات قد تم خرقها من قبل دولة عضو.

وعلى هذا المستوى بالذات يكمن جانب التحدي الذي يواجه إحداث محكمة دستورية دولية، بما أنها ستكون متقدمة على تجارب الاندماج الأكثر تطورًا. 

وبصرف النظر عن تأسيس المحكمة في حد ذاتها وعن تركيبتها وطرق تعهدها واختصاصها ووسائل الإثبات المقبولة لديها وتراتيبها وغيرها... يمكن أن نؤكد أن أبسط الأمور وأكثرها واقعية، حتى لا نقول أقلها طوباوية، هي أن نعترف لمحكمة المستقبل بسلطة إقرار مسؤولية الدولة من أجل خرق المعيارية الدستورية الدولية (المسؤولية عن فعل مخالف للقانون) ومطالبتها بإلغائه و/ أو جبر الأضرار الناتجة عنه. وليس من الوارد طبعًا أن تلغي المحكمة بنفسها هذه الأعمال، ويبدو حقيقة من قبيل الخيال أن نفكر في عقوبات جزائية في الوضع الراهن.

فقد اعتبرت المحكمة الدولي الدائمة للعدل، في رأيها الخاص بقضية تبادل السكان الأتراك واليونانيين "مبدأ بديهيًا" أن تلتزم أي دولة "أمضت على التزامات دولية بإدخال التعديلات الضرورية على تشريعاتها، حتى تضمن الإيفاء بالتعهدات التي قطعتها على نفسها" (السلسة 8، العدد 10، ص20).

وفي حكمها المتعلق بقضية بعض المصالح الألمانية في سيليزيا العليا البولندية ذكرت المحكمة بأنها بلا شك ليست مدعوة لتأويل القانون البولندي في حد ذاته إلا أنه لا يوجد ما يمنعها من أن تبت في مسألة معرفة ما إذا كانت بولندا -في حال تطبيق القانون آنف الذكر- تتصرف وفقًا لالتزاماتها تجاه ألمانيا بموجب اتفاقية جنيف أم لا.

وفي قرارها التحكيمي الصادر في 1937.8.10، بين ألمانيا وليتوانيا اعتبرت هيئة التحكيم أنه، "بموجب مبادئ القانون الدولي، ينبغي على الدولة أن تفي بالتزاماتها الدولية عن طيب خاطر. وبموجب هذا المبدأ، فإن على ليتوانيا أن تنقض قرارًا اتخذته بعض أجهزتها، إن كان ذلك القرار مناقضًا لمقتضيات اتفاقية دولية" (مجموعة الأحكام التحكيمية، الجزء الثالث، صن.1751).

وفي حكمها المتعلق بتنفيذ اتفاقية 1902 الخاصة بضبط الوصاية على القاصرين اعتبرت محكمة العدل الدولية أنها "أمام ترتيب اتخذ بموجب القانون السويدي بتاريخ 6 جوان 1924 المتعلق بحماية الطفولة والشباب وأنه يجب عليها أن تتعامل مع هذا الترتيب وفقًا لما أراد المشرع السويدي إرساءه وأن تقارنه بالوصاية التي ضبطتها اتفاقية 1902 وأن تحدد ما إذا كان في الإبقاء على الترتيب آنف الذكر وتطبيقه على قاصرة شملت الاتفاقية وصايتها انتهاك لهذه الاتفاقية (مجموعة أحكام وآراء محكمة العدل الدولية، 1958، ص.65).

 

الفصل الثالث

المحكمة الدستورية الدولية

التركيبة والمهام والقانون المنطبق

متى تم القبول بفكرة إنشاء محكمة دستورية دولية من حيث المبدأ، يكون من المتجه عندئذ رسم ملامحها التقنية خاصة تلك المتعلقة بتركيبتها ومهامها وترسانة القواعد التي هي مدعوة لوضعها موضع التطبيق. 

تركيبة المحكمة:

تتركب المحكمة الدستورية الدولية من 21 قاضيًا يتم تعيينهم وفقًا للإجراءات التالية:

تقترح كل دولة عضو في منظمة الأمم المتحدة مرشحًا.

تختار هيئة متكونة من قضاة محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية ومن أعضاء من لجنة القانون الدولي 42 مرشحًا على أساس نزاهتهم وكفاءتهم وخبرتهم، مع مراعاة تمثيلية عادلة منصفة لأهم الأنظمة القضائية.

تنتخب الجمعية العامة للأمم المتحدة الـ21 عضوًا في المحكمة من بين قائمة الأشخاص التي تقترحها الهيئة. 

مهام المحكمة:

تكلف المحكمة بوظيفة تقييم وبوظيفة قضائية:

وظيفة التقييم: 

تصدر المحكمة آراءها في مشاريع النصوص، وتبدي آراءها الاستشارية في النصوص التي تقدم لها، والتي لها علاقة بالديمقراطية وبالحريات العامة وتكون تلك الآراء والآراء الاستشارية معللة.

يمكن أن يقدم للمحكمة مطلب لإبداء الرأي من قبل:

الحكومات؛ 

أجهزة المداولة العامة للهيئات الدولية الكونية أو الإقليمية أو؛

المنظمات غير الحكومية التي لها صفة رسمية أو استشارية أو غير ذلك لدى الهيئات الدولية المذكورة؛

الأحزاب السياسية، والجمعيات الوطنية والمنظمات المهنية.

تنظر المحكمة في مقبولية مطالب ابداء الرأي (صفة الطالب، والمصلحة في القيام، وجدية المطلب).

تقدم المحكمة رأيها أو رأيها الاستشاري في أجل ستة أشهر انطلاقًا من تاريخ قرار قبول المطلب، وتكون الإجراءات أمام المحكمة كتابية. ويمكن أن تقرر المحكمة سماع شهود أو فتح تحقيق.

وتتمثل الآراء والآراء الاستشارية التي تبديها المحكمة في التصريح بمطابقة نص أو جزء منه أو مشروع نص أو جزء منه، أو مخالفته للمبادئ والقواعد المتعلقة بالديمقراطية والحريات العامة. وتتمتع المحكمة بسلطة اقتراح تعديل نص أو رفض نص أو مشروع نص قدم لنظرها.

الوظيفة القضائية: 

تبت المحكمة في قضايا الانتهاكات الخطيرة لمبادئ الديمقراطية والشروط الديمقراطية للانتخابات عند استفراغ طرق الطعن الداخلية. ويمكن أن تتمثل تلك الانتهاكات الخطيرة في أفعال و/أو في أعمال قانونية.

يمكن أن تتعهد المحكمة بموجب طلب صادر عن: 

الأفراد المدعومين بعرائض؛

الأحزاب السياسية والجمعيات الوطنية والمنظمات المهنية؛

أجهزة المداولة العامة للمنظمات الدولية الكونية أو الإقليمية؛

المنظمات غير الحكومية المعتمدة من طرف الدولة في إطار مسار انتخابي.

يمكن للمحكمة أن تفتح مرحلة تمهيدية للوساطة.

تصدر المحكمة قرارات بشأن مطابقة العمل أو الواقعة محل التظلم أو عدم مطابقتها للمبادئ والقواعد المتصلة بالديمقراطية والحريات العامة. وينبغي على الدولة المعنية أن تمتثل لقرارات المحكمة. 

القانون المنطبق:

تطبق المحكمة المبادئ والقواعد المتعلقة بالديمقراطية والحريات العامة الكونية والإقليمية وخاصة منها المقتضيات ذات الصلة المنصوص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وباتفاقية الاتحاد الأوروبي والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، وميثاق منظمة الدول الأمريكية، والاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان، والميثاق الديمقراطي لدول أمريكا والقانون التأسيسي للاتحاد الافريقي و"مبادئ هراري"، التي تم الاتفاق بشأنها في اجتماع رؤساء حكومات بلدان الكومنولث يوم 20 أكتوبر 1991.

 

لتحميل ملف المشروع

يقدم وائل حلاق دراسة مقارنة بين الدولة الوطنية الحديثة وبين نظام الحكم الإسلامي، ويستند في المقارنة على نماذج محددة، ويقدم عناصر المقارنة بين النظامين من نماذج ومفاهيم الدولة الحديثة قانونيًا، وينظر إلى كل منهما من منظور البعد الأخلاقي ومدى توفره في كل منهما.


الفصل بين السلطات:

يتناول وائل حلاق السلطات الثلاث في الدولة (السلطة التشريعية - السلطة التنفيذية - السلطة القضائية) في كل من الدولة الوطنية الحديثة ودولة الخلافة الإسلامية؛ فيتناول مبدأ الفصل بين السلطات في كل من الدولتين ويستخدم نقد هانز كلسن لهذا المبدأ ليصور أن هذا المبدأ غير حقيقي، ويغيب عن وائل حلاق الردود التاريخية على كلسن والتي تناولت مبدأ (الرقابة المتبادلة بين السلطات) والذي أشار في الكتاب إلى چيمس ماديسون ودوره في وضع الرقابة المتبادلة بين السلطات في الدستور الأمريكي وتناول الرقابة القضائية على القوانين، فتناول الرقابة المتبادلة بين السلطات على أنها إنقاص وفشل لمبدأ الفصل بين السلطات دون أن يتناول ما يدرسه طلاب السنة الأولى في كليات الحقوق بأن المبدأين مكملين لبعضيهما، وأنهما ضروريان سويًا، ويتناول الفصل بين السلطات في الدولة الإسلامية ويوضح مدى وجود هذا المبدأ ومدى تحققه ويفند الآراء التي تنتقد عدم وجوده ويحاول توضيح عناصره.

ثم يتناول كل سلطة من سلطات الدولة ويقارن وجودهما في الدولتين، فيتناول السلطة التشريعية ويوضح أن التشريع في الدولة الإسلامية لا يضعه الحاكم الإسلامي بينما هو موجود مسبقًا ولا يستطيع الحاكم مخالفته، بينما التشريع في الدولة الحديثة يضعه البرلمان المكون من أحزاب ويضعه السلطة التنفيذية من خلال اللوائح ويسنه القضاء من خلال السوابق القضائية، ويقارن مع الدولة الإسلامية مدى وجود ذلك ويوضح دور المفتي ودوره وأنه يعلو القاضي والحاكم في مسألة التشريع، ويتناول مبدأ سيادة القانون ويوضح أن سيادة القانون متحققة في الدولة الإسلامية أكثر من الدولة الحديثة، وذلك على الرغم من لجوئه في المقارنة إلى نموذج كارل شميت صاحب نظرية سيادة الحاكم وليس سيادة القانون.

يرى حلاق إن الشريعة هي التشريع، ولا سلطة تشريعية في الإسلام ولا رقابة قضائية في الحكم الإسلامي؛ بينما لو درسنا تاريخ التشريع في الإسلام وتقنين الشريعة الإسلامية فمن الممكن تأويل التاريخ بغير ذلك، ذلك التاريخ الطويل الذي وصل إلى إشكالية إن مصدر التشريع هو الشريعة الإسلامية في الدساتير الحديثة، والقضاء الإسلامي على مدى تاريخه استند إلى مدونات مدارس الفقه وقواعد الفقه الكلية والفرعية في أحكامه، وله سلطة تقديرية كبيرة في القضايا المعروضة أمامه، وأن القضاء في الاسلام لو لم يعرف مصطلح السوابق القضائية إلا أنه عمل في قضائه بآراء الفقهاء السابقين فالقاضي كان غالبًا قاضي وفقيه، ويعمل رأيه فيما يستجد بعدما لم يجد في مصادر الشريعة من قرآن وسنة وعمل أهل المدينة والإجماع وغيرها من المصادر حسب اختلاف ترتيبها طبقًا للمدرسة الفقهية.

ويتناول السلطة التنفيذية في كل من الدولتين ويوضح أن الحاكم الاسلامي خاضع للشريعة ولا يستطيع أن يخالفها، بينما في القانون السلطاني (تدوين الدواوين وموظفي الدولة جيش وقضاء وعمال وظائف) يستطيع أن يفعل ما يشاء، بينما الحاكم في الدولة الحديثة يمارس السلطة التنفيذية (استخدم الولايات المتحدة) بأسلوب به تدخل رئاسي.

وتناول السلطة القضائية ووضح أن الدولة الإسلامية تتمتع فيها بأكبر قدر من اليقين القانوني وان الإجراءات فيها بسيطة وسهلة وهناك سرعة في الإجراءات القضائية ولا تحتاج إلى متخصص فأي رجل عامي يستطيع التوجه إلى القاضي ليمارس حقه في التقاضي ويستخدم لغة قضائية سليمة، وأن العلم بالقانون منتشر، بينما الدولة الحديثة هناك إجراءات طويلة ومعقدة وتحتاج إلى متخصص لأن العلم بالقانون يحتاج إلى جهد كبير لتنوع مصادره بين الإصدار والسوابق القضائية واللوائح التنفيذية،

فبينما يضع وائل حلاق فرضية أن الدولة الإسلامية مستحيلة الوجود؛ يضع مقاربات ومفضلات للنظام الإسلامي على حساب الدولة الحديثة، فيوضح أن عناصر الدولة الحديثة ومبادئها أكثر تحققًا في نظام الحكم الإسلامي، فهو يثبت خطأ فرضيته.


تطبيق الأخلاقي على الديني والقانوني:

استخدام دراسة علم اجتماع القانون أو علم الاجتماع الديني في الدراسات القانونية والدينية ليس معناها تجريد الديني من الدين ولا تجريد القانوني من القانون، ولكن دراسة التأثير المتبادل بين الديني–الأخلاقي، والتأثير المتبادل بين القانوني–الأخلاقي، أو بحث تأثير الأخلاقي في كل منهما، ومن ثم مقارنتهما وليس كما قدم حلاق، حيث أخلى الديني من الديني والقانوني من القانون، ولم يفعل ذلك على أساس التحييد أو الموضوعية، ولكن قدمه في تحيز واضح ليثبت أن الحكم الإسلامي أكثر أخلاقية من الدولة الحديثة، وغيب فكرة أن القانون الوضعي مستمد من الأخلاق في الغالب، وأن مصطلح القانون الطبيعي قائم على فكرة إن الانسان له اخلاقيات مفطور عليها وأن الجرائم هي الاستثناء.

استخدامه للإطار الأخلاقي غير صحيح لأن الحكومة الإسلامية قائمة على أساس ديني وليس أساس أخلاقي؛ فالأخلاقي يستمد قوته من ذات الفرد الداخلية وعادات وتقاليد المجتمع، مع شعوره بالالتزام دون وجود عقوبات؛ بينما الديني يستمد قوته من وجود قواعد منزلة من الإله يترتب على مخالفتها عقوبة دنيوية وعقوبة في الآخرة.

ويغيب عنه التفرقة بين القواعد الأخلاقية والدينية والقانونية؛ فالأخلاق تسري في المجتمعات وتسود من خلال اعتقاد الفرد أن الأخلاق ملزمة وعندما يسود هذا الاعتقاد في المجتمع والجماعة التي يعيش فيها الفرد تتحول إلى (عادة)، هذه العادات والتقاليد والأعراف الأخلاقية تستمد قوتها من الاعتقاد بأنها ملزمة على مستوى الفرد، والخوف من رفض الجماعة واستهجان المجتمع الذي يعيش فيه الفرد في حالة مخالفته لها.
بينما الديني يستمد قوته من وجود شعور بالالتزام سببه وجود عقوبات دنيوية وعقوبات في الحياة الأخرى -فيما بعد الموت- فهناك عقوبة على مخالفة القواعد الدينية.

بينما القانوني يستمد قوته الإلزامية من الدولة التي تعاقب على مخالفة قواعد القانون، باستخدام قوتها الرادعة للحفاظ على النظام العام في المجتمع بعناصره وإقرار الضبط في المجتمع.

ويغيب عن حلاق بعض المعايير القانونية في الإجابة عن أسئلة قانونية؛ ليخرج بنتائج خاطئة بسبب نقص المدخلات، فالنقص في المعلومات مثل الخطأ في المعلومات يؤدي إلى نتائج خاطئة؛ فالسلطة التنفيذية عندما تضع لوائح تنظيمية لنفسها تضع هذه اللائحة لتلزم نفسها بالقانون وتعمل مبدأ سيادة القانون الذي يطبق عليها كما يطبق على المواطن وليس مجرد دور تشريعي كما يقدم، ويغيب عنه أيضا مبدأ سمو القوانين وتدرجها على الرغم من رجوعه في مصادره إلى هانز كلسن وكتابه القانوني.
مدى توافق الدولة الوطنية الحديثة مع الشريعة الإسلامية.

يبرز حلاق أنه (لا ينبغي تفسير أُطروحاتي بأن الحكم الإسلامي لا أمل فيه فإذا كان لزامًا عليه أن يواجه هذا المصير، فإنه بذلك يشاطر الحداثة مصيرها ذاته فحسب، ويظل السؤال هو هل يمكن أن تفسح مجالًا للحكم الإسلامي في المستقبل؟)

وقول وائل حلاق: "وإذا أراد المسلمون اليوم تبني قانون الدولة الوضعي وسيادتها فإن ذلك يعني بلا شك قبولا بقانون نابع من إرادة سياسية، أي قانون وضعه أناس يغيرون معاييرهما الأخلاقية ما تتطلب الظروف الحديثة، وأن تُنحَّى جانبًا المبادئ الأخلاقية للقرآن والشريعة التي قامت على الأخلاق لقرون، لمصلحة قوانين متغيرة صنعها الإنسان".

قول جانبه الصواب فهو يغيب عنه قواعد القوانين المدنية في البلاد العربية والتي تنص على مصادر القانون وإلى أي شيء يلتجئ القاضي في حالة لم يجد نص في القانون الوضعي؛ فعلى سبيل المثال وليس الحصر، القانون المدني المصري ينص في المادة الثانية منه (فقرة 2) على أنه: "تسري النصوص التشريعية على جميع المسائل التي تتناولها هذه النصوص في لفظها أو في فحواها، فإذا لم يوجد نص تشريعي يمكن تطبيقه، حكم القاضي بمقتضى العرف، فإذا لم يوجد فبمقتضى مبادئ الشريعة الإسلامية، فإذا لم توجد فبمقتضى مبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة".

ويغيب عن حلاق أيضًا الدستور المصري وتواتر وجود نص (مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع) في الدساتير المتعاقبة في مصر باختلاف الاتجاهات.
وذلك يؤدي إلى غياب فكرة من أين يأتي المشرع بالقوانين لدى حلاق؛ فالقانون الوضعي ليس قانون يضعه أناس يغيرون معاييرهم الأخلاقية كما يقول، لكن القوانين الوضعية تسعى لتتجدد وتتغير بحسب وجود مستجدات مثل التطورات الحديثة العلمية وضرورة وجود قانون ينظمها، وحالة تغير العادات والتقاليد والأعراف في المجتمعات والتي تؤدي إلى تعديل القانون ليست مخالفة للشريعة الإسلامية، فالفقه الإسلامي نفسه يتطور فيما لم يرد به نص، فمصادر التشريع (القرآن الكريم - السنة) مصادر ثابتة في كل المدارس الفقهية والمذاهب وبالتالي هي ثابتة النص، ولكن يتغير التفسير والمدلول بين المذاهب طبقا للمكان والزمان، بينما مصادر التشريع الإسلامي (الإجماع- القياس- المصالح المرسلة - وغيرها...)، نجد أنها ممكن القول عنها أنها شبيهة بالقانون الوضعي حيث يقوم (المفتي- الفقهاء- أهل الحل والعقد - الفقيه- ...) بمقام السلطة التشريعية في الدولة الوطنية الحديثة.

والقول بعدم إمكانية استخدام الدولة الحديثة في إطار نظام الحكم الإسلامي قول غير صحيح لأن هناك دول قائمة على أساس ديني موجودة في ظل نظام الدولة الوطنية الحديثة سواء كانت إسلامية (إيران، السعودية) أو يهودية (الكيان المحتل).

بل لو نظرنا إلى قوانين صدرت حديثا في الإمارات والسعودية نجد أن هناك قواعد قانونية منقولة بالحرف من كتب قواعد الفقه الكلية مثل قانون الإثبات السعودي وقانون الاثبات الاتحادي في الإمارات، وأن العديد من المبادئ القانونية الوضعية موجودة في القواعد الإسلامية بشكل أخر مثل: عدم جواز الدفع بالجهل بالقانون = المعلوم من الدين بالضرورة.
فعلى الرغم من إمكانية الاتفاق مع فرضية وائل حلاق التي يعمل على إثبات خطأها في كتابه، إلا أنه يعاني من نقص في المعلومات والمداخلات التي يقدمها في تحليله ومقارنته، والمعلومات الناقصة مثلها مثل المعلومات والمداخلات الخاطئة تؤدي إلى نتائج خاطئة.

والقول بعدم إمكانية توافق الدولة الحديثة مع الشريعة الإسلامية نتيجة وصل إليها بناء على معطيات خاطئة وفساد في الاستدلال ونقص في المعلومات، فالوصول إلى نتيجة أن المستقبل قد يحمل رؤية مختلفة يجعل من وجود الدولة الإسلامية غير مستحيل هو استشراف ظني غير مبني على معطيات سليمة، و(قد) ربما لا يؤكد الاحتمال ولا يرفضه، نتيجة تقع تحت مظلة النهايات المفتوحة للأفلام الدرامية.


المواطنة والحرب والتضحية بالنفس في الحرب عند وائل حلاق:

يتناول وائل حلاق في مقارنته بين الدولة الوطنية الحديثة وبين نظام الحكم الإسلامي دور المواطن في الحرب أو الجهاد، فيبرز أن الجهاد أما فرض عين أو فرض كفاية في الإسلام ويوضح ويبرز حالات الإعفاء من الجهاد والأولويات المقدمة على الفرد مثل حق الدائن وحق بر الوالدين، ويبرز أن الدولة الإسلامية لا يوجد بها تجنيد جبري، ويوضح أن الجهاد في الإسلام يمجد (الموت في سبيل الله واعلاء كلمته)، بينما الدولة الوطنية دون المستوى في ذلك، لأنه لا تخضع إلى التزام أخلاقي في ذلك، وأنه لا توجد إجابة منطقية على سؤال لماذا على الفرد التضحية بنفسه من أجل الآخرين، فهل يجب أن يضحي المواطن بنفسه من أجل دولة لا تعرف قيمةً ولا واجبًا أخلاقيًا ولا خيرًا خارج خيرها؟

ويُغيّب حلاق أن مفهوم المواطنة في نظام الحكم الإسلامي قائمة على أساس ديني وأن مفهوم (أهل الذمة) في مفهوم الحكومة الإسلامية ينفي تدخل غير المسلمين في الجهاد والدفاع، وأن هناك ضريبة في مقابل الدفاع عنهم، وهو ما يتنافى مع مفهوم المواطنة في الدولة الوطنية الحديثة، فغير المسلمين لا يشاركوا في الجهاد بينما المواطن يشارك ويجند بغض النظر عن دينه، طالما كان مركزه القانوني يسمح بذلك وتنطبق عليه شروط التجنيد.


الدولة الوطنية الحديثة اختراع يلبي احتياج المجتمع للضبط:

والدولة جاءت كتطور طبيعي (الفرد- الأسرة- الجماعة أو القبيلة- المجتمع المحلي- المجتمع الإقليمي- الدولة)، وليست مجرد اختراع أوروبي، بل جاءت كاختراع اوروبي من أجل تلبية احتياجات الإنسان المتطورة وكنتيجة ضرورية لتلبية احتياجاته في وجود الضبط، وفي النظريات والأفكار المختلفة التي ظهرت لترفض وجود فكرة الدولة مثل قديمًا (الشيوعية- الأناركية) فشلت البديل المقترح في التطبيق (نظام الكميونة) فحتى الاتحاد السوفياتي عندما طبق فكرة السوفيتات (الكميونات) قدمها في إطار الدولة وبرر وجود الدولة كضرورة مرحلية من أجل الوصول إلى الشيوعية الكاملة؛ فكل المعتقدات النظرية التي هاجمت مفهوم الدولة فشلت في الممارسة.
وحديثا في العولمة والتي تتشابه في تطور المراحل التاريخية في الشيوعية لا تستطيع نظام العولمة الاستغناء عن وجود الدولة في تطبيق العولمة (كما وضح حلاق نفسه)، حتى أنه في تدويل القوانين وجعلها عالمية لا يتم الاستغناء عن دور الدولة سواء من خلال توقيعها على اتفاقيات أو مواثيق أو أقرها القانون المرغوب عولمته من خلال نظامها التشريعي الداخلي.

ففرضية إن الدولة الوطنية الحديثة هي سبب المشكلة وليس حل المشكلة هي فرضية خيالية تخلو من أي معطيات توضحها أو تثبتها، وما يطرحه وائل حلاق من أن المشكلات لم تنتبه لها المجتمعات إلا عندما نظمت نفسها في شكل دولة قول غير صحيح ولا يستند على أي أساس ومخالف لتلبية احتياجات الإنسان المتطورة، فالدولة خلقت من أجل تلبية احتياجات الإنسان في وجود ضبط للمجتمع.
وأيضا غيب وائل حلاق الانتقادات التي توجه إلى الدولة الدينية في حديثه عن نظام الحكم الإسلامي، مثل أن الحاكم يتحول إلى حاكم باسم الإله، وأنه يتم الجور باسم العدل، وغيرها الكثير من الانتقادات التي تقدم للنظم الدينية في الحكم.


العولمة ونظام الحكم الإسلامي:

ويرى أن نظام الحكم الإسلامي لا يتوافق مع الشكل الحالي أو المستقبل للعولمة، وأنه أيضا لا يتوافق مع أطروحة استمرار الدولة مع العولمة في علاقة جدلية، بينما تواترت الدراسات في نظم الحكم الإسلامي إن الإسلام أمة وليس دولة، وفكرة عالمية الإسلام، سواء استندت إلى نصوص شرعية، أو محاولات إثبات عقلية، وسواء كانت أفكار عالمية الإسلام تنكر فكرة الدولة، أو تحاول أن تكون أوسع منها، ففكرة عدم توافق الحكم الإسلامي مع العولمة ينتفي مع فكرة عالمية الاسلام، سواء كهدف أو فكرة.


تعليق على الترجمة العربية:

استخدم المترجم مصطلحات (الذات- الرعوية - المكلف) بديلا عن مصطلح المواطنة؛ فمصطلح المواطنة في القانون يتسع لحقوق الأقليات وعدم التمييز سواء على أساس ديني، أو عرقي، أو جندري، أو غير ذلك، وهو ما لا يتوفر في نموذج الحكومة الإسلامية ووجوده مفترض في الدولة الوطنية الحديثة.
من الدارج أن يقابل القارئ -خلال قراءة كتاب مترجم- إحساس وجود شيء غامض في الترجمة، ولا أقصد هنا وجود مفردات معجمية مثل استخدام (محايثة) و(يتماهي)، لكن أقصد (الدلالة)، دلالة المصطلحات القانونية، لأن مثلًا دلالة مصطلحات واختلاف ترجمتها ممكن يؤدي إلى فهم مختلف للموضوع.
تصوري عن اختلاف المصطلحات ودلالتها ممكن أقول عنه المثال التالي:
Separation of Powers: Rule of Law´-or-Rule of the State?

الفصل بين السلطات: سيادة القانون أم سيادة الدولة؟ وليس (حكم القانون أم حكم الدولة) مثل اختيار المترجم، لأن وجهة نظري أن حكم القانون هو تطبيق أحكام القانون بغض النظر عن أي شيء، لكن سيادة القانون تشمل في دلالتها بالإضافة إلى حكم القانون مفهوم سيادة القانون وسموه على الحاكم.
وإشكالية هذا العنوان هو بحث الجدل بين سيادة القانون وسيادة الدولة، وهو جدل في فلسفة القانون مستمر، وهذا الجدل الفكري دار بين كارل شميت وهانز كالسن (وهما من استخدم المؤلف أفكارهما) على مدار سنوات، فبينما شميت كان يتحيز إلى سيادة الحاكم، حيث الحاكم هو ممثل الدولة، كان كلسن يتحيز إلى سيادة القانون حيث إن القانون يطبق على الجميع سواء حاكم أو محكوم، فسيادة القانون ليس مجرد تطبيق حكم القانون لكن دلالته أكبر وأوسع من وجهة نظري.

ويمثل مقال شميت "القائد يحمي القانون" تعبيره عن هذه الفكرة حيث قدم كارل شميت دور هتلر كأعلى شكل من أشكال العدالة الإدارية.

بينما هانز كلسن -ممثل نظرية القانون البحت Pure Theory of Law، والتدرج الهرمي لسمو القوانين- كان موقفه مخالف لموقف كارل شميت، فبينما كلسن يعتمد على هوية القانون والدولة، كان شميت يركز على أولوية الاهتمامات السياسية للدولة.

من يجب أن يكون حارس الدستور؟ كان رد كيلسن على كارل شميت في خلافهما حول الرقابة الدستورية؛ فكان شميت يعتبر أن الرايخ هو حارس الدستور. ويرى أولوية الاهتمامات السياسية للدولة على التزام الدولة بسيادة القانون.

______________

المصدر: د. أحمد سعد عبيد، قراءة أولية في كتاب الدولة المستحيلة، الحوار المتمدن، 7 أبريل 2023، https://bit.ly/40jTARN

(1248 - 1335هـ / 1832 - 1917م)

هو الحبر العلَّامة الفقيه المُحدِّث الشيخ سليم بن أبي فرَّاج بن السيد سليم بن أبي فرَّاج البِشْري المالكي شيخ الجامع الأزهر الشريف، تأسست في عهده هيئة كبار العلماء بالأزهر، وصار أوَّل رئيسٍ لها، ويرجع إليه الفضل في استقرار العمليَّة العلميَّة والتعليميَّة في الأزهر نهاية العقد الأول من القرن العشرين، وصدرت في عهده قوانين ولوائح تُعَدُّ النواة الحقيقيَّة لنظم التعليم والإدارة في الأزهر والمعاهد الدينيَّة حتى مطلع العقد السابع من القرن العشرين.

 

نبذة عن ميلاده ونشأته:

ولد الشيخ سليم البشري في عام 1248هـ الموافق عام 1832م في محلة بشر من أعمال مركز شبراخيت بمديريَّة البحيرة، وتمتع بوجود والده سبع سنوات، عاش بعدها الشيخ البشري ــ رحمه الله ــ يتيمًا، وكفله أخوه الأكبر عبد الهادي البشري، وبدأت رحلته العلميَّة مبكرًا، فأتم حفظ القرآن الكريم وعمره تسعة أعوام.

 سافر الشيخ إلى القاهرة فكفله خاله بسيوني البشري، الذي كان يعمل إمامًا بمسجد السيدة زينب -رضي الله عنها-  فقضى معه عامين، تلقى فيهما مبادئ العلوم الشرعيَّة على يديه وعلى يد غيره من العلماء المدرسين بالمسجد، ثم قصد الجامع الأزهر فتلقى العلم على يد كبار علماء عصره منهم: فضيلة الشيخ الباجوري، والشيخ محمد عليش، والشيخ إبراهيم السقا، والشيخ مصطفى المبلط، والشيخ أحمد كبوة العدوي، والشيخ الإسماعيلي، والشيخ محمد الصفتي، والشيخ الخناني المالكي الذي يعد من أهم شيوخه؛ فقد تعلم على يديه فقه المالكيَّة، حتى أصبح من كبار علمائهم في مصر.

وكان لنبوغ الشيخ البشري وجديته، أثناء دراسته لفقه المالكيَّة كبير الأثر في إعجاب شيخه الخناني به، فكان يثق بقدراته العلميَّة ويقربه إليه، ومن ذلك أنَّه بينما كان الشيخ الخناني يقرأ على متقدمي طلابه (المرحلة العالية) كتابًا من أمهات الكتب في الفقه المالكي إذ به يصاب بمرض عُضال، حبسه في فراش المرض عدة أشهر، والطلبة في انتظاره، فلمَّا أحس بشيء من الراحة طلب أن يُحمَل إلى مجلس علمه، وقال لطلبته: إني ذاهب وليست لي القدرة الآن على تحصيل العلم، وإني مستخلف عليكم لإتمام درسي أجدر الناس به، وأمسك بيد الشيخ سليم البشري، وأجلسه في مجلسه، فأتم الكتاب على غرار شيخه، وظلَّ يباشر التدريس بعدها، فظهر نبوغه وذاع أمره، وتهافت عليه الطلبة.

  وقد ورث الشيخ البشري العلم من مشايخه في الأزهر، وورث منهم كذلك الهمة في بذله ونشره، وذلك أنَّ طلاب العلم قد ازداد تهافتهم عليه يفيدون منه ويأخذون العلم عنه، وحينما أُصيب بمرض الروماتيزم مدة عامين لم ينقطع الطلاب عنه، فكانوا يذهبون إليه في بيته بحي السيدة زينب يسمعون منه ويتعلمون على يديه، فواظب على إلقاء الدروس الصباحيَّة على طلابه دون كلل أو ملل رغم مرضه الشديد.

ولم يقتصر تدريسه على الفقه، بل امتد نبوغه لعلوم كثيرة، لا سيَّما علم الحديث، حيث نبغ فيه نبوغًا كبيرًا أبلغه درجة كبار المحدثين في عصره، وهو يروي عن شمس الدين محمد الخناني الشافعي، والعلامة محمد الأشموني، والشيخ منصور كساب، والشيخ محمد العريان، والشيخ أحمد كبوة العدوي، والشيخ محمد صالح السباعي، والشيخ أحمد منة الله المالكي، والشيخ عبد الله النبراوي، والشيخ محمد الصفتي المالكي، والشيخ إبراهيم السقا، والشيخ الباجوري.

وكان الشيخ محبًّا للعلم حريصًا على بذله ونشره، وتأسيس أركانه، ومن ذلك أنه لمَّا صار شيخًا لمسجد السيدة زينب، قام بتعيين سبعة من المدرسين لتدريس علم الحديث، وفقه المذاهب الأربعة، والأخلاق وغيرها، وطلب لهم مرتبات من الأوقاف، فتمت الموافقة على طلبه، حتى أصبح المسجد الزينبي كأنَّه قطعة من الأزهر.

ومن الجدير بالذكر في هذا المقام أن الشيخ سليم البشري كان له الفضل في عدم نقل قبر السيدة زينب من مكانه، إذ إنه لما جدد المسجد الزينبي في عهد الخديوي توفيق، رأى رئيس مهندسي الأوقاف أن ينقل القبر المنسوب إلى السيدة زينب بما فيه، فعارضه الشيخ، وأعلمه أن ذلك مخالف للشرع من وجوه عديدة، وانتهى الخبر إلى الخديوي محمد توفيق باشا، فأمر بإبقاء القبر في مكانه.

  وقد كان للشيخ -رحمه الله- منزلة سامية عند العلماء وطلاب العلم، وعند الحكام على السواء؛ فبعد وفاة الشيخ محمد عليش نقيب المالكيَّة ظلَّ هذا المنصب خاليًا لمدة خمس سنوات، حتى وقع الاختيار على الشيخ البشري ليتولى هذا المنصب، فأصدر الخديو توفيق أمرًا بتعيينه شيخًا ونقيبًا للسادة المالكيَّة، وذلك عام 1305هـ/1887م.

  وكان لهذه الحياة الفوارة بالعطاء أثر في اختياره للمهام الثِّقال، فحينما اتجهت النية إلى إصلاح الأزهر في عهد الشيخ حسونة النواوي، كان الشيخ البشري في مقدمة العلماء الذين وقع عليهم الاختيار لعضويَّة مجلس إدارة الأزهر، مع الشيخ محمد عبده، والشيخ عبد الكريم سلمان، وغيرهما من كبار العلماء، وقد عهد إليه مع مجموعة من العلماء منهم الشيخ محمد عبده وضع خطة تطوير نظم التعليم والإدارة بالأزهر الشريف، فأحدثوا به نهضة علميَّة عظيمة، كان أهمها إصدار قانون عام 1314هـ/ 1896م، الذي يعد أهم القوانين الأزهريَّة الأولى الخاصَّة بتطوير النظم التعليميَّة والإداريَّة بالأزهر، ثم قام أعضاء مجلس إدارة الأزهر ومنهم الشيخ البشري باستقدام أمهر المدرسين من المدارس الأميريَّة لتدريس العلوم الرياضيَّة بالجامع الأزهر، كما استقدموا ــ أيضًا ــ مدرسين لتدريس علوم الجغرافيا والتاريخ والإنشاء واللغة العربيَّة، ووضعوا امتحانًا سنويًّا تقرر بعده صرف ستمائة جنيه للناجحين حسب مستوى كلِّ طالب مما جعل لأهل الأزهر تقدمًا عظيمًا.

 

مشيخته للأزهر الشريف:

كانت هذه الرحلة العلميَّة والعمليَّة بما فيها من خبرات ثريَّة مؤهِّلة لأن يتولى الشيخ سليم البشري مشيخة الأزهر الشريف مرتين على النحو الآتي:

المشيخة الأولى: 1317- 1320هـ/1899- 1903م:

وقع الاختيار على الشيخ البشري ليكون شيخًا للأزهر بعد وفاة الشيخ الإمام عبد الرحمن النواوي -رحمه الله- فاعتذر الشيخ البشري في أول الأمر عن عدم قبوله هذا المنصب، وبالغ في الاعتذار محتجًّا بكبر سِنِّه وضعف صحته، ولكنه أمام الإلحاح الشديد قَبِل المنصب، فأصدر خديو مصر – آنذاك - عباس حلمي الثاني (1892- 1914م) أمرًا بتعيينه شيخًا للأزهر في 28 من صفر سنة 1317هـ/ 7 يوليو 1899م.

 وبالرغم من الأعباء الكبيرة التي كان يتحملها في مباشرته مشيخة المالكيَّة ومشيخة الأزهر- فإنَّه ظلَّ يباشر دروسه في الأزهر، كما ظلَّ يباشر التدوين والتصنيف وقيادة الحركة الإصلاحيَّة بعزم وحسم، وظهرت آثار ذلك كلِّه في عهده حتى أصبح معظم مدرسي الرياضيَّات في عصره من خريجي الأزهر بعد أن كادت صلة الأزهر بهذه العلوم تنقطع تمامًا.

وظلَّ الشيخ البشري في مشيخته الأولى للأزهر مدة أربع سنوات تقريبًا، أظهر فيها من سداد الرأي، وقوة الحزم، ومضاء العزيمة ما لا يتفق عادة لمن كان في مثل سنِّه، بيد أنَّه اضطر لتقديم استقالته بعد خلاف كبير مع الخديو حول اختيار الشيخ أحمد المنصوري لمشيخة أحد أروقة الأزهر؛ حيث رفض الخديو تعيين الشيخ المنصوري رغم إصرار الشيخ البشري على اختياره، فأرسل الخديو إليه للعدول عن تعيينه، فأبى الشيخ البشري الرجوع عن ذلك، وقال: "إن كان الأمر لكم في الأزهر دوني فاعزلوه، وإن كان الأمر لي دونكم فهذا الذي اخترته، ولن أحيد عنه"، فانتهز الحاقدون على الشيخ الفرصة، وأوغروا صدر الحاكم عليه، فأرسل إليه من يقول له: "إن تشبثك برأيك قد يضرك في منصبك" فقال الشيخ الإمام:" إن رأيي لي، ومنصبي لهم، ولن أُضحي لهم بما يدوم في سبيل ما يزول" وقدَّم استقالته عام 1320هـ/1903م.

ولم تَحُلْ استقالة الشيخ البشري دون قيامه بمواصلة دروسه في الجامع الأزهر، فقد ذهب في اليوم التالي للاستقالة إلى الأزهر ليلقي دروسه على طلابه، فقرأ درس (التفسير والحديث) الذي حضره يومئذ نحو خمسمائة عالم وكثير من الطلبة الذين لم يحصَ عددهم.

كما كانت له إسهامات في وضع قانون إصلاح الأزهر الذي صدر في عام 1326هـ/ 1908م، وهو القانون رقم (1) لسنة 1908م، والذي تم تقسيم التعليم الأزهري بموجبه إلى ثلاث مراحل دراسيَّة (مرحلة التعليم الأَولي، مرحلة التعليم الثانوي، مرحلة التعليم العالي).

 

المشيخة الثانية: 1327- 1335هـ/ 1909- 1917م:

 شهد الجامع الأزهر قبيل تولي الشيخ البشري المشيخة الثانية فترة اتسمت بسوء الأحوال واضطراب الأمور؛ مما اضطر ولاة الأمر إلى اللجوء إليه ليعود إلى منصبه شيخًا للأزهر؛ لمعالجة تلك الاضطرابات، فاشترط أن تجاب مطالبه فورًا؛ كي يتمكن من القيام بواجبه، وفي مقدمتها: إكرام العلماء والطلبة، والتوسع في أجورهم وأرزاقهم، وتخفيض تكلفة تنقلاتهم بقطارات السكك الحديديَّة على طول القطر المصري، فوافقت الحكومة على مطالبه وأصدر الخديو عباس حلمي الثاني في 23 ربيع الأول 1327هـ/ 13 أبريل 1909م قرارًا بتعيينه شيخًا للأزهر.

وقد أعقب قرار تعيين الشيخ البشري في مشيخته الثانية للأزهر عقد مقابلة رسميَّة مع الخديو؛ لتهنئته وتقديم الدعم اللازم لإصلاح الأزهر، وكان الأزهريون قد استبشروا خيرًا بنبأ اختيار فضيلته لمشيخة الأزهر؛ لِما أمَّلوه في عهده من استكمال مسيرة الإصلاح والتطوير في الأزهر، وقد ظلَّ بمشيخة الأزهر حتى وفاته عام 1335هـ/ 1917م.

 

إغلاقه الأزهر أمام أطماع الإنجليز:

كان الإنجليز عندما احتلُّوا مصر في 1882 قد تركوا ثلاثة مجالات لم يأذنوا لأنفسِهم أن يتدخَّلوا فيها تدخُّلًا سافرًا؛ وهي: الأزهر والمحاكم الشرعية والأوقاف. ومع نهايات القرن ظهر لهم من استقرارهم ما شجَّعهم على طرْق هذه المجالات، وبدؤوا بالمحاكم الشرعية، وكانت معركةً سياسيةً انتصر فيها الشيخ حسونة النواوي شيخ الأزهر ومفتي الديار المصرية وقتها، وتراجع الإنجليز عن مسعاهم مؤقتًا، ثم استأنفوا سعيهم فَعُزِل الشيخ النواوي من منصبه، وفُصِل بين مشيخة الأزهر ووظيفة الإفتاء التي تبعت لوزارة الحقانية لتكون تحت إشراف المستشار القضائي الإنجليزي، وتولَّى مشيخة الأزهر الشيخ عبد الرحمن قطب، وتولَّى الإفتاء الشيخ محمد عبده، وذلك في عام 1900.

عاجلت المنيَّة الشيخ قطب بعد شهر من تولِّيه، فبادر رجال الأزهر بترشيح الشيخ البِشري للمشيخة، وبادر الخديوي بتعيينه قبل أن يُجمع الإنجليز أمرهم على الضغط لاختيار من يناسبهم. وأغلق الشيخ البشري الأزهر في وجه النفوذ الإنجليزي، في وقت كان النفوذ يتمدَّد ويتوغَّل في كل مكان في الحياة المصرية. وكان المجتمع الأوروبي قد اعترف وسلَّم بالأمر الواقع لبريطانيا في مصر.

والشيخ سليم البشري، كان شيخًا محافظًا، يتبع المذهب المالكي ولا يحيد عنه، وبقيت فتاواه وتقريراته مرتبطة بهذا الأمر طوال حياته. وهو في الوقت ذاته كان مستقلًّا لا يتبع جهة ما، وهو أيضًا كان زاهدًا تمامًا في المال وفي المناصب وغيرها. ومن ثم أغلق الأزهر دون تأثيرات الإنجليز الساعية للنفوذ إليه في ذلك الوقت، وحافظ على استقلالية الأزهر في مواجهة القوى السياسية المختلفة. وفي ظروف التباينات السياسية بين سلطة الإنجليز وسلطة الخديوي كان يقف مواقف استقلالية منهما معًا، بحيث إنه بعد أربع سنوات أو خمس من تولِّيه المشيخة حين أراد الخديوي أن يتدخَّل في تعييناته -كما سلف الذكر-؛ رفض واستقال وترك المشيخة لمدَّة حوالي خمس سنوات تالية، وعُيِّنَ فيها ثلاثة مشايخ للأزهر من ضمنهم الشيخ حسونة النواوي، ولكن بقي الأزهر مضطربًا حتى أعيد الشيخ البشري إلى المشيخة في سنة 1909، وبقي شيخًا للأزهر حتى وفاته في سبتمبر 1917. وتلك هي الفترة التي أغلق فيها الأزهر دون محاولات الإنجليز التسرُّب أو النُّفوذ إليه.

ولم يمضِ وقت طويل بعد وفاته حتى قامت ثورة 1919 فأعْفت الأزهر من محاولات الإنجليز السيطرة عليه لظهور القوى الوطنية ووقوفها ضدَّ أطماع الإنجليز في السيطرة على مؤسَّسات الدولة.

 

عطاؤه العلمي:

كان من أبرز الإنجازات التي تمت في مشيخة الشيخ البشري الثانية هو إصدار نظام مؤقت لسير نظم الدراسة في الأزهر بموجبه عام 1328هـ/ 1910م، ثم إصدار القانون رقم 10 لسنة 1911م الذي يُعَدُّ النواة الأولى للجامعة الأزهريَّة وقوانين تطوير الأزهر التي صدرت تباعًا بعد ذلك، وكان من أهم ما اشتمل عليه القانون المذكور هو نشأة هيئة علميَّة كبرى من كبار علماء الأزهر تسمَّى: (هيئة كبار العلماء)، فكان- باعتباره شيخًا للأزهر في ذلك الوقت هو أول رئيس لهيئة كبار العلماء.

وكان الشيخ سليم البشري من العلماء الذين أسهموا بجهود كبيرة في الحركة العلميَّة خلال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، فكان منذ جلوسه للتدريس مكان شيخه الخناني شعلة نشاط تتوقد، ولم تفتر عزيمته عن التدريس لطلابه رغم ما تعرض له من مشكلات وأزمات.

وكان من تلامذته في علم الحديث العلامة الشيخ محمد المكاوي، وقد قرأ عليه صحيح البخاري قراءة بحث وتدقيق، وقال في ذلك: «وقد عارضته – أي صحيح البخاري – على شيخ الشيوخ، العلَّامة، الحبر البحر الفهَّامة، الحافظ المتقن المجيد، مربِّي الطلاب بهديه وعلمه المفيد، من انتهت إليه رئاسة العلوم في هذا الزمان، وفاق في جميع الفنون الرؤوس والأقران، الأستاذ الشيخ سليم البشري، شيخ السادة المالكيَّة، نفع الله به وبعلومه آمين، وراجعته فيه من أوله إلى آخره»، كما قرأ عليه الحافظ أبو شعيب الدكالي حافظ المغرب في زمانه موطأ الإمام مالك.

وتتلمذ له وتخرج على يديه مجموعة من كبار العلماء، منهم: الشيخ محمد راشد إمام "المعيَّة السَّنيَّة" و(الحاشية الخديويَّة)، والشيخ محمد البسيوني البيباني، والشيخ محمد عرفة، والشيخ محمود خطاب السبكي، والشيخ يوسف الدجوي، والشيخ محمد إبراهيم السمالوطي، وغيرهم من أفاضل العلماء والمدرسين بالجامع الأزهر وأعضاء هيئة كبار العلماء فيما بعد.

ومما يختص به الشيخ البشري في مسيرته العلميَّة أنَّه أصبح قبلة كثير من المتفقهين في الدين، والراغبين في كشف الحقائق عن دينهم ودنياهم، وكان فضلًا عن ذلك يمتاز بروح أدبيَّة رقيقة، فكان يطرب من الشعر ويهتز له، كما كانت له مكتبة ضخمة تضم ذخائر نفيسة من الأدب العربي ودواوين الشعر في الجاهليَّة والإسلام؛ ولذلك كان مولعًا بشعر أمير الشعراء أحمد شوقي، وقام بشرح قصيدة شوقي (نهج البردة) وعلَّق عليها ونشرها، في كتابه: (وضح النهج)، كما كتب خَّطابًا أدبيًّا ممتازًا إلى حافظ إبراهيم عندما نظم قصيدته العمريَّة، فالشيخ سليم البشري كان أحد رواد النهضة والتجديد في الأزهر، وقد تحقق على يديه خيرٌ كثير، كما كانت له مجموعةٌ من الحواشي في العقائد والنحو وغيرهما، تشهد له بالعمق والدقة.

 وكانت له بعض المؤلفات العلميَّة التي تدل على غزارة علمه، منها ما كان مقدمة لعدد من التحقيقات والشروح لأُمَّهات الكتب الإسلاميَّة، ومنها ما كان شرحًا لبعض القصائد الشهيرة، ومنها ما كان مؤلفات خاصَّة به في بعض العلوم، ومن هذه الإسهامات العلميَّة المختلفة:

  1. حاشية تحفة الطلاب بشرح رسالة الآداب، وهو شرح على رسالة الملا حنفي في آداب البحث والمناظرة، مخطوطة محفوظة بعدد من الأماكن منها: مكتبة الأزهر الشريف.
  2. العقد الوافي بشرح ملا حنفي، مخطوطة محفوظة في عدد من الأماكن منها مكتبة الأزهر الشريف، وهي بخط المؤلف نفسه.
  3. رسالة البشري على البسملة، مخطوطة محفوظة بعدد من الأماكن منها: مكتبة الأزهر الشريف، قام بنسخها: محمد بدوي، عام 1289هـ.
  4. عقود الجمان في عقائد أهل الإيمان، مخطوطة محفوظة بعدد من الأماكن منها: مكتبة الأزهر الشريف، قام بنسخها: محمد خضر البشري، كما توجد منها نسخة خطيَّة بدار الكتب رقم 33753ب.
  5. مطلب الاستئناس في بيان الأعلام وأسماء الأجناس: مخطوطة محفوظة بعدد من الأماكن منها: مكتبة الأزهر الشريف.
  6. المقامات السنيَّة في الرَّد على القادح في البعثة النبويَّة: ردَّ فيها على من انحرفوا إلى الإلحاد.
  7. حاشية على رسالة الشيخ عليش في التوحيد.
  8. وضح النهج، قام فيه بشرح قصيدة شوقي (نهج البردة) وعلق عليها، ونشرها على نفقته الخاصَّة.

 

أولاده وأحفاده:

عرف في جيله بأنه والد 6 من العلماء المشايخ، أشهرهم هو ابنه الشيخ عبد العزيز البشري، الأديب المشهور الذي كان مراقبا عاما للمجمع اللغوي، كما أن له العديد من الأحفاد، أبرزهم المفكر والمؤرخ المستشار طارق البشري.

 

شرحه لقصيدة نهج البردة:

عرف عن الشيخ سليم البشري حبه الشديد لشعر أمير الشعراء أحمد شوقي، حتى أنه شرح قصيدة شوقي نهج البردة وعلق عليها ونشرها في كتاب أُطلق عليه "وضح النهج".

 

تكريمه:

ونظرًا للمكانة العلميَّة الكبيرة التي عُرفت عن الشيخ سليم البشري؛ فقد كرمه السلطان حسين كامل (1914- 1917م) بمنحه النيشان المجيدي الأول، والوشاح الأكبر من وسام النيل.

 

وفاته:

بعد مرور تسعين سنة (90) استوعبت رحلة علميَّة وإصلاحيَّة حافلة بالعطاء، قائمة بالوفاء للدين والعلم وطلابه، لقي الشيخ سليم البشري ربَّه قبيل ظهر الجمعة رابع ذي الحجة عام 1335هـ/ الموافق 21 سبتمبر عام 1917م، ودفن بمدافن السادة المالكيَّة بقرافة الإمام الشافعي، وكان حال وفاته يملي الحديث الشريف على طلبته.

 

رثاؤه:

وقد رثاه حافظ إبراهيم بقصيدة بليغة مؤثرة قال فيها من [الوافر]:

 

أيدري المسلمون بمن أُصيبوا *** وقد واروا سليمًا في الترابِ

هوى ركن الحديث فأي خطب *** لطلاب الحقيقة والصوابِ

موطأ مالك عزى البخاري *** ودع لله تعزية الكتابِ

فما في الناطقين فم يوفي *** عزاء الدين في هذا المصابِ

قضى الشيخ المحدث وهو يملي *** على طلابه فصل الخطابِ

ولم تنقص له التسعون عزمًا *** ولا صدته عن درك الطلابِ

وما غالت قريحته الليالي *** ولا خانته ذاكرة الشبابِ

أشيخ المسلمين نأيت عنا *** عظيم الأجر موفور الثوابِ

لقد سبقت لك الحسنى فطوبى *** لموقف شيخنا يوم الحسابِ

إذا ألقى السؤال عليك ملقٍ *** تصدى عنك برك للجوابِ

ونادى العدل والإحسان أَنَّا *** نزكّي ما يقول ولا نحابي

قفوا يا أيها العلماء وابكوا *** ورووا لحده قبل الحسابِ

فهذا يومنا ولنحن أولى *** ببذل الدمع من ذات الخضابِ

عليك تحية الإسلام وقفًا *** وأهليه إلى يوم المآبِ

 

كما رثته جريدة وادي النيل التي كانت تصدر في الإسكندرية، فقد نشر الأستاذ محمد رشيد رضا سيرة الشيخ معتمدًا على ما أوردته جريدة الأهرام، وعلى ما رثته به جريدة وادي النيل التي كانت أقوى الصحف الوطنية في ذلك الوقت، وكانت تصدر في الإسكندرية.

___________

المصادر:

  • الشيخ سليم البشري، هيئة كبار العلماء، https://bit.ly/4fDEVp2
  • محمد الجوادي، الشيخ سليم البشري صاحب الولايتين، مدونات الجزيرة، 13 أبريل 2021، https://bit.ly/4iVEk4V
  • منال القاضي، من هو الشيخ سليم البشرى مؤسس هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف؟، اليوم السابع، 26 مارس 2024، https://bit.ly/3BTdSrY
  • محمد رشيد رضا، وفاة الشيخ سليم البشري شيخ الأزهر، المنار، ج 3، م 20، 17 أكتوبر 1917، https://bit.ly/3DCjebq
  • مدحت ماهر، حوارات مع طارق البشري، دار البشير للثقافة والعلوم، الطبعة الأولى، 2020، ص: 38-44

هناك العديد من القضايا السياسية التي أُثير باستمرار الكثير من الجدل والخلاف حولها، فهو خلاف دائم خلاف يظهر للعلن بين الحين والآخر، دون أن يهمد مهما كان رجحان وقوة أدلة أي طرف من الأطراف.

ولقد انشغل الدكتور عبد الكريم بكار بدراسة بعض من تلك القضايا التي يثار حولها الخلاف، ومن ضمنها تلك التي تتعلق بنظام الحكم في الإسلام، كقضية تطبيق الشريعة الإسلامية، وقضية الخلافة، والعلاقة بين الدين والسياسة، والفرق بين الشورى والديمقراطية، ووضع الحاكم المتغلب في الإسلام، وما مدى الحرية في الإسلام؟ وهل هي مطلقة أم لها حدود؟ والعلاقة بين الحاكم والمحكوم، وقضية ولاية المرأة لأمور المسلمين، وولاية غير المسلم.

وهذا الأمر أشار إليه د. بكار في تقديمه لهذا الكتاب، حيث كتب يقول:

فإن مسألة الحكم من المسائل المهمة في حياة كل الأمم، ولا سيما في زماننا هذا حيث اتسع المجال الذي يمكن أن تتحكم فيه الحكومة، وتعكس عليه بالتالي ما لديها من صلاح وفساد وكفاءة وسوء إدارة، والحقيقة أن البشرية ظلت قرونًا طويلة حائرة في ترتيب الشأن السياسي وفي إدارة الشأن العام، وتجارب الإخفاق في ذلك أكثر بكثير من تجارب النجاح، وحين بزغت شمس الإسلام في ديار العرب كانت خبرة القوم في إقامة الدول ونُظم الحكم شبه معدومة، وخلال مدة وجيزة من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وجد الصحابة رضي الله عنهم أنفسهم مسؤولين عن إدارة عدد من الأقاليم التي فتحوها في أنحاء مختلفة من الأرض، وقد شكل ذلك عبئًا كبيرًا عليهم بقدر ما أتاح لهم من اكتساب الخبرة في المجال السياسي والإداري.

إن الوظائف السياسية هي وظائف عليا، وذات جاذبية كبيرة، فالصالحون من المسلمين يحرصون على المناصب من أجل اتخاذها أداة لحماية الدين وخدمة المسلمين من جهة ولمنع الفاسدين من استغلالها لمصالحهم الخاصة من جهة أخرى، أما أصحاب المطامع فإنهم يسعون إلى السلطة لأنها تشكل طريقًا عريضًا إلى الثروة والنفوذ والجاه...، ويمكن القول: إن التاريخ الإسلامي حافل بالثورات على الحكومات وانتفاضات التمرد على النظم السياسية السائدة، فما تكاد الحكومة تتمكن من إخماد ثورة أو حركة احتجاجية حتى تنفجر ثورة جديدة في مكان ما من أرض الدولة الإسلامية، وهذا يعود إلى الكثير من الأسباب، والتي قد يكون من أهمها عدم الاهتداء إلى نموذج في إدارة الشأن العام يؤمن استقرار البلد دون الجور على حقوق الناس وكرامتهم، كما أن الأرض التي يبسط الحاكم المسلم سلطانه عليها كثيرًا ما كانت تتسع بسبب حركة الفتوحات الدائبة، مما جعل تراكم الخبرة السياسية والإدارية في التعامل مع الجماهير غاية في الصعوبة بسبب تغير المعطيات على نحو مستمر.

في السنوات الأخيرة تفجر الوضع السياسي في عدد من الدول العربية، وسقطت أنظمة حكم وقامت أنظمة جديدة، وقد ثار جدل عريض بين قطاع واسع من الشباب والكهول حول شكل الدولة التي ينبغي العمل على إقامتها، وما زال ذلك الجدل محتدمًا حتى هذه اللحظة، وقد تبين من خلال ما يُنشر على مواقع التواصل الاجتماعي ضآلة ما لدى معظم الناس من معرفة بأسس الحكم ومبادئه الكبرى وأدواته وأشكاله، بل كثيرًا ما يكون ذلك مختلطًا ومشوهًا. وقد رأينا في بعض البلاد من نصب نفسه خليفة للمسلمين من خلال مبايعة بضعة ألوف من الناس له، كما رأينا من يعملون على إنشاء إمارة إسلامية على رقعة ضيقة من الأرض، وهذا كله إن دل على شيء فإنما يدل على حاجة الناس إلى قدر كبير من الثقافة السياسية المبصرة حتى لا يقتتلوا، وحتى لا يدمروا أوطانهم ومقدرات بلادهم.

إنني من خلال هذه المقاربة لأطمح إلى أن أبسط المفاهيم السياسية المعقدة وأن أزيل اللبس والغموض عن عدد منها بغية تخفيف التوتر الاجتماعي الذي ولده الجهل بطبيعة الدولة ووظائفها في العصر الحديث وبغية توليد رؤية مشتركة تجاه النظام السياسي الملائم لعصرنا.

 

وقد اختتم الكتاب بعدد من النتائج والتوصيات في آن واحد، يمكن إجمالها على النحو الآتي:

  • لو نظرنا في القضايا التي يتناولها الفكر السياسي وتلك التي تتناولها السياسة الشرعية لوجدنا أن معظمها إن لم نقل كلها معقولة المعنى، واضحة الهدف بيِّنة العلة، ولهذا فإن التعامل معها ينبغي أن يتسم بالشجاعة.
  • يخلص الكتاب إلى ضرورة إعمال مقاصد الشريعة ومبدأ سد الذرائع من أجل ترسيخ المبادئ العليا في الحياة العامة والمصالح الكبرى التي ينبغي أن يحققها الحاكم المسلم، ومن أهمها العدل والحفاظ على هوية الأمة والأمن والاستقرار وكرامة الناس وحريتهم، بالإضافة إلى الازدهار الاقتصادي ورفع مستوى الخدمات.
  • إن العالم كله مرتبك في إدارة الشأن العام والقضاء على الفساد، ولاسيما أن المفسدين يطورون أساليبهم باستمرار، ومن هنا فلا بد من الانفتاح على التجربة العالمية والاستفادة من الخبرة المتراكمة في هذا المجال، وأنا أعرف أننا قد نرضى بحل أو أسلوب غير جيد.
  • من المأمول الاستماع إلى الأقوال المعاصرة في نظام الحكم الإسلامي وأساليب إدارة الدولة باهتمام وسعة صدر وتفهم، فالجميع يريدون لهذه الأمة النهضة والتقدم والخلاص من الذل والمهانة والتخلف.

 

محتويات الكتاب:

مقدمة:

خطوط عريضة:

  • الشريعة هي الأصلح.
  • من الذي يطبق الشريعة؟
  • ما المرجعية العليا؟
  • إجمال المتغير.
  • قصور فقهنا السياسي.
  • أزمة بدائل.

الخلافة: الشكل أم المضمون؟

الحكم الرشيد.

الدين والسياسة.

أهل الحل والعقد.

  • غموض المدلول.
  • تنظيم أهل الحل والعقد.
  • نظرة نقدية.

الشورى أم الديمقراطية؟

  • الشورى.
  • ما الديمقراطية؟
  • وجوه الاتفاق والافتراق.
  • وجوه الاتفاق.
  • وجوه الافتراق.
  • مقاربة.

الحكم بالغلبة.

  • تعقيب.

الحكم بين الولاية والوكالة.

هل الحرية أولاً؟

رأي الأغلبية:

  • أدلة على الاعتداد بالأكثرية.
  • المسؤولية بين الحاكم والمحكوم.
  • حقوق المحكومين على الحاكم.
  • حقوق الحاكم على المحكومين.
  • ملاحظات.

دولة المواطنة:

  • وثيقة المدنية.
  • مواد مهمة في الوثيقة.
  • إشكالات فقهية.
  • الجزية.
  • ولاية المرأة.
  • ولاية غير المسلم.
  • تعليق.

الخاتمة.

 

رابط مباشر لتحميل الكتاب

 

_______________________

* طبعته دار القلم- دمشق، عام 1436ه/2015م، والنسخة التي ننشرها رفق هذا العرض حصلنا عليها من موقع المؤلف عبر هذا الرابط: https://2u.pw/I8eMRTOv.

** عبد الكريم بن محمد الحسن بكّار (1951م-...)، كاتب سوري، حاصل على درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى، قسم "أصول اللغة"، كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر 1399ه/1979م، يعد –حسبما جاء في موقعه الإلكتروني- أحد المؤلفين البارزين في مجالات التربية والفكر الإسلامي، حيث يسعى إلى تقديم طرح مؤصل ومتجدد لمختلف القضايا ذات العلاقة بالحضارة الإسلامية وقضايا النهضة والفكر والتربية والعمل الدعوي. له أكثر من أربعين كتابًا في هذا المجال، لقي الكثير منها رواجًا واسعًا في مختلف دول العالم العربي، وقد تمت ترجمة بعضها إلى عدد من اللغات، كما أنه قدم للمكتبة الصوتية أكثر من مائة ساعة صوتية مسجلة ومنشورة في مكتبات التسجيلات الصوتية.

نقدم لكم عناوين وروابط كافة ما نشره موقعنا "حوارات الشريعة والقانون" خلال العام المنصرم (2024م)، في أبواب وأقسام الموقع المختلفة، تيسيرًا على القراء والمتابعين:

 

أولا – مكتبة الموقع

‌أ- قسم الكتب:

  1. على زكي العرابي، كتاب "القضاء الجنائي"، 2 يناير 2024، https://bit.ly/3VTXhuQ
  2. محمد أبو زهرة، تحريم الربا تنظيم اقتصادي، 4 يناير 2024، https://bit.ly/4j2C386
  3. محمد الجوادي، مذكرات رجال القانون والقضاء "محاكمة ثورة يوليو"، 8 يناير 2024، https://bit.ly/4gNOqmv
  4. نوبار باشا، مذكرات نوبار باشا، 14 يناير 2024، https://bit.ly/3DsvgnV
  5. ريتشارد وود، الأدلة الجلية على موافقة الشريعة الإسلامية لقواعد الإنسانية، 14 يناير 2024، https://bit.ly/4iJmphA
  6. عبد العزيز فهمي باشا، الكتاب الذهبي للمحاكم الأهلية، 18 يناير 2024، https://bit.ly/41OGlty
  7. هاشم يحيى الملاح، حكومة الرسول صلى الله عليه وسلم "دراسة تاريخية- دستورية مقارنة"، 24 يناير 2024، https://bit.ly/3VTpzpa
  8. سيد عبد الله حسين، "كتاب "المقارنات التشريعية بين القوانين الوضعية المدنية والتشريع الإسلامي- مقارنة بين فقه القانون الفرنسي ومذهب الإمام مالك بن أنس رضي لله عنه، 25 يناير 2024، https://bit.ly/41W7quC
  9. محمد حافظ صبري، المقارنات والمقابلات بين أحكام المرافعات والمعاملات والحدود في شرع اليهود ونظائرها من الشريعة الإسلامية الغراء ومن القانون المصري والقوانين الوضعية الأخرى، 29 يناير 2024، https://bit.ly/3ZUYUJQ
  10. توفيق الشاوي، الموسوعة العصرية في الفقه الجنائي الإسلامي: "كتاب عبد القادر عودة مع تعليقات آية الله السيد إسماعيل الصدر وآراء للدكتور توفيق الشاوي والمشاركين"، 31 يناير 2024، https://bit.ly/3ZYxeUG
  11. د. محمد سليم العوا، "في أصول النظام الجنائي الإسلامي "دراسة مقارنة"، 2 فبراير 2024م، https://2u.pw/YaXk5lo
  12. سعيد أحمد بيومي، لغة الحكم القضائي "دراسة تركيبية دلالية"، 5 فبراير 2024م، https://2u.pw/GRnYodJ
  13. جمال الدين عطية، نحو تفعيل مقاصد الشريعة، 6 فبراير 2024، https://2u.pw/UKg55MP
  14. الملتقي السابع للتعرف على الفكر الإسلامي، 7 فبراير 2024، https://2u.pw/6qTgy1e
  15. عبد الرازق السنهوري، مصادر الحق في الفقه الإسلامي - دراسة مقارنة بالفقه الغربي، 12 فبراير 2024، https://2u.pw/JWUFFay
  16. أحمد فتحي زغلول، المحاماة، 14 فبراير 2024، https://2u.pw/dFpThsz
  17. عبد الرزاق السنهوري، نظرية العقد، 18 فبراير 2024، https://2u.pw/s7RoEQzm
  18. فهمي محمد علوان، القيم الضرورية ومقاصد التشريع الإسلامي، 24 فبراير 2024، https://2u.pw/6Q30uI0
  19. جعفر عبد السلام، قانون العلاقات الدبلوماسية والقنصلية "دراسات في القانون الدولي وفي الشريعة الإسلامية"، 11 مارس 2024، https://2u.pw/gPHsU7e3
  20. هشام جعفر، الأبعاد السياسية لمفهوم الحاكمية "رؤية معرفية"، 16 مارس 2024، https://2u.pw/G4qRvX2
  21. عثمان خليل عثمان، المبادئ الدستورية العامة، 19 مارس 2024، https://2u.pw/hN8JGHMu
  22. محمد نور فرحات، المجتمع والشريعة والقانون، 21 مارس 2024، https://2u.pw/qIru9FOc
  23. سعد بن مطر المرشدي العتيبي، فقه المتغيرات في علاقة الدولة الإسلامية بغير المسلمين "دراسة تأصيلية تطبيقية مع موازنة بقواعد القانون الدولي المعاصر"، 1 أبريل 2024، https://2u.pw/ZQlyiT1Q
  24. عبد الحميد متولي بك، المفصل في القانون الدستوري، 1 أبريل 2024، https://2u.pw/8rGz8N7m
  25. توفيق الشاوي، محاضرات في التشريع الجنائي في الدول العربية، 5 أبريل 2024، https://2u.pw/g2mHeFOa
  26. محمد الصادق عفيفي، المجتمع الإسلامي والعلاقات الدولية، 5 أبريل 2024، https://2u.pw/jQoRsfmA
  27. محمد فتحي عثمان، الفكر الإسلامي والتطور، 18 أبريل 2024، https://2u.pw/lMQKxhr3
  28. محمد بخيت المطيعي، حقيقة الإسلام وأصول الحكم، 23 أبريل 2024، https://2u.pw/U1qVZI07
  29. محمد فتحي عثمان، حقوق الإنسان بين الشريعة الإسلامية والفكر القانوني الغربي، 23 أبريل 2024، https://2u.pw/llaIW6OZ
  30. محمد أحمد المسير، قضايا الفكر الإسلامي المعاصر، 30 أبريل 2024، https://2u.pw/VN7HupJ2
  31. محمد عبد الله السحيم، استقلال القضاء في الفقه الإسلامي، 7 مايو 2024، https://2u.pw/u8IEsKqf
  32. محمد المدني بوساق، اتجاهات السياسة الجنائية المعاصرة والشريعة الإسلامية، 25 مايو 2024، https://2u.pw/h0xX0Lfp
  33. عثمان جمعة ضميرية، أصول العلاقات الدولية في فقه الإمام محمد بن الحسن الشيباني "دراسة فقهية مقارنة"، 2 يونيو 2024، https://2u.pw/OlnDICCu
  34. محمد حماد، قصة الدستور المصري "معارك ووثائق ونصوص"، 2يونيو 2024، https://2u.pw/NswVCyMi
  35. علي علي منصور، البهائية في نظر الشريعة والقانون، 25 يونيو 2024، https://2u.pw/NzksZMtK
  36. عبد الكريم زيدان، نظام القضاء في الشريعة الإسلامية، 25 يونيو 2024، https://2u.pw/09HyrO9c
  37. عبد المحسن الخرافي، الأعضاء والقضاة والمحامون والقانونيون في تاريخ مجلس الأمة، 27 يونيو 2024، https://2u.pw/4fSbtM8Q
  38. عبد الكريم زيدان، أحكام الذميين والمستأمنين في دار الإسلام، 27 يونيو 2024، https://2u.pw/auB1HxyX
  39. عبد الله النعيم، حو تطوير التشريع الإسلامي، 29 يونيو 2024، https://2u.pw/UxwvOS1Z
  40. يمني طريف الخولي، منهجيتُنا العلمية، 10 يوليو 2024، https://2u.pw/r8m673jl
  41. جمال حمدان، العالم الإسلامي المعاصر، 23 يوليو 2024، https://2u.pw/rmA2L936
  42. عزت روبي مجاور سليم الجارحي، الضوابط الشرعية لوقف العمل بنصوص القرآن والسنة، 24 يوليو 2024، https://2u.pw/E8rKH6zv
  43. محمد عابد الجابري، الدين والدولة وتطبيق الشريعة، 25 يوليو 2024، https://2u.pw/cl8W84FP
  44. محمد عبد اللطيف صالح الفرفور، الفقه الجنائي المقارن بالقانون، 1 أغسطس 2024، https://2u.pw/O9OeMKkL
  45. أحمد الطيب، حضارة الإسلام وحضارة الغرب والسلام المفقود، 5 أغسطس 2024، https://2u.pw/rHmQhRJM
  46. على الخفيف، بحوث ومقالات في التشريع الإسلامي، 7 أغسطس 2024، https://2u.pw/FeaCS712
  47. مراد هوفمان، الإسلام كبديل، 17 أغسطس 2024، https://2u.pw/q44Zew7B
  48. وحيد الدين سوار، التعبير عن الإرادة في الفقه الإسلامي "دراسة مقارنة بالفقه الغربي"، 17 أغسطس 2024، https://2u.pw/gzMqvty0
  49. محمد أبو زهرة، العقيدة الإسلامية كما جاء بها القرآن الكريم، 1 سبتمبر 2024، https://2u.pw/8gNh4cQA
  50. محمد المدني، تاريخ الفقه الإسلامي في مصر، 4 سبتمبر 2024، https://2u.pw/p0WjGHX8
  51. عبد الحميد متولي، أزمة الأنظمة الديموقراطية، 7 سبتمبر 2024، https://2u.pw/HXbmgXGJ
  52. عبد الناصر توفيق العطار، توحيد تقنينات الأزهر للشريعة الإسلامية "الجزء الأول – الربا والمعاملات المصرفية"، 16 سبتمبر 2024، https://2u.pw/pRe5MYLd
  53. أحمد الطيب، نحو اجتهاد فقهي معاصر، 19 سبتمبر 2024، https://2u.pw/5VYEOQb2
  54. توفيق الشاوي، فقه الشورى والاستشارة، 22 سبتمبر 2024، https://2u.pw/mDfElGBF
  55. نصر فريد واصل، المدخل الوسيط لدراسة الشريعة الإسلامية والفقه والتشريع، 22 سبتمبر 2024، https://2u.pw/G5cKAfIQ
  56. محمد أحمد الدويش، التلفيق وموقف الأصوليين منه "بحث نظري تطبيقي يتناول مفهومه - أسسه - مجالاته – حكمه"، 22 سبتمبر 2024، https://2u.pw/Qccn6BBO
  57. سعيد محمد عطية أبو الخير، المرجعية الإسلامية في دساتير دول منظمة التعاون الإسلامي، 24 سبتمبر 2024، https://2u.pw/suNkoME5
  58. عبد العزيز جاويش، الإسلام دين الفطرة والحرية، 26 سبتمبر 2024، https://2u.pw/jdxs9075
  59. أحمد إبراهيم بك والمستشار واصل علاء الدين أحمد إبراهيم، طرق الإثبات الشرعية، 30 سبتمبر 2024، https://2u.pw/NbdAi9Hs
  60. محمد عبد الله دراز، نظرات في الإسلام، 11 أكتوبر 2024، https://2u.pw/oVIVpYUg
  61. محمد مصطفى شلبي، المدخل في التعريف بالفقه الإسلامي وقواعد الملكية والعقود، 13 أكتوبر 2024، https://2u.pw/3VS4zdth
  62. عبد الحميد الشرفي، كتاب الإسلام بين الرسالة والتاريخ، 13 أكتوبر 2024، https://2u.pw/EqZkUWp8
  63. مصطفى حجازي، التخلف الاجتماعي "مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور"، 16 أكتوبر 2024، https://2u.pw/rX2O1iA6
  64. محمد سليم العوا، حصريًا: مقدمة د. محمد سليم العوا (الممنوعة) لكتاب "محاكمة أولاد حارتنا"، 17 أكتوبر 2024، https://2u.pw/3ZGubs2r
  65. جمال الدين عطية وآخرون، الحوالة، 23 أكتوبر 2024، https://2u.pw/31iFfhul
  66. سليمان محمد سليمان الطماوي، نظرية التعسف في استعمال السلطة "الانحراف بالسلطة"- دراسة مقارنة، 14 نوفمبر 2024، https://2u.pw/4oV8r6nQ
  67. سمير تناغو، جوهر القانون (دراسة متعمقة في فلسفة القانون لطلبة معهد البحوث والدراسات العربية بجامعة الدول العربية)، 17 نوفمبر 2024، https://2u.pw/cqsFkL0c
  68. محمد الغزالي، الفساد السياسي في المجتمعات العربية والإسلامية (أزمة الشورى)، 10 ديسمبر 2024، https://2u.pw/RPQgmLsk
  69. وحيد رأفت، القانون الدستوري، 14 ديسمبر 2024، https://2u.pw/1VBIjIiG
  70. محمد خلف حيان، أخبار القضاة، 17 ديسمبر 2024، https://2u.pw/zCIiiJRS
  71. طارق البشري، الديمقراطية ونظام ثورة 23 يوليو (1952-1970)، 20 ديسمبر 2024، https://2u.pw/b2v6Xn7O
  72. خالد محمد خالد، كتاب "من هنا نبدأ" والردود عليه، 31 ديسمبر 2024، https://2u.pw/cOPIJZdM

 

‌ب- قسم الرسائل العلمية:

  1. رجب عبد التواب كدواني، نظرية التأمين التعاوني في الشريعة الإسلامي والقانون الوضعي "دراسة مقارنة"، 18 فبراير 2024، https://2u.pw/H6WSt9U
  2. هاني محمود حسن، رسالة الإمام الشافعي في المنظور الاستشراقي (دراسة تحليلية تقويمية)، 7 مارس 2024، https://2u.pw/dVhIaGn
  3. راجح بخيت السناني، أدب المحامي في الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية، 7 مايو 2024، https://2u.pw/jPHy2dB6
  4. يحيى محمد عوض الخلايلة، تقنين أحكام الشريعة الإسلامية بين النظرية والتطبيق "دراسة مقارنة لتجربة باكستان ومشروع مصر في التعزير"، 30 أغسطس 2024، https://2u.pw/TUiC4cla
  5. عبد السميع أحمد إمام، نظرات في أصول البيوع الممنوعة في الشريعة الإسلامية وموقف القوانين منها، 10 ديسمبر 2024، https://2u.pw/PGe5nmXA

 

 

ثانيًا – دراسات ومقالات

  1. محمد بصل، هل تملك محكمة العدل الدولية وقف حرب غزة؟! "قراءة في فاعلية التدابير المؤقتة"، 13 يناير 2024، https://2u.pw/dG6cI30
  2. معتز الخطيب، ثنائية المدني والعسكري بين الفقه والقانون الدولي، 14 يناير 2024، https://2u.pw/eQ8Fjm4
  3. حازم علي ماهر، التعويل على محكمة العدل الدولية.. بين التهوين والتهويل!، 18 يناير 2024، https://2u.pw/gUNkPAP
  4. رفعت فكري سعيد، هل يمكن تعزيز الحق في المواطنة في ظل المادة الثانية من الدستور، 20 يناير 2024، https://2u.pw/dMepwvDC
  5. محمد طه بدوي، نحو نموذج نظري للنسق السياسي الإسلامي، ردًا على المستشرق الإنجليزي "آرنولد"، 20 يناير 2024، https://2u.pw/7uuoHeq
  6. محمد سليم العوا، النظام القانوني الإسلامي في الدراسات الاستشراقية المعاصرة دراسة لمنهج المستشرق نويل ج. كولسون، 23 يناير 2024، https://2u.pw/xmR0VwR
  7. محمد عبد الله دراز، حضارة الإسلام وأثرها في الحضارة الحديثة، 24 يناير 2024، https://2u.pw/w7NZFK5x
  8. محمد المبارك، اللّقاءَ بين الفكرْ الإسلامي والفِكر الغرْبي، 28 يناير 2024، https://2u.pw/BcKCuqc
  9. قضية الإبادة الجماعية في غزة: ملخص شامل لمعركة جنوب أفريقيا القانونية ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية ... ملخص القضية والأسئلة الشائعة، 15 فبراير 2024، https://2u.pw/OzpLXWa
  10. أحمد عرفات القاضي، الحقوق والحريات عند الطهطاوي والصعيدي، 15 فبراير 2024م،
  11. شرعية الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، 25 فبراير 2024، https://2u.pw/mkwJOcb
  12. مذكرة اقتراحية حول مدونة الأسرة المغربية، 28 فبراير 2024، https://2u.pw/9rm4PJb
  13. حازم على ماهر، استقلال القضاء وتطبيق الشريعة.. تلازم مسكوت عنه، 29 فبراير 2024، https://2u.pw/LfgcCFY
  14. أنور الهواري، ديمقراطيات الإبادة الجماعية، 9 مارس 2024، https://2u.pw/hJ9tG4J
  15. فايز محمد حسين محمد، أثر مشروع السنهوري في القوانين المدنية العربية "الجزء الأول"، 16 مارس 2024، https://2u.pw/yT9yLgO7
  16. شريف عبد الرحمن سيف النصر، تساؤلات حول علاقة الفقه والتنظير ضمن ثنائية الواحدية والتنوع، 7 أبريل 2024، https://2u.pw/xZes5Nvs
  17. السيد الشحات رمضان جمعة، قواعد تفسير النصوص في الشريعة والقانون، 18 أبريل 2024، https://2u.pw/DYwmEGl5
  18. محمد كمال إمام، محمود شلتوت مجتهدًا ورائدًا للتقريب: قراءة تاريخية ووثائقية، 25 مايو 2024، https://2u.pw/P43yfl5H
  19. محمد كمال مبروك، ملامح حول الفقه الإسلامي ودوره في النظام القانوني المصري، 11 يونيو 2024، https://2u.pw/j7OHRjzk
  20. محمد كمال إمام، في منهجية التقنين "أفكار أولية"، 5 يوليو 2024، https://2u.pw/bJ1sf9Nt
  21. محمود سامي جمال الدين، دراسة نقدية لمحاولات تقنين الفقه الإسلامي، 5 يوليو 2024، https://2u.pw/WqdCYJ96
  22. عبد الوهاب المسيري، معالم الخطاب الإسلامي الجديد، 7 يوليو 2024، https://2u.pw/1jehxWbe
  23. محمد سعيد رمضان البوطي، الاختلاف الفقهي ووظائفه في الاجتهادات الحديثة، 7 يوليو 2024، https://2u.pw/RZYJ7tYj
  24. غسان الكحلوت، إسرائيل والقانون الدولي الإنساني: البحث عن إجابات في ظل حرب وحشية وقانون مهمش، 7 يوليو 2024، https://2u.pw/oJnRqTrF
  25. نصر محمد عارف، إشكالية الطرح السياسي للإسلام، 13 يوليو 2024، https://2u.pw/xWgb6ZIi
  26. هاني محمود حسن أحمد، أثر أحكام الوقف وتطبيقاته المعاصرة في تنمية القطاع المصرفي، 16 يوليو 2024، https://2u.pw/YUr6asmm
  27. جمال الدين عطية، صفحة من تاريخ الخطاب الإسلامي المعاصر هوامش وإضافات على: "معالم الخطاب الإسلامي الجديد" للدكتور عبد الوهاب المسيري، 21 يوليو 2024، https://2u.pw/IMi7vy2f
  28. إياد خلف حسين، إشكالية تطبيق الشريعة في الدولة الإسلامية المعاصرة، 23 يوليو 2024، https://2u.pw/OjTlqo2x
  29. أحمد بهاء الدين، المسلمون متخلفون عن الإسلام "حقوق الإنسان المسلم هي نقطة البدء"!، 5 أغسطس 2024، https://2u.pw/VoalgD1P
  30. سامر رشواني، الغرب.. الحاضرُ دومًا! نقدُ الخطابِ الإسلامي الجديد، 27 أغسطس 2024، https://2u.pw/DVmFSBjZ
  31. أحمد بهاء الدين، اللغة العربية سياسة وحضارة وإستراتيجية معًا!، 31 أغسطس 2024، https://2u.pw/l705iTUS
  32. إبراهيم البيومي غانم، محمد سليم العوا ... الحياة في محراب العلم والعدالة، 2 سبتمبر 2024، https://2u.pw/EpUSXH41
  33. محمد فريد وجدي، مهمة الدين الإسلامي في العالم، 4 سبتمبر 2024، https://2u.pw/19Ms7p5M
  34. حازم علي ماهر، الدين في التشريع المصري: دراسة تطبيقية حول الآثار القانونية والإجرائية، 10 سبتمبر 2024، https://2u.pw/Z5Q4ENc8
  35. محمد عبد الفضيل القوصي، العلمانية في ثوب التنوير، 10 سبتمبر 2024، https://2u.pw/RMeqxGs3
  36. مصطفى الزرقا، خصائص التشريع الإسلامي، 19 سبتمبر 2024، https://2u.pw/Yxp3zQp1
  37. شيماء فاخوري، لغة القرآن ورؤيته للعالم أساس منهجي لبناء المفاهيم "مفهوم التعارف نموذجًا"، 22 سبتمبر 2024، https://2u.pw/PxHpXFYc
  38. مصطفى الزرقا، حجة الشريعة على العقل، 24 سبتمبر 2024، https://2u.pw/4UZRgys7
  39. شاكر مصطفى، أول ما أخذوه من العرب: البوصلة والبارود "ثمن الحضارة الغربية"، 26 سبتمبر 2024، https://2u.pw/sOSMcYrS
  40. أحمد كمال أبو المجد، أخلاق الاستبداد وأخلاق.. الحرية، 29 سبتمبر 2024، https://2u.pw/Z039We2y
  41. أحمد الطاهري، القضاء والتشريع بالأندلس بين منحى الاستقلال وصيرورة الاحتواء، 2 أكتوبر 2024، https://2u.pw/uSArdIma
  42. وهبة الزحيلي، مصادر التشريع غير المقبولة في الإسلام، 3 أكتوبر 2024، https://2u.pw/lM1BILWp
  43. موسي الصدر، روح الشريعة الإسلامية وواقع التشريع اليوم في العالم الإسلامي، 7 أكتوبر 2024، https://2u.pw/3CfgEJ1q
  44. عبد المجيد النجار، القراءة الجديدة للنص الديني، 11 أكتوبر 2024، https://2u.pw/uiR7qIT9
  45. مصطفي الزرقا، موسوعة الفقه الإسلامي "فكرتها .. الغاية منها .. كيف يمضي العمل فيها"، 15 أكتوبر 2024، https://2u.pw/30rpxlWW
  46. مصطفى الزرقا، روح الشريعة الإسلامية وواقع التشريع اليوم في العالم الإسلامي، 19 أكتوبر 2024، https://2u.pw/k45dfjjK
  47. فتح الله كولن، الدين والدولة…أية علاقة؟، 22 أكتوبر 2024، https://2u.pw/yIlG2iF0
  48. مالك بن نبي، إنتاج المستشرقين وأثره في الفكر الإسلامي الحديث، 25 أكتوبر 2024، https://2u.pw/2Sosk2G7
  49. مدحت ماهر الليثي، التراث السياسي الإسلامي وحقوق الإنسان، 25 أكتوبر 2024، https://2u.pw/HC9imlLa
  50. محمد كمال إمام، نحو تطوير الدرس الجنائي الإسلامي، 28 أكتوبر 2024، https://2u.pw/leMNsrSG
  51. شريف عبد الرحمن سيف النصر، الأمة السيبرانية: هل يمكن أن تمثل التقانة مدخلًا لتقارب المسلمين؟، 31 أكتوبر 2024، https://2u.pw/SGMfjMDD
  52. محمد سليم العوا، حصريًا: يوميات الحديبية، 3 نوفمبر 2024، https://2u.pw/HR5bI7QOZ
  53. مالك بن نبي، المجتمع الإسلامي والإنسانية العذراء!، 4 نوفمبر 2024، https://2u.pw/8mFEeg6lv
  54. معمر حبار، علاقة الصراع الفكري بالمستشرقين لدى مالك بن نبي من خلال إنتاج المستشرقين، 5 نوفمبر 2024، https://2u.pw/qQRIwyHu
  55. محمد توفيق صدقي وآخرون، ظهور القرآنيين: مقال "الإسلام هو القرآن وحده" والردود عليه، 8 نوفمبر 2024، https://2u.pw/gC2XZKZM
  56. أحمد كمال أبو المجد، تجديد الفكر الإسلامي "إطار جديد.. مداخل أساسية"، 9 نوفمبر 2024، https://2u.pw/qxNMLOG5
  57. منصف المرزوقي، أوهام الديمقراطية الغربية والطريق إلى الحكم الرشيد، 13 نوفمبر 2024، https://2u.pw/zK0XoX00
  58. عبد الناصر توفيق العطار، من أحكام ملك الشقق والطبقات، 1 ديسمبر 2024، https://2u.pw/qd5gOU4X
  59. أحمد حسين عثمان، تسوية النزاع حول المياه في الفقه الإسلامي "دراسة تحليلية مقارنة بالقانون الدولي"، 4 ديسمبر 2024، https://2u.pw/fGVquuUc
  60. عبد الحميد الراقي، رسالة الشافعي من منظور وائل حلاق.. سياق الطرح ومنهج المعالجة، 4 ديسمبر 2024، https://2u.pw/VaLEGKuI
  61. فاطمة حافظ، إسماعيل راجي الفاروقي قراءة في الرؤية الإصلاحية والمشروع المعرفي، 6 ديسمبر 2024، https://2u.pw/SNj5OQI3
  62. محمد الغزالي، حول تطبيق الشريعة، 7 ديسمبر 2024، https://2u.pw/Gwv3f6ph
  63. أحمد عوض هندي، مقاصد الشريعة الإسلاميّة وتحفظات الدول الإسلامية على الاتفاقيات الدولية، 31 ديسمبر 2024، https://2u.pw/e0mSWqXR

 

ثالثًا – عروض ومراجعات

  1. محمد سيد بركة، أوهام الغرب عن الإسلام.. بحث في جذور معاداة الثقافة الإسلامية في الغرب، 18 يوليو 2024، https://2u.pw/s0Zc6uwF
  2. عماد الدين عشماوي، عرض كتاب (أسباب الفشل في تحقيق استقلال القضاء في الأمة المسلمة وعلاقته بتراجعها الحضاري "القضاء المصري نموذجًا")، 12 أغسطس 2024، https://2u.pw/rvzEmvrP
  3. أحمد حسين عثمان، عرض كتاب "أصول الدراسات المقارنة وتطورها بين الفقه والقانون"، 24 أغسطس 2024، https://2u.pw/I09vC7B6
  4. محمد سيد بركة، "امرأتنا في الشريعة والمجتمع"، 7 سبتمبر 2024، https://2u.pw/WBDBkJIH
  5. محمد سيد بركة، النص المجهول للطهطاوي! نهاية الإيجاز [أول كتاب وضع في السيرة النبوية في العصر الحديث]، 15 سبتمبر 2024، https://2u.pw/1NlUmqP3
  6. عبده إبراهيم، ثقافة المقاومة: المقاومــة في الخطاب الفقهي السياسي لسماحة آية الله الشيخ محمد مهدي شمس الدين، 15 أكتوبر 2024، https://2u.pw/7gRZIke1
  7. محمد سليم العوا، عن فقه الجهاد، 23 ديسمبر 2024، https://2u.pw/ZotdbwyX

 

رابعًا – مصطلحات ومفاهيم

  1. مفهوم الضرورة العسكرية في القانون الدولي، 21 فبراير 2024، https://2u.pw/yUWuw9t
  2. جريمة التجويع، 20 أبريل 2024، https://2u.pw/xUxuDhRS
  3. حق الدفاع عن النفس.. مفهومه وشروطه في القانون الدولي، 7 يوليو 2024، https://2u.pw/GjNroGX0
  4. الدروع البشرية، 17 يوليو 2024، https://2u.pw/3sAGvqoJ
  5. مفهوم السياسية الشرعية، 6 أغسطس 2024، https://2u.pw/zWUbzHJP
  6. مفهوم الدولة الدينية، 30 أغسطس 2024، https://2u.pw/sHmsUjAY
  7. الاستدمار الاستيطاني، 21 سبتمبر 2024، https://2u.pw/KRGy8Z9q
  8. مفهوم الأعراف الدولية، 3 ديسمبر 2024، https://2u.pw/bvvcbPDT
  9. مفهوم القانون الجنائي الدولي، 20 ديسمبر 2024، https://2u.pw/3RIYyPl1

 

خامسًا – أخبار وتقارير

  1. 7 أسئلة لفهم القضية التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أمام العدل الدولية، 11 يناير 2024، https://2u.pw/4uqb6qg
  2. خبير قانوني: مشاركة مصر في المرافعات أمام محكمة العدل الدولية ليس له علاقة بدعوى جنوب أفريقيا ضد إسرائيل، 21 فبراير 2024، https://2u.pw/lFRFTdS
  3. تجويع المدنيين خلال الحروب الأهلية يصبح جريمة ضد الإنسانية، 21 مارس 2024، https://2u.pw/UK2sVpXs
  4. الكيان الصهيوني يستخدم التجويع كسلاح حرب في غزة، 21 مارس 2024، https://2u.pw/OsCgMFKo
  5. إجراءات جديدة لتقديم رسائل الماجستير والدكتوراة في الجامعات المصرية، 6 مايو 2024، https://2u.pw/RSdATmUu
  6. محكمة العدل الدولية تصدر أمرًا بالوقف الفوري للهجوم العسكري الإسرائيلي على رفح، 25 مايو 2024، https://2u.pw/GsYYXffl
  7. بيان المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان: طلبات لإصدار أوامر قبض في الحالة في دولة فلسطين، 25 مايو 2024، https://2u.pw/bhl6uRse
  8. دكتوراه بـ بنات الأزهر توصي بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في المعاملات المصرفية، 25 يوليو 2024، https://2u.pw/eVWePVwX
  9. رسالة دكتوراه بالدراسات الإسلامية حول "التكييف الفقهي للعقوبات الاقتصادية الدولية"، 1 أغسطس 2024، https://2u.pw/0P3Z9qH2
  10. الحكم بعدم دستورية قوانين إسلامية بإحدى الولايات الماليزية، 1 أغسطس 2024، https://2u.pw/uz3GINbL
  11. قرارات الزكاة الدولية 1445هـ: تزاوج بين الفقه الإسلامي والمحاسبة الحديثة لتنظيم فريضة الزكاة عالميًا، 11 سبتمبر 2024، https://2u.pw/HJr7zi2v
  12. مجلة "المسلم المعاصر" تنشر مستخلصات أبحاث السنة العشرون، 22 أكتوبر 2024، https://2u.pw/kwNrCFN4
  13. "التراث القضائي العربي: دراسة ببليوجرافية وصفية" إصدار جديد للباحث د. أحمد لطفي السيد، 11 نوفمبر 2024، https://2u.pw/f6FCWdHm
  14. الوضع في فلسطين: الدائرة التمهيدية الأولى للمحكمة الجنائية الدولية ترفض الطعون المقدمة من دولة إسرائيل بشأن الاختصاص وتصدر أوامر اعتقال بحق بنيامين نتنياهو ويواف جالانت، 22 نوفمبر 2024، https://2u.pw/lvMiLu7Z
  15. صدور كتاب "مناهج تطوير قوانين الأحوال الشخصية: دراسة نقدية تطبيقية في المشاريع العربية" للدكتور أحمد حسين عثمان، 11 ديسمبر 2024، https://2u.pw/uc265der
  16. مشروع المعجم التاريخي للمصطلحات القانونية - خطوة نحو توثيق التراث القانوني العربي، 15 ديسمبر 2024م،

 

سادسًا – شخصيات وأعلام

  1. وائل أنور بندق، عبد المنعم البدراوي ... سيرة ومسيرة (1918-2006)، 12 فبراير 2024، https://2u.pw/0tMrPk9
  2. د. معروف الدواليبي، 21 فبراير 2024، https://2u.pw/ZsIdO0T
  3. طارق البشري، التكوين "المستشار طارق البشري" رحمه الله، 26 فبراير 2024، https://2u.pw/MjnsR9h
  4. على زكي العرابي باشا (1882 ـ 1956)، 3 أبريل 2024، https://2u.pw/cdREcL4V
  5. شاعر الإسلام محمد إقبال (صاحب كتاب "تجديد الفكر الديني في الإسلام")، 22 أبريل 2024، https://2u.pw/swH5x2Fx
  6. الشيخ محمود شلتوت... إمام التقريب وأول من لُقب بالإمام الأكبر (1893-1963)، 4 يونيو 2024، https://2u.pw/eQGTRoa9
  7. د. محمد نور فرحات، 25 يونيو 2024، https://2u.pw/dpursTFz
  8. د. محمد سليم العوا، 17 يوليو 2024، https://2u.pw/FgIaLnF5
  9. جاد الحق علي جاد الحق ... القاضي والفقيه والمفتي!، 23 يوليو 2024، https://2u.pw/83lX8f8H
  10. الفقيه العلامة وهبة الزحيلي، 26 يوليو 2024، https://2u.pw/2fLzTcfa
  11. د. محمد عابد الجابري، 26 أغسطس 2024، https://2u.pw/5P1LAk6I
  12. الشيخ علي الخفيف... الفقيه المجدد، 7 سبتمبر 2024، https://2u.pw/1ETU1sco
  13. د. عبد المجيد النجار، 23 سبتمبر 2024، https://2u.pw/Mgjvovjz

 

سابعًا – أحكام قضائية

  1. الحكم بعدم دستورية النص في القانون المدني المصري على منع الوالد من الرجوع في الهبة لأبنائه، 11 فبراير 2024، https://2u.pw/5P9TDEv

 

ثامنًا – سمعيات ومرئيات

  1. الرؤية الحضارية والعلوم الشرعية، 3 يناير 2024، https://2u.pw/HCo4D4OA
  2. قضايا عملية متعلقة بتطبيق الشريعة الإسلامية، 12 يناير 2024، https://2u.pw/Dg64ZLUZ
  3. "طوفان الأقصى وموقف محكمة العدل الدولية" ندوة للدكتور محمد سليم العوا، 22 فبراير 2024، https://2u.pw/GO4i99Po
  4. ندوة تطور العلوم الفقهية، 26 فبراير 2024، https://2u.pw/7W38jgTI
  5. الفقيه الدستوري الدكتور سليمان الطماوي يدلي بشهادته على العصر، 8 مارس 2024، https://2u.pw/jzcrPU9G
  6. حول الإسلام، 10 مارس 2024، https://2u.pw/jvv8EWWI
  7. الشيخ محمد الغزالي والرئيس جمال عبد الناصر: حوار حول المرأة ودورها في المجتمع، 10 ديسمبر 2024، https://2u.pw/d7iQuTIo

 

تاسعًا – حوارات وتفاعلات

  1. عبد الحكيم أحمين، "المفكر وائل حلاق: "طوفان الأقصى دليل على نفاق وعنصرية الحداثة الغربية، 18 يناير 2024، https://2u.pw/ZkqyvtM
  2. محمود الزهراني، حوار مع المستشار طارق البشري حول واقع المؤسسات الدستورية وحال القانون في مصر عام 2006، 28 فبراير 2024، https://2u.pw/dhcpRsU
  3. مركز خُطوة يعقد حلقة نقاشية بعنوان "الفقه والتنظير ضمن ثنائية الواحدية والتنوع"، 7 ديسمبر 2024، https://2u.pw/qfd4Ub2p

 

عاشرًا – وثائق وقوانين

  1. اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، 13 يناير 2024، https://2u.pw/I7AGmCX
  2. ميثاق الأمم المتحدة، 14 يناير 2024، https://2u.pw/6RsCoL9
  3. النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، 15 يناير 2024، https://2u.pw/QaUyZTr

 

على مدى قرن من الزمان، وبالتحديد منذ إلغاء الخلافة الإسلامية التي سقطت عام 1924م، دارت حوارات كثيرة حول علاقة الدولة بالدين، وكان من أبرز الكتب التي دارت حولها تلك الحوارات -عقب السجالات التي نشبت حول كتاب "الإسلام وأصول الحكم" لمؤلفه الشيخ على عبد الرازق، والذي صدر في عام 1925م- كتاب الأستاذ خالد محمد خالد، الذي عنونه "من هنا نبدأ"، والذي نادى فيه بفصل الدين عن الدولة، حيث أثار جدلا كبيرًا كذلك، وتوالت الردود والتعقيبات عليه، وكان من أبرزها رد فضيلة الشيخ محمد الغزالي، بكتابه "من هنا نعلم"، ثم كتاب "من أين نبدأ" للشيخ عبد المتعال الصعيدي الذي ناقش الكتابين معًا، ثم رد المؤلف نفسه –أ. خالد محمد خالد- بتأليفه كتابًا جديدًا تحت عنوان "الدولة في الإسلام"، يتراجع فيه عما أثبته في كتابه من هنا نبدأ من فصل للدين عن الدولة.

وموقعنا ينشر اليوم الكتب الأربعة على التوالي، وهي على النحو الآتي:

 

أولًا: كتاب من "هنا نبدأ" للكاتب خالد محمد خالد([1]):

صدر هذا الكتاب عام 1950م، ثم صدرت فيما بعد العديد من الطبعات من هذا الكتاب، وتحمل الطبعة الذي بين أيدينا رقم 12، حيث صدرت هذه الطبعة عن دار الكتاب العربي ببيروت عام 1974م، وكان الكتاب قد أثار ضجة كبيرة بمجرد صدوره، ووصل الأمر حينذاك إلى حد أن قامت لجنة الفتوى التابعة للأزهر الشريف بإصدار أمر بمصادرة الكتاب وحظر توزيعه، وذلك لاحتوائه على أفكار رأت أنها تخالف ما هو مستقر عليه في الدين الإسلامي، وطالبت اللجنة آنذاك بضرورة محاكمة الكاتب.

ومما ساقته لجنة الفتوى التابعة للأزهر من أسانيد لموقفها بخصوص هذا الكتاب ومؤلفه([2]):

  • أن المؤلف صور الحكومة الدينية بخصائص وغرائز من شأنها أن تبعث في النفوس محاربة هذا النوع من الحكم، ورماها بالغموض المطلق، وأن دستورها الذي تخضع له وتقوم به وتفر إليه وتهرب، هو الدين ... هو القرآن، وأن القرآن والسنة فيهما من الغموض والاحتمالات ما يجعل في الآية والحديث متمسكًا للمتخاصمين المتعارضين في الرأي، وأن المؤلف يعني بهذا أن ذلك الغموض يجعلها غير صالحين لأن يكونا أساسًا صالحًا للحكومة.
  • أن المؤلف يقرر أن مهمة الدين لا تعدو الهداية والإرشاد وأن ما قام به النبي صلى الله عليه وسلم من قيادة الجيوش والمفاوضات وعقد المعاهدات وغيرها من مظاهر السلطة التي يمارسها الحكام لم يكن إلا بحكم ضرورات اجتماعية، وأن المؤلف يعني بذلك أن هذه الشئون التي قام بها النبي لم يقم بها لأنها من مهمته الدينية وعنصر من عناصر الرسالة.
  • أن المؤلف عرض لركن من أركان الدين، وهو الزكاة وخلع عليه ثوبًا يقزز منه النفوس ويجعله مظهرًا من مظاهر المذلة والهوان التي لا يرضى الله بها لعباده، ورأى أن الكهانة، أي الدعوة الدينية، هي التي صورت للناس أن الإسلام يرى في الصداقات اشتراكية تلبي حاجة المجتمع، وأنها بهذا التصوير تسير على طريقة الخداع التي تعودت بها إبداء بعض مظاهر العطف والرحمة بالناس في حين أنها تعمل بها على سلب الناس أعز ما يملكون من كرامة وحق.

وقد ألغت محكمة القاهرة الابتدائية أمر المصادرة في مايو 1950 (أي في سنة إصدار الكتاب ذاتها).

كتاب "من هنا نعلم" لفضيلة الشيخ محمد الغزالي([3]):

ألف الشيخ محمد الغزالي هذا الكتاب عام 1950م كذلك، للرد على كتاب" من هنا نبدأ" للمفكر خالد محمد خالد؛ واستهدف من هذ الكتاب إثبات أن الإسلام دين ودولة، والرد في الوقت نفسه على مطاعن المفترين في الداخل والخارج وافتراءاتهم على الإسلام، وامتازت ردود الشيخ محمد الغزالي بالقوة العلمية والرقي والسمو الأدبي، بالالتزام بالاحترام الأخلاقي في مناقشة صديقه المفكر خالد محمد خالد.

وقد صدرت الطبعة الخامسة من هذا الكتاب عن دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع عام 2005م، وهي الطبعة التي ننشرها على موقعنا.

 

كتاب "من أين نبدأ" للشيخ عبد المتعال الصعيدي([4]):

صدرت الطبعة التي بين أيدينا من كتاب من أين نبدأ للشيخ عبد المتعال الصعيد عن مكتبة الخانجي بمصر، ومكتبة المثنى ببغداد دون ذكر سنة نشر، ولقد جاء هذا الكتاب بحسب تعبير صاحبه- ليرد على "تفريط" الأستاذ خالد محمد خالد في كتابه (من هنا نبدأ)، و"تزمت" فضيلة الشيخ محمد الغزالي في كتابه (من هنا نعلم).

فقد ذكر الشيخ الصعيدي في خاتمة كتابه تحت عنوان "إجمال جواب من أين نبدأ؟"، ما يأتي:

"وبعد فإنى أعيد فى الختام هذا السؤال -من أين نبدأ؟- لأقولها في جوابه كلمة مجملة: إنا نبدأ بما بدأ به الإسلام، فقد بدأ دينا وسطا لا إفراط فيه ولا تفريط، ولا يصلح هذا الدين إلا بما صلح به أوله، ولا يفيد فيه تفريط الشيخ خالد ولا تزمت الشيخ الغزالي، وطريق الإصلاح واضح لمن يريده بإخلاص، ويهديه الله سواء السبيل؟.

 

كتاب الدولة في الإسلام للشيخ خالد محمد خالد:

صدرت الطبعة الرابعة من هذا الكتاب –التي ننشرها في موقعنا- عن دار المقطم للنشر والتوزيع بالقاهرة عام 2004م، ويُعد الكتاب مراجعة فكرية لموقف المؤلف من الحكومة الدينية التي وصمها بالغرائز السبع التي تنحرف بها عن الجادة باسم الدين؛ وتتلخص في الغموض المطلق، ومناصبة العقل العداء، والتآمر على المستنيرين واستعداء الناس عليهم، والغرور المقدس، والواحدية المطلقة، والجمود، والقسوة المتوحشة.

وقد كان الشعار الذي تبناه خالد محمد خالد في هذا الكتاب: "الإسلام دين ودولة.. حق وقوة.. ثقافة وحضارة.. عبادة وسياسة".

فكان هذا الكتاب بمثابة اعتذار من قبل المؤلف عما انتهى إليه من قبل -في كتابه "من هنا نبدأ- من إنكار لوجود الدولة في الإسلام، حيث قرر أن الإسلام دين ودولة وأن الشريعة الإسلامية هي التي تحمى الدولة من التحول إلى دولة دينية فاشية.

 

رابط مباشر لتحميل كتاب "من هنا نبدأ

 

رابط مباشر لتحميل كتاب "من هنا نعلم"

 

رابط مباشر لتحميل كتاب "من أين نبدأ"

 

رابط مباشر لتحميل كتاب "الدولة في الإسلام"

 

 

 ___________________

الهوامش:

(1) خالد محمد خالد (١٩٢٠ – ١٩٩٦م): مفكر مصري، ولد في قرية العدوة بمحافظة الشرقية في 25 يونيو عام 1920م، وتلقى تعليمه في الأزهر الشريف، بعد ما أتم حفظ القرآن الكريم، وحصل على العالمية من كلية الشريعة عام 1945م. عمل بعدها بالتدريس حتى عام 1954م، ثم في وزارة الثقافة حتى ترك العمل الحكومي عام 1976م، لينعم بالبُعد عن قيود الوظيفة منطلقًا في آفاق الإبداع الفكري حتى وافته المنية في 29 فبراير عام 1996م عن عمر يناهز ستة وسبعين عامًا، بعد أن ألف العديد من الكتب القيمة؛ سياسية، وإنسانية، واجتماعية، وفلسفية.

(2)  ذُكر قرار اللجنة ضمن النص الكامل لحيثيات الحكم بالإفراج عن الكتاب في الطبعة الثانية عشر لكتاب من هنا نبدأ الصادرة عام 1974م عن دار الكتاب العربي ببيروت- لبنان، ص11 وما بعدها.

(3) الشيخ محمد الغزالي (1917م- 1996م): داعية إسلامي ومفكر مصري، يُعَد أحدَ كبار الدعاة ورجالات الفكر الإسلامي في العصر الحديث، عُرف عنه تجديدُه في الفكر الإسلامي، ومناهضته للتشدُّد والغلوِّ في الدين، واشتَهَر بأسلوبه الأدبي في الكتابة، ولقِّب بأديب الدعوة، له العديد من المؤلفات القيمة التي تتسم بالعمق والصدق والشجاعة.. وهو أشهر من أن يُعرف!

(4) عبد المتعال عبد الوهاب أحمد عبد الهادي الصعيدي (7 مارس 1894م- 13 مايو 1966م): عالم لغوي من علماء الأزهر الشريف، وعضو مجمع اللغة العربية، وواحد من أصحاب الفكر التجديدي بالأزهر، ومن المنادين بالمنهج الإصلاحي في التعليم والفكر المعاصر والعلوم الإسلامية، وله العديد من المؤلفات منها: بغية الإيضاح، البلاغة العالية، تاريخ الإصلاح في الأزهر، حرية الفكر في الإسلام، الحرية الدينية في الإسلام، السياسة الإسلامية في عهد النبوة، تاريخ العرب في الجاهلية وصدر الإسلام، تاريخ الجماعة الأولي للشبان المسلمين، ثقافات إسلامية، شباب قريش في بدء الإسلام، في ميدان الاجتهاد، القضايا الكبرى في الإسلام، قضية مجاهد في الإصلاح وبحوثها الدينية والعلمية والأدبية، المجددون في الإسلام من القرن الأول إلى القرن الرابع عشر، من أين نبدأ، الوسيط في تاريخ الفلسفة الإسلامية، القرآن الكريم والرد على المبشرين، الأزهر وكتاب دراسات قرآنية... الخ.

محتويات المقال:

  1. مقاصد الشريعة الإسلامية.
  2. العلاقة بين مقاصد الشريعة وأحكام القانون.
  3. مفهوم الاتفاقيات الدولية وأثرها.
  4. ظهور المعاهدات ذات الطابع الاجتماعي وخطورتها.
  5. مفهوم التحفُّظ وأثره، وقيمة تحفُّظات الدول الإسلامية على الاتفاقيات الدولية.

        الخاتمة.

 

الحكومات بعضها ببعض في النواحي السياسية والاقتصادية والثقافية، وإنما تجاوزت ذلك وتدخلت في مختلف المجالات، ومنها المجالات الاجتماعية، وفي المجال الاجتماعي (علاقة أفراد المجتمع بعضهم ببعض وعلاقة أفراد الأسرة فيما بينهم...) شاعت الاتفاقيات الدولية، وغدت هذه الاتفاقيات تنظم أمرًا تمس عادات الشعوب المختلفة وتقاليدها وآدابها.

وحتى لا تفاجئ الشعوب باتفاقيات تصطدم بمقوماتها الاجتماعية والدينية، لجأ واضعو الاتفاقيات الدولية إلى طرح المفاهيم الجديدة- بالنسبة لدول العالم الثالث، التي اعتادت عليها الدول المتقدمة- على هيئة قوانين أو تشريعات نموذجية، وتدعو الدول إلى الأخذ بها تدريجيًّا، حتى تعتادها مختلف الدول وتصبح بمثابة قوانين عالمية.

وإذا كان هذا النهج مقبولًا ومنطقيًّا في المسائل التجارية والاقتصادية، والسياسية، فإنه يكون نهجًا صادمًا في المسائل الاجتماعية، وخاصة مسائل الأحوال الشخصية، التي تنظر مختلف الشعوب إليها على أنها مسائل خاصة بها، وأنها نتاج قيم وعادات وتقاليد نابعة منها، ولا تقبل هذه الشعوب أي تدخل- من الخارج- في هذه الأمور، سواء أخذ صورة اتفاقية دولية أو قانون نموذجي.

ولما كانت الدول الإسلامية تترك تنظيم المسائل الاجتماعية، وأمور الأحوال الشخصية، للفقه الإسلامي، وتحرص على مبادئ وقيم دينية، مستمدة من الدين الإسلامي الحنيف، وتدور حول مقاصد الشريعة، فإنها حينما تنضم إلى اتفاقية ما، تتحفظ عليها بعدم تعارض أحكامها مع مبادئ الشريعة الإسلامية، خاصة أن الاتفاقية الدولية، بمجرد التصديق عليها تتحول إلى تشريع وطني له قوة القانون، وبالتالي فإن تحفظ الدول الإسلامية يكون بهدف التملُّص من أحكام هذه الاتفاقية المتعارضة مع الشريعة الإسلامية.

ونعرض أولاً لمقاصد الشريعة الإسلامية، ثم تنظيم العلاقة بين مقاصد الشريعة وأحكام القانون، الوطني والمقارن، ونعرض بد ذلك لمفهوم الاتفاقيات الدولية وأثرها، وتعدد الاتفاقيات الاجتماعية وقوتها، ثم نعرض لموضوع التحفظ وأثره ومدى ملاءمته، وأخيرًا نعرض لتحفظات الدول الإسلامية على الاتفاقيات الدولية.

 

 1. مقاصد الشريعة الإسلامية:

أساس الأحكام الشرعية هو الإنسان ومصالحه، فالمصلحة هي مدار الشرع، فحيث توجد المصلحة فثَمَّ شرعُ الله، والمصلحة تمثل العدل([1])، ومقاصد الشريعة تسعى إلى تحقيق ذلك. والمصلحة تعني المحافظة على مقصود الشرع، ومقصود الشرع من الخلق خمسة، وهو أن يحفظ عليهم دينَهم ونفْسَهم وعَقْلَهم ونَسْلَهم ومالَهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة هو «مصلحة». وكل ما يفوِّت هذه الأصول هو «مفسدة»، ودفعه مصلحة. فجميع العلوم الشرعية تسعى إلى معرفة وفهم مقاصد الشريعة التي قامت لإسعاد الإنسان وتحقيق مصالحه في الدنيا، بالأمن والسلام، وفي الآخرة بالفوز بالنعيم الأبدي([2]).

فقال سبحانه وتعال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 70]. فالله خلق الإنسان ليعبده، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]. وأنزل عليه كتابه لتنظيم حياته ليسعد في دنياه لا ليشقى، ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ﴾ [طه: 1-2].

وتأتي مهمة الفقهاء في فهم مقاصد الشرع من خلال علم أصول الفقه، وهو علم يقتدر به على استنباط الأحكام من أدلتها، بالوقوف على حكم الله تعالى على العباد؛ من وجوب وندب وحظر وكراهة وإباحة، فينتهي بذلك إلى سعادة الإنسان الأبدية([3]).

إن وراء كل حكم شرعي جلْبَ مصلحة ودَرْءَ مفْسَدة، فأوامر الشرع تتبع المصالح الخالصة أو الراجحة، ونواهيه تتبع المفاسد الخالصة أو الراجحة([4]). وإبراز علل الأحكام ومقاصدها أمر يفيد الفقهاء والمجتهدين كما يفيد عامة الناس (المكلفين)؛ لأنه حين يدرك مقصود الحكم الذي هو مُطالبٌ به يكون أكثر إقبالًا عليه وأكثر حماسًا في تنفيذه([5]).

وتنقسم مقاصد الشريعة من حيث الحاجة إليها إلى ثلاث مراتب: ضرورية، وحاجيَّة، وتحسينية.

والمقاصد الضرورية: هي ما لا بد منه لحفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، ويكون ذلك بإقامة أركانها وتثبيت قواعدها ودرء المفاسد الواقعة أو المتوقعة عليها، ولقد شُرع لحفظ النسل النِّكاحُ وأحكامُ الحضانة، وشُرع لحفظها حرمة الزنَى واللِّواط وترتيب العقوبات على ذلك.

أما المقاصد الحاجيّة فهي التي تتحقق من دونها الأمور الخمسة، ولكن مع الضيق والحرج، فشرعت للحاجة إلى رفع الضيق عنهم حتى لا يقعوا في حرج قد يفوِّت عليهم المطلوب، ولذا شرع الطلاق والمهور.

أما المقاصد التحسينية فهي ما كان تركها لا يؤدي إلى ضيق ولكن مراعاتها منفعة، مع مراعاة الأخذ بما يليق وتجنب ما لا يليق، وذلك تماشيًا مع أحكام الأخلاق ومحاسن العادات، وفيما يتعلق بحفظ النسل شرعت أحكام الكفاءة في اختيار الزوجين وآداب المعاشرة وغيرها، أي إن التحسين هو ما لا يرجع إلى ضرورة ولا إلى حاجة، ولكنه يقع موقع التحسين والتوسعة([6]).

ويراعى أن هذه المقاصد هي مقاصد الشريعة الإسلامية، أي المبادئ والأسس والأهداف العامة التي تراعيها الشريعة الإسلامية وتعمل على تحقيقها من خلال أبوابها التشريعية([7]). وإن كان على الفقه الإسلامي السعي الدائم لإدراك هذه المقاصد، إلا أنها مقاصد للشريعة وليست مقاصد للفقه، فيجب عدم الخلط بين «الشريعة الإسلامية» و«الفقه الإسلامي»، فالشريعة الإسلامية هي المنهج وقواعد العبادات، أي مجموعة النصوص القرآنية والأحاديث الصحيحة الواردة عن الرسول (صلى الله عليه وسلم)، أي السنّة المؤكَّدة.

وهذه النصوص الشرعية المتعلقة بالمنهج والعبادات لها طابع القداسة والإلزام ولا تقبل تبديلًا، ولا تتغير بتغير الزمان والمكان. أما الفقه الإسلامي فهو اجتهادات الفقهاء الذين يدرسون النصوص الشرعية لاستنباط الأحكام الفقهية فيها، أي إنه نشاط عقلي بشري يهدف إلى إيجاد الحلول للمشاكل العملية، استنادًا إلى النصوص والمصادر الشرعية الملزِمة. وآراء الفقهاء ليس لها قداسة النصوص أو إلزامها؛ لأن هذه الآراء يمكن أن تتغير بتغير الزمان وظروف المكان([8]).

 

 2. العلاقة بين مقاصد الشريعة وأحكام القانون:

تقوم قواعد القانون بتنظيم العلاقات بين الأفراد بما يحفظ حقوقهم ويحقِّق مصالحهم، فيسود العدل بينهم، وبتحقُّق مصالح المجتمع يُدفع الضرر عنه. كذلك فإن أحكام الشريعة الإسلامية قصد منها- دون شك- تحقيق مصالح المجتمع الإنساني ودفع المضارِّ عن الإنسانية في العصور والأماكن كافة، فالشريعة لم تأمر بشيء أو تنهى عنه إلا إذا كان فيه مصلحة حقيقية، ودفع ضرر، واجتناب مفاسد مهلكة([9]).

ومع مراعاة أن: المصلحة في القانون تعني الفائدة أو النفع الذي يعود على الأشخاص- محض نفعٍ أو دفع ضرر- ومعيارها مادي نفعي، وهو ما يصب في صالح الأفراد والمجتمع واستقراره. أما في الشريعة- أو لدى الفقه الإسلامي- فهي تتمثل في كل ما فيه صلاح ونفع للخلق في دنياهم أو في دينهم، بالمحافظة على مقصود الشرع من الخلق، أي حفظ الأصول الخمسة بما يحقق السعادة الحقيقية للناس. فمقاصد الشرع يجب مراعاتها، وحيث تتعارض مقاصد الشرع مع مقاصد الخلق فإن مقاصد الناس لا تكون في الواقع والحقيقة مصالح بل أهواء وشهوات زينتها النفس وألبستها العادات والتقاليد ثوب المصالح، وبالتالي لا يُعتد بها([10]).

وإذا كانت المقاصد الشرعية هي نفسها المصالح الشرعية، المصالح التي تعود على العباد في دنياهم وأخراهم، سواء أكان تحصيلها عن طريق جلب المنافع أو عن طريق دفع المضار، وأن المقاصد منها الضرورية والحاجية والتحسينية، فإن المصالح التي يدور حولها حكم الشرع هي المصالح المعتبرة والمرسلة، دون المصالح الـمُلْغاة.

والمصالح المعتبرة هي المصالح التي اعتبرها الشارع، بمعنى أنه شرع لها الأحكام الموصِّلة لها، أي المصالح التي قام الدليل الشرعي على اعتبارها، ووضع من الأحكام ما يوصِّل إليها، وهذه المصالح هي حفظ الدين والنفس والمال والعقل والعِرْض.

والمصالح المرسلة هي المصالح المطلقة عن تعيين دليل الاعتبار والإلغاء، لكنها ترجع لأصل شرعي عام يُعلم بالكتاب والسنة، فهي مصلحة تدخل في مقاصد الشرع ولكن لا يقوم دليل خاص على إلغائها أو بقائها، فهي مصالح لأنها تجلب نفعًا وتدفع ضررًا وهي تعتبر مرسلة؛ لأنها مطلقة عن اعتبار الشارع أو إلغائه، فهي غير مقيدة؛ لأنه لم يدل دليل خاص من نصوص الشارع على اعتبارها أو إلغائها.

أما المصالح الملغاة فهي مصالح أهدرها الشرع وألغاها ولم يعتبرها، فهي لا تعتبر مصالح بالمعنى الدقيق، بل يمكن القول إنها مفاسد ولكن البشر قد يتوهم أنها مصالح. مثل المصلحة المتوهمة فيما يتعلق بالتسوية بين المرأة والرجل في الميراث، مصلحة المرابي في حصوله على الربا لزيادة رأس ماله([11]).

ويمكننا القول: إنه إذا كان إسعاد البشر هو هدف الشريعة والقانون، والمعاهدات والاتفاقيات الدولية، وإن المصالح المعتبرة لدى الشرع هي مصالح معتبرة أيضًا في القانون، وإن تفاوتت الأحكام والقواعد التي تنظم حماية هذه المصالح([12])، فإن المصالح المرسلة- التي لها أهميتها في الفقه الإسلامي، وهي المجال الخصب للاجتهاد، وسيلة استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها الأصلية، بما يواكب التطورات المتلاحقة، ويحقق مصالح العباد، بما لا يخالف الأحكام قَطْعيةَ الثُّبوت والدِّلالة- لها الأهمية ذاتها والقدر نفسه الذي لها في القانون.

أما المصالح الملغاة، لدى الفقه الإسلامي، فقد تمثل المجال الذي يتفاوت فيه معنى المصلحة بين الفقه الإسلامي والقانون، وهي تمثل كذلك المجال الخصب الذي يمكن أن تنْفذ منه المفاهيم المادية المطلقة إلى الدول الإسلامية، من خلال الاتفاقيات الدولية والقوانين النموذجية، ومن هنا كانت أهمية تحفُّظات الدول الإسلامية على هذه المعاهدات والقوانين.

وبعبارة أخرى: يمكن القول: إن المصلحة في القانون مغلفة أحيانًا بالمادية والنفعية: نفع الأشخاص والمجتمع، ويحاول المشرع إحداث توازن بين المصالح الخاصة فيما بينها، ثم تحقيق التوازن بين المصالح العامة والمصالح الخاصة، وإن المصلحة في القانون ذات أساس اجتماعي وضعي، أما في الفقه الإسلامي فمقاصد الشريعة مرتبطة بمصالح موضوعية، المصالح تتحدد باعتبار الشارع لها وليس باعتبار الأفراد الذاتي لها؛ فالمقاصد الشرعية محددة تحديدًا شرعيًا وهي ذات أساس ديني صحيح يتميز بالثبات مع التطور، وأن هذه المقاصد أعم وأشمل من الأهداف في فلسفة القانون الوضعي. فهي مقاصد موضوعية، تكمن بها كل عوامل ملاءمتها وتناسقها مع ظروف الفرد في الجماعة، مع احترام المصالح الفردية، وأنه لا يوجد تعارض بين المقاصد الشرعية([13]).

على أنه لا خلاف بين القانون والشريعة في استهداف تحقيق النظام في المجتمع كفاية كلية، وإن كان لكل منهما مفهومه الخاص ووسائله ومفاهيمه في تحقيق هذه الغاية، وهذا المقصد العام مرتبط بالمصلحة. وإن تحقيق المقاصد الشرعية بأقسامها المختلفة يعتبر من مقاصد النظام([14]) القانوني الوضعي في مصر. ودليل ذلك النصوصُ القانونية العديدة التي تحرص على تحقيق هذه المقاصد، والمادة الثانية من الدستور السابق (دستور 1971) والجديد لسنة 2012؛ (الإسلام دين الدولة... ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع)، والمادة 219 من هذا الدستور الجديد: (مبادئ الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية وقواعدها الأصولية والفقهية، ومصادرها المعتمدة من مذاهب أهل السنة والجماعة). فهذا ضابط دستوري لكل النظام القانوني في مصر، بمقتضاه يجعل من مقصد مراعاة أحكام الشريعة الإسلامية عند التشريع، مقصدًا ضروريًّا، يترتب على مخالفته، أي تفويته، عدم دستورية القانون وبالتالي تعريضه للإلغاء.

 

 3. مفهوم الاتفاقيات الدولية وأثرها:

المعاهدة الدولية هي اتفاق دولي مكتوب يبرم بين شخصين أو أكثر من أشخاص القانون الدولي العام، يستهدف ترتيب آثار قانونية معينة طبقًا للقانون الدولي العام. وتعد المعاهدة أكثر تحديدًا وانضباطًا عن غيرها من مصادر القانون الدولي الأخرى (العرف الدولي، مبادئ القانون العامة التي أقرتها الدول المتمدينة، وأحكام المحاكم ومذاهب كبار الفقهاء)، مما يقلل من فرص الاختلاف حول تفسير المعاهدات وتطبيقها.

كما أن المعاهدة وسيلة قانونية سريعة وسهلة لإنجاز أي هدفٍ تسعى إليه الدول، إذ يمكن من خلالها للدول أن تنظم مجالات الحياة الدولية كافة: السياسة والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وغيرها، وكذلك تقنين ما استقرت عليه الجماعة الدولية من قواعد قانونية، وسَنُّ ما تحتاجه من قواعد قانونية جديدة لتواكب التطور المتنامي للمجتمع الدولي([15]).

وإذا صدَّقت الدولة على المعاهدة فإنها تلتزم نهائيًّا بها، ولا يجوز لها الامتناع عن تنفيذها، وعليها أن تتخذ التدابير الضرورية كافة لوضعها موضع التنفيذ([16]). وللدولة أن تنضم إلى معاهدة أبرمتها دول أخرى، إذا سمحت بذلك نصوص هذه المعاهدة، أو بناء على اتفاق الأطراف فيها، وبالانضمام للمعاهدة تلتزم الدولة بإرادتها بالمعاهدة فتصبح الدولة المنضمَّة طرفًا في المعاهدة، وعليها أن تتخذ التدابير الضرورية كافة لوضع المعاهدة موضع التنفيذ. وللدولة المنضمَّة أن تلتزم بجزء فقط من معاهدة نافذة إذا سمحت بذلك المعاهدة، أو وافقت على ذلك الدول المتعاقدة الأخرى([17]).

وتدخل المعاهدة حيِّز التنفيذ بعد إبرامها والتأكد من سلامتها وصحتها من عيوب الرضا كافة، وتوافر الأهلية اللازمة للتعاقد لدى الدول الأطراف، وعدم تعارض أحكامها مع أية قاعدة من قواعد القانون الدولي العام الآمِرة. وتدخل المعاهدة حيز التنفيذ من تاريخ رضا أطرافها كافة بالالتزام نهائيًّا بأحكامها (أي بالتصديق عليها بحسب الأصل، أو بالتوقيع في حالات محددة، أو بالانضمام)، فتسري دون أثر رجعي، فيجب على أطرافها احترام أحكامها والعمل على تنفيذها وفقًا لاعتبارات حسن النية، وهذا ما أكدته اتفاقية ڤيينا لقانون المعاهدات لسنة 1969. وإنه من شأن إخلال أحد الأطراف باحترام أحكامها، أو تراخيه في تنفيذ التزاماته أو تعطيله، أن يعرضه للمسؤولية الدولية. فعلى كل طرف أن يتخذ التدابير والإجراءات الضرورية كافة، كإصدار قانون أو لائحة معينة لوضع المعاهدة موضع التنفيذ، والالتزام بالامتناع عن أي فعل أو عمل من شأنه أن يعطِّل العمل بالمعاهدة المرتبطة بها، كما لا يجوز لطرفٍ أن يحتج بقانونه الداخلي كمسوِّغٍ لإخفاقه في تنفيذ المعاهدة.

ويُرْجَع في مسألة وضع المعاهدة في إطار النظام القانوني لكل من أطرافها إلى دستور كل دولة طرف، حتى تكتسب قوة القانون في الدولة وتلتزم بتطبيقها([18]).

مع مراعاة أن آثار المعاهدات نسبية، أي تقتصر على أطرافها ولا تلتزم بها دولة غير طرف، كما لا يجوز لهذه الدولة الاحتجاج بالمعاهدة. ومع ذلك يمكن الاحتجاج بالمعاهدة على دولة ليست طرفًا فيها، أو أن تتمسك هذه الدولة بحق بمقتضى المعاهدة، وذلك إذا قصد الأطراف في المعاهدة أن يكون النص الوارد في المعاهدة: (الذي يُنشئ على الدولة الغير التزامًا)- وسيلة لإنشاء الالتزام وقَبِلَتْه الدولة الغير صراحةً وكتابةً (المادة 35 من معاهدة ڤيينا)، كذلك قد ينشأ للدولة الغير حق من نص في المعاهدة، أو قصد الأطراف فيها أن يمنح النص هذا الحق، إمَّا للدولة الغير، أو لمجموعة من الدول التي تنتمي إليها، أو لجميع الدول، ووافقت الدولة الغير على ذلك.

وتفترض الموافقة ما دامت الدولة الغير لم تُبْدِ العكس إلا إذا نصت المعاهدة على خلاف ذلك (المادة 36 من اتفاقية ڤيينا)، مع مراعاة أن المعاهدات الشارعة (أي التي قصد أطرافها من وراء إبرامها إنشاء قواعد دولية جديدة لتنظيم العلاقات فيما بينهم) لا ينطبق عليها مبدأ نسبة الأثر بالنظر؛ لأن آثارها القانونية تنصرف إلى جميع أشخاص القانون الدولي العام، أي إن المعاهدات الشارعة تنطبق على الدول الغير دون رضاها، وتفلت من مبدأ النسبية. كما أن المعاهدات المقننة للعرف الدولي تُلْزم غير أطرافها بالنظر إلى أن دورها تقنيني- فقط- لقواعد قانونية عامة مجردة تسري على جميع أشخاص القانون الدولي العام، فمصدر الالتزام هو العرف وليس المعاهدة، وكذلك فإن المعاهدة المبرَمة بين مجموعة الدول تلزم غير الأعضاء فيها، إذا ثبت أن أعضاء الجماعة الدولية تواترت على الالتزام بكل أو بعض أحكامها، إذ تصبح هذه الأحكام عندئذ أحكامًا عرفية، ومن ثم تلتزم بها أعضاء الجماعة الدولية كافة([19]).

 

4. ظهور المعاهدات ذات الطابع الاجتماعي وخطورتها:

إذا كانت المعاهدات والاتفاقيات الدولية هي الوسيلة المناسبة لتنظيم العلاقات السياسية والاقتصادية بين الدول، فإن الواقع يشهد بأنها دخلت المجال الاجتماعي، فظهرت الاتفاقيات الدولية، برعاية الأمم المتحدة، التي تنظم حقوق الإنسان، وحقوق المرأة، وحقوق الطفل، ومناهضة التعذيب، ومكافحة التمييز، كما ظهرت اتفاقيات تحمي الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وكذلك الحقوق المدنية والسياسية. وهي بذلك لا تكتفي بتنظيم العلاقات بين الدول، وإنما تتدخل في حقوق الأفراد داخل الدولة، وفي علاقاتهم بعضهم ببعض وفي علاقاتهم بالدولة، وبذلك فإنها تصطدم بقيم كل مجتمع وعاداته، خاصة أن ما تراه بعض الدول أمرًا عاديًّا وحقًّا مقررًا للأفراد، تنظر إليه دول أخرى نظرة الحذَر والرِّيبة.

ويُعَدُّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1948، من أعم هذه الاتفاقيات، حيث قرر الحقوق الأساسية للإنسان وأهمها الحق في المساواة والحرية والكرامة- دون تمييز من أي نوع ولاسيما بسبب العنصر، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي، أو الثروة، أو المولد، أو أي وضع آخر- والحق في الحياة، والأمن الشخصي، والسلامة البدنية والنفسية. الحق في الشخصية القانونية، والحق في محاكمة منصفة أمام محكمة مستقلة وحيادية، وفي التمتع بجميع الضمانات اللازمة للدفاع عن النفس، والحق في عدم التعرض لتخُّل تعسفي في الحياة الخاصة أو في شئون الأسرة أو المسكن أو المراسلات، أو لحملات تمسُّ شرف الإنسان وسمعته، والحق في التمتع بالجنسية، وحق الرجل والمرأة في الزواج وتأسيس أسرة دون أي قيد بسبب العرق أو الجنسية أو الدين، وفي المساواة في الحقوق عند التزوج، وخلال قيام الزواج، وعند انحلاله. والحق في مستوى معيشة يكفي لضمان الصحة والرفاهية، والحق في الرعاية والمساعدات الخاصة للأمومة والطفولة.

وهذه الحقوق التي أقرها الإعلان العالمي لا تتعارض- في أغلبها- مع مقاصد الشريعة الإسلامية بل تتفق معها تمامًا، إلا أن بعضها يتعارض مع هذه المقاصد ومع بعض الأحكام الشرعية الثابتة، مثل الحق في التزوج، دون أي قيد بسبب الدين، فالثابت في الفقه الإسلامي أنه لا يجوز للمسلمة الزواج بغير المسلم. وكذلك الحق في المساواة في الحقوق عند التزوج، وخلال قيامه، وعند انحلاله. فلذلك قد يصطدم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في الحقوق التي أقرَّها في هذا الجانب بمفاهيم المهر، مقدَّمِه ومؤخَّرِه، والميراث في الشريعة الإسلامية. وهو ما دفع أغلب الدول الإسلامية إلى التحفظ على هذه الأمور عند تصديقها على هذا الإعلان.

أما اتفاقية القضاء على أشكال التمييز كافة ضد المرأة (السيداو) CEDAW، التي أُبرمت سنة 1979، وانضمت إليها مصر وصدَّقت عليها سنة 1981، فتشمل ديباجة و30 مادة تتضمن تفصيلًا لحقوق المرأة الإنسانية على نحو لم تأت به وثيقة أخرى متعلقة بحقوق الإنسان من قبل. فقد حظرت الاتفاقية التمييز ضد المرأة، أي حظْر كل تفرقة أو استبداد أو تقييد يتم على أساس الجنس، ويكون من آثاره أو أغراضه إضعاف أو إحباط الاعتراف للمرأة بحقوق الإنسان والحريات الأساسية في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية، أو في أي ميدان آخر، أو إضعاف أو إحباط تمتعها بهذه الحقوق أو ممارستها لها، بصرف النظر عن حالتها الزوجية، وعلى أساس المساواة بينها وبين الرجل.

وألزمت الاتفاقية الدول بإدماج مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في الدساتير الوطنية وتشريعات كل دولة، وكفالة التطبيق العملي لهذا المبدأ، وفرض حماية قانونية لحقوق المرأة عن طريق المحاكم الوطنية والمؤسسات الأخرى، من أي عمل تمييزي ضدَّها، وإلزامها بالامتناع عن أي عمل أو ممارسة تمييزية ضدَّها، مع اتخاذ التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة من جانب أي شخص أو منظمة أو مؤسسة، مع تغيير أو إلغاء القوانين والأنظمة والأعراف والممارسات التي تشكل تمييزًا ضد المرأة، وإلغاء جميع الأحكام الجزائية الوطنية التي تشكل تمييزًا ضد المرأة.

كما فرضت الاتفاقية على الدول تمكين المرأة، مع جواز تمييزها مؤقتًا، والقضاء على الأدوار النمطية للجنسين، والقضاء على الإتجار بالمرأة، وفرض المساواة في الحياة السياسية والعامة، وفي قوانين الجنسية، وفي التطليق، وفي العمل، وفي الحصول على خدمات الرعاية الصحية، وفي الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وكفالة المساواة أمام القانون، وفي العلاقات العائلية، مع التأكيد على إلزام الدول بالقضاء على التمييز ضد المرأة في المناطق الريفية، وأن تنشئ الدول لجانًا للقضاء على التمييز ضد المرأة([20]).

ولا شك أن هذه الاتفاقية أرست مبادئ مهمة وحقوقًا مميزة للمرأة، وهي تدخل تحت عموم مقاصد الشريعة ولا تتعارض معها، ولكن بعض أحكام هذه الاتفاقية تخل بأحكام الشريعة الإسلامية، خاصة مساواة المرأة بالرجل في كافة الأمور المتعلقة بالزواج وعلاقات الأسرة في أثناء الزواج وعند فسخه، فالدول الإسلامية، ومنها مصر، تحفظت على ذلك بأن يكون ذلك دون إخلال بأحكام الشريعة الإسلامية التي تكفل للزوجة حقوقًا مقابلة لحقوق الزوج بما يحقق التوازن بينهما.

ولأهمية اتفاقية (السيداو)، لتعرضها لوضع المرأة وحقوقها، مع إطلاق المساواة بينها وبين الرجل بطريقة ميكانيكية، ولأن هذه الاتفاقية تُشكل أفضل ما جرى الاتفاق عليه بين مختلف الدول لحماية المرأة ودفع الظلم الذي عانت منه طويلًا، لذلك يمكن القول: إن أغلب ما جاءت به اتفاقية (السيداو) للقضاء على أشكال التمييز كافة ضد المرأة في نطاق الأحوال الشخصية، يتفق وأحكام الشريعة الإسلامية، خاصة حقها في عقد الزواج، وحريتها في اختيار الزوج، وفي عدم التزوج إلا برضاها الحر الكامل([21]).

أما بخصوص حقوق المرأة المالية المترتبة على عقد الزواج، فيمكن القول: إن الاتفاقية تتفق في ذلك مع أحكام الإسلام، إذ إن الإسلام لم يُقِرَّ بأية تفرقة، أو استبعاد، أو تقييد، يتم على أساس الجنس، بل يمكن القول: إن الإسلام يخالف الاتفاقية في أنه يكفل للزوجة حقوقًا مالية في أثناء الزواج، ويلقي بالمسؤولية على الزوج بما يعد تمييزًا لصالح المرأة، تمييزًا مستمرًّا باستمرار الحياة الزوجية، فالزوج هو المسؤول عن تقديم المهر للمرأة، وعن نفقات الزواج، وعن الإنفاق عليها([22]).

أما بخصوص حقوق المرأة غير المالية المترتبة على الزواج فتتفق (السيداو) مع الشريعة الإسلامية في أن الإسلام لم يقرَّ أية تفرقة- أو استبعاد أو تقييد- على أساس الجنس، يكون من آثاره أو أغراضه النَّيْل من الاعتراف للمرأة بحقوقها في الأمور غير المالية المتعلقة بالحق في الجماع، وعدم الإضرار بها في أثناء الزواج على أساس تساويها مع الرجل، كذلك إقرار الإسلام حقَّ الزوجة في تنظيم الإنجاب.

ولكن تختلف (السيداو) عن الإسلام في أن الإسلام يشترط في تنقُّل الزوجة وسفرها إذن الزوج وأنْ يكون السفر مع مَحْرَمٍ،  وأن حرية الزوجة في اختيار مسكنها مقيدة بضرورة الإقامة مع الزوج حيث يقيم، طالما لم تشترط الزوجة في عقد زواجها مسكنًا معينًا أو مكانًا محددًا، بالإضافة إلى أن الإسلام خَصَّ الزوجة بحقها في المعاشرة بالمعروف وبحقِّ العدل، وخصَّ الزوج بمسؤوليته عن ذلك([23]).

أما بخصوص حق الزوجة في فراق الزوج والأولاد، فإن (السيداو) تخالف الشريعة الإسلامية؛ لأنها ترسي مساواة مطلقة بينهما في إنهاء الزواج، بينما تكفل الشريعة الإسلامية للمرأة حقوقًا متكافئة مع الرجل، بما لا يعني المساواة المطلقة بينهما في ذلك؛ لوجود تمايز في الخصائص والوظائف بين الرجل والمرأة([24]).

أمَّا بشأن حقوق المرأة في الاستحقاقات الأسرية (حقوق المرأة في النفقة في نطاق الأسرة، وفي الإرث) فالاتفاقية تخالف الشريعة الإسلامية؛ لأنها ترسي مساواة مطلقة، تماثل في مفردات الحقوق كافة ما يقابلها من واجبات. بينما تقوم الشريعة الإسلامية على التكافؤ بين الرجل والمرأة، فمجموع الحقوق والواجبات للمرأة يكافئ مجموع الحقوق والواجبات للرجل في هذا الشأن، وإن كان بينهما خلاف في مفردات تلك الحقوق بما لا يوجب نقص أحد المتخالفين عن الآخر([25]).

كذلك فإنه بخصوص حقوق المرأة في الوِلاية والوصاية والنَّسَب فإن هناك أوجه خلاف كثيرة. فاتفاقية (السيداو) خالفت الشريعة الإسلامية التي حظرت التبني، (بينما أوجبت (السيداو) المساواة بين الرجل والمرأة في التبني). كما أن الاتفاقية أقرت بحق الزوجة في اختيار لقبها على نحو متساوٍ مع الرجل، في حين أن الشريعة الإسلامية تحظر ذلك، إذ إن من شأنه منْعَ المرأة حقوقها في النَّسَب وتفريطها فيها([26]).

أما اتفاقية حقوق الطفل لسنة 1989، التي انضمت إليها مصر سنة 1990- فقد تضمنت الحقوق الأساسية للطفل، وخاصة الحق في الحياة والسلامة البدنية، والحق في التعليم والرعاية الصحية، والحق في الحصول على معلومات، والحق في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة، وحقه في وسط عائلي مناسب، والحق في التربية، والحق في اللعب، وفي الحماية من صور الاستغلال.

وأنشأت الأمم المتحدة اللجنة المعنية بحقوق الطفل من عشرة خبراء، وهي تختص بالنظر في التقارير التي تقدمها الدول الأعضاء عما اتخذته من تدابير لتنفيذ الاتفاقية، وتجتمع اللجنة مرة كل سنة، وتقدم تقاريرها للجمعية العامة للأمم المتحدة كل سنتين، تضمّنها ما تراه من مقترحات وتوصيات تتعلق بتنفيذ الاتفاقية.

ورغم أن هذه الاتفاقية تتمشى في أغلبها مع أحكام الشريعة الإسلامية، غذ إنها تحمي حقوقًا أرستها الشريعة منذ أكثر من ألف وأربع مئة عام، إلا أنها تطرقت إلى موضوعات تتصل بمفاهيم غريبة قد تصطدم بأحكام الشريعة، أو بآراء الفقه الإسلامي، مثل العلاقة بين الجنسين أو التسوية في سن الزواج بين الفتى والفتاة- سن الثامنة عشر، والفحص السابق على الزواج- كما أن الاتفاقية حظرت ختان الإناث، وهو ما قد يلاقي مقاومة من بعض رجال الفقه في العالم الإسلامي.

وهناك أيضًا اتفاقية مناهَضة التعذيب، التي صدرت سنة 1984، وانضمت إليها مصر سنة 1986، وهي الاتفاقية التي حظرت أشكال التعذيب كافة والمشاركة فيه، وألزمت الدول باعتبار جميع أعمال التعذيب جرائم بموجب قانونها الجنائي، تعاقب عليها بعقوبات مناسبة لخطورتها، وأوجبت الاتفاقية على كل دولة أن تدرج التعليم والإعلام فيما يتعلق بالتعذيب، في برامج تدريب الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين والعاملين في ميدان الطب، كما تعهدت كل دولة بأن تمنع حدوث أي أعمال أخرى مما يعد معاملة أو عقوبة قاسية أو غير إنسانية أو مهينة، ولو كانت لا تصل إلى حد التعذيب.

وأنشأت الاتفاقية لجنة دولية لمناهَضة التعذيب تتألف من عشرة خبراء على مستوى أخلاقي عالٍ، تنظر في تقارير الدول الأطراف عما اتخذته من تدابير لمناهضة التعذيب، ولهذه اللجنة أن تبدي التعليقات العامة كافة وترسلها إلى الدولة المعنية.

كذلك هناك الاتفاقية الدولية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية 1966، التي انضمت إليها مصر عام 1981، وتتضمن حق الفرد في الضمان الاجتماعي، وحق الأسرة في الحماية والمساعدة الممكنة، والحق في الزواج بالرضا الحر للأطراف المقبلة عليه، وحق الأمهات في حماية خاصة خلال فترة معقولة قبل الولادة وبعدها، وحق كل فرد في مستوى معيشة مناسب لنفسه وعائلته، وحقه في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة البدنية والعقلية، والعمل على خفض نسبة الوفيات في الأطفال، وتحسين شتى الجوانب البيئية، والعمل على الوقاية من الأمراض المعْدِية والمتفشِّية والمهنية وغيرها، ومعالجتها وحصرها، والعمل على خلْق ظروف من شأنها أن تؤمّن الخدمات الطبية والعناية الطبية في حالة المرض.

وهناك أيضًا الاتفاقية الدولية للحقوق المدنية والسياسية التي صدرت سنة 1966، وانضمت إليها مصر سنة 1981، وتتضمن هذه الاتفاقية الحقوق المدنية والسياسية للشعوب والأفراد، وتقرر المساواة بين الرجال والنساء في التمتع بالحقوق المدنية والسياسية الواردة فيها، مع تأكيد الحق الطبيعي لكل إنسان في الحياة، وضرورة حماية القانون لهذا الحق، وعدم جواز حرمان أي فرد من حياته بشكل تعسفي، وعدم جواز إخضاع أي فرد للتعذيب أو لعقوبة، أو معاملته معاملة قاسية أو غير إنسانية أو مهينة، وعدم جواز إخضاع أي فرد دون رضاه الحر للتجارب الطبية والعلمية، وحق كل فرد في الحرية والسلامة الشخصية، وحق العائلة في التمتع بحماية المجتمع والدولة. وللرجال والنساء في سن الزواج الحق في الزواج وتكوين أسرة، ولا يتم زواج بدون الرضا الكامل والحر للأطراف المقبلة عليه.

هذه هي أهم الاتفاقيات الدولية التي أبرمت في الفترة الأخيرة والتي تدخلت في مجال الحقوق الاجتماعية، وتتصادم في بعض نصوصها مع المفاهيم والقيم المستقرة في الدول الإسلامية. ولا شك أن الاتفاقيات الدولية يجب على الدول الأطراف فيها أن تحترمها، فنصوصها لها قوة مُلْزِمة، على ما أوضحناه، ولا يجوز لهذه الدول مخالفتها، وعلى الدول أن تتبع توصيات اللجان المشرفة على هذه الاتفاقيات، وأن تعدل قوانينها، بل ودساتيرها، بما لا يصطدم معها. وحينما تصدر الدول الأطراف تشريعات داخلية- بعد التصديق على الاتفاقية- فإن أحكام هذه الاتفاقية تتمتع بقوة قانونية ويلتزم القضاء بتطبيقها، طالما صدر بها قانون داخل الدولة.

وإذا حدث أن خالفت إحدى الدول أحكام اتفاقية (انضمت إليها، أو حتى لم تنضم إليها، على ما أوضحنا بصدد الاتفاقيات الشارعة، بالنسبة لبعض الاتفاقيات، مثل اتفاقية حقوق الإنسان، إذ إن على كل الدول احترامها)، فإن اللجنة المشرفة على تنفيذ الاتفاقية ترفع الأمر للأمم المتحدة، التي لها أن تلفت نظر الدول إلى المخالفات، ولها أن تتخذ ضدها إجراءات سلمية- تتمثل في عقوبات اقتصادية، تتخذها أجهزة الأمم المتحدة، بل يمكن أن يصل الأمر إلى عقوبات رادعة عسكرية، يتخذها مجلس الأمن- لحماية المدنيين في الدولة.

وفي كل الأحوال فإن الدولة المخالفة للاتفاقية لا تبطل عقوبتها ولا تطرد منها، وذلك حتى لا تتعلل الدول بالمخالفة، للتهرب من الالتزامات والاتفاقيات الدولية.

 

5. مفهوم التحفُّظ وأثره، وقيمة تحفُّظات الدول الإسلامية على الاتفاقيات الدولية:

القاعدة في القانون الدولي أنه يجوز للدول عند انضمامها إلى اتفاقية أو معاهدة دولية إبداء تحفظات، وتستند هذه القاعدة إلى العرف الدولي، وإلى نص المادة 19 من اتفاقية فيينا الخاصة بقانون المعاهدات لسنة 1969، التي تجيز للدولة إبداء تحفظات عند الانضمام للمعاهدة.

والتحفظ كما عرَّفه مشروع هارفارد: بيان رسمي تخصص بمقتضاه الدولة- لدى التوقيع على المعادة أو تصديقها عليها أو الانضمام إليها- أحكامًا معينة تحد من أثر المعاهدة في علاقة الدولة بأطراف المعاهدة([27])، فهو إجراء قانوني تعلن الدولة الطرف في الاتفاقية بمقتضاه عن رغبتها في عدم الالتزام ببعض مواد أو أحكام واردة في الاتفاقية.

وتلجأ الدول إلى التحفظ كإجراء مؤقت ريثما تصبح الدولة قادرة على تنفيذ الحكم الذي تحفظت عليه، لأنها عند التصديق على الاتفاقية تكون غير قادرة- طبقًا لظروفها الداخلية- على تنفيذ التزام تتضمنه المادة التي ورد عليها التحفظ([28]).

ويترتب على التحفظ أن يرفع عن الدولة أثر النصوص أو المواد محل التحفظ، أي لا يسري حكم هذه النصوص أو المواد في مواجهتها؛ بمعنى أن الدولة تلتزم بإعمال أحكام الاتفاقية كافة، واتخاذ الإجراءات التنفيذية لوضع هذه النصوص موضع التنفيذ، بإصدار تشريعات داخلية وتعديل النصوص القائمة واتخاذ الإجراءات اللازمة كافة لتنفيذ أحكام الاتفاقية، عملاً- في الواقع- باستثناء الحكم الذي ورد عليه التحفظ.

ويتم التحفظ عادة وقت تصديق الدولة على الاتفاقية، وللدول الأعضاء رفض التحفظ أو قبوله، فإذا تم رفض تحفظ إحدى الدول، لأي سبب، فإن للدولة المتحفظة أن تنسحب من الاتفاقية، ولها أن تستمر فيها، وإذا استمرت الدولة التي تم رفض تحفظها، فإنها تكون عضوًا في الاتفاقية ويسقط تحفظها.

ويمكن لأي دولة أن تتحفظ على مواد أي اتفاقية، على أن هناك قيدًا عامًّا يحدد نطاق التحفظ، وضعته المادة 19 من اتفاقية ڤيينا لقانون المعاهدات، والتي حظرت أي تحفظ يكون منافيًا لموضوع الاتفاقية وغرضها.

وأكدت المادة 21 من الاتفاقية عدم سريان التحفظات التي تتنافى مع موضوع الاتفاقية وغرضها، فلا يكون لها أي أثر في القانون الدولي، وهو ما يعني أن تصديق الدولة المتحفظة يكون صحيحًا ويبطل فقط التحفظ غير الصحيح([29]).

ومفاد ذلك أنه لا يجوز لمن ينضم لأي اتفاقية أن يبدي تحفظًا يخالف غرض الاتفاقية أو موضوعها، أي حيث تتحفظ الدولة على نص لولاه لما كانت هذه الاتفاقية، فهنا يبطل التحفظ، وتكون الدولة عضوًا، ما لم تنسحب عند التصديق على الاتفاقية، فلا يجوز مثلاً للدولة المنضمَّة لاتفاقية (السيداو) أن تتمسك بالتمييز غير المسوَّغ ضد المرأة، ولا تتعهد حتى بمجرد العمل على إزالته، كما لا يجوز للدولة تسويغ تحفظها بمخالفة المواد- التي تتحفظ عليها- لقوانينها الداخلية التمييزية.

وعلى ضوء ذلك، يمكن القول: إن للدول الإسلامية أن تتحفظ على الاتفاقيات التي تنظِّم الحقوق الاجتماعية للأفراد بما لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية. فللدول أن تتحفظ على نص محدَّد، ولها أن تتحفظ على الاتفاقية بشكل عام؛ بألَّا تتعارض مع الشريعة الإسلامية، وهو ما فعلته مصر بصدد الاتفاقية الدولية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كما تحفظت على الاتفاقية الدولية للحقوق المدنية والسياسية (وهو تحفظ عامٌّ بعدم التعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية).

أمَّا بصدد اتفاقية (السيداو) فقد أبدت مصر عليها التحفظ العام، بالإضافة إلى تحفظات على بعض النصوص، خاصة ذلك الذي يمنح المرأة حقًّا متساويًا مع الرجل فيما يتعلق بجنسية أطفالها.

(ولم يعد لهذا التحفظ قيمة بعد صدور القانون 154 لسنة 2004، الذي قرر المساواة بين الرجل والمرأة في شأن منح الجنسية لأطفالهما).

والتحفظ على تساوي المرأة بالرجل في كافة الأمور المتعلقة بالزواج وعلاقات الأسرة- في أثناء الزواج وبعد فسخه- بألَّا يخل بأحكام الشريعة الإسلامية.

والتحفظ على عرض ما قد ينشأ من خلاف بين الدول حول تفسير أو تطبيق الاتفاقية على هيئة التحكيم([30]).

والتحفظات الصادرة من مختلف الدول الإسلامية على الاتفاقيات الدولية- خاصة التي تتدخل في المجال الاجتماعي والأحوال الشخصية- هي تحفظات منطقية، وعلى الدول الأعضاء في هذه الاتفاقيات أن تراعيها وتعتد بها، ذلك أن هذه التحفظات تدور حول عدم مخالفة أحكام هذه الاتفاقيات الشريعة الإسلامية، والشريعة الإسلامية هي إحدى الشرائع أو النظم القانونية الأربعة السائدة في العالم، والتي تعد المصادر الرئيسية للقانون الدولي (النظام اللاتيني، النظام الأنجلوسكسوني، الشريعة الإسلامية، النظام الاشتراكي)، فهي المصدر الثالث للقانون الدولي العام، أو هي من المبادئ المعتبرة في الدول المتمدينة، مما يعني أن أي تحفظ بمراعاة الشريعة الإسلامية هو تحفظ صحيح طبقًا للقانون الدولي.

 

الخاتمة

إن الشريعة الإسلامية ترسي أحكامًا ترمي إلى إسعاد البشرية، وهي في ذلك ترمي إلى تحقيق العدل، بالمحافظة على مقصود الشرع. بحفظ المال والنفس والدين والعقل والنسب، وإن الأحكام التي أرساها الإسلام منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا، هي أحكام تناسب مختلف العصور، وذلك من خلال اجتهاد رجال الفقه الإسلامي، وجهدهم في استخلاص الأحكام الشرعية من مصادرها الثابتة بالقرآن والسنة المؤكَّدة.

وإذا كان المجال الخصب للمعاهدات والاتفاقيات الدولية هو المجال السياسي والاقتصادي، فإن اللافت أن الاتفاقيات الدولية تدخلت- في الفترة الأخيرة، بالذات في النصف الثاني من القرن العشرين- في المجال الاجتماعي، وخاصة في مجال الأحوال الشخصية، وهذا المجال تسوده قيم وعادات وآداب تختلف من الشرق إلى الغرب، بل ومن دولة لأخرى وهو ما أنتج صِدامًا، وهذا الصدام هو صورة من صور «صدام الحضارات»، وقد يهدد هذا الصِّدام تماسك المجتمعات الإسلامية.

ولقد وجدت الدول الإسلامية في التحفظ- بما له من أثر استبعادي لبعض أحكام المعاهدة- وسيلة للحد من آثار هذه المعاهدات في مواجهتها، لتكون المعاهدة في النهاية متفقة مع قيمها وتقاليدها ودينها، وذلك بدلاً من أن تعزف الدول الإسلامية عن الانضمام لهذه الاتفاقيات وتبتعد عن الاتجاهات الحديثة المتطورة.

ونرى أنه ينبغي على الدول الإسلامية أن تلجأ إلى التحفظ بوصفه مسيلةً لاستبعاد الأثر القانوني لبعض أحكام المعاهدات أو تقييده، وهذه الأحكام تراها هذه الدول صادمة أو متعارضة مع أحكام الشريعة الإسلامية الثابتة، وذلك بدلاً من أن تعزف هذه الدول عن الانضمام إلى هذه المعاهدات.

على أنه ينبغي- من ناحية أخرى- عدم المغالاة في استخدام وسيلة التحفظ، إذ يجب وضعه في إطاره الصحيح (حيث تتعارض بعض أحكام المعاهدة مع أحكام الشريعة الإسلامية الثابتة والقطْعية)، وليس حيث تختلف أحكام المعاهدة من آراء بعض رجال الفقه الإسلامي، أو مع أحد المذاهب الفقهية.

 

_________________ 

الهوامش:

 

* مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، مركز دراسات مقاصد الشريعة الاسلامية ومركز الدراسات القانونية والاقتصادية، كلية الحقوق الإسكندرية، 2013م، ص143-166.

** أستاذ قانون المرافعات- كلية الحقوق- جامعة الإسكندرية.

(1) انظر محمد كمال إمام، مقاصد الشريعة والقانون المقارن- بحوث مركز دراسات مقاصد الشريعة الإسلامية- مؤسسة الفرقان، مقاصد الشريعة والعلوم القانونية، ص 53.

(2) محمد نبيل غنايم، مقاصد الشريعة ومناهج تدريس العلوم الشرعية، ص 12- 14، مركز دراسات مقاصد الشريعة الإسلامية، مؤسسة الفرقان، مقاصد الشريعة والعلوم القانونية.

(3) نور الدين عبد الله بن حميد السالمي، طلعة الشمس، وزارة الأوقاف العمانية، الأعمال التحضيرية لموسوعة الفقه الإباضي، ص 39، 40.

(4) ابن القيم، لدى د. محمد كمال إمام، الإشارة السابقة، ص 54.

(5) رمضان الشرنباصي، مقاصد الشريعة في الزواج والطلاق، بحوث مركز دراسات مقاصد الشريعة الإسلامية، مؤسسة الفرقان، ص 225.

([6]) انظر بتفصيل أكثر، رمضان الشرنباصي، المرجع السابق، 227.

(7) جابر عبد الهادي، مقاصد الشريعة الإسلامية في نظام الميراث، دراسة مقاصدية فقهية قانونية، مجموعة بحوث، مركز دراسات مقاصد الشريعة لإسلامية، مؤسسة الفرقان، ص 252.

(8) فتوح الشاذلي، الحقوق الإنسانية للمرأة بين التشريعات الوطنية والمواثيق الدولية، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية 2010، ص 68.

(9) أحمد فراج حسين، أصول الفقه الإسلامي، ص 134.

(10) فايز حسين، المقاصد الشرعية وفلسفة القانون، بحوث مركز دراسات مقاصد الشريعة الإسلامية، مؤسسة الفرقان، بحوث مقاصد الشريعة والعلوم القانونية ص 74، 75.

(11) فايز حسين، المرجع السابق، ص 75-77.

(12) يراعى أن غاية القانون ليست مجرد تحقيق منفعة عادية بحتة، فحينما يحقق القانون المصلحة، خاصة مصلحة الأقوى، نكون أمام قانون صحيح عادل، وحينما يتعارض القانون مع مصالح الأفراد فلا وجود للقانون ولا قيمة له. هذا ليس هو مفهوم المصلحة في القانون، وإنما كان هذا مفهوم القانون ومقصده لدى الفلسفة الأبيقورية، لدى بعض فقهاء اليونان قديمًا. وتطور الأمر الآن واختلف. (انظر بالتفصيل فايز حسين، المرجع السابق ص 94 وما بعدها).

(13) للمزيد انظر بالتفصيل: فايز حسين، المقال السابق، ص 140 وما بعدها.

(14) الإشارة السابقة، ص 140.

(15) بالنظر إلى موضوع المعاهدة يمكن استخلاص وظيفتين رئيستين لها: وظيفة تشريعية (سن قواعد قانونية جديدة، تعد تشريعًا دوليًّا، نظرًا لصدورها عن الإرادة الشارعة لأطرافها، وتسمى المعاهدات الشارعة). ووظيفة عقدية (حيث يكون الهدف من وراء إبرام المعاهدة إنشاء التزامات على عاتق أطرافها طبقًا لقواعد القانون الدولي العام، فتكون المعاهدة عندئذ مصدرًا للالتزامات، وتسمى «معاهدة عقدية»، وقد تكون هذه المعاهدة ثنائية أو متعددة الأطراف). (انظر بالتفصيل إبراهيم خليفة، القانون الدولي العام، 2013، ص 39 وما بعدها).

(16) تتمثل مراحل إبرام المعاهدة الدولية في ثلاث مراحل: مرحلة المفاوضات والتحرير، ومرحلة التوقيع، ومرحلة التصديق أو الموافقة على القبول. (انظر بتفصيل أكثر، إبراهيم خليفة، المرجع السابق، ص 66 وما بعدها).

(17) إبراهيم خليفة، المرجع السابق، ص 107- 109.

(18) انظر إبراهيم خليفة، المرجع السابق، ص 149 وما بعدها.

(19) كما أن المعاهدات الدولية المنسقة لأوضاع دولية دائمة، تدخل في عداد المعاهدات التي تفلت من مبدأ النسبية، ومنها المعاهدات المتعلقة بالحدود بين الدول، والمعاهدات التي تضع بعض الدول في حالة حياد دائم، والمعاهدات التي تتعلق بطرق الاتصال الدولية. (إبراهيم خليفة، ص 181- 197).

(20) انظر هذه الاتفاقية بالتفصيل لدى فتوح الشاذلي، الحقوق الإنسانية للمرأة بين التشريعات الوطنية والمواثيق الدولية- 2010، دار الجامعة الجديدة، ص 34 وبعدها، وص 45 وبعدها.

(21) انظر دراسة تفصيلية لـ: جابر عوض عبد الحميد الجندي، بعنوان: حقوق المرأة في نطاق الأحوال الشخصية- دراسة مقارنة في الفقه الإسلامي على ضوء اتفاقية السيداو، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق- جامعة الإسكندرية ص 48 وما بعدها، وص 109،110.

(22) لمزيد من التفصيل انظر جابر الجندي، ص 111 وبعدها، وص 167، 168.

(23) انظر بالتفصيل جابر الجندي، ص 170 وبعدها.

(24) انظر بتفصيل أكثر، جابر الجندي، ص 228- 290.

(25) انظر مزيدًا من التفصيل، جابر الجندي، ص 291 وبعدها.

(26) جابر الجندي، ص 317- 392.

(27) طلعت الغنيمي- الوجيز في قانون السلام، ص 71. وانظر كذلك، إبراهيم خليفة، القانون الدولي العام، 2013، ص 111.

(28) فتوح الشاذلي، الحقوق الإنسانية للمرأة بين التشريعات الوطنية والمواثيق الدولية، 2010، ص 56، 57.

(29) فتوح الشاذلي، الإشارة السابقة. وانظر بالتفصيل، إبراهيم خليفة، القانون الدولي العام، 2013، ص 113 وبعدها.

(30) انظر فتوح الشاذلي، المرجع السابق، ص 34، 35.

فقه الجهاد المشار إليه هو كتاب الأخ الأكبر العلامة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله ونفع به.

وكتاب فقه الجهاد شقيق كتاب فقه الزكاة، كلاهما حفظ للدكتور القرضاوي مكانته المتميزة بين فقهاء القرنين الرابع عشر والخامس عشر الهجريين.

وفقه الجهاد يقع في مجلدين كبيرين يزيد عدد صفحاتهما على ألف ومائتي صفحة، ويبلغ عدد صفحات الفهارس الملحقة به للآيات القرآنية، والأحاديث النبوية والآثار، والفقهاء والأعلام، والمراجع والمصادر والموضوعات نحو مائتي صفحة.

وعلى هذا فإن الكتاب هو أوسع ما كتب في فقه الجهاد، وصح فيه الوصف الذي وصفه به عنوانه: «دراسة مقارنة لأحكامه وفلسفته في ضوء القرآن والسنة».

والحق أن العلامة القرضاوي لم يترك شاردة ولا واردة مما يتعلق بالجهاد تعلقًا مباشرًا، أو يتصل به اتصالاً غير مباشر إلا أشار إليها ووفّاها حقها من البحث، مؤيدًا في كل مسألة ما صح عنده من حكم أو رأي أو رواية أو خبر بحيث يغني النظر في هذا الكتاب عن الحاجة إلى النظر في غيره، فجزى الله صانعه خير ما يجزي عالمًا عن نشر العلم وتيسيره للناس.

ولا يغني هذا العرض الموجز – كل الإيجاز – عن مراجعة الكتاب نفسه والبحث فيه عن المراد من مسائل الجهاد، إذ ليس من شأن عرضِ كتابٍ إلا أن يدل عليه، ويعرِّف به، ويوطئ السبيل إلى الإفادة منه للعلماء وطلاب العلم. وأية فائدة فوق ذلك تقتضي الرجوع إلى الكتاب نفسه وقراءته قراءة المستفيد الذي يقف على الصواب فيغتبط له ويفرح به، وعلى خلافه فيلتمس العذر ويُحسِن الظن ويخلص في الدعاء، لأن فضل من يوقفك كلامه على الحق فتتبعه لا يقل عن فضل من يبين الباطل فتجتنبه.

ولأن كتاب العلامة القرضاوي أوسع من أن يحاط به في مثل هذا العرض فقد اخترتُ أن أتخذ بعض أبرز المسائل فيه، ولاسيما ما تضمن اجتهادًا لصاحبه –حفظه الله– لأقدمها للقارئ: مبيّنْةً منهج المصنف ودالّةً على ما سواها.

  • نظرات في المقدمة:
  1. افتتحت مقدمة هذا السِّفر الجليل – بعد الحمد والتسليم – ببيان أهمية الجهاد، وخطورته، بالنسبة للأمة، وأنه بغيره يستباح حماها ودماءُ أبنائها ومقدساتها. وبينت المقدمة أن إسقاط الجهاد من خطط الأمة يؤدي إلى هلاكها كما في الحديث الشريف: «يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها» فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: «بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاءٌ كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوَهْن» فقال قائل: يا رسول الله وما الوهْن؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت». ومع هذا البيان توقفت المقدمةُ عند حقيقة فحواها أنه: «من الخطر والخطل أيضًا: أن يفهم الجهاد على غير وجهه، ويوضع في غير موضعه، وتستباح باسمه دماء معصومة، وأرواح بريئة، وتُستَحل باسمه حرمات وأموال وديار بغير حق، ويتهم بسبب ذلك المسلمون والإسلام بالعنف والإرهاب والعدوان والإسلام بريء كل البراءة من هذا الاتهام...»([1]) وهاتان الحقيقتان ينبغي أن تكونا دائما حاضرتين عند الدعاة إلى إحياء فريضة الجهاد، وعند الذين يدعون إلى الانخراط في سلك المجاهدين. فكما أن الجهاد فريضة ماضية إلى يوم القيامة فإن الوقوف به عند الحدود التي حدّها الله تعالى له، دون إفراط ولا تفريط، هو جزء من الفريضة لا تتم إلا به. وإثم الذين يسوّغون للشباب أن يضعوا السيف في غير موضعه لا يقل – إن لم يزد – عن إثم الفاعلين أنفسهم. وقديما قال أبو الطيب:

ووضعُ الندى في موضع السيف بالعلا

مضرٌ كوضع السيف في موضع الندى(!!)

  1. وتناولت مقدمة الكتاب مواقف الناس من الجهاد، فقسَّمتُهم إلى ثلاث فئات: فئة تريد أن تهيل عليه التراب، وتسقطه من حياة الأمة. وفئة تعلن الحرب على العالم كله(!) من حارب ومن سالم، ومن اعتدى ومن مدَّ يد المصالحة ولم يظاهر أعداء الأمة. فهم لا يميزون بين فريق وفريق، ويرون المخالفة في الدين موجبة لقتال المخالفين باعتبارهم كفارًا، وهو اعتبار كـافٍ وحـــده – عندهم – لمقاتلتهم. وفئة ثالثة هي أهل الاعتدال والوسطية، وهي التي رُزِقَ علماؤها البصيرة في فقه الشرع وفقه الواقع، فلم تفرط تفريط الفئة الأولى التاركة للجهاد والداعية إلى تركه بالكلية، ولا هي أفرطت إفراط الفئة الثانية، ولا غَلَتْ غلّوها، وإنما اختارت سبيل الرشد، وسلكت طريق الحق، فوضعت كل سلاح في موضعه، ولم تبح الدماء والأموال إلا بحقها الذي دلت عليه النصوص وأشارت إليه روح التشريع فضلاً عن صريح ألفاظ الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة. وليس، فيما وقفتُ عليه من دراسات المعاصرين، أجمع لهذه الطريقة وفقهها وأثرها في الناس كافة، ولا أوضح بيانًا لمنهجها وأدواتها، من الكتاب الذي نعرضه في هذه الخلاصة التي لا تستطيع، مهما بذلتُ فيها من جهد، أن توفيه حقه اللائق به.
  2. وبيَّنتْ المقدمة منهج البحث في (فقه الجهاد) وهو – في الواقع – المنهج الذي اختاره لنفسه العلامة القرضاوي في مؤلفاته كلها. وحاصل هذا المنهج: الاعتماد أساسًا على نصوص القرآن الكريم مفهومة في ضوء أساليب العربية بلا تعسف ولا تكلف، مع رد المتشابهات إلى المحكمات والأخذ بقاعدة أن القرآن يصدّق بعضه بعضًا ويفسر بعضه بعضًا، مع الإيمان بأن كل ما بين الدفتين معمول به غير ملغىً ولا منسوخ لأن ما ثبت باليقين لا يُزال بالشك. ولهذه القضية بحث مفصل في (فقه الجهاد) سوف نأتي على ذكره في موضعه. ثم يأتي الاعتماد على السنة الصحيحة الثابتة عن رسول الله r إذ هي مبينة لما نزل به القرآن. والمعتمد من السنة هو ما صح سنده إلى رسول الله r دون الضعيف السند مهما صححه بعض مشاهير العلماء؛ ولا يقبل العلامة القرضاوي، في منهجه العلمي، القول بتقوية الحديث بكثرة الطرق والشواهد بإطلاق، ولاسيما في القضايا ذات الخطر مثل موقف الإسلام من الأمم الأخرى، وهل تقوم علاقته بها على الحرب أم على السلم؟ والفقه الإسلامي – في منهج الدكتور القرضاوي – معين واحد، أو بتعبيره هو (بحر زاخر) يغترف منه دون تحيز لمذهب دون مذهب ولا انغلاق على إمام دون إمام، فهو ينتفع بتراث الفقه الإسلامي بشتَّى مدارسه، بمصادره وكتبه، وخصوصًا ما عُنيَ منها بالاستدلال، ولذلك عنى بوجه خاص بكتب الفقه المقارن. وهو لا يقتصر على أقوال المتأخرين من شراح المتون المشهورة في المذاهب، وأصحاب الحواشي عليها، ولا يقتصر على كتب المتقدمين، بل يجمع بينهما ويستفيد من علم الطائفتين جميعًا. ويرفض الشيخ القرضاوي الرأي الذي يرى: الاستغناء عن الفقه كله، والبدء من جديد، بالرجوع إلى النصوص وحدها، وهو يرى أن الشريعة ليست هي الفقه الإسلامي، فالشريعة وحي والفقه عمل العقل في استنباط معانيها وأحكامها، لكن الشريعة نفسها توجد داخل الفقه الإسلامي بمجموعه كله. والفقه الحق هو اجتهاد الفقيه لزمانه ومكانه كما اجتهد السابقون لزمانهم ومكانهم.
  1. وإذا كان ما سلف هو منهج العلامة القرضاوي في مؤلفاته كافة، وهو بلا مراء المنهج الأصوب في التعامل العلمي مع المعارف الإسلامية، فإنه يضيف إليه في هذا الكتاب ما اقتضته طبيعة موضوعه من مثل المقارنة بين الإسلام وغيره من الأديان والقوانين، ومثل الربط بين الفقه الإسلامي والواقع المعاصر الذي تحياه الأمة ويحياه العالم، فالفقيه الحق هو الذي يزاوج بين الواقع والواجب، فلا يعيش فيما كان مُغفلاً ما يجب أن يكون، وهو الذي يفرق بين الثوابت والمتغيرات. يقول الدكتور القرضاوي فيما يشبه محصلة اتِّباع هذا المنهج العلمي القويم: «ولقد وفقنا بحمد الله وتوفيقه: أن وجدنا في مصادرنا الأصلية، في قرآننا وسنة نبينا r وفي أقوال أئمتنا منذ عهد أصحاب رسول الله، ومن بعدهم من أكابر فقهاء الأمة، ما يحل كلَّ إشكال، ويجيب عن كل سؤال، ويجعلنا نعيش في عصرنا، وفي عالمنا، بكل قوة وبكل تجاوب، غير غرباء عنه، ولا دخلاء عليه، بل مشاركين فيه، متفاعلين معه، بل سباقين إلى خيره، غير متكلفين ولا متعنتين... الحق: أننا وجدنا مشكلتنا الأولى والكبرى مع إخواننا المتشددين والمتصلبين، الذين أغلقوا على أنفسهم النوافذ، وأصروا على وجهة نظر واحدة، وتعصبوا لها وحدها، لا يريدون النظر في غيرها، ولم يحاولوا يومًا أن يمتحنوا ما عندهم من فكرة توارثوها، ويتهمون كل من يريد زحزحتهم عنها في دينه وإيمانه، ناهيك بعلمه وفقهه، آفتهم: أنهم يحيون في الماضي لا في الحاضر، وفي الكتب لا في الواقع»([2])
  1. ثم تعرجُ المقدمة على المنهج الذي ارتضاه الدكتور القرضاوي، في عمله العلمي والدعوى والإصلاحي والتجديدي كله، أعني منهج الوسطية الذي يمثل –في تعبير العلامة القرضاوي- ﴿الصراط المستقيم﴾ [الفاتحة: 6] الذي ندعو الله أن يهدينا إليه في صلواتنا كل يوم([3]). وقد لخص الدكتور القرضاوي في فقرة واحدة مطوّلة معالم منهج الوسطية، الذي لُقِّب بسبب تجليته له، ودعوته إليه، واستمساكه به، بـ «إمام الوسطية». وهو لقب مستحق لا نزاع. وإذا كان المقام لا يتيح تناول هذا المنهج بالتفصيل، أو بالاختصار، فإننا نحيل القارئ إلى ما كتبه العلامة القرضاوي في مواضع كثيرة من مؤلفاته ولاسيما ما كتبه عن «معالم الوسطية الإسلامية»([4]).
  1. وقبل أن يختم الدكتور القرضاوي مقدمة الكتاب يعدّد الفئات التي تحتاج إلى النظر فيه والإفادة منه، فيجعلها عشر فئات وهي: 
    الشرعيون من علماء الشرع ورجال الفقه، لأن كثيرًا مما كتبه الفقهاء كان يعبّر عن زمنه وبيئته، ولا يسنده قرآن ولا سنة صحيحة. وهذا كله لا يلزم الفقيه المعاصر إنما يلزمه محكمات القرآن والسنة، وما أجمعت عليه الأمة بيقين شريطة ألا يكون مستندًا إلى مصلحة ظرفية يتغير الحكم بتغيرها.
    والحقوقيون الذين كَوَّنَ كثيرٌ منهم فكرته عن الإسلام وشريعته مما هو شائع في الكتب، وما هو دائر على الألسنة والأقلام، وهذا الكتاب يقدم لهم الحقيقة الإسلامية في موضوعه واضحة جلية مؤيدة في كل موضع بالدليل القرآني والنبوي ومبنية على اجتهاد متصل بالأصل الديني اتصالاً لا ينفصم، مراعٍ للواقع المعاصر بأبعاده المتنوعة.
    والإسلاميون، ويقصد بهم العلامة القرضاوي: الجماعات الإسلامية المختلفة التي تعمل لنصرة قضايا الإسلام، التي ينضوي تحت لوائها شباب الصحوة الإسلامية في شتى الأقطار، داخل العالم الإسلامي وخارجه. وأحوج هذه الجماعات إلى الوقوف على هذا الكتاب وتدارسه هي جماعات العنف المنسوبة إلى الإسلام، ففيه ما يدلهم على الحق وييسر لهم سلوك الصراط السوي الذي لا عوج فيه ولا أمتْ، بل حنيفية سمحة تسع الخلق جميعًا بالدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، ثم الفصال إذا استحال الاقناع ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: 46].
    والمؤرخون، ولاسيما المعنيون بالسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي، والذين شاع عندهم أن الإسلام لم ينتشر في العالم إلا بالسيف والقوة، ولم ينتشر بالدعوة ولا بالإقناع ولا بسلوك المسلمين.
    والمفكرون المهتمون بالفكر الإسلامي والحركات التي انبعثت عنه. فهؤلاء سيجدون في (فقه الجهاد) ما يرد الأمور إلى جذورها، والفروع إلى أصولها، ويبين أن تعاليم الإسلام الحقيقية أبعد ما تكون عن العنف والإرهاب، وأن دعاة العنف قلة بين المسلمين، تدينهم الأكثرية وتنكر عليهم، ولاسيما أهل السنة والجماعة.
    والمستشرقون المهتمون بالدراسات الإسلامية الذين صور كثيرون منهم الإسلام على أنه خطر على العالم وسلامه واستقراره، وأن (فريضة) الجهاد في الإسلام تلزم المسلمين أن يحاربوا العالم كله. وهذا ما أثبت (فقه الجهاد) بطلانه، وأن الإسلام يدعو إلى السلام ويحض عليه.
    والمعنيون بحوار الأديان، أو حوار الثقافات والحضارات، إذ يقدم (فقه الجهاد) لبنة مهمة في بنيان هذا الحوار تمكن المتجنِّين على الإسلام – جهلاً به – من رؤية جديدة له تتغير بها نظرتهم إليه وإلى أمته وحضارته.
    والسياسيون الذين يتخذون قرارات تغيّر مصير العالم بناءً على تصورات فكرية لديهم لدين لم يعرفوه، ولم يقرؤوا كتابه، ولم يقفوا على سيرة نبيه r، ولم يحيطوا بواقع أمته بتنوع شعوبها واختلاف ثقافاتها.
    والعسكريون من المسلمين وغير المسلمين ليُكوِّنوا فكرة صحيحة عن الجهاد الإسلامي، وغزوات الرسول r، وفتوحات الصحابة والمسلمين في عهود الإسلام الأولى.
    وأخيرا – يقرر العلامة القرضاوي – أن (فقه الجهاد) يسد فراغًا ثقافيًا، مهمًا عند جمهور الناس ولاسيما عند المثقفين منهم، سواء أكانوا من المسلمين أم من غير المسلمين، فهؤلاء جميعًا في حاجة إلى أن يتعرفوا على حقيقة موقف الإسلام من العالم، وحقيقة الجهاد في سبيل الله وأحكامه وآدابه. فأما المسلم فيجب أن يعرف ذلك لأنه جزء من دينه الذي يلتزم به، وأما غير المسلم فيجب عليه معرفته ليتعامل مع الإسلام وأهله عن بينة، ولا يحمل عن الإسلام وشريعته فكرة مغلوطة فيظلم الإسلام وأهله ويظلم نفسه كذلك.
  1. والحق أن (فقه الجهاد) يلبي حاجة قائمة عند هذه الفئات جميعًا وعند كثيرين لم يذكرهم الدكتور القرضاوي. والكتاب موسُوعي قد يحتاج الباحث إلى مسألة أو بضع مسائل فَيَجدْ فيه طلبه، وقد يقرؤه طالب العلم فيختار من بحوثه الفقهية والحديثية، ومن تحليلاته للواقع المعاصر، ما ينتفع به في علمه وعمله. وهو يوقف الباحث فيه على مواطن الصواب، ومواطن الخطأ، فيما ينسب من أعمال العنف إلى الإسلام، فيقضي على الالتباس الذي يقع فيه كثير من الناس نتيجة التلقي، غير البصير، لكثير مما تبثه وسائل الإعلام العربية والأجنبية عن تلك الأعمال.
    وبالجملة فإن (فقه الجهاد) جهد مهم في إقامة الحجة على الذين يتهمون الإسلام بما هو منه براء، ويصفون المؤمنين به بما ليس من أخلاق دينهم ولا من تعاليمه. فجزى الله العلامة القرضاوي خيرًا عما بذل فيه من وقت وجهد أدّى بهما بعض واجب البيان الذي فرضه الله على العلماء بمثل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾([5]) [البقرة: 159] وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾([6]) [آل عمران: 187]..
  • هل الجهاد فرض أم تطوع؟
  1. يربط العلامة القرضاوي بين الجهاد وبين أصل الرسالة الإسلامية الرامية إلى إعلاء شأن الحق وأهله، والقضاء على الباطل وحزبه، فلم يكتف الإسلام بالعبادات المعروفة للكافة، وإنما فرض «على المسلم عبادة يسهم بها في مقاومة الشر، كما أسهم بعبادة الزكاة في فعل الخير، تلك العبادة هي عبادة (الجهاد في سبيل الله): أي بذل الجهد الممكن بالنفس والمال، والعقل واللسان، في نصرة الحق والخير»([7]). ووصف رب العالمين المؤمنين بقوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: 15]([8]).
    ويعزو الدكتور القرضاوي مكانة الجهاد في الإسلام إلى أن «المسلم صاحب رسالة عالمية شاملة، لا يصلح لحملها السلبيون والانعزاليون وإنما يحملها الإيجابيون المجاهدون... ومثل هذه الرسالة الثورية الشاملة لابد أن يكون لها خصوم معاندون، وأعداء مكابرون... فلا غرابة أن يردوا حقها بالقوة، ويصادروا دعوتها بالسيف، ويصدوا دعاتها بالجبروت والعسف. ولا يمكن لمثل هذه الرسالة العامة الخالدة أن تغمض العين على القذى، وتسحب الذيل على الأذى... فلابد لهذه الرسالة ودعاتها من صدام مع الطغاة والمتجبرين... فعلى المسلم أن يعد العدة، ويأخذ الأُهْبَة، ويحمل سيف الحق، ومعول التطهير، ليهدم صروح الباطل والشر، ويدك عروش الظلم والطغيان، ويرسي دعائم العدل والحرية للعقائد كلها ﴿... حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: 39]. فمن فهم طبيعة الرسالة الإسلامية لم يصعب عليه تصور الجهاد فريضة من فرائضها، وعبادة من عباداتها...»([9]).
  2. والجهاد في تحليل الدكتور القرضاوي يدخل ضمن ما يتعلق بفقه الأمة والدولة، أي بفقه الجماعة لا بفقه الأفراد، لأن مهمته هي الحفاظ على كيان الأمة المادي والمعنوي، وهذا من شأن الأمة، ولا ينتقل إلى الأفراد إلا إذا فُقدت الجماعة، ودخل العدو دارها، ولم تجد من يدافع عنها. فهنا يحق على الأفراد أن ينظموا أنفسهم ليقاموا عدوهم، ويحرروا أرضهم. وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب([10]).
    ولا يعني كون الجهاد من شؤون الجماعة والأمة والدولة أنه منفصل عن الشؤون التعبدية، بل إنه «إذا كان مشروعًا، وصحت فيه النية، والتزمت فيه حدود الله، وأخلاقيات الإسلام: يعد من أعظم ما يتعبد الله به، ويتقرب به إليه، وقد اعتبره الإمام أحمد أفضل ما يتطوع به المسلم...»([11])
  1. وعرض الدكتور القرضاوي – بدقة وإيجاز – أقوال العلماء من الصحابة فمن بعدهم في مسألتي كون الجهاد فريضةً أم تطوعًا، وإذا كان فريضةً فهل هي مما يدخل في فروض الأعيان أم في فروض الكفاية؟
    وخلص إلى نتيجة أظنه لم يُسبق إلى طريق الوصول إليها. قال حفظه الله، مؤيدًا قول عبد الله بن عمر t أن الجهاد فرض كفاية: ولعل مما يؤكد قول ابن عمر: أن الله تعالى ذكر صفات المتقين في أول سورة البقرة، وصفات المؤمنين في أول سورة الأنفال، وأول سورة المؤمنين، وصفات أولي الألباب في سورة الرعد، وصفات عباد الرحمن في أواخر الفرقان، وذكر صفات المحسنين في سورة الذاريات، وصفات الأبرار في سورة الإنسان، ولم يذكر (الجهاد) ضمن خصالهم وأوصافهم. وهذا – في رأيي – يدل على أنه ليس بواجب على المكلفين في كل حال، كالصفات المذكورة لهؤلاء. إنما هو واجب بوجوب أسبابه كرد المعتدين، ودرء الفتنة في الدين عن المؤمنين، وإنقاذ المستضعفين، وكالخوف من هجوم الأعداء المتربصين، وإذا وجب الجهاد بسبب من الأسباب: ينوب فيه بعض الناس عن بعض، ولا يجب على الأعيان إلا في حالات خاصة سنبينها بعد»([12])
  2. وينتهي العلامة القرضاوي – بعد دراسة لآراء علماء المذاهب – إلى أن الاتجاه العام للإسلام مع غير المسلمين أن من ترك المسلمين ولم يتعرض لهم: تركوه، ومن وَدَعهم وسالمهم: سالموه. وأنه ليس هناك إجماع على وجوب جهاد الطلب، ولا على أن يكون في كل سَنَةٍ مرة، ولا على كونه فرض كفاية. إنما محل الإجماع هو وجوب جهاد العدو إذا غزا بلدًا من بلاد المسلمين أو نزل بها، حتى يهزم؛ ووجوب إعداد القوة المانعة للعدو من مهاجمة ديار المسلمين أو العدوان عليهم، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [الأنفال: 60]([13]). ولا مراء في أن هذا تحصيل صحيح لما يدل عليه النظر الفقهي المدقق في الأقوال وأدلتها([14]).
  3. وحاصل النظر الفقهي في مسألة فرضية الجهاد، عند العلامة القرضاوي، أن جمهور العلماء «اتفقوا على أن الجهاد فرض في الإسلام، وهذا ما لا ينبغي أن يُشَّك أو ينازع فيه في الجملة. وأن منه ما هو فرض كفاية، ومنه ما هو فرض عين: فأما ما هو فرض عين، فلا خلاف عليه، ولا نزاع فيه، وهو (جهاد الدفع) أي جهاد المقاومة والمطاردة للغزاة، لتحرير أرض الإسلام وأهل الإسلام منهم»([15]). وأما تحقيق فرض الكفاية في الجهاد فهو «أن تملك الأمة قدرة عسكرية مسلحة بما يلزمها من كل أسلحة العصر: برية وبحرية وجوية، منافسة لأسلحة الأعداء والمتربصين، إن لم تتفوق عليهم، يقوم عليها رجال مدربون على استعمالها، قد أُعِدوا الإعداد المطلوب: بدنيًا ونفسيًا وثقافيًا، وقبل ذلك كله: إيمانيًا.
    وأن يسند ذلك كله: قدرة اقتصادية تكفي الأمة عند الحرب ما تحتاج إليه من مؤن ونفقات وخدمات، وقدرة علمية وتكنولوجية تمد الحرب الحديثة بما يلزمها من أدوات وحاجات تتطور من يوم لآخر، وإنما ينتصر فيها من كان أكثر علمًا وخبرة في هذه المجالات. والأصل في فرض الكفاية: أن الأمة جميعًا مخاطبة به، وإن كان الذي يقوم به بعض منها، إذ لا يمكن تكليف الجميع به... لأن فروض الكفاية في الواقع، إنما تعني الفروض الواجبة على الأمة بالتضامن... ومن تأمل ما ذكره الفقهاء من فروض الكفاية: وجدها كلها تَصُبُّ في اتجاه واحد هو: كل ما يحفظ على الأمة هويتها، وشخصيتها الدينية والثقافية والحضارية، ويحفظ عليها مقوماتها المادية والمعنوية. ومنها الجهاد دفاعًا عن كيانها وحُرُماتها([16]).
  • متى يكون الجهاد فرض عين؟
  1. فروض الأعيان تجب على المسلمين بأشخاصهم، ويسأل عنها كل واحد منهم وحده أمام الله تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: 95] وأمام الأمة كلها إذا لم يقم بما يجب عليه منها، فأثَّر ذلك على المصالح العامة، أو يسأل عنها قضاءً إذا كان تقصيره ضارًا بمصلحة خاصة. ومن أمثلة ذلك تقصير القادر على النفقة في حق من تلزمه نفقتهم، وتضييع المكلف بحفظ مال لما استحفظ عليه، بإهماله، وعدم اكتراثه بواجبه، ونحو هذا.
  2. ولا يمنع كون الجهاد فرض كفاية، بحسب الأصل، من تحوله إلى فرض عين في أحوال بعينها جمعها الدكتور القرضاوي في أربعة هي: عند هجوم الأعداء على بلد مسلم، فيجب على جميع أهل البلد أن يهبوا لمقاومة الغزو، بحسب الإمكان، ولا يجوز لقادرٍ أن يتخلف عن المشاركة في المقاومة. وفي هذا النوع من الجهاد قال الفقهاء: إن المرأة تخرج فيه، ولو بغير إذن زوجها، والابن ولو بغير إذن أمه وأبيه، والخادم ولو بغير إذن مخدومه، وكذلك الغلمان الذين لم يبلغوا – إذا أطاقوا القتال – فلا بأس بأن يخرجوا ويقاتلوا في النفير العام، وإن كره ذلك الآباء والأمهات. ثم إن العدوان إذا كان فوق طاقة أهل البلد المعتدى عليه، ففرض على جيرانه الأدنين، ثم الأقرب فالأقرب أن ينفروا معهم لصد العدو وطرده من بلاد المسلمين([17]).
  3. والحالة الثانية، التي يصير الجهاد فيها فرض عين، هي أن يستنفر الإمام([18]) فردًا أو فئة معينة، فيتعين عليهم الجهاد، ولا يحل لهم التخلف إلا بعذر مانع منه. وأساس ذلك الأمر العام بالطاعة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: 59]. ولا تشترط العدالة – بمعناها الشرعي – في القائمين بالدعوة إلى الجهاد، بل يجب الخروج ولو لم يكن الحكام عدولاً لأن المقصود هنا هو حفظ الإسلام نفسه([19]).
  4. الحالة الثالثة التي يكون الجهاد فيها فرض عين، هي أن يكون جيش المسلمين في حاجة إلى شخص بعينه، لكونه ذا خبرة خاصة يحتاجها الجيش الإسلامي، وليس لدى الجيش العدد الكافي من أصحاب هذه الخبرة. فعندئذ يجب على صاحب هذه الخبرة أن يقدم نفسه – ولو لم يطلب منه ذلك – إلى قيادة هذا الجيش ليضع قدرته وخبرته تحت تصرفها، ويضع نفسه تحت إمرتها. وأصل هذا الوجوب العيني هو الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الدالة على وجوب التعاون على البر والتقوى، وعلى وجوب نصرة المسلمين بعضهم بعضًا([20]).
  5. والحالة الرابعة، التي يصبح الجهاد فيها فرض عين، هي أن يكون المرء حاضرًا المعركة، مقاتلاً مع الجيش فعلاً. فهذا لا يجوز له – إذا التقى الجمعان – أن يترك ميدان القتال ويرجع، ولو كان الجهاد الذي خرج فيه فرض كفاية في الأصل. وكون الثبات في المعركة، أي الاستمرار في الجهاد، في هذه الحالة يصير فرض عين أساسه أن ترك الميدان يفت في عضد الجيش، ويضعف صفوف المقاتلين المسلمين، ويدخل الوَهْن عليهم، ويجرِّئ عدوهم عليهم. ووجوب الثبات في المعركة – بعد بدئها – مستفاد من الآيات القرآنية الكريمة الآمرة به من مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ. وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: 15-16]. وقوله سبحانه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 45-46]. وهو مستفاد كذلك من النهي النبوي عن التولي يوم الزحف، أي يوم المواجهة الحربية مع العدو، وهو ما جعله الحديث المتفق عليه من «السبع الموبقات». ولذلك وقع الإجماع على كون الفرار يوم الزحف من كبائر الذنوب([21]).
  6. وهذا التعداد للحالات التي يتحول فيها الجهاد من فرض كفاية إلى فرض عين هو أوسع ما كتب في هذا الشأن، والحالتان الثالثة والرابعة، آنفتي الذكر، هما من اجتهاد العلامة الدكتور القرضاوي المبني على النظر الصحيح في نصوص الكتاب والسنة.([22]) وهذا هو المنهج السديد الذي اتخذه الدكتور القرضاوي في دراساته الفقهية كافة: أن ينظر في الأدلة الأصلية من الكتاب والسنة فما هدت إليه قال به ولو لم يسبق إليه، وما نفته أو دلت على ضعفه استنكره، ولو أداه ذلك إلى مخالفة بعض الأعلام السابقين. ولا يستطيع التزام الجادة في مثل هذا النظر الفقهي إلا من أعدَّ نفسه، وأعدَّه شيوخه ومعلِّموه، الإعداد المؤهل لبلوغ هذه المرتبة من الفهم والنظر. وقد بيَّن ذلك، أجلى بيان، الإمام الشافعي في «الرسالة»، إذ فصّل فيها المعارف التي يجب أن يحيط بها من يلج سبيل الاجتهاد في معرفة أحكام الشرع([23]). واستمرار هذا المنهج القويم دليل صدق للحديث المختلف في صحته: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين»([24])
  • بين جهاد الطلب وجهاد الدفع:
  1. في الفقه الإسلامي رأيان – قديمان ومستمران – في طبيعة الجهاد: أحدهما يذهب إلى أن الجهاد الواجب يقتضي قتال من لم يقبل الإسلام دينًا حتى يسلم أو يعطي الجزية صاغرًا. ولا فرق عند أصحاب هذا الرأي – من القدماء والمعاصرين – بين من حاربنا ابتداءً ومن سالمنا، فهما عندهم في الكفر سواء وهو علة وجوب الجهاد القتالي على المسلمين. ويذهب الرأي الثاني إلى أن الواجب على المسلمين هو قتال من يقاتلهم ويعتدي على حرماتهم: من الأنفس أو الأموال أو الأرض، ومن يفتن المسلمين في دينهم بالأذى والعدوان. والسؤال المعبر عن اختلاف الرأيين هو: لماذا يقاتل المسلمون الكفار؟ أهو لمجرد كفرهم؟ أم لعدوانهم على المسلمين؟
  2. وقد خصص العلامة القرضاوي لهذه القضية الباب الثالث من (فقه الجهاد) وهو أطول أبوابه وأغزرها مادة قرآنية وحديثية وفقهية. وبدأ مناقشته للمسألة بتحديد المقصود بكل من جهاد الدفع، وحاصله أنه جهاد لرد العدوان عن المسلمين: أنفسهم وأموالهم وأراضيهم؛ وجهاد الطلب، الذي حاصله أن يغزو المسلمون الكفار في أرضهم، توقيًا لخطرٍ في المستقبل، أو تأمينًا للأمة من شرهم، أو مباغتة لهم قبل أن تفاجأ الأمة بغزوهم أرضها، أو لإزاحة الحواجز أمام تبليغ دعوة الإسلام، أو لمجرد إخضاعهم لسلطان الدولة الإسلامية([25]). ثم حدد الدكتور القرضاوي الأنواع المشروعة – بلا خلاف – من جهاد الطلب، ردًا على مزاعم بعض (الهجوميين) الذي يتهمون أصحاب الرأي الآخر بأنهم لا يقرون جهاد الطلب، في أية صورة من صوره، ولأي سبب كان. فبيَّن أن جهاد الطلب لا خلاف عليه في ثلاث حالات:
    تأمين حرية الدعوة ومنع الفتنة في الدين؛ تأمين سلامة الدولة الإسلامية وسلامة حدودها؛ إنقاذ المستضعفين من أسارى المسلمين أو من أقلياتهم، التي تعاني التضييق والاضطهاد من قبل الحكام الظلمة. وثم صورة رابعة لجهاد الطلب: هي إخلاء جزيرة العرب من (الشرك المحارب) المتجبر في الأرض. وسبب إباحة جهاد القتال هنا قد تحقق كاملاً، فأصبحت هذه الصورة أمرًا تاريخيًا فحسب([26]).
  3. وقد أورد الدكتور القرضاوي أربع عشرة آية قرآنية كريمة مما يستدل به القائلون بأن الإسلام يسالم من يسالمه، ولا يقاتل إلا من قاتله أو صدَّ عن سبيل دعوته، وفتن المؤمنين بها فتنة يراد بها أن يرتدوا عن دينهم. ثم ذكر أن الآخرين الذي يوجبون القتال بغير علة إلا كفر من يقاتلونهم لا دليل لهم إلا قولهم: إن هذه الآيات كلها – ونظائرها – منسوخة بما يطلقون عليه (آية السيف)([27]).
  4. وسوف نعرض الرأي الذي انتهى إليه العلامة القرضاوي – في الباب الثالث – في شأن آيتين قرآنيتين، وحديثين نبويين، نزولا على مقتضيات مثل هذا العرض للسفر الجليل الذي عبَّر فيه العلامة القرضاوي عن حقيقة الموقف الإسلامي من الجهاد في صوره كلها.
  • آية: ﴿وَقَاتلوهم حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾:
  1. وهي صدر الآية رقم 193 من سورة البقرة، وتتمتها: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ومثل مطلع هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَقَاتلوهم حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: 39]. والصحيح في معنى (الفتنة) هو الصد عن سبيل الله، والمسجد الحرام، وإخراج أهله منه، ومحاولة صدهم عن دينهم بالأذى والتعذيب. وقد وقع ذلك في مبدأ الدعوة، واشتدت قريش على المؤمنين في مكة بعد أن بايع أهل المدينة رسول الله r بيعة العقبة. فهذه الآية لا تدل على قتال من لم يؤمن بالإسلام ولو كان مسالمًا للمؤمنين، إنما هي توجب قتال الذين يفتنون المسلمين في دينهم، ويصدونهم عنه، ولا يصح الاستدلال بها على سوى ذلك مما يذهب إليه القائلون بوجوب مقاتلة المسالمين الذين لم يعتدوا على أهل الإسلام ولم يغزو ديارهم([28]).
  2. وهذا التأويل الصحيح لتلك الآية الكريمة – في موضعي ورودها – يرد على أولئك الداعين إلى حرب الناس كافة مستندين بالدليل القرآني الأول، المعللين حربنا لهم بمجرد الكفر دون اشتراط عدوانٍ على الجماعة المسلمة أو على أفرادها. ودلَّ لصحة هذا التأويل الحديث الذي رواه البخاري عن عبد الله بن عمر – عندما دعي للقتال في زمن فتنة ابن الزبير – أنه قال عن القتال: «فعلنا على عهد رسول الله r، وكان الرجل يفتن في دينه: إما قتلوه، وإما عذبوه، حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة»([29]).
  • آية السيف([30]):
  1. من عجائب ما يقف عليه المطالع لكتب الناسخ والمنسوخ، ولكتب التفسير، ولكتب الفقه ما يقوله كثير من العلماء من أن آية واحدة، في القرآن الكريم، نسخت ما اختلف في تقديره، فمن قائل إنها نسخت مائة وأربع عشرة آية، ومن قائل إنها نسخت مائة وأربعين آية، بل قيل إن ما نسخته يبلغ مائتي آية(!!) والآيات المزعوم نسخها هي آيات الصفح، والعفو، والإعراض عن المشركين، والدعوة إلى الله تعالى على بصيرة، وبالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، وأن هذه الآيات باقية في المصحف لتتلى في الصلوات، وتقال في العظات، لكنها لا أثر لها في واقع الحياة.
  2. والآية المزعومة لم يتفق القائلون بوجودها في القرآن الكريم، وبأنها نسخت العدد الهائل المذكور من الآيات الدالة على نبل التشريع الإسلامي في شأن التعامل مع غير المسلمين، لم يتفقوا على تعيينها: فقيل هي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 5]. وقيل هي: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29]، وقيل إنها قوله تعالى: ﴿... وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [جزء من آية التوبة: 36]، وقيل بل هي: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: 41]. والأكثرون من القائلين بوجود آية السيف على أنها الآية الخامسة من سورة التوبة، لكن الأقوال الأخرى متداولة بينهم كذلك([31]).
    ولكي يناقش الدكتور القرضاوي هذه القضية مناقشة علمية أعدَّ عُدته من علم أصول الدين، وعلم أصول الفقه، وعلم أصول التفسير، وعلم أصول الحديث؛ ثم بحث على أساس هذه العلوم جميعًا ثلاث قضايا أساسية تتصل بقضيته الرئيسية. فناقش قضية النسخ في القرآن الكريم، وهل هي قضية قطعية متفق عليها؟ أو هي قضية ظنية تحتمل الخلاف؟
    وناقش قضية الشروط التي يجب أن تتوافر فيما يقال إنه منسوخ.
    وناقش مدى انطباق هذه الشروط على آية السيف، وعيَّن أي آية هي، وبيّن مناقضتها لآيات كثيرة زعموا نسخها بها، مع أن الناسخ سبق المزعوم نسخه في النزول.
  1. ففي قضية النسخ في القرآن، يقرر الدكتور القرضاوي أنها «ليس فيها نص قاطع، ولا إجماع متيقن»، وأن إطلاق السلف لفظ النسخ لا يُعنى به دائما المعنى المستقر عند المتأخرين وهو: رفع حكم شرعي سابق بدليل شرعي متأخر([32]). وبعد أن ناقش الدكتور القرضاوي أدلة القائلين بالنسخ، وأدلة المنكرين له، انتهى إلى أن المعركة بين الذين يقرون بالنسخ والذين ينكرونه لم تزل حية، وإلى أن الآية التي هي عمدة القائلين بالنسخ وهي قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 106]، ليست قاطعة الدلالة على قولهم، مع أن القول بإنهاء حكم آية من كتاب الله لا يكون إلا بدليل قطعي، إذ الأصل أن آيات كتاب الله محكمة ملزمة، دائمة ثابتة إلى يوم القيامة. واختار القول بأن المقصود بهذه الآية – والآيتين بعدها – هو نسخ ما كان ثابتًا في الشرائع السابقة على شريعتنا. وردَّ الدكتور القرضاوي استدلال القائلين بالنسخ بآية سورة النحل: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 101] بأن الآية - بل السورة كلها – مكية بالإجماع. ولم يكن في العهد المكي نسخ قطعًا، لأن آيات الأحكام هي التي يتصور فيها وقوع النسخ، فلا حجة للقائلين بالنسخ في هذه الآية أيضًا([33]).
  2. وليس في السنة أي دليل على النسخ. والرسول r مكلف ببيان الوحي للناس ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 44]. ولم يرد في بيانه للقرآن ما يفيد أن آية نسخت أخرى، مع أهمية هذا البيان وضرورته([34]).
    ولم يقع – على طول التاريخ الإسلامي – إجماع من الأمة على جواز النسخ ووقوعه في القرآن، بل وجد في العصور كلها من العلماء، الذين يعتد بهم في انعقاد الإجماع، من أنكر النسخ ووقوعه في القرآن. وأيد العلامة القرضاوي ذلك بقوله إنه «لا توجد آية قيل بنسخها إلا وجدنا من يخالف فيها من المفسرين المتقدمين. ومعنى هذا: أنه لا توجد آية في كتاب الله اتفق جميع العلماء بيقين على أنها منسوخة، والأصل في آيات القرآن: أن الله عز وجل إنما أنزلها ليعمل بها، ويهتدى بهداها، لا ليبطل حكمها بآية أخرى» «وكل دعوى لنسخ آية أو بعض آية منه، فهي على خلاف الأصل، وما جاء على خلاف الأصل لا يقبل إلا ببرهان يقطع الشك باليقين» و«فإننا لا نكاد نجد – بل لا نجد – آية في القرآن الكريم مقطوعًا بنسخها، وما لم يقطع بنسخه فيجب أن يبقى حكمه ثابتًا ملزمًا كما أنزله الله تعالى، ولا ننسخه ولا نبطل حكمه بمحض الظن، فإن الظن لا يغني من الحق شيئًا»([35]).
  1. وفيما يتعلق بشروط قبول النسخ، عند من سلّم به، ذكر الدكتور القرضاوي: استحالة الجمع بين النصين الناسخ والمنسوخ لقيام تعارض حقيقي بينهما. أما إذا أمكن الجمع بين النصين، ولو في حال من الأحوال، فلا يثبت النسخ، لأنه خلاف الأصل. وينقل عن الإمــام الطبري – تأييداً لذلك – ردَّه على القائلين بنسخ قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنفال: 61] أن هذا «القول لا دلالة عليه من كتاب، ولا سنة، ولا فطرة عقل، وقد دللنا – في غير موضع من كتابنا هذا وغيره – على أن الناسخ لا يكون إلا ما نفى حكم المنسوخ من كل وجه، فأما ما كان بخلاف ذلك، فغير كائن ناسخًا». ولا يعرف النسخ إلا بنقل صحيح صريح عن النبي r، أو عن صحابي يقول: آية كذا نسخت آية كذا، أو بتعارضٍ مقطوع به بين آيتين، مع معرفة تاريخ نزول كل منهما، ليعرف المتقدم من المتأخر (أي الناسخ من المنسوخ) والمعتمد في ذلك النقل دون الرأي والاجتهاد. قال العلامة القرضاوي: «إني لا أعرف نقلاً صريحًا عن رسول الله r يقول: آية كذا نسخت آية كذا. ومن عرف فليدلني عليه»([36]).
    وقول الصحابي يقبل إذا توافرت له ثلاثة شروط: أن يصح سنده عن الصحابي، وألا يكون مجرد اجتهاد منه إذ قد يعارضه فيه رأي غيره من الصحابة، وأن يكون المقصود بالنسخ هو معناه الاصطلاحي المتأخر، أي رفع حكم شرعي بدليل متأخر، لأن كلام المتقدمين كثيرًا ما يرد فيه لفظ النسخ لا بهذا المعنى بل بمعنى تخصيص العام، وتقييد المطلق، وتفصيل المجمل، والاستثناء والغاية وغيرها، وهذا كله ليس من النسخ في شيء([37]).
  1. وفي تحديد الآية التي يطلق عليها (آية السيف) ناقش الدكتور القرضاوي أقوال أهل التفسير، في هذا الشأن، مناقشة علمية، راقية، مقنعة، ماتعة، وانتهى إلى أن الآيات الأربع التي قيل في كل منها إنها (آية السيف) لا تصلح لهذا الوصف، ولا هي ناسخة للآيات المقرِّرة للعفو والصفح، وتأمين المشرك المستجير، إلى أن يبلغ مأمنه، بعد أن يسمع كلام الله، ووجوب الوفاء بالعهد ولو مع المشركين الذين لا يقاتلون المسلمين. وبعد أن حكى الدكتور القرضاوي بعض اختلاف العلماء في القول بنسخ بعض الآيات لبعضها الآخر، علق على هذا الاختلاف بقوله: «من هذا الذي نراه من اختلاف بين مفسري السلف المعروفين في القول بنسخ الآيات بعضها لبعض، بحيث نرى القول وضده: نعرف أنه لا نقل عندهم فيما قالوه، وإنما قالوه برأيهم واجتهادهم، وهو رأي عالم غير معصوم، يؤخذ منه ويرد عليه، وفق الأصول العلمية المقررة»([38]).
    وعند العلامة القرضاوي أنه ليس فيما استدل به أصحاب (آية السيف) أي دلالة من الدلالات التي يفهم منها قتال الناس كافة، من حاربنا منهم، ومن كف عنا وألقى إلينا السلم([39]).
  1. والنفس تطمئن، بعد قراءة هذا البحث الضافي، إلى أن مسألة (آية السيف) لا أصل لها إلا في آراء بعض أهل التفسير، من القدامى والمحدثين. وأن هذه الآراء لا تستند إلى نقل صحيح عن الرسول r ولا عن أصحابه }، وإنما هي محض اجتهادات، لعلماء غير معصومين، يؤخذ من كلامهم ويرد عليهم. فإذا وقف المتأمل على أنهم «لم يتركوا آية تدعو إلى الرفق واللين، أو العفو والصفح، أو الصبر والدفع بالتي هي أحسن، أو تأمر بالحكمة والموعظة الحسنة، أو غير ذلك مما هو أساس في مكارم الأخلاق التي أعلن محمد r أنه بعث ليتممها، إلا قالوا عنها: نسختها آية السيف»([40])(!) أقول إذا وقف المتأمل على ذلك، تبين له أن أصحاب هذا القول ليس معهم دليل واحد مقبول على ما يقولون. و«الأصل في آيات القرآن هو الإحكام، وبقاء حكمها ساريًا نافذًا، ولا نسخ إلا بدليل قاطع، ولا دليل»([41]). وإنه لمن «الخطأ البين أن يعتبر كل أمر جاء به القرآن بالإعراض عن المشركين: منسوخًا بآية السيف، فهذا من التوجيه الخلقي، في القرآن، وتكوين الجانب الأخلاقي من الشخصية الإسلامية. ومثله لا ينسخ»([42]).
    ثم إن القرآن الكريم كما أمر بالإعراض عن المشركين، أمر بالإعراض عن المنافقين، في مثل قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: 63]، وقوله سبحانه: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: 81]. والإعراض عن المنافقين لا تتصور فيه دعوى النسخ بـ (آية السيف)، كما يدعى ذلك في الآيات الآمرة بالإعراض عن المشركين أو الكافرين. وأساس ذلك أن المنافقين لا يجاهدون بالسيف، لأنهم في الظاهر مسلمون، تجري عليهم أحكام المسلمين. فيكون المراد بالإعراض عنهم: عدم المبالاة بهم وبمكايدهم، وألا يجعل النبي r مواقف المنافقين عقبة في سبيل دعوته([43]).
  • بعثت بالسيف بين يدي الساعة:
  1. هذه العبارة هي مطلع حديث ينسب إلى رسول الله r، رواه الإمام أحمد وغيره، من حديث عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله r: «بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم»([44]). وهذا الحديث أحد الأعمدة الرئيسية التي يقيم عليها القائلون بأن الإسلام يوجب مقاتلة الناس جميعًا حتى يسلموا أو يعطوا الجزية وهم صاغرون(!) رأيهم هذا.
  2. قال العلامة القرضاوي: «يمكننا أن نُسميَّ هذا الحديث (حديث السيف) تشبيهًا له بما سمي في القرآن: (آية السيف)»([45]). ثم نظر فضيلته في الحديث من جانبي السند والمتن. فأما من جهة الإسناد فقد ناقش أقوال علماء الحديث في مدى صحته، وأقوال علماء الرجال في شأن رواته ولاسيما في شأن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، الذي عليه مدار رواية هذا الحديث. وكانت النتيجة التي أداه إليها بحثه هذا هي قوله: «وبهذا تبين لنا أن الحديث لم يأت من طريق واحدة صحيحة متصلة سالمة من النقد، وإنما صححه من صححه بطرقه (أي بكثرتها)، وكلها لا تسلم من مقال، ولم تكثر إلى درجة يقال: يقوي بعضها بعضًا. على أن التصحيح بكثرة الطرق –وإن لم يكن معروفًا بكثرة ووضوح عند المتقدمين من أئمة الحديث– إنما يعمل به في القضايا اليسيرة، والأمور الجزئية البسيطة، لا في مثل هذا الأمر الذي يعبر عن عنوان الإسلام واتجاه: هل بعث رسوله بالرحمة أو بعث بالسيف؟ هل بعث بالحجة أو بعث بالسيف؟»([46]).
  3. وأما من جهة متن الحديث ومضمونه، فقد قرر الدكتور القرضاوي – بحق – أننا: «إذا غضضنا الطرف عن سند الحديث وما فيه من كلام، ونظرنا في متنه ومضمونه، وجدناه كذلك منكرًا، لا يتفق مع ما قرره القرآن بخصوص ما بعث به محمد r.
    فالقرآن لم يقرر في آية واحدة من آياته أن محمدًا بعثه الله بالسيف، بل قرر في آيات شتى أن الله بعثه بالهدى ودين الحق والرحمة والشفاء والموعظة للناس» ثم ساق ست عشرة آية، بين مكية ومدنية، كلها تؤكد هذه المعاني الإسلامية الثابتة، و«تدل دلالة جلية على أن الرسول الكريم لم يبعث إلا بالهدى ودين الحق، وبالتبشير وبالإنذار، والبيان والشفاء لما في الصدور، والرحمة للعالمين، ولم يبعث بالسيف ولا بالرمح، كما هو منطوق الحديث. وليس أبلغ من آيات القرآن العظيم تؤخذ منها المفاهيم الحقيقية والأساسية لهذا الدين»([47]).
  • أمرت أن أقاتل الناس:
  1. هذه الجملة جزء من حديث عبد الله بن عمر، المتفق عليه: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة. فإذا فعلوا فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله»([48]).
    وليس الكلام في هذا الحديث متصلاً بسنده، فهو صحيح متفق عليه، لا ريب في ذلك([49]). ولهذا اتخذه الداعون إلى حرب العالم كله سندًا أساسيًا لدعوتهم.
    وقد رد العلامة القرضاوي على هذا الرأي ردًا مجملاً فقال عن الحديث: «هل معناه قتال البشر جميعًا حتى يدخلوا في الإسلام؟ لم يقل بهذا أحد من علماء الأمة، لا فقيه ولا مفسر ولا محدث»([50]). وبعد أن نقل تأويلات الحافظ ابن حجر للحديث، كما أوردها في فتح الباري، قال: «ويترجح لدى الكثيرين أن كلمة (الناس) في هذا الحديث عام يراد به خاص، فالمراد بهم مشركو العرب الذين عادوا الدعوة منذ فجرها، وعذبّوا المسلمين في مكة ثلاثة عشر عامًا، وحاربوا الرسول تسعة أعوام في المدينة، وغَزَوْهُ في عقر داره مرتين، يريدون استئصاله وأصحابه، والقضاء على دعوته، وهؤلاء القوم، كما وصفتهم سورة التوبة ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾ [التوبة: 10]، ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: 13]، فقد نفض الرسول r يده منهم، ولم يعد هناك أمل في صلاحهم»([51]). وقد اختار العلامة القرضاوي، في ختام بحثه لهذا الحديث، الرأي القائل بأن لفظ (الناس) فيه من العام الذي أريد به الخاص، وأن المقصود بهذا اللفظ هم المحاربون الذين ذكرتهم سورة براءة في أوائلها، وأعلنت البراءة منهم، وهم الذين ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾ [التوبة: 10]([52]). ونقل قبل ذلك كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح الحديث الذي حاصله أن الحديث يبين الغاية التي يباح القتال إليها، بحيث إذا فعلوها حرم قتالهم، وليس معناه أنه r مأمور بقتالهم إلى هذه الغاية، فإن هذا خلاف النص والإجماع. فإنه لم يفعل هذا قط. بل كانت سيرته: أن من سالمه لم يقاتله([53]).
  1. يقول العلامة القرضاوي، تعليقًا على هذا الكلام: «معنى كلام شيخ الإسلام هنا في غاية القوة والبيان: أنه مأمور أن يقاتل من يستحق القتال لحربه وعدوانه على المسلمين، إلى هذه الغاية، وهي: الدخول في الإسلام بالنطق بالشهادتين. فليس في الحديث دلالة على أنه مأمور بقتال كل الناس حتى يسلموا، بل هو مأمور بقتال الذين يقاتلون إلى هذه الغاية»([54]).
    وهكذا يتبين لكل صحيح الفهم أن هذا الحديث لا يصلح سنداً للقائلين إن الإسلام يأمر أهله بقتال الناس كافة. ويستقيم، مستندًا إلى الأدلة القرآنية والنبوية، والنظر الصحيح فيها، أن الإسلام يأمر برد العدوان لا بالبدء به، وكما قال الأستاذ العقاد: «... وكذلك كانت شريعة الإسلام منذ وجب فيه القتال، ولم يوجبه إلا البغي والقسر والعنت والإخراج من الديار»([55]).
    وقد أيد العلامة القرضاوي هذه النتيجة، الي تبينَّها من دراسته للحديث، بكلام العلماء: ابن قيم الجوزية، وعبد الله بن زيد آل محمود، ومحمد الغزالي، وأحمد زكي باشا، ثم اختتم هذا البحث القيم – في نهاية الفصل السابع من الباب الثالث – بكلام، صادق نفيس، للأستاذ العقاد: «فهذا حق السيف كما استخدمه الإسلام في أشد أوقات الحاجة إليه.
    حق السيف مرادف لحق الحياة، وكل ما أوجبه الإسلام، فإنما أوجبه لأنه مضطر إليه، أو مضطر إلى التخلي عن حقه في الحياة، وحقه في حرية الدعوة والاعتقاد، فإن لم يكن درءًا للعدوان والافتيات على حق الحياة وحق الحرية، فالإسلام في كلمتين هو (دين السلام)»([56]).
    وكفُّ المسلمين عمّن كفَّ عنهم، وسالمهم، ولم يظاهر عليهم أحدًا من أعدائهم، هو الأصل في الدين. «أما من أساء إلى المسلمين، واعتدى عليهم، فمن حق المسلمين – بل من واجبهم – أن يقاتلوه، ذودًا عن دينهم وحرماتهم، حتى يدخل في الإسلام، أو يعطي الجزية عن يد وهو صاغر، أي مذعن لدولة الإسلام، وشريعة الإسلام، لا لعقيدة الإسلام، فهذه لا إكراه فيها»([57]).

***

إن جميع المسائل التي ذكرتها، وأطلت القول فيها، ليست إلا غيضًا من فيض، مما نويت، بادئ ذي بدء، أن أتناوله بالعرض والتعليق من عمل العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، في هذا السفر الفذ الجليل (فقه الجهاد) بجزئيه.

وقد كنت أتمنى أن تتاح لي الفرصة – والمساحة – للتعليق على بيانه لأنواع القوة التي يجب أن يعدها المسلمون، لتوقي أن يلقاهم عدو وهم أقل منه قدرة على القتال واستعدادًا له، وعن إعداد الأمة، من النواحي كافة، للقتال والجهاد في سبيل الله، وعن ردّه على الطائفة القاديانية في قولها الباطل بنسخ الجهاد كله، وعن إشادته بدور المرأة في الجهاد، ولا سيما إكباره للمجاهدات الفلسطينيات الشهيدات، وعن الهدنة بين المسلمين وبين محاربيهم، وأن أساسها تحقيق المصلحة العامة للأمة، وعن الجزية، وجواز قبولها من أهل الكتاب والمشركين، عربًا وعجمًا، وأن مقدارها مفوض إلى رأي الإمام بمراعاة حال من تؤخذ منهم عسرًا ويسرًا، وأن الأمان كما يكون من السلطة الرسمية (الإمام) يكون من الفرد المسلم، وأن الشك فيه يفسَّر لمصلحة المستأمن (الطرف الأضعف في العقد)، وعن اجتهاده الشجاع في شأن بناء الكنائس في دار الإسلام، وفي مسألة رد السلام على غير المسلم، وعن رأيه الصائب القوي في شأن العمليات الاستشهادية في فلسطين، وغير ذلك من المسائل المهمة.

أما وقد قَصَّر بي العمل عن هذا كله، فإني لا أملك إلا أن أوصي كل مهتم بالموضوع بالرجوع إلى الكتاب نفسه، فليس في شيء مما كتبت ما يغني عن ذلك.

وأسأل الله سبحانه أن يجزي الأخ الأكبر العلامة الدكتور يوسف القرضاوي عن عمله وعلمه وجهاده خير ما جزى عالمًا عن مثل ذلك.

 

والحمد لله رب العالمين.

وكتبه: محمد سليم العوَّا

حامدًا ومصليًا

 

لتحميل ملف العرض: هنا

________________________________________

(*) عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة؛ عضو مجمع الفقه الإسلامي الدولي، منظمة التعاون الإسلامي بجدة؛ أستاذ جامعي سابق.

(1) الجزء الأول، ص 11و12.

(2) السابق، ص 28-29، باختصار يسير جدًا.

(3) نفسه، ص 29.

(4) من ذلك كتاب: «كلمات في الوسطية الإسلامية ومعالمها»، وكتاب «الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف» وغيرها كثير موزع في مؤلفاته حفظه الله.

(5) قال ابن عطية: «وتتناول الآية بعد كل من كتم علمًا من دين الله يُحتاج إلى بثه... والكتاب يراد به التوراة والإنجيل بحكم سبب الآية، وأنها في أمر محمد r ثم يدخل القرآن مع تعميم الآية». راجع المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، ط دار ابن حزم بيروت 1423هـ= 2002م.

(6) قال ابن عطية: «والظاهر في هذه الآية أنها نزلت في اليهود، وهم المعنيون، ثم إن كل كاتم من هذه الأمة يأخذ بحظه من هذه المذمة ويتصف بها». المصدر السابق.

(7) فقه الجهاد، ج1 ص 55-56.

(8) في الموضع نفسه إيراد لعدد من الآيات الكريمة في إعلاء شأن القتال.

(9) المصدر نفسه، ص 55-58؛ ومواضع النقط (...) عبارات اختصرناها.

(10) المصدر نفسه، ص 60. وتعبيره بـ: (يحق على الأفراد) دقيق لأنه لغةً يعني: (يجب عليهم) خلافًا لما يفهمه بعض القارئين من أنه يفيد جواز الأمر لا وجوبه. ولذلك ختم الدكتور القرضاوي كلامه بقاعدة «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب»

(11) المصدر نفسه، ص 62.

(12) المصدر نفسه، ص 69.

(13) المصدر نفسه، ص 79.

(14) وقد انتهى إلى مثل هذا الرأي العلامة الشيخ (الدكتور) إبراهيم عبد الحميد إبراهيم، في رسالته التي نال بها العالمية من كلية الشريعة بالأزهر الشريف سنة 1363هـ = 1944م، بعنوان: (العلاقات الدولية العامة في الإسلام – قسم الحرب – دراسة مقارنة)، أنظر نشرة دار الإفتاء المصرية لأعماله الكاملة، القاهرة 1438هـ = 2017، القسم الأول، المجلد الأول، ص 87 وما بعدها، وص 111 وما بعدها. أقول هذا تأييدا لما انتهى إليه الدكتور القرضاوي، وأغلب الظن عندي أنه لم يطلع على الرسالة المذكورة إذ لم يذكرها في قائمة مراجعه، وكانت قبل نشرها بمعرفة دار الإفتاء في حكم المفقودة.

(15) فقه الجهاد، ص 89.

(16) المصدر نفسه، ص 89- 94، باختصار.

(17) المصدر نفسه، 95.

(18) هذا هو التعبير الفقهي التراثي عن «السلطة المختصة في الدولة» وليس المقصود أن فردًا واحدًا يملك هذه السلطة، نعم كان هذا صحيحًا في عصور التدوين الأولى للفقه، أما الآن فإن إدارة الدول للمؤسسات ذات الأدوار المتكاملة. وعلى هذا النحو ينبغي أن يفهم تعبير (الإمام) في الكتابات الفقهية المعاصرة.

(19) المصدر نفسه، ص 99-100.

(20) المصدر نفسه، ص 101.

(21) المصدر السابق، ص 102، وفيه تخريج الحديث المتفق عليه، عن أبي هريرة، من الصحيحين، وغيرهما.

(22) قارن: الشيخ إبراهيم عبد الحميد إبراهيم، المصدر السابق ذكره، ص 111؛ وصديقنا العلامة الدكتور محمد لطفي الصباغ، مقدمته لتحقيق رسالة الإمام ابن رجب الحنبلي: (الحكم الجديدة بالإذاعة)، دار الوراق بالرياض، ودار النيرين بدمشق، 1422 هـ - 2002م، ص 28.

(23) الإمام الشافعي، الرسالة، تحقيق الشيخ أحمد شاكر، ط القاهرة، (د.ن) و(د.ت) الفقرات 1469- 1479. وكلامه فيها مما يجب أن يحصله طالب العلم قبل أن يتصدى للفتوى أو التعليم.

(24) راجعه في: كنز العمال للمتقي الهندي، رقم 28918. ومقصودنا بكون استمرار هذا المنهج القويم، في الاجتهاد، دليل صحة الحديث، هو تقرير أن الواقع إذا طابق حديثًا ضعيفًا أو مختلفًا في صحته، كانت هذه المطابقة مرجحة لقول المصححين، أو رافعة له من درجة الضعف إلى درجة الصحة. ولا أعني بذلك الصحة الاصطلاحية، إنما أريد الصحة في الواقع الذي يعيشه الناس. ويتحقق هذا بصورة خاصة في أحاديث الإخبار بأحداث المستقبل، مثل هذا الحديث، وحديث فتح القسطنطينية، وهو في المسند من رواية بشر الخثعمي، رقم (18957)، وما شاكلهما من الأحاديث.

(25) القرضاوي، المصدر السابق، ص 240. وينبغي التنبيه إلى أن هذه التعليلات لجهاد الطلب هي من فقهه المستفاد من دراسته للموضوع، لكنها لا يقول بها كل من سمّاهم (الهجوميين) الذي يرون أن الجهاد المفروض يتضمن البدء بقتال الكفار لمجرد كفرهم، كما بينه فضيلته في غير موضع من كتابه.

(26) المصدر السابق، ص 240- 242.

(27) المصدر نفسه، ص 243-245.

(28) القرضاوي، السابق، ص 259- 266.

(29) رواه البخاري (4514) وذكره الدكتور القرضاوي، ص 266.

(30) ما تحت هذا العنوان مستفاد في جملته من: فقه الجهاد، ج1، الباب الثالث، الفصل الرابع، ص 267 – 314، ثم باقي الفصول منه.

(31) ينبغي أن نقرر هنا أن كلمة السيف لم ترد في القرآن الكريم البتة.

(32) المصدر السابق، ص 271.

(33) نفسه، ص 277.

(34) المصدر نفسه، ص 278.

(35) المصدر السابق، 278- 282.

(36) المصدر نفسه، ص 283

(37) المصدر نفسه، ص 283-284

(38) المصدر السابق، ص 286 والحاشية رقم (1) فيها.

(39) المصدر نفسه، ص 292.

(40) المصدر نفسه، ص 300.

(41) المصدر السابق، ص 302.

(42) المصدر نفسه، ص 307.

(43) المصدر نفسه، ص 309. وقرِّب كلام العلامة الشيخ إبراهيم عبد الحميد، المصدر سالف الذكر، ج 1 ص 84 وما يليها.

(44) المسند رقم (5115) وله روايتان آخرتان (5114) و(5667) ولفظ كل منهما فيه اختلاف يسير.

(45) فقه الجهاد، ج1، ص 316.

(46) المصدر نفسه، ص 320. وعندي أن مسألة التصحيح بكثرة الطرق – وإن أكثر من ذكرها المتأخرون – يجب التوقف في قبولها، فالطرق الضعيفة مهما تعددت لا تنشئ قوة يقبل بها الحديث الضعيف، وإذا كان بعضها صحيحًا فهو لا يحتاج إلى الاعتداد بالضعيف لتأكيده أو تأييده. وفي الحديث الصحيح غناء عن غيره. والله تعالى أعلم. وفي هذا الموضوع دراسة قيمة للدكتور عبد اللطيف السيد علي سالم بعنوان: «تحريم العمل بالحديث الحسن والضعيف في الأحكام»، وهي رسالة دكتوراه من شعبة الدراسات الإسلامية بكلية الآداب، جامعة الإسكندرية، 2013.

(47) المصدر السابق، ص 325- 326.

(48) البخاري رقم (25)، ومسلم رقم (22)، واللفظ للبخاري.

(49) وعلى الرغم من ذلك فقد أجهد بعض المعاصرين نفسه، وأنفق الكثير من وقته في صنع دراسة أراد بها إثبات بطلان الحديث وضعفه من ناحية السند؛ أنظر متولي إبراهيم صالح، بطلان عقيدة الإكراه في الدين، القاهرة 2003 (النسخة التي لديَّ منه منسوخة على الطابعة)، وهي دراسة غير قصيرة إذ تقع في أكثر من مائة وستين صفحة. وأساس البحث والدافع إليه: فهم لفظ الناس على أنه يعني الخلق كافة. وهو فهم لم يقل به أحد من أهل العلم، كما سيتبين من الكلام على الحديث في المتن.

(50) فقه الجهاد، ج1 ص 327.

(51) المصدر السابق، ص 328. وهذا الفهم في معنى الحديث هو أحد التأويلات التي قالها ابن حجر في فتح الباري، كما نقله المصنف، حفظه الله.

(52) المصدر نفسه، ص 337.

(53) المصدر نفسه، ص 335. والنقل عن ابن تيمية من: «قاعدة مختصرة في قتال الكفار ومهادنتهم وتحريم قتلهم لمجرد كفرهم».

(54) المصدر نفسه، ص 336.

(55) نقله عنه، من كتاب: «حقائق الإسلام وأباطيل خصومه» الدكتور القرضاوي، ضمن نص طويل في الصفحات 331- 335، وما في المتن من ص 333.

(56) المصدر نفسه، ص 364.

(57) المصدر نفسه، ص 383.

أولًا: القانون الجنائي الدولي في التشريع الوضعي

القانون الجنائي الدولي هو مجموعة من القوانين التي تنظم محاكمة الأفراد المسؤولين عن ارتكاب الجرائم الدولية التي تؤثر على المجتمع الدولي ككل، ويهدف إلى ضمان تحقيق العدالة ومعاقبة المسؤولين عن ارتكاب جرائم خطيرة، مثل جرائم الحرب، الجرائم ضد الإنسانية، والإبادة الجماعية.

نشأ القانون الجنائي الدولي بشكل فعلي بعد الحرب العالمية الثانية، بعد تزايد التهديدات للسلم والأمن العالميين، حيث برز كأداة مهمة لحماية حقوق الإنسان ولمنع الإفلات من العقاب. ومنذ إنشاء محاكم جنائية دولية خاصة لمحاكمة مجرمي الحرب، وتحديدًا محكمة نورمبرغ، استمر هذا المجال القانوني في التطور ليشمل محاكم جنائية دولية دائمة، مثل المحكمة الجنائية الدولية (ICC)، والتي تأسست بهدف ضمان محاكمة مرتكبي الجرائم الدولية حتى في غياب أنظمة قضائية وطنية فعّالة.

 

تطور القانون الجنائي الدولي

تعود أصول القانون الجنائي الدولي إلى الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية عندما قرر الحلفاء المنتصرون محاكمة قادة النظام النازي على الجرائم التي ارتكبت خلال الحرب. تأسست محكمة نورمبرغ في عام 1945 وكانت أول محكمة جنائية دولية من نوعها، حيث حوكم فيها المسؤولون النازيون بتهم تتعلق بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب وجرائم ضد السلم، وكانت هذه المحاكمة الأولى التي اعترفت بمسؤولية الأفراد الجنائية في السياق الدولي.

تعتبر محاكمات نورمبرغ بمثابة حجر الزاوية في تطوير القانون الجنائي الدولي لعدة أسباب:

  1. إقرار مبدأ المحاسبة الشخصية: حيث تم التأكيد على أن الأفراد يمكن محاكمتهم على الجرائم الدولية، بغض النظر عن مناصبهم السياسية أو العسكرية.
  2. تعزيز مفهوم الجرائم الدولية: حددت المحاكم الجرائم التي يمكن اعتبارها جرائم دولية مثل الإبادة الجماعية وجرائم الحرب، مما ساهم في وضع الأسس للقانون الدولي الحديث.

 

محاكم ما بعد نورمبرغ

بعد محاكمات نورمبرغ، شهد المجتمع الدولي إنشاء محاكم أخرى للتعامل مع الجرائم الدولية التي ارتكبت في نزاعات معينة أو تمثل جرائم جنائية دولية بصفة عامة، حيث تمثل هذه المحاكم استجابة دولية فعّالة للتعامل مع الجرائم الدولية في غياب أنظمة قضائية وطنية قادرة على تقديم العدالة.

ومن بين هذه المحاكم:

  1. المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة: أُنشئت عام 1993 لمحاكمة المسؤولين عن الجرائم التي ارتكبت خلال تفكك يوغوسلافيا، وكانت هذه المحكمة خطوة مهمة في محاكمة الأفراد المسؤولين عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في سياق نزاع داخلي.
  2. المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا: أنشئت عام 1994 لمعالجة قضية الإبادة الجماعية التي ارتكبت في رواندا، وكانت هذه المحكمة تهدف إلى محاكمة المسؤولين عن قتل مئات الآلاف من المدنيين خلال فترة قصيرة، مما جعلها من أبرز المحاكم الجنائية الخاصة.
  3. المحكمة الجنائية الدولية (ICC):

تأسست المحكمة الجنائية الدولية (ICC) بموجب معاهدة روما عام 1998، وبدأت أعمالها في عام 2002، وهي أول محكمة دولية دائمة تختص بمحاكمة الأفراد على الجرائم الدولية الكبرى، وتتمتع المحكمة بصلاحية محاكمة الأفراد المتهمين بارتكاب جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، والإبادة الجماعية، وجريمة العدوان.

وقد تعاملت المحكمة الجنائية الدولية مع عدة قضايا مهمة منذ إنشائها، بما في ذلك قضايا في الكونغو الديمقراطية وأوغندا والسودان (قضية دارفور)، وكانت المحكمة مفيدة في تقديم بعض القادة العسكريين والسياسيين إلى العدالة الدولية، على الرغم من التحديات التي تواجهها في بعض الحالات.

وتعرضت المحكمة الجنائية الدولية لانتقادات من قبل بعض الدول والمنظمات التي ترى أنها تتعامل بشكل غير متوازن مع الدول الإفريقية، وتتهمها بالانحياز، كما أن بعض الدول، مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين، لم تصادق على معاهدة روما ولا تعترف باختصاص المحكمة.

 

المصادر القانونية للقانون الجنائي الدولي

يستند القانون الجنائي الدولي إلى مجموعة متنوعة من المصادر التي تضمن شرعيته وتطبيقه في المواقف المختلفة، وتشمل هذه المصادر:

  1. المعاهدات والاتفاقيات الدولية

تعد المعاهدات الدولية من أبرز المصادر التي يعتمد عليها القانون الجنائي الدولي. ومن بين أبرز هذه المعاهدات:

اتفاقيات جنيف (1949): تشكل هذه الاتفاقيات الأساس القانوني للقانون الدولي الإنساني، وتحدد القواعد التي يجب اتباعها في النزاعات المسلحة لحماية المدنيين والأسرى والجرحى.

معاهدة روما (1998): وهي المعاهدة التي أنشأت المحكمة الجنائية الدولية (ICC)، وتعد معاهدة روما الإطار القانوني الذي يستند إليه القانون الجنائي الدولي الحديث في محاكمة الجرائم الدولية.

  1. القانون الدولي العرفي

هو مجموعة من القواعد التي تتكون من ممارسات الدول التي تُعتبر ملزمة قانونًا حتى وإن لم تكن مكتوبة في معاهدات أو اتفاقيات، وينشأ هذا القانون من العادات والممارسات التي يتفق عليها المجتمع الدولي وتعد جزءًا من النظام القانوني الدولي.

  1. المبادئ العامة للقانون

تستند بعض أحكام القانون الجنائي الدولي إلى المبادئ العامة للقانون التي تعتبر جزءًا من القانون الدولي. هذه المبادئ تستمد من الأنظمة القانونية المختلفة للدول، وتُستخدم في الحالات التي لا توجد فيها معاهدات أو قوانين مكتوبة تغطي موضوعًا معينًا.

 

الجرائم المعترف بها في القانون الجنائي الدولي

يشمل القانون الجنائي الدولي الجرائم التي تعد من أخطر الجرائم التي يمكن أن يرتكبها الأفراد، وتشكل تهديدًا للسلم والأمن الدوليين، ومن بين هذه الجرائم:

  1. جرائم الحرب

تتمثل جرائم الحرب في انتهاكات خطيرة لقوانين الحرب، مثل الهجمات المتعمدة على المدنيين أو استخدام أسلحة محظورة، وعُرفت هذه الجرائم في اتفاقيات جنيف والبروتوكولات الإضافية لها، وهي تشمل الجرائم المرتكبة ضد المدنيين أو المقاتلين الذين لم يعودوا يشكلون تهديدًا.

  1. الجرائم ضد الإنسانية

تشمل الجرائم ضد الإنسانية الأعمال التي ترتكب كجزء من هجوم واسع أو منهجي موجه ضد أي مجموعة من السكان المدنيين، وتشمل هذه الجرائم القتل والتعذيب والاضطهاد والترحيل القسري.

  1. الإبادة الجماعية

تم تعريف الإبادة الجماعية بأنها أي عمل يرتكب بهدف تدمير جماعة قومية أو إثنية أو دينية بشكل كلي أو جزئي، وتشمل الإبادة الجماعية القتل أو التسبب في أذى جسدي أو عقلي لأفراد الجماعة.

  1. جريمة العدوان

جريمة العدوان هي آخر جريمة أُدرجت ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، وتتمثل في استخدام القوة العسكرية من قبل دولة ضد سيادة دولة أخرى، وحُددت هذه الجريمة في معاهدة روما، ودخلت حيز التنفيذ في عام 2018.

 

التحديات التي تواجه القانون الجنائي الدولي

  1. السيادة الوطنية:

من بين التحديات الرئيسية التي تواجه القانون الجنائي الدولي هو التوتر بين مبدأ السيادة الوطنية وضرورة محاسبة مرتكبي الجرائم الدولية، حيث تتردد بعض الدول في التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية خوفًا من التدخل في شؤونها الداخلية.

  1. التأثيرات السياسية:

غالبًا ما تكون القرارات المتعلقة بمحاكمة الأفراد في المحاكم الدولية محاطة بتأثيرات سياسية، مما قد يعوق العدالة، العلاقات الدولية والنزاعات السياسية بين الدول قد تعرقل التعاون الدولي في مجال محاكمة الجرائم الدولية.

  1. عدم التزام بعض الدول:

عدد من الدول الكبرى لم تنضم إلى المحكمة الجنائية الدولية، مما يقلل من فعالية المحكمة في محاكمة الجرائم الدولية، بدون تعاون الدول الكبرى، يظل القانون الجنائي الدولي محدودًا في نطاق تطبيقه.

 

مستقبل القانون الجنائي الدولي

من المتوقع أن يستمر القانون الجنائي الدولي في مواجهة تحديات كبيرة، خاصة مع تزايد النزاعات العالمية وتأثير المصالح السياسية، ومع ذلك، فإن تعميق التعاون الدولي وتوسيع نطاق المحاكم الدولية قد يسهم في تعزيز فعالية القانون الجنائي الدولي، ومن المتوقع أيضًا أن تتطور أسس قانونية جديدة للتعامل مع الجرائم الدولية الناشئة، مثل الجرائم الإلكترونية ذات الطابع العابر للحدود التي تشكل تهديدًا للأمن الدولي.

 

ثانيًا: القانون الجنائي الدولي في التشريع الإسلامي

الشريعة الإسلامية تعتبر نظامًا قانونيًا شاملًا يعتمد على مقاصد رئيسية تهدف إلى حماية الإنسان ومصالحه الأساسية، وهذه المقاصد الخمس، وهي: حفظ النفس، الدين، العقل، المال، والنسل، تمثل الركائز الأساسية التي تقوم عليها القوانين الجنائية في الإسلام، القوانين الجنائية الإسلامية تسعى إلى حماية هذه المقاصد من خلال فرض عقوبات رادعة تهدف إلى منع الجرائم الكبرى التي تهدد استقرار المجتمع.

 

الأسس العامة للقانون الجنائي في الإسلام

ركزت الشريعة الإسلامية منذ نشأتها على حماية النفس الإنسانية وحقوق الأفراد والجماعات من أي اعتداء، ويعتمد التشريع الإسلامي على تحقيق التوازن بين الحقوق الفردية والجماعية، وبين القصاص والرحمة، وبين الردع والإصلاح، لذا، فإن الجوانب الجنائية في الشريعة لا تنظر فقط إلى العقوبة بوصفها وسيلة للتأديب، بل كأداة لإعادة الحقوق وحماية المجتمع.

وحفظ النفس يمثل الركيزة الأساسية التي تسعى الشريعة إلى حمايتها من خلال تشديد العقوبات على الجرائم المتعلقة بالاعتداء على الحياة، مثل القتل، الشريعة تأمر بفرض القصاص في حالات القتل العمد، وذلك لضمان تحقيق العدالة وردع الجريمة، حفظ المال أيضًا يمثل ركيزة مهمة، حيث تتجلى العقوبات الصارمة في حالات السرقة والنهب، التي تهدد أمن الممتلكات وحقوق الأفراد.

أما العقوبات في الإسلام تُقسم إلى ثلاثة أنواع رئيسية: الحدود وهي الجرائم التي حدد القرآن والسنة عقوباتها، مثل السرقة والحرابة والزنا؛ القصاص وهو العقاب الذي يتعلق بالجرائم التي تُرتكب بحق الأفراد مثل القتل والاعتداء الجسدي؛ والتعزير وهو العقاب الذي يترك للقاضي تحديده بناءً على اجتهاده.

 

أهمية المسؤولية الفردية والجماعية

من المبادئ الجوهرية في التشريع الجنائي الإسلامي هو مبدأ المسؤولية الفردية، فلا يمكن تحميل الفرد مسؤولية جريمة غيره، وهذا ما يتضح في قوله تعالى: "ولا تزر وازرة وزر أخرى" (الأنعام: 164)، لكن الإسلام يتعامل أيضًا مع الجريمة باعتبارها أمرًا قد يؤثر على الجماعة، فإذا لم تُواجه وتُعاقب بالعدل، فإنها قد تُهدد المجتمع ككل، هذه الثنائية بين الفرد والجماعة تشكل جوهرًا مشتركًا بين الشريعة الإسلامية والقانون الجنائي الدولي.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الإسلام يرى في الجرائم التي تهدد السلم العام أو تضر بالجماعة جرائم كبيرة تحتاج إلى عقوبات صارمة مثل جريمة الحرابة، التي تشمل الاعتداء على الأموال والأنفس وإحداث الفوضى والرعب في المجتمع، هذا التصنيف يمكن اعتباره معادلًا لما يعرف اليوم بـ الجرائم ضد الإنسانية أو جرائم الحرب، وهي الجرائم التي يعالجها القانون الجنائي الدولي.

 

المسؤولية الجنائية للدولة ومسؤولياتها عن العمل غير المشروع في ظل الشريعة الإسلامية:

يعترف الفقه الإسلامي بفكرة المسؤولة التقصيرية، أي المسؤولية عن العمل غير المشروع، وتعويض الأضرار النشئة عن خطأ المسؤول سواء كان المسؤول شخصاً طبيعي أو اعتباري فيقول ﷺ «لا ضرر ولا ضرار» في الإسلام، ومن ثـمّ تكون الدول مسؤولة عن الأضرار التي تسبّبها للغير. ومن نـاحية أخرى، فقد عـرّف الفقه الإسـلامي فكرة المسؤولية الموضوعية، أي المسؤولية بدون خطأ -والمعروفة في القانون الدولـي- وأسّسها الإسلام على فكرة الضمان، وأن الضرر يُزال ومفاد ذلك، أن تتحمّل الدولة إزالة الضرر الذي سببّه فعلها للغير، حتى ولو لم يصدر منها ثمة خطأ. وبذلك فإن النظرية الإسلامية تستوعب المسؤولية القائـمة على الخطأ، وكذلك فكرة المسؤولية الموضوعية المعروفة في الفقه الدولـي، والتي لا تشترط وجود الخطأ، لاستحقاق التعويض ما دام فعل الدولة -ولو تجرّد عن الخطأ- قد سبّب أضراراً للغير.

وجوهر المسؤولية الدولية الجنائية يمكن في انتهاك الدولة بفعلها للمصالح العليا الأساسية للجماعة الدولية التي يجب حمايتها وصيانتها، فإذا وقـع عـدوان من الفـرد، كان مسؤولًا عنه مسؤولية جنائية، ويتحمّل العقاب في صورة حد، أو قصاص أو تعزير. أما إذا وقع هذا العدوان على أي من المصالح سالفة الذكر، وكان المعتدي هو الدولة والمجني عليه هو جماعة أو دولة أخرى فإن الإسلام يقرِّر المسؤولية الجنـائية على الدولة المعتــدية، لا سيما إذا كان هذا العدوان يشكّل جـريمة ضد الإنسانية، مثل الإبادة أو الطرد من الديار أو التعـذيب أو الاستـرقاق واغتصاب النساء، وسواء ارتكبت الدولة تلك الجـرائم ضد رعاياها أو رعايا دولة أخرى.

 

الجرائم الدولية في الفقه الإسلامي

يمكن تصنيف العديد من الجرائم التي يعالجها القانون الجنائي الدولي تحت مظلة الفقه الجنائي الإسلامي. فمثلاً، جرائم الإبادة الجماعية التي تُعد من أخطر الجرائم في القانون الدولي، تجد لها نظيرًا في الشريعة، حيث يحرم الإسلام القتل الجماعي أو الاعتداء على الأرواح بأي شكل من الأشكال، وقد أكد القرآن الكريم مرارًا على حرمة النفس البشرية، كما جاء في قوله تعالى: "من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا" (المائدة: 32). هذه الآية تؤكد على عالمية حرمة النفس الإنسانية، بغض النظر عن العرق أو الدين أو الجنسية. وفيما يتعلق بجرائم التعذيب والمعاملة القاسية، نجد أن الإسلام يرفض تمامًا أي نوع من أنواع التعذيب أو الإهانة، فقد ورد في الحديث الشريف: "لا ضرر ولا ضرار"، وهو مبدأ أساسي في الفقه الإسلامي يمنع أي نوع من الاعتداء الجسدي أو النفسي على الإنسان. هذه المبادئ الفقهية يمكن اعتبارها متوافقة مع القوانين الدولية التي تعاقب على التعذيب وغيره من الجرائم ضد الإنسانية.

 

التعاون الدولي في مواجهة الجرائم

من السمات البارزة في الفقه الإسلامي هو تشجيعه على التعاون الدولي لمواجهة الجرائم وحفظ الأمن. فقد أقرت الشريعة الإسلامية، منذ العصور المبكرة، مبدأ التعاون على البر والتقوى (المائدة: 2)، وهو مبدأ يحث على التعاون بين الأمم في تحقيق الخير ومنع الشر. ومن الأمثلة على ذلك، المعاهدات التي أبرمها النبي محمد صلى الله عليه وسلم مع القبائل المجاورة، مثل صلح الحديبية، والتي تضمنت مبادئ حقوقية تُشابه في مضمونها المبادئ التي يقوم عليها القانون الدولي الحديث.

إن مبدأ التعاون بين الدول لمحاسبة الجناة وملاحقتهم ليس غريبًا على الشريعة الإسلامية. فقد أكدت النصوص الشرعية على ضرورة حماية المجتمع من الأعداء والمجرمين، سواء كانوا داخل الحدود الإسلامية أو خارجها. الإسلام لا يعرف الحدود السياسية الحديثة التي تفصل بين الأمم، بل يتعامل مع العالم كوحدة متكاملة تقوم على أساس التكافل العالمي، وهذه الرؤية تنسجم إلى حد كبير مع مبدأ الولاية القضائية العالمية الذي يعد من الركائز الأساسية في القانون الجنائي الدولي.

 

المرونة والتطور في التشريع الجنائي الإسلامي

من أبرز خصائص الشريعة الإسلامية هو مرونتها وقدرتها على التكيف مع الظروف المتغيرة عبر الزمن. فرغم أن النصوص القرآنية والسنة الشريفة قد وضعت الإطار العام للقانون الجنائي، إلا أن الفقهاء قد اجتهدوا على مر العصور في تطوير هذا القانون بما يتناسب مع التغيرات الاجتماعية والسياسية. هذا الاجتهاد الفقهي ساهم في تكوين منظومة قانونية مرنة، تستجيب لمختلف الجرائم والاعتداءات التي قد تنشأ في المجتمعات.

ومع ظهور الجرائم الدولية الحديثة، مثل الإرهاب، الاتجار بالبشر، وجرائم الحرب، نجد أن الشريعة الإسلامية قادرة على تقديم حلول فعالة لمعالجة هذه الجرائم التي يسعى القانون الجنائي الدولي لتحقيقها في سياق أوسع يتجاوز الحدود القومية.

 

النظام القانوني الإسلامي والعالمية

قد ينظر البعض إلى التشريع الإسلامي على أنه نظام قانوني محلي أو متعلق بالمجتمعات الإسلامية فقط، إلا أن الشريعة في جوهرها ذات طابع عالمي، فهي تستند إلى مبادئ أخلاقية وقانونية تتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية، وتدعو إلى تحقيق العدل بين الناس جميعًا، بغض النظر عن خلفياتهم الدينية أو العرقية، وقد ورد في الحديث النبوي الشريف: "لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى"، مما يدل على عالمية القيم الإسلامية.

هذه الرؤية العالمية تتقاطع مع القانون الجنائي الدولي الذي ينظم العلاقات بين الدول ويحاسب المجرمين الذين ينتهكون حقوق الإنسان ويهددون السلم العالمي، الشريعة الإسلامية تدعو إلى إقامة العدل وتطبيقه دون تمييز، وهو ما ينعكس في آيات قرآنية عديدة تأمر بتحقيق العدالة حتى مع الأعداء: "ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى" (المائدة: 8).

في هذا السياق، يمكن القول إن الشريعة الإسلامية تضع الأساس لمنظومة قانونية عالمية تعزز التعاون بين الأمم لمواجهة الجرائم الكبرى، وهي نفس الرؤية التي تبناها القانون الجنائي الدولي في سياق محاسبة مرتكبي الجرائم الدولية وحماية حقوق الإنسان.

 

التكامل بين الشريعة الإسلامية والقانون الجنائي الدولي

على الرغم من وجود فروق فلسفية وإجرائية بين الشريعة الإسلامية والقانون الجنائي الدولي والشريعة الإسلامية تُعتبر نظامًا مستقلًا ومنبثقًا من تعاليم الإسلام، إلا أن هناك العديد من المبادئ المشتركة التي تتلاقى فيها الشريعة مع القانون الجنائي الدولي، أبرز هذه المبادئ هو مبدأ حماية حقوق الإنسان، الذي يُعد من الأسس المشتركة بين النظامين، فالعقوبات التي تفرضها الشريعة الإسلامية على الجرائم الكبرى تتفق في فلسفتها مع العقوبات الدولية.

وبالنظر إلى الأهداف المشتركة بين الشريعة الإسلامية والقانون الجنائي الدولي، يمكن القول إن هناك إمكانيات للتكامل بين النظامين، فرغم الاختلافات في التفاصيل والإجراءات، إلا أن كلا النظامين يسعى إلى تحقيق العدالة، حماية الحقوق، ومنع الجرائم التي تهدد سلامة الأفراد والمجتمعات. التكامل هنا يمكن أن يظهر من خلال التعاون الدولي بين الدول الإسلامية وغيرها من الدول لتطبيق العدالة الجنائية، سواء في الجرائم الجنائية العادية أو الجرائم الدولية الكبرى. فالدول الإسلامية يمكنها أن تعتمد على مبادئ الشريعة في إطار التعاون مع المؤسسات الدولية مثل المحكمة الجنائية الدولية لتحقيق العدالة في حالات الجرائم الدولية، كما يمكن أن تلعب المؤسسات الإسلامية الفقهية دورًا هامًا في تقديم رؤى واجتهادات جديدة بما يضمن احترام مبادئ الشريعة مع الانفتاح على التجارب القانونية الدولية.

____________________

المصادر:

  1. الأمم المتحدة، المحكمة الجنائية الدولية لرواندا، https://www.un.org/ar/preventgenocide/rwanda
  2. اللجنة الدولية للصليب الأحمر، اتفاقيات جنيف، https://www.icrc.org/ar
  3. المحكمة الجنائية الدولية، نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، https://www.icc-cpi.int
  4. أشرف توفيق، مبادئ القانون الجنائي الدولي، المجلة العربية للدراسات الأمنية، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، https://bit.ly/3YQNjLB
  5. محمد صالح روان، مفهوم الجرائم الدولية في القانون الجنائي الدولي، مجلة الصراط، العدد 1، المجلد 6، 15 يناير 2004، https://bit.ly/48B6Dkb
  6. عبد القادر عودة، التشريع الجنائي الإسلامي مقارنًا بالقانون الوضعي، دار الكتاب العربي، بيروت، https://bit.ly/4fuOuqs
  7. عبد الرحمن اللويحق، الجريمة والعقاب في الإسلام، https://bit.ly/3Ajy1Xn  
  8. عوض محمد عوض، مقاصد الشريعة الإسلاميّة والمحكمة الجنائية الدولية، مؤسسة الفرقان، ضمن أبحاث كتاب مقاصد الشريعة الإسلامية والاتفاقيات الدولية، https://bit.ly/4eao3W6
  9. الشريعة الإسلامية والقانون الدولي الإنساني: المبادئ المشتركة بين النظامين القانونيين، اللجنة الدولية للصليب الأحمر، 25 نوفمبر 2020، https://bit.ly/3YK1RO6
  10. مؤيد السعود، المسؤولية الجنائية عن جرائم الحرب في الشريعة الإسلامية والقانون الدولي، مجلة الميزان للدراسات الإسلامية والقانونية، العدد 1، المجلد 11، 2024، https://bit.ly/3NR7Dr4

أحمد عبد الله ويدان، موانع المسؤولية في القانون الجنائي الدولي والشريعة الإسلامية، مجلة البيان العلمية، العدد 12، مايو 2022، https://bit.ly/4fqoAnS

  1. محمد شكري الدقاق، موقف المنظمات الدولية من جرائم الدول ضد الإنسانية مع رؤية من منظور إسلامي، مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، ضمن أعمال ندوة: حقوق الإنسان في الإسلام، https://bit.ly/3YL1TFr
  2. سياب حكيم، الـمسؤولية عن جريمة العدوان بين أحكام الشريعة الإسلامية والقانون الدولي الجنائي، مجلة الباحث للدراسات الأكاديمية، العدد 3، المجلد 8، 30 يونيو 2021، ص: 933-955، https://bit.ly/4fuq00I