مبدأ الضرورة العسكرية في الفقه الإسلامي وفي القانون الدولي الإنساني

By بوبكر مصطفاوي كانون1/ديسمبر 27, 2023 1941 0

يتناول هذا البحث مبدأ الضرورة العسكرية في الفقه الإسلامي والقانون الدولي الإنساني من خلال نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية وعمل الصحابة –رضي الله عنهم– ونصوص "اتفاقيات جنيف" و"اتفاقيات لاهاي". ويوضح أن الضرورة العسكرية حالة ضمن نطاق النزاع المسلح تتطلب ظروف معينة تستلزم استخدام وسائل وأساليب قهرية وبأسرع وقت ممكن ووفق ضوابط ومقادير محددة، والتي لا تسمح خلالها بتجاوز مقتضيات الإنسانية. فيتطرق البحث إلى مفهوم الضرورة العسكرية في الفقه الإسلامي والقانون الدولي الإنساني ومقدارها علما أنه لا يمكن إطلاق يد المقاتلين باسم الضرورة العسكرية.

كذلك الضرورة العسكرية تحكمها ضوابط نصية، حددتها مختلف النصوص المنظمة للنزاعات المسلحة في الشريعة الإسلامية أو القانون الدولي الإنساني، وضوابط زمنية، حيث الطابع المؤقت وسرعة التنفيذ، وضوابط مكانية، وتشمل مصدر الضرر، ثم ضوابط الوسائل والأساليب وتندرج فيها الأسلحة ومدى خطورتها وأساليب القتال والتضييق كالحصار والتخويف، وأخيرًا ضوابط أخلاقية، وتعني أساسًا الوازع الديني والضمير العام للإنسانية حيث نشأ وتطور عبر العصور لتتشكل منه قواعد عرفية وأخلاقية تحكم النزاعات المسلحة وتسيطر على الرغبة في الانتقام.

ويخلص البحث إلى نتائج أهمها: أن الحرب في الإسلام ضرورة عسكرية ردًا للظلم والعدوان وللفتنة كما أن أعمال المسلم تعبدية، فلا يمكنه تجاوز الحدود ولو بدافع الضرورة العسكرية، كما أن الشريعة الإسلامية سباقة لإرساء قواعد النزاعات، وعلى المجتمع الدولي الاعتماد عليها في تطوير قواعد القانون الدولي الإنساني، وهذا أهم ما يوصي به هذا البحث إضافة إلى تحديد مفهوم الضرورة وحدودها ومقاديرها وحصر الحالات التي يمكن الاستناد عليها كضرورة العسكرية.

 

ومما جاء في مقدمة المؤلف:

"للإنسان الحق في الدفاع عن نفسه وكذلك هي الأمم والدول عبر العصور والحضارات المتعاقبة فقد تعاقبت عليها نزاعات وحروب استندت إلى أسباب كثيرة، منها الدفاع عن النفس وحماية حدودها وحتى وجودها أحيانا، وأسباب أخرى منها التوسع واستعباد الشعوب والسيطرة على مقدراتها، فقد تميزت هذه النزاعات المسلحة بوحشية جلبت الوبال للإنسانية، لكن تخللتها بعض المبادئ والتي كانت حجر الأساس لمبادئ النزاعات المسلحة، ومنها الفروسية والعفو...

تطورت مبادئ النزاعات بعد انتشار الديانات السماوية، والتي كانت تحث على السلم وحفظ الأنفس ونبذ الاقتتال، وكان خاتمتها الدين الإسلامي الذي أسست تعاليمه إلى مفهوم إنساني للنزاعات المسلحة، حيث شرعت الحرب درءا للفتن والمفاسد وحفظا للدين ودفاعا عن النفس، وأحاطت الشريعة الإسلامية الحرب بحدود ومعايير لا يمكن تجاوزها، بل يعد تجاوزها محرما قد يخلد صاحبه في جهنم، فالعمل العسكري في الإسلام تعبدي بالدرجة الأولى. فأسهمت الشريعة بذلك في إرساء مبادئ تحكم خوض النزاعات، ومنها الرحمة والرأفة والإنسانية؛ حماية للعاجز عن القتال من أطفال ونساء وأصحاب الصوامع، وحتى مع المقاتلين من أسرى وجرحى ومرضى، وجعلت القتال للضرورة. وسنتبين ذلك في هذا البحث.

كذلك شرعت النظم القانونية الدولية في إيجاد قواعد تخضع لها النزاعات المسلحة، خاصة بعد تطور الأسلحة وتوسع نطاق النزاعات المسلحة، وتزايد أعداد الضحايا من العسكريين و المدنيين حيث نشأ القانون الدولي الإنساني بعد معركة "سولفيرينو" وبعد أن تأسست اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وظهور فكرة حماية ضحايا النزاعات المسلحة، وتقييد حرية أطراف النزاع في استخدام القوة العسكرية، فظهرت عدة اتفاقيات ومعاهدات دولية تمثلت أساسا في اتفاقيات لاهاي واتفاقيات جنيف، وبذلك تأسست قواعد القانون الدولي الإنساني وصارت ملزمة للدول وأطراف أي نزاع مسلح دولي وغير دولي بل وأفراد القوات المسلحة فردا فردا.

لكن هذه القواعد تتعرض إلى انتهاكات مستمرة بمبررات وأسباب أهمها، الضرورة العسكرية حيث تتحجج كثير من الأطراف المتنازعة أن أعمالها القتالية هي حالات اضطرارية قهرية. والأصل أن الضرورة العسكرية مبدأ لتقييد وضبط النزاعات المسلحة، وحصر العمليات القتالية وليس التوسع فيها، وباعتبار أن القانون الدولي الإنساني أجاز لأطراف النزاع المسلح استخدام القوة عند الضرورة الملجئة، فقد وضع لها قيودا وضوابط تحكمها، وقد سبقته الشريعة الإسلامية التي أجازت المحظور في حالة الضرورة، فقد قدرت الضرورة بقدرها، ووضعت لها شروطا إذا تخلف أحدها فلا يمكن اعتبارها قائمة.

وتتجلى أهمية موضوع الدراسة حيث الادعاء في الالتجاء لمبدأ الضرورة العسكرية، وما ينجم عنه من إفراط في استخدام القوة، ويرجع سبب ذلك إلى عدم تحديد مضمون هذا المبدأ وتفصيل أهم جوانبه، خاصة ضوابطه ومقدار الضرورة المسموح بها عسكريا، علما أن مبدأ الضرورة العسكرية يتصل أكثر بالجانب التطبيقي الميداني، فمفهومه لم تتضمنه الاتفاقيات السالفة الذكر، وإنما تعرض له فقهاء الشريعة وأيضا فقهاء القانون، وعادة ما يغلب على الاجتهاد الفقهي عموما مفاهيم أخرى كانتماء الفقهاء إلى مدارس فكرية مختلفة، مما يجعل المفهوم يأخذ بالتوسع عند جانب من الفقهاء، أو التضييق عند آخرين وربما من يرفض المبدأ أساسا، وبين هؤلاء جميعا يبقى هذا المبدأ في حركة مضطربة تتسبب في آلام لا حصر لها، فالضرورة العسكرية استثناء ولا يمكن التوسع فيه لارتباطه أيضا بمقتضيات الإنسانية والتي يجب أن تغلب في كل الأحوال فكثير من الانتهاكات الجسيمة ضد الإنسانية وقع تبريرها باسم الضرورة العسكرية تملصا وتهربا من المسؤولية الجنائية.

وتعتبر النزاعات المسلحة المعاصرة دليلا جليا واضحا على أهمية الموضوع للارتباك الشديد في تطبيق الضرورة العسكرية، واختلاف المفاهيم والتفاسير الفقهية وعدم التمكن من ضبط معايير دقيقة تحكم هذا المبدأ، فالتكنولوجيا العسكرية وصلت إلى دقة متناهية في صناعة الأسلحة واستخدامها، في حين بقي الاستناد للضرورة العسكرية انتقائيا وعشوائيا.

وهكذا فإن أهداف الدراسة تتمثل في التعرف على جانب مهم في القواعد الناظمة للنزاعات المسلحة، وأهم ما تضمنته الشريعة الإسلامية والقانون الدولي الإنساني ويخص مبدأ الضرورة العسكرية، وبذلك نحاول تبيان مفهوم الضرورة ومقدارها ثم ضوابطها بين الفقه الإسلامي والقانون الدولي الإنساني، والتعرف على أهم الجوانب التطبيقية لمبدأ الضرورة العسكرية من خلال النصوص القرآنية والأحاديث النبوية وعمل الصحابة، ومن خلال نصوص اتفاقيات لاهاي واتفاقيات جنيف. Florida

ومن الأهداف بيان ارتباط مبدأ الضرورة العسكرية بمبادئ هامة لا تقل أهمية عنه، بل تعتبر مكملة له، ومن هذه المبادئ مبدأ الإنسانية، ومبدأ التمييز، ومبدأ الآلام التي لا مبرر لها، ومبدأ التناسب، وهذا من خلال الفقه الإسلامي والقانون الدولي الإنساني".

أما تقسيم البحث، فجاء كالتالي:

المقدمة

الفصل الأول: ماهية الضرورة العسكرية وضوابطها

            المبحث الأول: مفهوم الضرورة العسكرية ومقدارها

            المبحث الثاني: ضوابط الضرورة العسكرية

الفصل الثاني: مصادر الضرورة العسكرية وتطبيقاتها في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي

  المبحث الأول: مصادر الضرورة العسكرية في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي

  المبحث الثاني: تطبيقات الضرورة العسكرية في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي

الخاتمة

رابط تحميل الكتاب

_______________________

بوبكر مصطفاوي، مبدأ الضرورة العسكرية في الفقه الإسلامي وفي القانون الدولي الإنساني، مخبر الدراسات الفقهية والقضائية، جامعة الوادي، الجزائر، الطبعة الأولي، سبتمبر 2020.

Rate this item
(0 votes)
Last modified on الإثنين, 20 تشرين1/أكتوير 2025 14:21

Leave a comment

Make sure you enter all the required information, indicated by an asterisk (*). HTML code is not allowed.