الفرد والدولة في الشريعة الإسلامية (3-3)*

By د. عبد الكريم زيدان** نيسان/أبريل 17, 2026 15 0

المبحث الثاني

 الحقوق العامة للأفراد

47- التعريف بالحقوق العامة:

الحقوق العامة هي الحقوق اللازمة للإنسان باعتباره فردًا في مجتمع ولا يمكنه الاستغناء عنها وهي مقررة لحمايته في نفسه وحريته وماله[1].

ويقسم علماء القانون هذه الحقوق إلى قسمين كبيرين: (الأول) المساواة و(الثاني) الحرية. وقد تنوعت المساواة إلى أنواع، منها مساواة أمام القانون، ومساواة أمام القضاء. كما تنوعت الحرية إلى أنواع منها: الحرية الشخصية، وحق التملك وحرمة المسكن وحرية العقيدة والعبادة وحرية الرأي والتعليم.. إلخ[2].

 

48- منهج البحث:

ونحن في معالجتنا للحقوق العامة في الشريعة الإسلامية، نتبع التقسيم الذي يذكره علماء القانون لهذه الحقوق، لنرى مدى ما يتمتع به الأفراد من هذه الحقوق في ظل الإسلام. وعلى هذا سنقسم هذا المبحث إلى مطلبين: الأول للمساواة، والثاني للحريات.

 

المطلب الأول: المساواة

49- مكانة المساواة في الشريعة الإسلامية:

المساواة في الشريعة الإسلامية أصل عظيم، فالإسلام يقرر مساواة البشر جميعًا في أصلهم الأول، ويجعل تفاضلهم على أساس العمل الصالح وما يقدمونه من خير. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. فأصل البشر واحد، وما جعلهم شعوبًا وقبائل إلا ليتعارفوا وما يؤدي إليه التعارف من تعاون، لا أن يتفاخروا بأنسابهم وما يؤدي إليه هذا التفاخر من بغي وطلب للامتياز على أساس الجنس والأصل والقبيلة. وبذلك اجتث الإسلام جذور العصبية الجاهلية والتفاخر بالأنساب والألوان، وصار ميزان التفاضل بين البشر قائمًا على أساس ما يكسبونه من جميل الصفات وما يقدمونه من صالح الأعمال، وما في نفوسهم من معاني التقوى.

وأصل المساواة في الشريعة عميق الجذور نجد مظاهره في كثير من أحكام الشريعة ومبادئها. نذكر من ذلك، المساواة أمام القانون والمساواة أمام القضاء.

 

50- المساواة أمام القانون:

المساواة أمام القانون، مظهر من مظاهر مبدأ المساواة، وهو ما يقضي به العدل الذي جاء به الإسلام. فالقانون يطبق على الجميع دون محاباة لأحد ولا تمييز لفرد على آخر بسبب الجنس أو اللون أو المنصب أو الغنى أو القرابة أو الصداقة، بل وحتى العقيدة[3] أو غير ذلك مما يختلف فيه الناس. جاء في الحديث الصحيح: «إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها»[4].

 

51- أهمية المساواة أمام القانون:

إن تطبيق هذه المساواة يشيع في نفوس المواطنين الرضا والاطمئنان على حقوقهم ويجعلهم يحسون بضرورة بقاء دولتهم فيحرصون على بقائها والدفاع عنها. أما إذا خرقت هذه المساواة، وطبق القانون على الضعيف دون القوي وعلى المغمور دون المشهور، فإن النفوس، نفوس عامة الناس، تحس بخيبة مريرة، ويضعف ولاؤها للدولة، ولا يهمها بقاؤها أو هلاكها، ويشيع الظلم في المجتمع؛ لأن الحق للأقوى لا للمحق، والكلمة الفاصلة للقوة لا للقانون. وإذا صار أمر الدولة إلى هذه الحالة فلا بقاء لها، ولهذا قيل: «تبقى الدولة العادلة وإن كانت كافرة وتفنى الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة».

 

52- من أمثلة المساواة:

ومن تطبيقات المساواة أمام القانون أن ابن عمرو بن العاص، والي مصر، في زمن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، لطم قبطيًا لأنه سابقه فسبقه، فاشتكاه عند الخليفة عمر، فأرسل الخليفة على عمرو بن العاص وابنه فلما حضرا أحضر الخليفة القبطي المشتكي وقال له: أهذا الذي ضربك؟ قال نعم. قال: اضربه. فأخذ يضربه حتى اشتفى ثم قال له عمر: «زد ابن الأكرمين». ثم التفت إلى عمرو بن العاص وقال له: «منذ كم يا عمرو تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا»[5].

 

53- المساواة أمام القضاء:

جميع المواطنين في الدولة الإسلامية أمام القضاء سواء من جهة خضوعهم لولايته والإجراءات المتبعة في إقامة الدعوى وأصول المرافعة وقواعد الإثبات وتطبيق النصوص وتنفيذ الأحكام ووجوب تحري العدالة بين الخصوم لا فرق بين فرد وفرد. بل حتى الأعداء يظفرون بعدالة القضاء والمساواة أمامه. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ﴾.

وقد بلغت المساواة أمام القضاء إلى حد مساواتهم في إقبال القضاة عليهم، ونظرهم إليهم. جاء في كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري: «آسِ بين الناس في مجلسك وفي وجهك وقضائك حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك»[6]. وهذا مستوى رفيع في المساواة لم تبلغه القوانين في الوقت الحاضر.

 

المطلب الثاني: حريات الأفراد

أولًا - الحرية الشخصية

54- تعريفها:

الحرية الشخصية عند علماء القانون تعني حرية الفرد في الرواح والمجيء وحماية شخصه من أي اعتداء، وعدم جواز القبض عليه أو معاقبته أو حبسه إلا بمقتضى القانون، وحريته في التنقل والخروج من الدولة والعودة إليها[7].

 

55- الحرية الشخصية مضمونة في الشريعة:

والحرية الشخصية بهذا المعنى الذي يقدمه علماء القانون وبأوسع من هذا المعنى مضمونة للفرد في الدولة الإسلامية؛ لأن الاعتداء عليها ظلم والإسلام يحرم الظلم مطلقًا. وتظهر حماية الدولة الإسلامية للفرد من الاعتداء على حياته وجسمه وعرضه بما نص عليه قانونها الإسلامي من عقوبات رادعة على المعتدين على حياة الناس أو أجسامهم أو أعراضهم[8].

وهذه العقوبات المقررة للمعتدين لا تصيب الإنسان بالظن والشكوك، فالأصل براءة الذمة، وبالتالي لا يجوز معاقبته إلا إذا ثبتت إدانته وبالقدر الذي ينص عليه القانون الإسلامي دون أن يمتد العقاب إلى غير من ارتكب الجرم تطبيقا لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.

أما حرية الفرد في التنقل، فالقرآن الكريم أباحه ودعا إليه للاعتبار والاكتساب. قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾. وما أباحه الله أباحته الدولة الإسلامية، ومن ثم فهي تضمن للفرد حريته في التنقل إلا إذا وجدت ضرورة تقتضي تقييد هذا الحق بالنسبة لبعض الأفراد كما كان يفعله الخليفة عمر بن الخطاب في منع بعض كبار الصحابة من الخروج من المدينة ليستعين بآرائهم ومشورتهم.

 

56- حماية الدولة لكرامة الفرد وعزته:

ولا تقف حماية الدولة للفرد عند حد حمايته من الاعتداء على حياته وجسمه وعرضه، بل تمتد إلى حماية كرامته وعزته من الإهانة والإذلال، فلا تذله هي ولا تسمح بإذلاله؛ لأن المسلم يجب أن يكون عزيزًا. قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾. فلا خير في الذليل المهين، ولن يصلح لحمل رسالة الإسلام إلا الحر العزيز الكريم. ومن ثم فإن الدولة الإسلامية تربي في المسلم معاني العزة كما أراد الله وتمنع كل ما يثلمها أو يمسها. فالإمام عمر بن الخطاب كان يقول لولاته: «لا تضربوا المسلمين فتذلوهم»، ويأمرهم بالحضور في موسم الحج فإذا ما اجتمعوا خطب في الناس وقال لهم: «أيها الناس إني لم أبعث عمالي عليكم ليصيبوا من أبشاركم ولا من أموالكم، إنما بعثتهم ليحجزوا بينكم وليقسموا فيئكم بينكم، فمن فعل به غير ذلك فليقم»[9].

وحتى إذا قصرت الدولة في واجبها في رعاية كرامة الفرد وعزته، فإن المسلم يتمرد على كل إذلال واستعباد؛ فإن عقيدته تأبى عليه كل مذلة ومهانة، إنها تشده إلى الله فلا يرى عظيمًا يخشاه ويذل له ويرضى بالعبودية له إلا هذا الرب العظيم، فكل ما سواه عبد منقاد إليه لا يستحق أن يذل له أو يخاف منه. فقد أسلم المسلم أمره لله وأخلص العبودية له فلن يكون عبدًا لغيره. والمفروض في الدولة الإسلامية أنها تمكن الفرد من العيش وفق ما تقضي به عقيدته الإسلامية، وعقيدته هذه تقضي بأن يكون عزيزًا لا مهينًا، ومن ثم فهي جد حريصة على عزته وكرامته.

 

57- الحرية الشخصية لغير المسلم:

والحرية الشخصية مضمونة لغير المسلم، لأن القاعدة التي قررها الفقهاء المسلمون هي: «لهم ما لنا وعليهم ما علينا»، وأنهم -كما يقول الإمام علي بن أبي طالب- «إنما بذلوا الجزية لتكون أموالهم كأموالنا ودماؤهم كدمائنا»[10]. والحق أن غير المسلم ظفر بقسط كبير جدًا من رعاية الشريعة وحماية الدولة، ففي الحديث: «من آذى ذميًا فأنا خصمه ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة»[11]. وعلى ضوء الوصايا النبوية بغير المسلم جاءت أقوال الفقهاء صريحة في وجوب تأمين الحماية لهم وحرمة إيذائهم. يقول الفقيه القرافي: «فمن اعتدى عليهم -أي على أهل الذمة- ولو بكلمة سوء أو غيبة في عرض أحدهم أو نوع من أنواع الأذية أو أعان على ذلك فقد ضيع ذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم وذمة دين الإسلام».

وحكى ابن حزم في مراتب الإجماع له أن من كان في الذمة وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح ونموت دون ذلك صونًا لمن هو في ذمة الله تعالى وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن تسليمه دون إذنه إهمال لعقد الذمة[12].

 

ثانيًا - حرية العقيدة والعبادة

58- لا إكراه في الدين:

الإسلام لا يكره الإنسان على تبديل عقيدته واعتناق الإسلام، وإن كان يدعوه إلى ذلك. ولكن الدعوة إلى الإسلام شيء والإكراه عليه شيء آخر. فالأول مشروع والثاني ممنوع. قال تعالى في الدعوة إلى الإسلام: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾[13]. وقال في الإكراه: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾[14]. ومن القواعد المقررة في الشريعة «نتركهم وما يدينون»، فلا تتعرض الدولة الإسلامية لغير المسلم في عقيدته وعبادته. وفي كتاب النبي (ص) لأهل نجران: «ولنجران وحاشيتها جوار الله وذمة محمد النبي (ص) رسول الله على أموالهم وملتهم وبيعهم وكل ما تحت أيديهم»[15]. وما زالت البيع والكنائس موجودة في الدولة الإسلامية في مختلف العصور لا تمس بسوء لا من المسلمين ولا من الدولة بل تحميها الدولة وتمكن لأصحابها القيام بالعبادة فيها.

 

59- مستوى رفيع في حرية العقيدة:

وقد بلغت رعاية الفقه الإسلامي لحرية العقيدة مستوى لا نحسب أن تشريعًا غير التشريع الإسلامي يبلغه، فالإمام الشافعي يقول في مسألة إسلام أحد الزوجين غير المسلمين لا يعرض الإسلام على الزوج الآخر خلافًا للحنفية الذين يرون العرض، وحجته: «أن في هذا العرض تعرضًا لهم وقد ضمنا بعقد الذمة ألا نتعرض لهم»[16]. فالإمام الشافعي يرى أن مجرد عرض الإسلام على الزوج الذي لم يسلم نوع من التعرض به والإكراه له على الإسلام فلا يجيزه، فأي مستوى رفيع بلغه الفقه الإسلامي في رعاية حرية العقيدة..

 

60- عقوبة المرتد لا علاقة لها بحرية العقيدة:

ويجب أن لا يخلط ما قلناه بمسألة عقوبة المرتد، أي عقوبة المسلم إذا خرج من الإسلام، فهذا شيء وما قلناه عن حرية العقيدة شيء آخر. فالمسلم بإسلامه يكون قد التزم أحكام الإسلام وعقيدته، فإذا ارتد فقد أخل بالتزامه وأساء للدولة وتجرأ عليها فيستحق العقاب؛ لأن إخلال الشخص بالتزامه يوجب عليه الجزاء كما هو معروف في القانون.

 

ثالثًا - حرمة المسكن

61- يتمتع الفرد في الدولة الإسلامية بحرمة المسكن فلا يدخل أحد في مسكنه إلا بإذنه ورضاه؛ لأن مسكن الشخص موضع أسراره ومستقر عائلته، فأي اعتداء عليه اعتداء على الشخص ذاته، وهذا لا يجوز. وقد جاء النص الصريح بمنع دخول بيوت الأفراد بدون إذنهم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾[17].

 

رابعًا - حرية العمل

62- مدى حرية العمل للفرد:

العمل مكرم في الشريعة ما دام مشروعًا، وفي الحديث: «ما أكل ابن آدم طعامًا خيرًا من عمل يده وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده». فللفرد في الدولة الإسلامية أن يباشر الأعمال التي يريدها من أعمال التجارة والصناعة والزراعة بشرط أن لا يباشر ما حرمته الشريعة من أعمال كالمعاملات الربوية، وأن يلاحظ المعاني الأخلاقية فيما أبيح له من أعمال، وأن لا يلحق بالغير بسبب هذه الأعمال ضررًا تمنعه الدولة الإسلامية. فإذا قام الفرد بالعمل المشروع فثمرته حق خالص له لأنه نتيجة تعبه وجده والله يقول: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾.

 

63- للدولة أن تمنع موظفيها من الاتجار:

ولا يجوز للدولة أن تمنع أحدًا من مباشرة الأعمال المباحة إلا بمسوغ شرعي، من ذلك منع موظفيها من الاتجار والاكتساب لئلا يستغلوا سلطانهم ونفوذهم، ولهذا كان الإمام عمر بن الخطاب يحاسب ولاته على ما عندهم من أموال، فإذا قال له أحدهم إني تاجرت فربحت أجابه عمر: «إننا ما أرسلناك للتجارة»[18].

 

64- الإضراب عن العمل:

وما دام من حق الفرد أن يباشر العمل الذي يريده فمن حقه أن يترك العمل إذا شاء. ولكن هذا الحق مقيد بعدم الإضرار بالمصلحة العامة، ولهذا قال الفقهاء يجوز لولي الأمر حمل أرباب الحرف والصناعات على العمل بأجرة المثل إذا امتنعوا عن العمل وكان في الناس حاجة لصناعتهم وحرفهم[19].

ومن ثم لا نرى مسوغًا للإضراب العام من قبل العمال في الدولة الإسلامية، ذلك أن في هذا الإضراب تعطيلًا للإنتاج وإضرارًا بالمصلحة العامة. وإذا قيل إن فيه وسيلة لحمل أرباب العمل على إنصاف العمال كتعديل أجورهم، فهذا التبرير لا مكان له في الدولة الإسلامية؛ لأن الدولة مأمورة بإقامة العدل، ومن العدل حصول العمال على أجورهم العادلة، منها إن كانوا من عمالها، وإن كانوا يعملون عند غيرها من المواطنين فعلى هؤلاء أن يعطوهم الأجر العادل، فإن أبوا تدخلت الدولة لإقامة العدل بين هؤلاء في مسألة الأجور فلا يضار عامل ولا رب عمل، فتستقيم أمور المجتمع وتنجو من الرجات والاختلال.

خامسًا - حرية التملك

65- اعتراف الشريعة بحق الملكية:

تعترف الشريعة الإسلامية بحرية التملك للفرد وبحقه في الملكية، وتحترم هذا الحق وتأمر باحترامه وتعتبر الاعتداء عليه من المعاصي الكبار وترتب عقوبات دنيوية زاجرة على المعتدين.

 

66- قيود الملكية:

ومع اعتراف الشريعة بحق الملكية وحق المالك في التصرف بملكه، فإنها قيدت هذا الحق في إيجاده وتنميته وإنفاقه وما يتعلق به من حقوق للغير. فأسباب نشوء هذا الحق كما تقرره الشريعة هو العمل المشروع بصوره العديدة والميراث والعقود، وليس من أسبابه ما حرمته كالسرقة والنهب والقمار واستغلال النفوذ والرشوة والربا ونحو ذلك. فإذا ثبت ملك الإنسان بناءً على سبب شرعي فله أن يتصرف فيه وينميه بالطرق المشروعة دون المحرمة، فليس له أن ينميه بالغش والربا والاحتكار ونحو ذلك مما ينافي أحكام الشريعة وأخلاقها.

ومع احترام الشريعة لحق الملكية فإنها تجيز نزع الملكية للضرورة والمصلحة الشرعية بعد دفع التعويض العادل.

أما الحقوق التي أوجبتها الشريعة في حق الملكية فكثيرة، منها نفقة الأقارب والزكاة وعون المحتاجين إذا لم تف موارد الزكاة بحاجاتهم ولم يكن في بيت المال ما يسد حاجة هؤلاء، وهذا ما يقضي به المجتمع الإسلامي التعاوني كما سنذكره فيما بعد.

سادسًا - حرية الرأي

67- مكانة هذه الحرية في الشريعة:

حرية الرأي حق للفرد في الدولة الإسلامية بالغ الأهمية والخطورة. لا يجوز للدولة أن تنتقص منه ولا يجوز للفرد أن يتنازل عنه.. إنه ضروري لكيان الفرد الفكري والإنساني، ولازم لقيام المسلم بفرائض الإسلام. فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم فرائض الإسلام وتحقيقه يستلزم بداهة حرية الرأي. جاء في القرآن الكريم في موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾، ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾، ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾. وفي الحديث الشريف: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان».

وحق الفرد في مراقبة الحكام ونصحهم ونقد تصرفاتهم، كل ذلك يستلزم ضرورة تمتع الفرد بحرية الرأي.

وتقرير مبدأ الشورى وما يترتب عليه من مناقشات، وحق الانتخاب، يستلزم أيضًا حرية الرأي، فلا يمكن تطبيق الشورى بدون حرية الرأي. ومن العبث المفضوح أن تقرر الدولة الأخذ بمبدأ الشورى وهي تسطو على حرية الرأي فتسلبها من الأفراد.

ولهذا كان حكام الدولة الإسلامية يربون الأفراد على حرية الرأي، ويعيبون عليهم إذا لم يباشروها. قال رجل للإمام عمر بن الخطاب: «اتق الله يا عمر». فقال له: «ألا فلتقولوها، لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نسمعها». وكلمة «اتق الله» تشمل النصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهذا كله يقتضي حرية الرأي.

 

68- حرية الرأي تستلزم الشجاعة:

ولا يكفي للتمتع بحرية الرأي الاعتراف بها للأفراد بل لا بد أن يكونوا على قدر كاف من الشجاعة وقوة القلب وعدم الخوف والتهيب من ذي السلطان، فإن الخوف والضعف والجبن يمنع المرء من البوح برأيه، وهذا أمارة هلاك الأمة وتخلي عون الله عنها. قال النبي الكريم (ص): «إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم يا ظالم فقد تودع منها».

والذي يقوي في المسلم الشجاعة وقوة القلب، تعميق عقيدة التوحيد الخالص في نفسه، واستحضار معانيها في ذهنه.. فمتى عرف المسلم بعمق ووعي أن النفع والضرر بيد الله وحده وأن غيره مربوب مملوك ضعيف لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعًا ولا ضرًا، وأن رئيس الدولة ومن دونه جميعًا مثله مخلوقون محاسبون على أعمالهم، لم يخش أن يصرح برأيه وأن يواجه الحكام بما يراه دون تهيب ولا وجل، فإن الله أكبر منهم وأن الآجال والأرزاق بيد الله لا بيد سواه.

 

69- حدود حرية الرأي:

وحرية الرأي ليست مطلقة من كل قيد، بل تخضع لجملة قيود، وأول هذه القيود ذلك القيد العام الذي يقيد استعمال كل حق، وهو حسن القصد وخلوص النية، بأن يبتغي من استعمال الحق وجه الله الكريم، بأن يريد من وراء حرية الرأي الوصول إلى الحق وإفادة المجتمع والنصح للإسلام ولأئمة المسلمين وعامتهم كما أمر الله.

والقيد الثاني، وهو مفهوم من الأول، أن لا يبغي بحرية الرأي الفخر والرياء وتنقيص الآخرين والتشهير بهم وتكبير عيوبهم، أو الوصول إلى مغنم أو منصب.

والقيد الثالث، مراعاة المبادئ الإسلامية والعقيدة الإسلامية، فلا يجوز للفرد الطعن بالإسلام أو برسوله أو بعقيدته بحجة حرية الرأي، فإن هذا الصنيع يجعل المسلم مرتدًا يستحق العقاب ولا تشفع له حرية الرأي.

والقيد الرابع، أن يراعي المعاني الأخلاقية في الإسلام، فلا يجوز للمرء نهش الأعراض وسباب الناس ورميهم بالقبائح بحجة حرية الرأي، فالحرية تقف عندما تصبح أداة إضرار وإفساد...

 

70- حرية الرأي والإضرار بالدولة:

للمواطن الحق في إبداء رأيه في شؤون الدولة وتصرفات الحكام، فله أن لا يرضى على تصرفاتهم إذا اقتنع بعدم صلاحها ولكن ليس من حقه أن يبيح لنفسه الإفساد في المجتمع ومقاتلة المخالفين له في الرأي. فإذا لم يصدر منه فساد وإضرار بالمجتمع، فإن الدولة لا تبدأه بقتال، وهذا هو الحد الفاصل بين ما يباح للفرد من رأي نحو الدولة وحكامها وبين ما لا يباح له، وهذا الحد هو ما ذكره الإمام علي بن أبي طالب، فقد كان رأي الخوارج فيه معروفًا، ولكن مع هذا قال لهم: «ولا نبدؤكم بقتال ما لم تحدثوا فسادًا»[20]. فالدولة لا تطارد ولا تقاتل من يخالفها في الرأي ما دام لا يحمل الناس على قبول رأيه بالقوة والتهديد، وعلى الدولة نصحه وبيان خطأ رأيه.

جاء في الأحكام السلطانية لأبي يعلى وهو يتكلم عن الخوارج: «فإن تظاهروا باعتقادهم وهم على اختلاطهم بأهل العدل أوضح لهم الإمام فساد ما اعتقدوه وبطلان ما ابتدعوه ليرجعوا عنه إلى اعتقاد الحق وموافقة الجماعة»[21].

 

سابعًا - حق العلم

71- مكانة العلم في الإسلام:

رفع الإسلام شأن العلم وقدر العلماء ودعا الإنسان إلى طلب المزيد منه، ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾. والعلم ضروري لقبول الأعمال، لأن العمل المقبول ما كان خالصًا لوجه الله وصحيحًا وفق الشرع وهذا لا يعرف إلا بالعلم.

ومن العلم ما هو فرض عيني يجب على الفرد معرفته كأمور العبادات التي تلزمه، ومنه ما هو فرض كفائي يجب أن يوجد في الأمة وهو يتعلق بسائر ما تحتاجه الأمة لدينها ودنياها كالصناعات والحرف المختلفة، وكنصب الحكام والولاة ونحو ذلك. ولا شك أن العلوم التي ظهرت في مختلف مجالات الحياة وتحتاجها الأمة أصبحت من الفروض الكفائية التي يجب أن تقوم بها الدولة باعتبارها ممثلة ونائبة عن الأمة، وهذا يقتضيها تسهيل سبل العلم إلى المواطنين. ومن تقف به كفايته عند درجة من درجات المعرفة أو نوع من أنواع العلم فإنما يقف عند فرض كفائي تحتاجه الأمة، وفي هذا كله تحقيق لتكافؤ الفرص بين المواطنين في تحصيل العلم وقيامه بالفروض الكفائية من قبل الدولة.

ونجد في السنة النبوية سابقة مهمة تدل على حق الأفراد على الدولة بأن تسهل لهم سبل العلم والمعرفة، فقد جاء في أخبار سيرة النبي (ص) أنه: «كان فداء الأسرى من أهل بدر أربعين أوقية أربعين أوقية، فمن لم يكن عنده علّم عشرة من المسلمين»[22]. وهذا الخبر يدل على أن الدولة تقوم بتعليم أفراد الأمة كواجب عليها.

 

ثامنًا - حق الفرد في كفالة الدولة

72- المقصود بهذا الحق وأساسه:

يراد بهذا الحق أن الفرد يجد ضمانًا عامًا من الدولة عند الحاجة والعوز. فلا يمكن أن يهلك الفرد في الدولة الإسلامية وهي تنظر إليه وتعرف مكانه وتحس بعجزه وحاجته وعوزه...

وأساس هذا الحق أن المجتمع الإسلامي مجتمع تعاوني يقوم على أساس التعاون استجابة لأمر الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.

ومن مظاهر هذا التعاون أن يعين الغني المحتاج فيسد حاجته بما عنده من فضل مال أو زاد. قال النبي الكريم (ص): «من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له»[23]. وفي حديث آخر: «من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس أو سادس»[24]. ولما كانت الدولة ممثلة للمجتمع ونائبة عنه فعليها القيام بما أرشدت إليه هذه الأحاديث الشريفة فتقوم بكفالة المحتاج والفقير. وفي هذا الباب حديث يشير إلى هذا الواجب على الدولة، فقد روي عن النبي (ص) أنه قال: «أي مؤمن مات وترك مالًا فلترثه عصبته من كانوا، ومن ترك دينًا أو ضياعًا فليأتني فأنا مولاه».

وقال الشوكاني في شرح هذا الحديث ما نصه: «الضياع، قال الخطابي هو وصف لمن خلفه الميت، بلفظ المصدر، أي ترك ذوي ضياع، أي لا شيء لهم... وقد اختلف هل كان رسول الله يقضي دين المديونين من مال المصالح أو من خالص نفسه... إلى أن قال: وفي ذلك إشعار بأنه كان يقضي من مال المصالح»[25]. فذو الحاجة كالمدين، ومن لا مال لهم يجدون ما يسد حاجتهم من بيت المال.

وجاء في الحديث الصحيح: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع وهو مسؤول عنهم...». ويقول الإمام النووي في شرح هذا الحديث، قال العلماء: الراعي هو الحافظ المؤتمن الملتزم صلاح ما قام عليه وما هو تحت نظره. ففيه أن كل من كان تحت نظره شيء فهو مطالب بالعدل فيه والقيام بمصالحه في دينه ودنياه ومتعلقاته[26]. ولا شك أن مصالح الأفراد في دنياهم سد حاجاتهم الضرورية عند عجزهم عن تحصيلها، بل إن هذه الكفاية الضرورية تسهل عليهم عبادة الله، لأن الإنسان العادي قد لا يستطيع عبادة الله كما ينبغي إذا لم يجد الكفاية لحاجاته الضرورية، لانشغال فكره بهذه الحاجات الضرورية.

 

73- ما يسبق حق الفرد في كفالة الدولة:

وحق الفرد في كفالة الدولة تسبقه جملة تعليمات وتنظيمات وحقوق جاءت بها الشريعة، فإذا لم تف هذه كلها لسد حاجات الفرد قامت الدولة بواجبها نحوه فقدمت له ضمانًا عامًا عند عجزه وحاجته. وهذه التنظيمات هي:

 

74- أولًا: الأصل أن الفرد يكفي نفسه بنفسه:

الأصل أن الإنسان يكفي نفسه بنفسه بأن يعمل ويكتسب ولا يسأل الناس؛ لأن اليد العليا خير من اليد السفلى؛ فإلاعطاء خير من الأخذ، ولا إعطاء إلا بغنى، ولا غنى إلا بالعمل والكسب. جاء في الحديث الشريف: «والذي نفسي بيده لأن يأخذ أحدكم حبله فيذهب به إلى الجبل فيحتطب ثم يأتي فيحمله على ظهره فيأكل خير له من أن يسأل الناس». فسؤال الناس أو سؤال من يمثلهم وهي الدولة غير مرغوب فيه ما دام الإنسان قادرًا على العمل والاكتساب.

 

75- ثانيًا: الدولة تهيئ سبل الكسب للأفراد:

وإذا كان العمل مندوبًا في نظر الشرع والسؤال محظورًا، والدولة الإسلامية ما قامت إلا لتحقيق ما يحبه الشرع ومحو ما يكرهه، فمن البديهي أن تقوم الدولة الإسلامية بتسهيل سبل العمل والكسب للأفراد. فهذا بعض ما عليها من حق نحو المواطنين، فتوجد العمل للعاطلين، وتقوم بإيجاد المشاريع النافعة لتشغيل الأفراد، ولا تنفق أموال بيت المال على التوافه وعلى ما لا ينفع. وحتى إذا اقتضى الأمر لتشغيل الأفراد أن تقوم بإقراضهم من بيت المال فالقرض جائز وهو أفضل من الصدقة. وقد صرح بهذا الفقيه المعروف أبو يوسف صاحب أبي حنيفة فقال: «إن صاحب الأرض الخراجية إذا عجز عن زراعة أرضه لفقره دفع إليه كفايته من بيت المال قرضًا ليعمل ويستغل أرضه»[27].

 

76- ثالثًا: حق النفقة:

فإذا لم يوجد عمل أو وجد وكان الفرد عاجزًا عنه وجب على قريبه الغني الإنفاق عليه، وبهذا يجد الفقير كفايته بهذا الحق، وهذا التضامن بين أفراد العائلة وسائر الأقارب لا يقوم على محض الرغبة في الإحسان بل يقوم على الوجوب والإلزام.

 

77- رابعًا: الزكاة:

فإذا لم يستطع الفرد الاكتساب أو لا يوجد ما يكتسب به ومنه، ولا منفق عليه من أقاربه، أمكن سد حاجته من أموال الزكاة التي هي حق للفقير في أموال الأغنياء. والأصل أن الدولة هي التي تجبي الزكاة وتوصلها إلى المستحقين، ولا يجوز صرفها لغير أهل الاستحقاق. وللدولة أن تنظم جبايتها وتوزيعها بما يكفل إيصالها إلى الفقراء وسائر المستحقين. فالزكاة ضمان اجتماعي عام للفقراء تنفذه الدولة بالقوة عند الاقتضاء كما فعل أبو بكر بقتال مانعي الزكاة، وحصيلة الزكاة كبيرة جدًا لا يبقى معها فقير لأنها تؤخذ من رأس المال وربحه ومن جميع صنوف المال كالنقود والعروض والحيوانات والزروع والمعادن. ولو جبيت الزكاة في العراق لبلغت ملايين الدنانير سنويًا ولكفت جميع المحتاجين.

 

78- كفالة الدولة للأفراد من بيت المال:

فإذا لم تف التنظيمات والحقوق السابقة في سد حاجة المحتاج تدخلت الدولة وقامت بكفالة الفرد المحتاج، لتضع مبدأ التعاون الواجب على أفراد المجتمع الإسلامي موضع التنفيذ، فتقدم لكل فرد محتاج من بيت المال قدر حاجته. قال الإمام ابن تيمية: «والمحتاجون إذا لم تكفهم الزكاة أعطوا من بيت المال على وجه التقديم على غيرهم من وجوه الصرف على رأي»[28]. وإذا لم تقم الدولة بهذا الواجب فللفقير أن يقيم الدعوى على الدولة بهذا الحق الذي له عليها ويحكم له القاضي به، وهذا ما ذهب إليه الفقيه ابن عابدين، فعنده أن القاضي يلزم ولي الأمر إلزامًا قضائيًا بالإنفاق على الفقير العاجز كما يلزم وليه أو قريبه الغني إذا كان له قريب غني[29]. وقد وجدنا في السوابق التاريخية القديمة ما يؤيد حق الأفراد في كفالة الدولة لهم من بيت المال، فالإمام عمر بن الخطاب يضع منهجًا قويمًا في حقوق الأفراد في بيت المال فيقول: «... فالرجل وبلاؤه، والرجل وقدمه، والرجل وحاجته». وفي عام الرمادة حيث عم القحط وانحبس المطر كان عمر بن الخطاب يصنع الطعام للمحتاجين وينادي مناديه «من أحب أن يحضر طعامًا فيأكل فليفعل، ومن أحب أن يأخذ ما يكفيه وأهله فليأخذه»[30].

 

79- عجز الدولة عن كفالة المحتاجين:

وإذا عجزت الدولة عن كفالة المحتاجين بأن يخلو بيت المال من المال أو يوجد فيه ما لا يكفي للمحتاجين، فإن واجب كفالتهم ينتقل إلى القادرين من أفراد المجتمع الإسلامي ويعتبر هذا الواجب من الفروض الكفائية الواجب قيام الأمة بها. وهذا ما صرح به بعض الفقهاء، فقالوا: «ومن فروض الكفاية دفع ضرر المسلمين: ككسوة عار، وإطعام جائع، إذا لم يندفع بزكاة وبيت مال على القادرين -وهم- من عنده زيادة على كفاية سنة لهم ولممونهم... وهل المراد بدفع ضرر من ذكر ما يسد الرمق أم الكفاية؟ قولان أصحهما ثانيهما. فيجب في الكسوة ما يستر كل البدن على حسب ما يليق بالحال من شتاء وصيف، ويلحق بالطعام والكسوة ما في معناها: كأجرة طبيب وثمن دواء وخادم منقطع كما هو واضح»[31].

فعلى الأغنياء في المجتمع الإسلامي أن يقوموا بعون المحتاجين بقدر كفايتهم ما دام بيت المال عاجزًا عن هذا العون. وإذا امتنع الأغنياء عن كفالة الفقراء فإن الدولة تجبرهم على ذلك. قال الإمام ابن حزم: «وفرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم ويجبرهم السلطان على ذلك إن لم تقم الزكاة بهم ولا في سائر أموال المسلمين بهم، فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بد منه ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك، وبمسكن يكنهم من المطر والصيف والشمس وعيون المارة»[32].

 

80- كفالة الدولة لغير المسلم:

وكفالة الدولة لرعاياها الفقراء لا تقتصر على المسلمين فقط بل تشمل غير المسلمين -الذميين- أيضًا ما داموا فقراء يستحقون العون. وفي هذا الباب سوابق تاريخية تدل على كفالة الدولة للذميين. من ذلك أن خالد بن الوليد كتب كتابًا لأهل الحيرة جاء فيه: «وجعلت لهم أيما شيخ ضعف عن العمل أو أصابته آفة من الآفات أو كان غنيًا فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه طرحت جزيته وعيل من بيت مال المسلمين ما أقام بدار الهجرة ودار الإسلام»[33]. ولم ينقل أن الخليفة أبا بكر الصديق أو غيره من المسلمين أنكر هذا الكتاب فيكون إجماعًا. ثم نجد الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز يكتب إلى عامله في البصرة عدي بن أرطأة: «أما بعد.. وانظر من قبلك من أهل الذمة قد كبرت سنه وضعفت قوته وولت عنه المكاسب فأجر عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه..»[34].

 

 

الفصل الثالث: حقوق الدولة على الأفراد

81- تمهيد:

حقوق الأفراد على الدولة كثيرة كما بيَّنا من قبل، والدولة لا يمكنها أن تقوم بهذه الحقوق إلا إذا أعانها الأفراد على ذلك وعملوا على بقائها وقوتها، وقاموا بحقوقها عليهم.

إن الدولة بيت المواطنين الذي يعيشون فيه، وحماهم الذي يحتمون به، وخادمهم الذي يحرص على خدمتهم ومنفعتهم، إنها لهم كالأب الشفيق لولده الوحيد. فمن مصلحة الأفراد قبل حقها عليهم أن يسارعوا إلى إيفاء حقوقها كاملة وأن يعينوها في مسؤوليتها الضخمة. إنهم قد يستطيعون أن يتمردوا على حقوق الدولة عليهم ولكن لا تكون عاقبة تمردهم إلا ضررًا يحيق بهم وعذابًا ينزل عليهم.

ومن أهم حقوق الدولة على الأفراد حق السمع والطاعة، وحق الدفاع عنها، وعن هذين الحقين نتكلم في هذا الفصل.

82- أولًا - حق السمع والطاعة:

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾. وأولو الأمر هم الأمراء، أو هم والعلماء، كما قال المفسرون[35]. وفي الحديث الشريف: «السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية...»[36].

فطاعة الأفراد للدولة ممثلة فيما يأمر به حكامها، حق شرعي على الأفراد نحو دولتهم، فعليهم أن ينفذوا أوامرها وما تضعه من تنظيمات ومناهج لتحقيق المصلحة العامة والأغراض التي قامت من أجلها. إن طاعة الأفراد لدولتهم يجب أن تكون طاعة اختيارية تنبعث من نفوسهم لا أن تقسرهم عليها الدولة قسرًا، وإن الإخلال بحق الطاعة يؤدي إلى نتائج خطيرة جدًا منها إضعاف هيئة الدولة، وإشغال الدولة في ملاحقة الخارجين على طاعتها، فيضيع جهدها وقوتها فيما لا يأتي بفوائد إيجابية للأمة. وفضلًا عن ذلك فإن الكراهية والبغضاء تشيع بين الأفراد والدولة فتنعدم الثقة، وقد يؤدي هذا إلى مقاومة الدولة إذا استعملت حقها في إجبار الأفراد على طاعتها، ومن ثم قد يجنح الحكام إلى نوازع القهر والانتقام، فتنقلب الدولة من دولة إسلامية يتعاون أفرادها معها على تحقيق مطالب الإسلام إلى دولة بوليسية تقوم على القهر والقوة والانتقام.. وهذا يؤدي في نهاية المطاف إلى ضعف الدولة وضعفها يعود ضرره إلى الأفراد.

 

83- الطاعة في المنشط والمكره:

ولأهمية الطاعة وبالغ تأثيرها في بقاء الدولة، أمر الإسلام بطاعة الدولة فيما أحبه المرء أو كرهه كما جاء في الحديث الصحيح الذي ذكرناه ونذكره هنا أيضًا: «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية». فالدولة لا يمكنها أن ترضي جميع المواطنين ولا أن تكون أوامرها محل موافقة الجميع، فلا بد أن يسخط البعض ويكره ما تقوم به الدولة. فلا يجوز أن يكون هوى النفس ميزانًا للطاعة؛ ما أحبه الفرد سارع إلى طاعته، وما كرهه تباطأ في طاعته أو عصاه.. فهذه الطاعة (الاشتهائية) لا تكفي لبراءة ذمة الفرد من واجب الطاعة نحو دولته، ولا فضل فيها لأحد، فكل واحد يستطيعها، ولا بقاء لها لأنها مبنية على هوى النفس وهو لا بقاء له ولا استقرار. وإذا ثقل على الفرد أن يطيع فيما يكرهه أسلمه ذلك إلى العصيان ثم إلى التمرد الصريح، وفي هذه الحالة إما أن تسكت الدولة فيشيع التمرد ويتسع وتعم الفوضى وتسقط هيئة الدولة، وإما أن تستعمل قوتها لحمل المخالف على الطاعة وفي هذا وقوع الفرقة وتشتت الكلمة وارتداد سيف الدولة إلى نحور أبنائها ومآل ذلك معروف، هو انهيار الدولة ذاتها على رؤوس المواطنين فلا يستفيد إلا الأعداء.

فواجب على الفرد -وهذه نتائج العصيان- أن يروض نفسه على طاعة الدولة طاعة اختيارية، منبعثة من داخل نفسه، وأن يعرف أن طاعته طاعة لله لأن الله أمره بها -ما دامت في المعروف كما سنبين- فهو يقوم بها على هذا الأساس كما يقوم المصلون بطاعة إمامهم في الصلاة ومتابعتهم له في أفعاله قيامًا بفريضة الصلاة جماعة.

 

84- الطاعة المحرمة:

وطاعة الفرد للدولة ليست مطلقة بل مقيدة، بأن تكون في غير معصية، فإن كانت بمعصية فهي الطاعة المحرمة فلا تجوز. قال عليه الصلاة والسلام: «إلا أن يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة». وهذا ما قرره المفسرون في تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾. من ذلك ما قاله ابن كثير في تفسير هذه الآية: «أي فيما أمروكم به من طاعة الله لا في معصية الله فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الله».

وفي مبايعة المؤمنات للرسول (ص) قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾[37]. فقوله تعالى «ولا يعصينك في معروف» مع أن الرسول الكريم (ص) لا يأمر إلا بمعروف يدل على أن الطاعة لا تكون في معصية الله تعالى.

 

85- عاقبة الطاعة المحرمة:

وإذا أطاع الفرد الدولة فيما تصدره من أوامر مخالفة لشرع الله وداخلة في معصيته الصريحة التي لا تحتمل تأويلًا، فإن المسؤولية تجب عليه ويصبح مستحقًا للعقوبة لأنه خرج عن حدود الطاعة المشروعة ووقع في الطاعة المحرمة. يدل على ذلك ما جاء في الحديث الشريف أن النبي (ص) بعث سرية وأمر عليهم رجلًا من الأنصار وأمرهم أن يطيعوه، فغضب عليهم وأمرهم بجمع الحطب فأوقدها نارًا ثم أمرهم بدخولها فأبوا، فلما ذكروا ذلك للنبي (ص) قال: «لو دخلوها ما خرجوا منها أبدًا إنما الطاعة في المعروف»[38].

 

86- عقوبة الأمة في متابعة المفسدين:

وإذا تابعت الأمة حكام الدولة المفسدين وانقادت إلى أوامرهم الباطلة ومناهجهم المخالفة لشرع الإسلام حق عليها العقاب، ولن ينفعها اعتذار ولا براءة منهم. قال تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاْ * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾[39]. ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾[40].

وبهذا الفقه لحدود الطاعة لا يمكن للأمة الإسلامية أن تخضع وتنقاد لحكم ظالم منحرف مخالف لما شرعه الإسلام، لأنها مسؤولة أمام الله على هذا الانقياد المحرم.

 

87- ثانيًا - الدفاع عن دار الإسلام:

وعلى الأفراد حق الدفاع عن الدولة الإسلامية، وهذا الدفاع جهاد في سبيل الله. والقرآن والسنة مملوآن بالحث على الجهاد وبيان فرضيته وعظيم أجره وعقاب من يترك هذا الفرض.

من ذلك قوله تعالى: ﴿انفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾[41]. وفي الحديث الشريف عن أبي ذر، قال: قلت يا رسول الله أي العمل أفضل؟ قال: «الإيمان بالله والجهاد في سبيله»[42].

وللدولة أن تنظم فريضة الجهاد، فتضع من التنظيمات اللازمة والملائمة للعصر الحاضر ما يحقق هذه الفريضة المهمة على أحسن وجه، كما عليها أن تهيئ ما يلزم للجهاد من سلاح وقوة، وتربية الأمة على معاني الجهاد. وفرضية الجهاد هذه إنما هي بالنسبة للمواطنين المسلمين، أما غير المسلمين فليس بواجب عليهم، ولكن لهم أن يشتركوا في القتال مع المسلمين باختيارهم دفاعًا عن دار الإسلام. ومن أجل إعفاء المواطنين غير المسلمين من واجب الدفاع عن دار الإسلام وجبت عليهم الجزية، فإذا اشتركوا في هذا الواجب فعلًا جاز للدولة الإسلامية إعفاؤهم منها.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

-انتهى-

 لتحميل ملف الدراسة كاملة (هنا)

 

 

*  د. عبد الكريم زيدان، الفرد والدولة في الشريعة الإسلامية، بغداد: مطبعة سلمان الأعظمي، 1966م.

** الدكتور عبد الكريم زيدان (1921م - 2014م)، فقيه عراقي، وأحد علماء أصول الفقه والشريعة الإسلامية، تولى وزارة الأوقاف العراقية عام 1968م، وعمل أستاذًا للشريعة الإسلامية ورئيسًا لقسمها في كلية الحقوق بجامعة بغداد سابقًا، وكان عضوًا بالعديد من المجامع العلمية الإسلامية. حصل على جائزة الملك فيصل العالمية في الدراسات الإسلامية عام 1417هـ/ 1997م، وذلك تقديرًا لجهوده العلمية ومؤلفه الموسوعي "المفصل في أحكام المرأة والبيت المسلم في الشريعة الإسلامية"، كما أن له مؤلفات عديدة أخرى في الشريعة الإسلامية وفي الفقه الإسلامي وفي الفقه المقارن، منها: "نظام القضاء في الشريعة الإسلامية"، و"القصاص والديات في الشريعة الإسلامية"، و"القيود الواردة على الملكية الفردية للمصلحة العامة في الشريعة الإسلامية"، و"الكفالة والحوالة في الفقه المقارن مع مقدمة في الخلاف وأسبابه"، و"المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية"، و"نظرات في الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية".

[1] أصول القانون للسنهوري، ص 268.

[2] الديمقراطية الإسلامية للدكتور عثمان خليل، ص 33. هذا، ونحن لا نوافق المؤلف على هذه التسمية لأن الإسلام نظام قائم بذاته له أفكاره وفلسفته وأحكامه.

[3] الأصل أن القانون الإسلامي يطبق على المسلم وغير المسلم إلا ما يخص العقيدة أو يتصل بها: انظر تفصيل ذلك في كتابنا "أحكام الذميين والمستأمنين في دار الإسلام".

[4] تيسير الوصول، ج 2، ص 14.

[5] التشريع الإسلامي، خواصه ومراحله، للشيخ محمد أبي زهرة، من مقالة له في مجلة المسلمون، عدد 21 مجلد 25، ص 38.

[6] إعلام الموقعين، ج 1، ص 72.

[7] القانون الدولي الخاص المصري للدكتور عز الدين عبد الله، ج 1، ص 287.

[8] انظر تفصيل هذه العقوبات وحكمة تشريعها في كتابنا المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية، ص 48 وما بعدها.

[9] طبقات ابن سعد، ج 3، ص 293.

[10] الطاساني، ج 7، ص 111، المغني، ج 8، ص 445.

[11] الجامع الصغير للسيوطي، ج 2، ص 473.

[12] الفروق للقرافي، ج 3، ص 11.

[13] سورة النحل، الآية 125.

[14] سورة البقرة، الآية 256.

[15] الخراج لأبي يوسف، ص 91.

[16] تبيين الحقائق للزيلعي، ج 2، ص 174 (في النص المفرغ وردت "شر الكتر"، والصواب هو اسم الكتاب المشهور للزيلعي، أو ربما "شرح الكنز"، وقد أبقينا المعنى مع التنبيه).

[17] سورة النور، الآية 27، 28.

[18] ملامح الشرع الإسلامي، للأستاذ مصطفى الزرقا، مجلة المسلمون، عدد 7، ص 48.

[19] الطرق الحكمية، لابن القيم، ص 14.

[20] نيل الأوطار، ج 7، ص 158 - 159.

[21] إمتاع الأسماع، ص 101.

[22] لم يرد المصدر في الأصل المفرغ هنا، لكنه حديث مشهور في السيرة.

[23] المحلى لابن حزم، ج 6، ص 156.

[24] المحلى، ج 6، ص 157.

[25] نيل الأوطار للشوكاني، ج 6، ص 57.

[26] اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان، ج 2، ص 284.

[27] ابن عابدين، ج 3، ص 364.

[28] السياسة الشرعية لابن تيمية، ص 53.

[29] التشريع الإسلامي في خواصه ومراحله للشيخ محمد أبو زهرة، المنشور في مجلة المسلمون العدد الأول من المجلد الخامس، ص 40.

[30] الطبقات لابن سعد، ج 3، ص 311.

[31] المنهاج للنووي وشرحه للرملي، ج 7، ص 194، نقلًا من النظريات السياسية الإسلامية للأستاذ محمد ضياء الدين الريس، ص 249 - 250.

[32] المحلى لابن حزم، ج 6، ص 156.

[33] الخراج لأبي يوسف، ص 144.

[34] الأموال لأبي عبيد، ص 45 - 46.

[35] أحكام القرآن للجصاص، ج 2، ص 210، تفسير ابن كثير، ج 1، ص 518، تفسير القرطبي، ج 5، ص 259.

[36] شرح صحيح البخاري للعسقلاني، ج 3، ص 100.

[37] سورة الممتحنة، الآية 12.

[38] صحيح البخاري، ج 9، ص 113 - 114.

[39] سورة الأحزاب، الآية 67، 68.

[40] سورة البقرة، الآية 166، 167.

[41] سورة التوبة، الآية 41.

[42] رياض الصالحين، ص 469.

Rate this item
(0 votes)
Last modified on الجمعة, 17 نيسان/أبريل 2026 16:45

Leave a comment

Make sure you enter all the required information, indicated by an asterisk (*). HTML code is not allowed.