يُعد كتاب "في تاريخ التشريع الإسلامي" (A History of Islamic Law) للمستشرق الإنجليزي نويل جيمس كولسون، أستاذ القوانين الشرقية بمدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن، واحدًا من أهم المراجع الكلاسيكية في الدراسات الاستشراقية القانونية. وقد نقله إلى العربية الدكتور محمد أحمد سراج وراجعه الدكتور حسن محمود عبد اللطيف الشافعي، حيث تميزت هذه الترجمة بكونها نقدية تفاعلية، لم يكتفِ فيها المترجم بالنقل، بل اشتبك مع أطروحات المؤلف في الهوامش والمقدمات لتفنيد بعض الشبهات الاستشراقية. تكمن القيمة المحورية للكتاب في تقديمه لرؤية تاريخية تطورية للفقه الإسلامي، حيث يجادل كولسون بأن الشريعة ليست كتلة ثابتة منذ نشأتها، بل هي نتاج صراع جدلي طويل وتفاعل مستمر بين "المثالية" المتمثلة في الوحي الإلهي، وبين "الواقعية" التي تفرضها متطلبات الدولة والمجتمع، مما جعل التشريع يمر بمراحل نمو وجمود وتجديد.
القسم الأول: مرحلة التكوين والنشأة
يستهل المؤلف كتابه باستعراض مرحلة المخاض الأولى للتشريع الإسلامي، مؤكدًا أن التشريع القرآني لم يهدف في بدايته إلى وضع مدونة قانونية شاملة، بل جاء كحلول ومعالجات أخلاقية ودينية لمشكلات محددة واجهت المجتمع الإسلامي الأول، معدلًا بذلك الأعراف العربية السائدة في مجالات كالأسرة والميراث دون إلغائها بالكامل.
وينتقل كولسون لتوصيف الممارسة القانونية في القرن الهجري الأول، وتحديدًا في العصر الأموي، حيث اتسم القضاء بطابع عملي (براغماتي) اعتمد فيه القضاة بشكل كبير على الرأي والعرف المحلي نظرًا لعدم تدوين السنة بشكل رسمي حينها. ثم يرصد كولسون ظهور المدارس الفقهية الإقليمية القديمة في المدينة والعراق، وما صاحب ذلك من نزاع مبكر بين "أهل الحديث" و"أهل الرأي"، وصولًا إلى الدور المحوري الذي لعبه الإمام الشافعي، الذي يصفه كولسون بـ "المهندس الأعظم" للفقه الإسلامي، حيث نجح في صياغة نظرية "أصول الفقه" وحسم النزاع بوضع ضوابط صارمة جعلت السنة النبوية مصدرًا ملزمًا يوازي القرآن، ومقيدًا بذلك -بحسب كولسون- مساحة الرأي الحر.
القسم الثاني: العقيدة القانونية في العصور الوسطى
ينتقل الكتاب بعد ذلك لتحليل ما أسماه "العصر الكلاسيكي" أو العصور الوسطى، حيث تبلورت "النظرية الكلاسيكية" للقانون القائمة على المصادر الأربعة (القرآن، السنة، الإجماع، القياس)، وترسخت فكرة أن الشريعة هي "واجب الله" الذي يسبق الدولة والمجتمع ولا يتأثر بهما نظريًا. ويناقش كولسون ظاهرة التنوع داخل الوحدة التي ميزت الفقه السني عبر مذاهبه الأربعة، وكيف استوعب الإسلام هذا الاختلاف، معرجًا بشكل موجز على النظم القانونية للطوائف الأخرى كالشيعة والخوارج واختلافاتهم الجوهرية في مسائل الإمامة والميراث.
وفي تحليل عميق للعلاقة بين الحكومة والشريعة، يبرز المؤلف الفجوة التي حدثت بين "المثالية الفقهية" و"الواقع السياسي"، مما اضطر الحكام لإنشاء أنظمة قضائية موازية مثل "ديوان المظالم" و"السياسة الشرعية" لتغطية المجالات التي تتطلب مرونة أكبر كالقانون الجنائي والإداري، معتبرًا أن التطبيق الصارم للشريعة انحصر تدريجيًا في قضايا الأحوال الشخصية والعبادات، بينما تُركت المعاملات التجارية والجنائية غالبًا للأعراف وقوانين الدولة.
القسم الثالث: الشريعة الإسلامية في العصر الحديث
يُكرس كولسون هذا القسم المحوري لتحليل التحولات الدراماتيكية التي عصفت بالبنية القانونية في العالم الإسلامي منذ القرن التاسع عشر، نتيجة الصدمة الحضارية والاحتكاك المباشر بالنظم الغربية؛ حيث يرصد المؤلف بداية انحسار هيمنة الشريعة الشمولية وظهور "الازدواجية القانونية" كسمة رئيسية لهذا العصر، وذلك حينما عمدت الدولة العثمانية ومصر ودول أخرى إلى استيراد القوانين الأوروبية (الفرنسية تحديدًا) لتنظيم المعاملات التجارية والجنائية والإدارية، تاركة للشريعة مساحة ضيقة انحصرت في "قانون الأحوال الشخصية" (الزواج، الطلاق، الميراث).
ويغوص كولسون في تفاصيل آليات "الإصلاح القانوني" التي ابتدعتها الدول الإسلامية لتجاوز جمود المذاهب الفقهية دون الاصطدام المباشر مع المؤسسة الدينية التقليدية؛ فيشرح باستفاضة كيف تحول الفقه من "آراء الفقهاء" في الكتب التراثية إلى "مواد قانونية مقننة" (كما في مجلة الأحكام العدلية وقوانين الأسرة الحديثة)، وكيف استخدم المشرعون أدوات ذكية مثل "التخير" (انتقاء الآراء الأنسب من بين المذاهب الأربعة وحتى الآراء الشاذة) و"التلفيق" (الجمع بين جزئيات من مذاهب مختلفة لتكوين حكم جديد) لتلبية حاجات المجتمع الحديثة وتطوير وضع المرأة، معتبرًا أن هذه المرحلة تمثل صراعًا خفيًا بين الرغبة في التحديث وبين التمسك بالشكل التراثي، حيث تُنفذ التغييرات الجوهرية تحت غطاء "السياسة الشرعية" وسلطة ولي الأمر في تقييد المباح وتخصيص القضاء، مما جعل الشريعة في هذا الطور تبدو وكأنها تحاول استيعاب الحداثة عبر إعادة تأويل التراث بمرونة غير مسبوقة، وإن كانت تفتقر أحيانًا إلى المنهجية الأصولية الصارمة التي ميزت العصور السابقة.
وفي الخاتمة، يطرح كولسون الإشكالية الجوهرية التي تواجه العالم الإسلامي اليوم، وهي كيفية التوفيق بين "الشريعة" كنظام إلهي ثابت ومقدس، وبين متطلبات "التقدم الاجتماعي" المتسارعة التي تفرضها الحياة الحديثة. يرى كولسون أن الفقه التقليدي بجموده التاريخي أصبح عائقًا أمام التطور الاجتماعي، مما خلق فجوة عميقة بين النظرية والتطبيق؛ حيث اضطرت الدول الإسلامية الحديثة إلى تبني قوانين وضعية لتسيير شؤون المجتمع، بينما بقيت الشريعة محصورة في نطاق ضيق. ويجادل المؤلف بأن الحل لا يكمن في التخلي عن الشريعة، ولا في الحلول التلفيقية المؤقتة التي تمارسها بعض الدول، بل يكمن في ضرورة تأسيس "اجتهاد جديد" جريء، يعيد قراءة النصوص التأسيسية (القرآن والسنة) بروح عصرية، لاستخلاص المبادئ الأخلاقية الكلية التي تخدم المصلحة العامة والعدالة الاجتماعية. ويختتم كولسون رؤيته بالتأكيد على أن مستقبل الإسلام كنظام قانوني وحضاري مرهون بقدرة الفقهاء والمفكرين المسلمين على إثبات أن الشريعة ليست قيدًا من الماضي، بل هي قوة دافعة قادرة على استيعاب التغيير وتوجيه التقدم الاجتماعي نحو غايات أخلاقية سامية، محذرًا من أن الفشل في هذه المواءمة قد يهمش الشريعة لتصبح مجرد طقوس فردية بعيدة عن حركة المجتمع والدولة.
وقدَّم د. محمد أحمد سراج (المترجم) جملة من التحفظات أوردها في تقديمه للكتاب يمكن تلخيصها في التالي:
أولى هذه التحفظات الأولى تتركز حول المنهجية الاستشراقية التي تبناها كولسون، حيث يرى سراج أن المؤلف لم يتخلص تمامًا من النظرة الفوقية التي تنصب الباحث الغربي "قاضيًا" يحاكم التاريخ الإسلامي بمعايير غربية، خاصة في تأثره الشديد بأستاذه "جوزيف شاخت". وقد انتقد سراج بشدة موقف كولسون "المتناقض" من السنة النبوية؛ فبينما اضطر كولسون لقبول متون الأحاديث لتفسير نشأة الفقه، فإنه اعتبر أسانيدها (سلاسل الرواة) "مختلقة ومزورة" بالكامل من قبل الأجيال اللاحقة، وهو ما وصفه سراج بـ "الخطأ الفادح" الذي يفتقر لأي دليل علمي ويهدم الثقة في النقل التاريخي الإسلامي. كما اعترض المترجم على دعوى كولسون بأن الفقه الإسلامي ذو طبيعة "مثالية أخلاقية" تُعنى بضمير الفرد وعلاقته بربه فقط، مما أدى -في زعم المؤلف- إلى عزلة الشريعة عن "القانون العام" وواقع الدولة، وهو ما فنده سراج مؤكدًا أن الشريعة كانت حاكمة للمجتمع والدولة عبر العصور.
أما المجموعة الثانية من التحفظات فتتعلق برؤية المؤلف لتاريخية الفقه ومستقبله، حيث يرفض د. سراج تحميل كولسون للإمام الشافعي مسؤولية "جمود الفقه" بدعوى أنه قيد "الرأي الحر" بضوابط صارمة (كالقياس)، معتبرًا أن هذا الفهم يغفل حقيقة أن الاجتهاد المبكر كان منضبطًا بالنصوص أصلًا. وبناءً على ذلك، يهاجم سراج بشدة دعوة كولسون لما سمّاه "الاجتهاد الجديد" الذي يطالب بالتحرر من القواعد الأصولية المستقرة (التي وضعها الشافعي) للعودة إلى مرونة "الرأي المطلق" بهدف التكيف مع الحضارة الغربية؛ حيث يرى المترجم في هذه الدعوة محاولة لطمس الهوية المستقلة للتشريع الإسلامي وتبريرًا للتبعية القانونية للنمط الغربي، مؤكدًا أن الإصلاح الحقيقي لا يكون بهدم الأصول بل بتفعيلها.
لتحميل ملف الكتاب (هنا)
* نويل جيمس كولسون، في تاريخ التشريع الإسلامي، ترجمة: محمد أحمد سراج، مراجعة: د. حسن الشافعي، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة الأولي، 1992.