إداورد لامبير .. وأثره على الدرس القانوني المقارن والفقه الإسلامي

By د. أحمد حسين عثمان* أيار 31, 2026 19 0

 

أولًا- التعريف به

يُعد إدوارد لامبير (1866-1947م) من أبرز أعلام الفقه القانوني الفرنسي، ورائدًا فذًا من رواد القانون المقارن. استهل مسيرته في مصر أستاذًا بمدرسة الحقوق، غير أنه عاد إلى فرنسا عام 1907م إثر إقالته التي تمت بتدبيرٍ سلطوي بريطاني، ليؤسس فور عودته قسم القانون المقارن بجامعة "ليون". ويُسجل للامبير شغفه العميق بدراسة الفقه الإسلامي ومقارنته بالقوانين الوضعية، إذ كان شديد الإعجاب بمقاصد الشريعة الإسلامية وأصولها. وقد تتلمذ على يديه مجموعة من جهابذة القانون في مصر، تصدرهم الفقيه الدستوري الكبير عبد الرزاق السنهوري، والدكتور محمود فتحي، حيث أشرف لامبير شخصيًا على رسالتيهما للدكتوراه. وفي عام 1938م، أُسندت إليه رئاسة لجنة الإشراف على توحيد القانون المدني المصري لدمج القوانين المطبقة في المحاكم الأهلية والمختلطة، وهي اللجنة التي ضمت نخبة من القضاة والأساتذة المصريين والفرنسيين، وفي طليعتهم "السنهوري باشا".

 

ثانيًا- تقدير لامبير لكلية الحقوق وجامعة القاهرة

أظهر لامبير امتنانًا بالغًا لكلية الحقوق بالقاهرة؛ لِما أتاحته له من فرصة للمشاركة في نشاطها التعليمي كأستاذ زائر، مؤكدًا أن الجامعة المصرية ترتبط لديه بأعز ذكريات صباه، حين كان يُحاضر في رحاب قصر عابدين قبل ثلاثين عامًا. ويوثق لامبير التطور الذي طرأ على مدرسة الحقوق الوطنية منذ ذلك العهد؛ إذ تحولت من "المدرسة الخديوية" إلى "المدرسة السلطانية" ثم "الملكية"، وصولًا إلى صورتها النهائية ككلية للحقوق تابعة للجامعة المصرية. كما أشار بوضوح إلى الفارق بين المقرات الضيقة وغير المهيأة التي كان يدرّس فيها سابقًا، وبين المباني الحديثة والواسعة في أرقى أحياء المدينة وأقربها إلى النفس. وقد أراد لامبير أن يُبرهن لطلبته المصريين على وفائه لما قدمه له أسلافهم، فكرّس الجزء الأكبر من حياته الجامعية لتطوير "معهد ليون لأبحاث القانون المقارن" الذي وضع نواته الأولى في نوفمبر 1907م.

وإذا كان لامبير قد وُفق في التخصص في فرع قانوني كان لا يزال يتحسس خطاه آنذاك، فقد أقرّ بأن الفضل في بلوغ هذا العلم مكانته الرفيعة يعود بجزء كبير منه إلى الدفع المعنوي والعلمي الذي استمده من أجيال الطلبة المصريين الوافدين إلى "ليون" منذ عام 1907م؛ فقد كانوا يوجهونه نحو تطلعاتهم في تهذيب دراساتهم، مما جعله يحصد أوفى الجزاء العلمي كباحث ومفكر. كما أكد أن المعهدين اللذين كان يديرهما —معهد القانون المقارن، ومعهد العلوم الاجتماعية والعلاقات الدولية بجامعة ليون— وما حققاه من تعاون دولي مع جامعات في الولايات المتحدة، واليابان، وإنجلترا، وألمانيا، مدينان بإنتاجهما العلمي للأساتذة المصريين الذين تخرجوا منهما، أكثر من مديونيتها لأبحاثه الشخصية.

 

ثالثًا- جهوده في مأسسة الدرس المقارن كعلم مستقل

يُشير لامبير إلى أن معهد القانون المقارن لم يستقر رسميًا ضمن معاهد كلية الحقوق بـ"ليون" إلا ما بين عامي 1919 و1921م، وذلك بعد جهود مضنية للتجديد والتوسع أفضت إلى انفصاله عن شعبة كانت تشبهه في الطبيعة وتختلف عنه في التخصص. وقد حفزه على وضع الركائز الأولى للمعهد حادثان مفصليان: أولهما اشتراكه في تحضير "المؤتمر الدولي الأول للقانون المقارن" بباريس عام 1900م، وهو المؤتمر الذي عُقد بعد انقطاع طويل. واستجابةً لطلب "ريمون سالي"، صاغ لامبير تقريرًا عامًا حول مسألتين جوهريتين:

(1) تعريف علم القانون المقارن وأسلوبه ووظيفته.

(2) العلاقة بين القانون المقارن وعلم القانون العام.

 وقد عمل لامبير في هذا التقرير على ترتيب الآراء المتباينة لعلماء القانون الفرنسيين ومواجهتها، موضحًا أن الخلافات الفقهية نشأت عن الخلط بين منهجين متباينين تحت مسمى واحد:

  1. المنهج التاريخي: وهو التاريخ المقارن للقانون.
  2. المنهج المعاصر: الذي يدرس عناصر قوانين الحاضر لوضع أسس قوانين المستقبل، بهدف التقريب بين النظم القانونية الوطنية.

وقد استرسل لامبير في دراسة هذه الأساليب، وأودع نتائج أبحاثه في كتابه الشهير عام 1903م "في وظيفة القانون المدني المقارن"، حيث أوضح أن الغرض من القضاء المقارن هو إيجاد قنوات اتصال بين القوانين الوطنية الحديثة، تحاكي تلك التي أوجدها القانون الروماني في العصور الوسطى.

 

رابعًا- التنوع الثقافي المصري ودوره في إنضاج الدرس الأصولي

أما الحادث الثاني الذي وجّه لامبير نحو تأسيس معهد القانون المقارن، فكانت الفترة التي تولى فيها إدارة مدرسة الحقوق الخديوية بالقاهرة (1906-1907م)؛ حيث وجد نفسه فجأة في بيئة تعدُّ ميدانًا خصبًا للتجارب القانونية المقارنة؛ نظرًا لوجود قضاة من جنسيات متعددة في المحاكم المختلطة، يفسرون قوانين مستمدة من الأصل الفرنسي ويستكملون نقصها بخبراتهم القانونية المتنوعة، مما جعل من أحكام محكمة استئناف الإسكندرية نماذج فريدة للدراسات المقارنة.

 

خامسًا- دور لامبير في تطوير الفكر القانوني المقارن لدى الطلاب العرب

مع انطلاق العام الدراسي (1907-1908م)، تبع لامبير إلى "ليون" حشد من الطلبة المصريين الذين تزايدت أعدادهم حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914م. كان هؤلاء الطلاب مدفوعين بشغف علمي للمساهمة في بناء الحكم الذاتي وتنظيم الحياة السياسية في وطنهم على أسس حديثة ومستقرة. واستجابة لرغبتهم في المواءمة بين المبادئ الغربية ومطالب المجتمعات الشرقية الإسلامية، أنشأ لامبير "الشعبة الشرقية للدراسات القانونية والاجتماعية" في نوفمبر 1907م.

لقد كانت هذه الشعبة نتاج إرادة الطلبة المصريين الذين سعوا لتلقي ثقافة علمية فرنسية رصينة، واجتمعوا لتحقيق أهدافهم في التربية الوطنية تحت إشراف رجل قانون فرنسي تجرّد من الهوى، معتبرًا عمله رسالة حضارية لتعليم الشباب الشرقي. وظلت "الشعبة الشرقية" في "ليون" عملًا حرًا مستقلًا، تحتفظ بكيانها الخاص بعيدًا عن الدعم المالي الرسمي للجامعة، لضمان استقلالها الفكري والوطني. وقد ساهم في دعم هؤلاء الطلبة جهتان رئيسيتان:

  1. شعبة البعثة العلمانية بـ"ليون": برئاسة "إدوار هريو"، التي نظمت محاضرات أشركت فيها الطلاب المصريين في الحياة الوطنية والسياسية الفرنسية.
  2. جمعية الطلبة المصريين بـ"ليون": التي وطدت صلتها بالمجتمع المحلي، ونظمت فعاليات كبرى عرضت فيها مبادئ الحركة الوطنية المصرية أمام جمهور حاشد بمسرح ليون الكبير.

 

سادسًا- المنجز القانوني والفقهي للحقوقيين الشرقيين تحت قيادة لامبير

اعتنى لامبير بتوجيه التكوين القانوني للطلبة المصريين نحو آفاق العلم العالمي، مما أثمر عن "مجموعة أبحاث الشعبة الشرقية" التي ضمت أعمالًا رائدة، منها:

  • بحث محمود فتحي حول "النظرية الإسلامية في سوء استعمال الحقوق" (1913م).
  • دراسة عبد السلام ذهني حول "مسؤولية الدولة المصرية"، والتي حاول فيها تقديم تفسيرات تخدم السيادة الوطنية بناءً على القانون المقارن.
  • مساهمة السنهوري باشا في الجزء العاشر بدراسة مقارنة حول "القاعدة القانونية والمعيار القانوني"، وهو البحث الذي عُدَّ كشفًا علميًا لدى القراء الفرنسيين وأثنى عليه العميد "موريس هوريو".
  • كتاب السنهوري الخالد "الخلافة وتطورها نحو جمعية أمم إسلامية"، وبحث محمد عبد الجواد في "تنفيذ الوصية في الشريعة الإسلامية".

 

سابعًا- دفاع لامبير عن دور الشريعة في إثراء القانون المقارن

لم يكن إعجاب "لامبير" بالشريعة الإسلامية مجرد عاطفة عابرة، بل كان إيمانًا علميًا راسخًا بمرونة أصولها؛ ولذا سخر مكانته الدولية للدفاع عن مكانتها في المحافل العالمية، ويمكن رصد ذلك عبر المحطات التالية:

1- انتزاع الاعتراف الدولي في "لاهاي:" تمكن لامبير بصفة خاصة في المؤتمر الدولي للقانون المقارن الذي انعقد في "لاهاي" سنة 1932م من أن يثبت لأساتذة كلية الحقوق المصرية أنه يعتبر نفسه دائمًا واحدًا منهم، بل كان أكثر منهم طموحًا إزاء مستقبل كليتهم. فقد خاض معركة أكاديمية كبرى ليثبت أن الشريعة الإسلامية ليست مجرد نظام ديني تاريخي، بل هي "نسق قانوني حي" يمتلك من الأدوات التحليلية ما يجعله مصدرًا غنيًا للقانون المقارن العالمي، ووقف بصلابة أمام النزعات المركزية الأوروبية التي كانت تهيمن على الفكر القانوني آنذاك.

2- التمكين الأكاديمي والاحتفاظ بمكانة الشريعة: لقد دافع "لامبير" دفاعًا استثنائيًا -قد يوصف بالمسرف من فرط حماسه- عن رغبة الوفد المصري في الاحتفاظ بمكانة لائقة لدراسة الشريعة الإسلامية كمصدر أصيل للقانون المقارن. وقد استجاب المؤتمر لهذه الرغبة، ونفذها المجمع الدولي للقانون المقارن؛ حيث تضمن برنامج المؤتمر الدولي التالي في "لاهاي" عام 1937م عدة مسائل جوهرية في الشريعة الإسلامية. وقد انتهز لامبير هذه الفرصة لينبه المؤتمر علنًا إلى التعاون المثمر الذي يسديه المصريون لتسيير أعمال مركز دراسات القانون المقارن بـ"ليون"، موضحًا أن الطلبة المصريين بدفعهم إياه لإنشاء "الشعبة الشرقية" قد وضعوا في الواقع الأسس الأولى لمعهد القانون المقارن بـ"ليون" ككل.

3- الشريعة كجسر حضاري ومركز أبحاث وطني: كانت رؤية لامبير تتجاوز مجرد المقارنة الجامدة بين النصوص؛ فقد آمن بأن الشريعة تمثل "القانون المشترك" الذي يمكن أن يوحد الرؤى بين النظم القانونية. وفي يوليو سنة 1934م، خلال مؤتمر الاتحاد الدولي للمدن بـ"ليون"، حرص على استحضار التمثيل العربي المصري لاستعراض التحديات القانونية التي تفرضها الامتيازات الأجنبية، مؤكدًا أن فهم "مذاهب العلوم الاجتماعية" التي تقوم عليها الشريعة هو المفتاح لتطوير تشريعات حديثة تتسم بالأصالة والمعاصرة، وهو ما أعرب عنه في مقدمة كتاب "العربي" سنة 1924م.

4- دعوته للمصريين بقيادة النهضة الفقهية: خلص لامبير من ذكرياته الطويلة مع تلامذته إلى نتيجة استراتيجية مفادها: "أن هذا المثل يثبت لزملائنا المصريين أنهم هم الذين يملكون في أيديهم أمضى الوسائل لإبراز الخدمات التي يمكن أن تؤديها الشريعة الإسلامية للقضاء المقارن". وحثهم على إنشاء مركز للأبحاث العلمية في جامعتهم الوطنية على غرار المركز الذي أنشأه أسلافهم بـ"ليون"، مؤكدًا أن معهدًا مصريًا للقانون المقارن لا يتجاوز فيه القضاء نطاقه الطبيعي كعلم اجتماعي، لحريٌّ به أن يلعب دورًا موفقًا يُغبط عليه في تعهد الصلة بين العالم الإسلامي والعالم المسيحي في ميدان القانون والعلوم الاجتماعية.

 

 

* أحمد حسين عثمان: حاصل على درجة الدكتوراه في الشريعة الإسلامية والمقارنات التشريعية من كلية دار العلوم بجامعة القاهرة. صدر له العديد من الكتب والدراسات المحكَّمة، منها: "الفقه الإسلامي ودوره في إصلاح القوانين العربية"، و"أثر الفكر الأصولي في تطوير الصناعة الفقهية"، و"دور المقارنة التشريعية في النقد القانوني: نظرية الاستغلال نموذجًا"، و"أصول الدراسات المقارنة وتطورها بين الفقه والقانون".

Rate this item
(0 votes)
Last modified on الأحد, 31 أيار 2026 10:05

Leave a comment

Make sure you enter all the required information, indicated by an asterisk (*). HTML code is not allowed.