موقع حوارات

موقع حوارات

بحث منشور عام 1956 في مجلة مصر المعاصرة، الصادرة عن الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع للأستاذ أحمد صفوت رئيس محكمة استئناف الاسكندرية سابقًا.
وقد جاء في تقديم المؤلف للكتاب ما يلي:

“في 31 من ديسمبر عام 1955 انتهى نظام القضاء الشرعي في مصر بالقانون رقم 1955/462 بعد أن استمر فيها ثلاثة عشر قرنًا. وكان إلى صدور أول لائحة شرعية في سنة 1897 يجري على النظام الشرعي المدون في كتب الفقه والمعمول به من صدر الإسلام، وبعد صدور هذه اللائحة لم يبق له من صفة القضاء الشرعي إلا أنه يحكم طبقًا للشريعة الإسلامية ومن بعدها أصبح اختصاصه وإجراءاته ونظامه مقررًا بقوانين، مثله في ذلك مثل المحاكم المدنية تمامًا، فاستخفت في هذه الحقبة الطويلة مميزاته الأصلية وبإلغائه تنطوي صفحته فلا يرجع إليها إلا للبحث التاريخي، لذلك رأيت جمع شتات ما اطلعت عليه من تاريخه قيدًا له وبيانًا لما كان عليه.

ثم قُسم البحث إلى النقاط الآتية:

  • نظام التقاضي في الجاهلية.
  • نظام الحكم في الإسلام.
  • نشوء وظيفة القاضي.
  • مجلس القضاء ونظام المشورة.
  • إجراءات التقاضي.
  • مراسم تعيين القضاة.
  • وظيفة الإفتاء.
  • وكلاء الدعوى.
  • قضاء الشرطة.
  • قضاء المظالم.
  • قضاء نقيب الأشراف.
  • أثر القضاء الشرعي.
  • القضاء بين الذميين.
  • القضاء الملي.
  • القضاء القنصلي والامتيازات الأجنبية.

رابط مباشر لتحميل الدراسة

أعرض فى هذا المقال لسيرة اثنين من عظماء الفقه الدستورى فى مصر، وكيف أنهما أسهما بعلمهما فى ترسيخ قيم الوطنية الحقة، وهما المرحومان عثمان خليل عثمان وعبدالحميد متولى.

كلاهما ينتمى إلى النصف الأول من القرن العشرين. الأول ولد سنة ١٩١١ والثانى عام ١٩٠٠. وكلاهما ينتمى للطبقة الوسطى الريفية المصرية. وكلاهما تعلم فى مدارس الحكومة، ونبغ فى دراسته إلى أن أصبح أستاذا مرموقا للقانون الدستورى، وكلاهما لم تنزلق به دراسة القانون إلى خطيئة استخدام علمه للتزلف للحكام وتبرير خطاياهم.

ولد الدكتور عثمان خليل عثمان فى بلدة الحواتكة بمركز منفلوط محافظة أسيوط. وتعلم فى المدارس الحكومية ومدارس الجمعية الخيرية. ثم التحق بمدرسة الحقوق ونال منها شهادة الليسانس مع مرتبة الشرف سنة ١٩٢٤. وعين معيدا بكلية الحقوق جامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليا) ونال درجاته العلمية ثم درجة الدكتوراة من نفس الجامعة عام ١٩٣٧. سافر إلى فرنسا والتحق بالسوربون، لكنه عاد بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية.


وظل يمارس تعليم القانون الدستورى والإدارى للأجيال المتعاقبة. وكنا نجلس أمامه طلابا فى مدرج جامعة القاهرة نستمع إلى كلماته حول مبدأ المشروعية وخضوع الدولة للقانون وكأننا أمام عازف متمكن يعزف لحن العدل والحرية.

وارتقى أستاذنا فى مراتب العمل الجامعى حتى عين عميدا لكلية حقوق عين شمس. قدم استقالته لوزير التعليم الضابط كمال الدين حسين اعتراضا على سياسته. ولكن الوزير التقى به وأثناه عن الاستقالة ثم أحاله للمعاش فى اليوم التالى عملا بمبدأ حكومتنا الخالد أن الموظف يقال ولا يستقيل.

وكانت للدكتور عثمان خليل جهود فى مجال إعداد مشروعات الدساتير فى مصر والعالم العربى. عند قيام ثورة 23 يوليو 1952 تم اختياره عضوا بلجنة الدستور التى شكلتها الثورة لإعداد إطار دستورى للبلاد عقب إلغاء العمل بدستور 1923 وتحول مصر من الملكية إلى الجمهورية. وتم وضع مشروع دستور ١٩٥٤ الذى صرفت الدولة النظر عنه لطابعه المفرط فى ليبراليته بما لا يناسب مرحلة بناء الأوطان التى مازلنا نحياها حتى الآن.

ولأن دولته هجرته فقد هجرها إلى دولة الكويت للإشراف على وضع الدستور بها. وكان العمل فى الدستور قد بدأ بصدور المرسوم رقم 1 لسنة 1961، الذى أنشأ المجلس التأسيسى، وحدد له مهمة وضع دستور يبين نظام الحكم على أساس المبادئ الديمقراطية. وعاش وفيا لمبادئه تاركا وراءه سيرة عطرة وعلما ينتفع به وطلابه الذين يدعون له بالخير.

الدكتور عبدالحميد متولى ينتمى إلى نفس الجيل. نشأ فى مركز السنطة بمحافظة الغربية، وتربى فى نفس البيئة النقية الزاخرة بتقديس قيمة الحرية. تعلم فى المدارس الحكومية، ثم التحق بمدرسة الحقوق الملكية بالقاهرة، فحصل على ليسانس الحقوق فى يونيو عام 1923، ودبلوم الدراسات الإدارية والمالية من كلية الحقوق بجامعة باريس فى يوليو سنة 1926، والدكتوراة فى الحقوق بجامعة باريس فى مايو سنة 1931.

كان الدكتور عبدالحميد متولى من فقهاء القانون الدستورى الذين انتبهوا منذ مرحلة مبكرة إلى دقائق العلاقة بين القانون والسياسة، كما تفرد بالتعمق العلمى فى مجالين مهمين هما النظام السياسى فى الإسلام ونظام الحكم فى الدول النامية.

وفى أكتوبر سنة 1936 عمل أستاذا بكلية الحقوق ببغداد، وفى يناير سنة 1937 تولى عمادة الكلية.

وفى يوليو 1961 اختير عضوا بالشعبة المصرية للمؤتمر الدولى للعلوم الإدارية (ومقره بروكسل) وكان يرأسها الدكتور عبدالحميد بدوى وكيل محكمة العدل الدولية.

وفى يوليو سنة 1962 قرر مجلس إدارة معهد الدراسات العربية بالقاهرة التابع لجامعة الدول العربية انتدابه لإلقاء محاضرات على طلبة المعهد من عام 1963 عن (النظام السياسى لإسرائيل).

وفى عام 1956 أنشا ببلدته سحيم- مركز السنطة بمحافظة الغربية (الجمعية الخيرية) وتولى رئاستها إلى وفاته.

وكان الدكتور متولى شديد الاهتمام بدراسة النظام السياسى فى الفقه الإسلامى. ولكن دراساته لم تكن من منطلق سياسى، ولم يخلط أبدا بين الدين والسياسة، لكنه درس الفقه السياسى الإسلامى بمنهج علمى خالص، وهو نفس المنهج الذى اتبعه السنهورى فى دراسته لمصادر الحق فى الفقه الإسلامى، وهو ذاته منهج سليمان مرقص وشفيق شحاتة فى دراساتهما عن العلاقة بين القانون والدين كمجالين منفصلين سياسيا ومتداخلين علميا.

هناك ملامح مشتركة بين سيرتى هذين الفقيهين الجليلين تلقى الضوء على النخبة القانونية فى مصر فى المرحلة الليبرالية فى النصف الأول من القرن الماضى.

أول هذه الملامح الانتماء إلى الشرائح الوسطى والدنيا من الطبقة الوسطى التى تلقت تعليما حكوميا جيدا مجانيا أو شبه مجانى. وثانيها أن القانون عندها ليس مجرد نصوص تشريعية يضعها حاكم مستبد لتوطيد أركان حكمه. ففارق بين القانون الحق والتشريع وإن صيغ فى قالب القانون.

القانون الحق يهدف إلى تنظيم السلوك وتحقيق التوازن بين المصالح بما يحقق التضامن الاجتماعى وليس إشعال فتن الصراعات بتقنين القهر والتمييز. القانون الحق يقيم دعائم دولة المساواة والعدالة ولا يستثنى من تطبيقه أحد.

هذه النخبة لم تكن ترهبها عصا أو يغريها ذهب ومبادئها لا تباع. إنها نخبة جمعت بين ثقافتها الغربية وانتمائها القومى. وكانت ترى فى الفقه الإسلامى رافدا يسهم فى تحقيق مبدأ قومية القانون دون مزايدات سياسية.

تلك كانت أخلاقيات مهنة القانون فى ذلك الوقت. ثم خلف من بعدهم قوم اتبعوا الشهوات وتمرسوا على إلباس الباطل قناع الحق فسوف يلقون غيا من الله والتاريخ.

نُشر هذا المقال في الموقع الإلكتروني لجريدة المصري اليوم بتاريخ 27 يوليو 2018

من بين الأبحاث العديدة المقدمة في إطار الحوار حول “أزمة الديمقراطية في الوطن العربي” يكاد بحث “أنظمة الحكم في الوطن العربي” ينفرد بتسليط الضوء على شريحة محددة من شرائح البنية المتراكبة في الجسد العربي، وهي شريحة “البناء الفوقي”، ذي الطبيعة الدستورية أو القانون.. وهذا ما يضفي عليه قدرًا من الوضوح قد لا يكون لغيره من الأبحاث التي تنقب في الطبقات التحتية لبنية المجتمعات العربية.

ومع ذلك أبادر فأقول أن “النظم القانونية والدستورية” وإن تكن تعبيرًا عن سائر مكونات البنية الاجتماعية، ونتيجة من نتائج وجود عناصرها المختلفة وتفاعل تلك العناصر، فإنها، فوق ذلك، أداة تأثير وتغيير.. يتحققان من خلال تفاعل جديد بين هذه “البيئة الفوقية” باعتبارها حينئذٍ أحد معطيات الواقع الاجتماعي وبين سائر عناصر البيئة الاجتماعية السابقة عليها منطقيًا وتاريخيًا..

ولهذا، فإن التركيز على ما قد يراه البعض عنصرًا شكليًا أو تابعًا، أمر جائز تمامًا، ومفيد -من الناحية العملية– تمامًا كذلك.. وذلك أن “أنظمة الحكم” بحالتها الراهنة وواقعها القائم، هي من وجهة نظر الفرد وسائر القوى الاجتماعية، “الحقيقة” التي يجرى التعامل معها يوميًا، بغض النظر عن جميع الشروح والتحليلات التي تصف تلك الحقيقة أو تبحث عن جذورها، أو تسعى لتغييرها.

بعد هذه المقدمة التي تتعلق بموضوع البحث أكثر من تعلقها بمضمونه ومحتواه كما حدده الباحث، أنتقل إلى المحتوى نفسه فألاحظ أن البحث حاول أن يبتعد عن تناول أنظمة الحكم القُطرية تناولاً متعاقبًا يتحول معه البحث إلى تجميع وصفي أو تحليل لواقع الأنظمة، وآثر بدلاً من ذلك أن يصنفها على أساس معايير مشتركة.. فبدأ بقوله أن “أقطار الوطن العربي تنتمي كلها إلى ذلك الجزء من العالم يعرف باسم العالم النامى.. أو ما يقال له اصطلاحًا دول العالم الثالث”.

1- والحق أنني لم أعد متاكدًا من دقة هذا التصنيف الذي يرجع -عند التحليل- إلى مكونات متعددة، بعضها سياسي وبعضها اقتصادي واجتماعي.. وليس من الضروري لذلك أن تتحقق هذه المكونات كلها بدرجة واحدة .. وأن تكون لها –بالتالي –النتائج والآثار نفسها على “نظام الحكم السائد”.. إن “التخلف الاقتصادي” أمر أكثر تحديدًا، وأوضح تأثيرًا على خصائص نظام الحكم. كما أن “التبعية السياسية والاقتصادية” أمر محدد، ويمكن أن ترصد له أثار محددة على نظام الحكم.. ولكن الانتماء إلى “العالم الثالث” بهذا العموم لا يكفي وحده لتوضيح طبيعة خصائص نظام الحكم السائد في كثير من الأقطار العربية.. وقد انتبه الباحث نفسه إلى هذه الحقيقة فلاحظ أن بلاد العالم الثالث تضم أكثر من ثلث دول العالم وأكثر كثيرًا من نصف سكانه، وأنها تستند إلى جذور حضارية متباينة.. وتنتمى إلى أمم شتى “على ذلك فإن الحديث عن الخصائص المشتركة بين هذه البلاد لا يجوز له أن يُخفي عنا حقيقة أخرى وهي أن تلك البلاد يوجد بينها وبين بعضها من الاختلافات أمور كثيرة ومتعددة” .. وأنها لذلك “ليست جميعًا حتى في خصائصها المشتركة- على درجة واحدة”.

لهذا كنت أوثر في الحقيقة ألا يعتبر الباحث الانتماء للعالم الثالث –بهذا العموم– سمة مشتركة بين الأنظمة العربية. 

2 – كذلك لم أعد متأكدًا من دقة استخلاص النتائج العديدة المترتبة على وصف دولة ما بأنها متخلفة، بغض النظر عن الصورة التي يأخذها هذا التخلف.. ذلك أننا إذا سلمنا مع الباحث بأن التخلف الاقتصادي والاجتماعي يقاس بمعيارين أساسيين، يتعلق أولهما بمتوسط دخل الفرد ويتعلق الثاني بتقدم الفنون الإنتاجية، وإذا سلمنا نتيجة لذلك بأن “اقتصادًا قوميًا يتمتع بوفرة الموارد الطبيعية، ولكن تنقصه التكنولوجيا يكاد يكون في الفقر نفسه الذي يعانيه اقتصاد قومي لا تتوفر له هذه الموارد”.

تقول إذا سلمنا بهذا كله، فإن أثر التخلف على “نظام الحكم” يمكن أن يختلف اختلافًا كبيرًا بحسب ما إذا كنا إزاء مجتمع يتميز بضآلة مستوى الدخل على نحو حاد، كما يتميز -فوق ذلك– بغياب العدل التوزيعي غيابًا صارخًا.. وما إذا كنا إزاء مجتمع وفير الموارد.. ولكن تنقصه التكنولوجيا.. ذلك أن وفرة المواد، قد تتيح للأفراد فرصًا كبيرة للتعليم وللأمن الاقتصادي، كما قد توفر للمجتمع كله درجة من درجات الاستقرار السياسي يمكن في ظلها أن تتطور نظم الحكم في اتجاهات لا تسمح بمثلها ظروف مجتمع يتمثل تخلفه أساسًا في النقص الشديد في المواد والهبوط الحاد في متوسط الدخل الفردي.. ويكفي في هذا الصدد أن نقارن ظروف بلد عربي كالكويت بظروف بلد عربي آخر كاليمن، لنرى كيف أمكن في بلد كالكويت يتوفر له عنصر وفرة المواد دون عنصر حيازة الفنون الإنتاجية، أن يقوم نظام للحكم يعتمد على مؤسسات منتخبة، وتمارس فيه درجه معقولة من الحرية، ويشارك فيه الأفراد –مشاركة نسبية بطبيعة الحال– في كل من السلطة السياسية والثروة.. إن من الخطأ تفسير قيام التجربة الديمقراطية في الكويت بتوفر الرخاء الاقتصادي وحده، إذ لو صح ذلك لقامت تجارب مماثلة في سائر الأقطار النفطية المحيطة بها، ولكن من المؤكد –فيما نعتقد– أن غياب “المشكلة الاقتصادية والاجتماعية الحادة” كان –على أقل تقدير– عنصرًا مهمًا من العناصر التي مكنت من قيام تلك التجربة واستمرارها..

كذلك يربط الباحث ربطا لا نشاركه فيه بين ظاهرة التمزق القومي، وظاهرة عدم الوعي بمفهوم الدولة، وإن كنا لا نعرف على وجه التحديد ما يقصده بغياب الوعي بمفهوم الدولة.. فالتمزق القومي في خصوص “الأمة العربية” إن أُريد به تقسيم الشعب العربي إلى شعوب قطرية على رأسها حكومات قطرية، فنحن معه في أن الوجود الاستعماري قد كان عنصرًا مهما من عناصره ومحركًا نشطًا من محركاته.. ولكن المسألة –فيما نرى– أشد تعقيدًا من ذلك.. وهي ترتبط –في تقديرنا– بمسألتين أخريين:

الأولى: مدى قوة “الشعور القومي” والإحساس بالانتماء المتبادل بين أبناء الأمة العربية.. وما يخضع له هذا الشعور من مد وجزر وهبوط شديدين، وهي مقولة لا يتسع لبسط القول فيها.

الثانية: أن وجود “الشعور القومي”، أو تحقيق “الانتماء القومي” كواقعة تاريخية وحضارية، لا يعنى بالضرورة التوجيه إلى الحركة السياسية الوحدوية.. إننا هنا نميل إلى الفصل بين وجود القومية كحقيقة تاريخية، وبين “التوحد القومي” كاختيار سياسي متمي… كما نؤكد على وجود صور متعددة “للتوحد” القومي، أهمها وجود مشروع حضاري وتنموي ذو أبعاد قومية، ولو قامت على تنفيذه كيانات سياسية مستقلة بالمفهوم الدستوري والقانوني.

أما الذي يسميه الباحث “عدم الوعي بمفهوم الدولة ” فهو –في خصوص الوطن العربي– يتصل بظاهرة أخرى، هي حداثة قيام الدولة نسبيًا، واستمرار المفاهيم القبلية والأسرية في عدد من الأقطار العربية، كما يتصل بظاهرة انتشار الحكم الفردي، الذي تختلط فيه شخصية الحاكم بشخصية الدولة وهو ما سنعود إلى بيان رأينا فيه.

أما التصنيفات الأخرى التي عرضها الباحث وهي تقسيم أنظمة الحكم العربية إلى أنظمة ملكية وأخرى جمهورية، وأنظمة تقدمية وأخرى محافظة، وأنظمة تأخذ بتعدد الأحزاب وأخرى تأخذ بنظام الحزب الواحد.. فلنا عليها ملاحظتان:

الأولى: تتعلق بقيمتها الحقيقية، إذ في تقديرنا أن هذه التقسيمات ليست أكثر من تقسيمات لفظية لا تعبر بحال عن الحقيقة السياسية القائمة.. فأكثر الأنظمة الجمهورية في الوطن العربي هي في حقيقتها أنظمة فردية مطلقة.. والحاكم يضمن فيها استمرار حكمه حتى نهاية حياته، كما يملك –من الناحية السياسية والدستورية- أن يختار خليفته.. ما لم تعصف بهذا الاختيار حقائق سياسية تتعلق بموازين القوى عند موته.. وهي حقائق يمكن أن يقوم مثلها تمامًا في ظل الأنظمة الملكية والوراثية.. وما قيل في هذا يقال عن واحدية الحزب وتعدد الأحزاب تعددًا ظاهريًا، وتضع مقاليد الأمر كله بين يديه، وبذلك لا تكون التعددية إلا شكلاً مفرغًا من مضمونه.. ولعل مما يلفت النظر في هذا المقام، أن النظامين اللذين نصا صراحة على منع نظام الحزب الواحد، أو على مبدأ تعدد الأحزاب هما نظامان ملكيان، النظام المغربي، والنظام الأردني.

الثانية: تتعلق بالأساس الذي اعتمده الباحث لتقسيم أنظمة الحكم إلى تقدمية وأخرى محافظة.. وفي تقديرنا –بادئ ذي بدء- أن هذا التصنيف في المصطلح الجاري والمتعارف عليه سياسيًا هو تصنيف “لتوجهات الأنظمة في الميادين السياسية والاجتماعية” وليس تصنيفًا “لنظام الحكم” نفسه.. فالأنظمة التقدمية هي التي تتبنى سياسات اجتماعية واقتصادية من شأنها تحريك المجتمع نحو إقرار مزيد من العدل الاجتماعي والإفساح للقوى الاجتماعية العاملة على تحقيق هذا العدل والانحياز في السياسة الخارجية إلى القوى الدولية التي تعبر عن الاتجاه نفسه أو تساعد القوى الداخلية على تحقيقه..

أما الأنظمة المحافظة فهي التي ترفض التغيير إبقاءً على علاقات اجتماعية قائمة على الاستغلال، والتي تنحاز داخليًا وخارجيًا للقوى العاملة على بقاء الحال على ما هو عليه في هذه الميادين..

أما مسألة “قابلية النظام للتطوير من داخله” فهي-فيما نرى- أمر متصل بديمقراطية النظام…، أو هي –على التحقيق- معيار ديمقراطيته.. ولعل ما أراد الباحث أن يؤكده ونوافقه عليه –أن الأنظمة الاشتراكية لا يصح أن توصف بالتقدمية إلا إذا اشتملت على عنصر “ديمقراطي” مؤداه إمكان تغيير النظام من داخله.. وتلك إضافة نتحمس لها، ومؤداها أن النظام قد يكون اشتراكيًا ويكون مع ذلك “محافظًا” لأنه لا يسمح بحدوث التطور من داخله.. فكأن الباحث “يتبني” بذلك مدلولاً “للتقدمية” مكونًا من عنصرين: أحدهما متعلق بالمضمون، والآخر متعلق “بالأسلوب”.. وهو اختيار ذاتي نوافق –من جانبنا- عليه..

إن ما تقدم جميعه خاص بالجزء الأول من دراسة الباحث، أما الجزء الثاني منها والخاص “بالسمات المشتركة بين أنظمة الحكم في البلدان العربية”.. فهو –في تقديرنا- أكثر أهمية وأولى بالتعقيب: ويجمع الباحث هذه السمات المشتركة في أمور أربعة هي: المباعدة بين النصوص الدستورية والواقع العملي وعدم رسوخ مفهوم الدولة، وغياب التعددية السياسية، وتقييد الإرادة السياسية نتيجة التبعية السياسية..   

ونحن من جانبنا لا نجادل في وجود هذه السمات في أكثر الأنظمة العربية.. ولكننا نذهب في تصويرها مذهبًا مختلفًا:

  1. نقطة الانطلاق الأولى عندنا أن نظم الحكم القائمة في البلاد العربية ليست ثمرة طبيعية من ثمرات التطور الحقيقي للحضارة العربية، وإنما هي نتاج مولدَّ، بعض عناصره محلية ذاتية، وبعضها الآخر مستنبت في البيئة العربية عن طريق الاستيراد المباشر من الحضارة الأوروبية… وقد تمّ هذا الاستيراد في الأغلب الأعم من الحالات نتيجة الإعجاب بما أنتجته أنظمة الحكم الغربية من ثمرات طيبة في بيئتها الأصلية، فاستقر في ضمير النخبة الحاكمة والنخبة المثقفة على السواء، أن نظام الحكم “الليبرالي” القائم في الدول الأوروبية، بما يقرره من حق الاقتراع العام، وحماية حرية التعبير، والفصل بين سلطات ثلاث تتولى الحكم.. له فضل كبير في تحقيق النهضة الاجتماعية والاقتصادية.. واعتبرت معالم هذا النظام مكونًا أساسيًا من مكونات “التحديث” و”النهضة”.. توافقت على المناداة به سائر التيارات الإصلاحية، دينية كانت أم علمانية..

ولأن أكثر عناصر هذا النظام الدستوري كانت عناصر مستنبتة أو مستوردة من تجارب سياسية واجتماعية معبرة عن روح حضارة مختلفة.. فإن الضمير العربي لم يعن عناية كافية بفهم هذه العناصر، ولم يتفاعل معها تفاعلاً حقيقيًا، ولذلك لم نؤد في معظم الحالات وظائفها الحقيقية.. ولعل هذا أحد الأسباب الكامنة وراء المفارقة بين النصوص الدستورية والواقع العملي، التي يتحدث عنها الباحث.. إن من المُسَّلم به في الفقه الدستوري المقارن أن النصوص الدستورية لا تعبر عادة تعبيرًا كافيًا أو دقيقًا عن حقيقة النظام الدستوري القائم، وأن الظروف الموضوعية والتطورات المتعاقبة التي تمر بها الحياة السياسية والاجتماعية من شأنها أن تباعد قليلاً أو كثيرًا بين النصوص وبين واقع تطبيقها العملي.. ولهذا يتحدثون في الغرب عن المفارقة بين النصوص الدستورية، وما يسميه البعض الدستور الحي (The Living Constitution)([1])… ولكن الظاهرة في الوطن العربي تجاوز هذا كثيرًا.. وهذا التجاوز كما يرجع إلى الانفصال بين أنظمة الحكم وبين تطور مقومات الحضارات العربية، فإنه يرجع إلى ظاهرة عربية أخرى –يختص علماء الاجتماع وعلماء النفس بتفسيرها- وهي ظاهرة “اللفظية” في الحياة العربية وتصور إمكان حلول “الكلمة” محل “الفعل”.. وإقناع “الذات” والآخرين بإمكان هذا “الحلول”.. بمعنى أن الديمقراطية تتحقق في “التصور العربي” إذا تمّ صدور إعلان يقررها، وأن سيادة القانون تكتمل إذا نصت عليها “وثيقة” من الوثائق.. وهذا يفسر تراكم الوثائق والإعلانات في أعقاب “الكوارث” و”النكسات” و”الأزمات”.. كما يفسر حاله إدمان “الخطابة” من جانب بعض الزعامات والقيادات العربية على نحو لا مثيل له في العالم من حولنا ولا في التاريخ من قبلنا..

وبصورة لا يمكن إلا أن يكون تعبيرًا عن مرض مستفحل لدى تلك الزعامات يقابله مرض آخر لدى “المحكومين” يقبلون فيه “الكلمة” بديلاً عن الفعل.. وتسحرهم فيه “الخطبة” أو تُخدرهم إلى حين.. أن هذه الظاهرة العربية “الخاصة” مسؤولة عن تحول الوثائق الدستورية في كثير من الحالات إلى صكوك بغير رصيد.. وتَحَوّل كثيرٍ من المؤسسات القائمة إلى هياكل شبحية مجردة تمامًا من وظيفتها..

2- أما نقطة الانطلاق الثانية فهي أن “السلطة” في المجتمعات العربية لم “تتأسس” أبدًا على نحو كافٍ، بمعنى أن الحكام لا يزالون يتمتعون بقوة فعلية أكبر كثيرًا من “الأطر القانونية والنظامية” التي يعملون في ظلها.. بحيث أن القيود “القانونية” المفروضة على الحكام هي في الغالب قيود ذاتية يخلعونها عن أكتافهم كلما بدا لهم ذلك..

وتلك ظاهرة تحتاج إلى دراسة تفصيلية تحيط بأسبابها، كما تحيط بآثارها ومظاهرها.. وحسبنا أن نشير –مع ذلك إلى بعض الآثار المترتبة على هذه الحقيقة:

  • فمن أهم هذه الآثار أن شخص الحاكم متداخل في وعي جهاز السلطة، وفي وعي الجماهير بشخصية الدولة.. ولهذا فإن الولاء السياسية يظل –في المقام الأول- ولاء لشخص الحاكم الأعلى والخلاف مع شخص الحاكم الأعلى التي تطلق عليه كثير من الأنظمة اسم “القيادة السياسية”!! تجهيلاً لحقيقته وتلاعبًا بالألفاظ والمصطلحات في أمر لا يحتمل التلاعب، هذا الخلاف يصنف على أنه خلاف مع الدولة ونقص في الولاء لها..

ويزيد من خطر هذه الآثار ما تتمتع به السلطة التنفيذية في أكثر الأقطار العربية من نفوذ هائل قوي، يرجع بعض أسبابه إلى ملابسات تاريخية بالغة القدم.. كما تتصل بعض أسبابه بالحاضر أو الماضي القريب.. فأكثر “الرؤساء” أو “الزعماء” العرب ينتحلون لأنفسهم أوصافًا تتصل بالقيادة والزعامة، وما يصاحبها من إلهام وقدرات خاصة تصل إلى حد “القداسة” و”العصمة” والارتفاع فوق احتمالات الخطأ..([2]).

  • ومن آثارها أن الحكام يلازمهم الإحساس بعدم تمتعهم بشرعية حقيقية تؤمن استمرار حكمهم فليجؤون إلى أمرين.. أولهما، ملء المناصب ذات التأثير بأتباع وعملاء وأشخاص ذوي ولاء شخصي مباشر لهم يشكلون -في الغالب- حجابًا حاجزًا بينهم وبين الجماهير كما يشكلون أداة للفساد والإفساد.. نتيجة اضطرار الحكام إلى مواصلة العطاء لهم حفاظًا على ولائهم المشترى..

والأمر الثاني، إقامة أجهزة أمن وقمع متعددة ومتداخلة الاختصاص في معظم الأحيان، وثقيلة اليد على حريات وحقوق الأفراد والأقليات وقوى المعارضة السياسية والاجتماعية.. وهي ظاهرة تقف –بالضرورة- حاجزًا منيعًا في وجه الممارسة الديمقراطية الحقيقية، كما تفرض على المعارضة أن تلجأ إلى الوسائل الانقلابية للتعبير عن رأيها أو كسب الأنصار لمواقفها، أو محاولة التغيير السياسي والاجتماعي..

3- أما نقطة الانطلاق الثالثة، فترجع إلى أن الإرادة السياسية للأنظمة العربية لم تعد إرادة حرة، لا بسبب التبعية الاقتصادية فحسب، وهو عنصر ذكره الباحث ولا اعتراض لنا عليه.. وإنما بسبب تعاظم مصالح القوى الكبرى في الوطن العربي، ووجود قواتها العسكرية قريبًا من أراضي الأقطار العربية ومياهها، أو داخل هذه الأراضي والمياه.. إن هذه الدول الكبرى قد صارت لها مصالح محددة في استمرار أوضاع سياسية معينة، وفي تجنّب حدوث تغيرات سياسية واجتماعية أخرى داخل كل بلد عربي، وهي لا تتورع ولا تتردد كثيرًا في استخدام كل أسلحتها الإعلامية والاقتصادية والسياسية والعسكرية إذا اقتضى الأمر لتوجيه الأوضاع السياسية في الأقطار العربية الوجهة التي تخدم مصالحها.. ولقد كان عدم الانحياز “صيغة” دفاعية لجأ إليها الوطن العربي، أو بعض قياداته على الأقل لتقليل أثر هذا العنصر الأجنبي.. ولكننا صرنا اليوم في شك عظيم من إمكان تكرار هذه الصيغة على نحو يحقق الفاعلية نفسها.

تبقى لنا في نهاية هذا التعقيب ملاحظتان مهمتان:

الأولى: أن انتشار الحكم العسكري، أي الحكومات العسكرية في الوطن العربي، يشكل أحد مظاهر أزمة الديمقراطية فيها.. ولقد استند هذا الحكم عند قيامه إلى مبررات ثلاثة: الأول، بطء حركة المجتمع في اللحاق بالعالم المتقدم نتيجة عجز الحكم المدني، والثاني، مواجهة التحدي الصهيوني ذي الطابع العسكري، الثالث، مقاومة فساد الأحزاب والفئات السياسية المتصارعة. ولذلك كله ارتبط الحكم العسكري في الوطن العربي بنظام “الحزب الواحد” كمتمم طبيعي لمهمة الإصلاح الثوري السريع والحاسم، التي تصدي لها..

وقد كان من نتائج انتشار الحكم العسكري حدوث شرخ يتعسر إصلاحه في المسار الطبيعي للتطور الديمقراطي كما أن هذا الحكم العسكري قوّى التوجه القائم نحو “الواحدية السياسية”.. وحال دون نمو “التعددية الحقيقية” في الحياة السياسية والاجتماعية.. ولا يزال علينا أن ننتظر اكتمال مسار نمو النخبات السياسية المدنية التي تحاول استرداد مراكز المبادرة والتأثير في الحياة السياسية العربية من بقايا الأنظمة العسكرية التي تدثر أكثرها بشعارات أو بتنظيمات حزبية، يعلم القريب والبعيد أنها هي الأخرى ليست سوى منظمات شبحية تعبر عن إرادة فرد أو جماعة محدودة العدد وصلت في دفاعها عن مواقعها على قمة السلطة إلى طريق مسدود..

الثانية: أن انتشار الفكري الديني الشمولي ذي الطابع المحافظ، من شأنه أن يثير قلقًا إضافيًا حول مستقبل الديمقراطية في الوطن العربي.. وذلك لأسباب ثلاثة: الأول، أن الفكر الديني –بصفة عامة- فكر شديد الالتزام، قليل الاستعداد لقبول التعددية، وشديد الميل إلى التصنيفات الحدية، وسريع الانتقال من التكفير العقائدي إلى التكفير السياسي.. الثاني، أن التيارات الدينية الغالبة في وطننا العربي تمثل موجة غضب وخوف على الذات، أكثر من تمثيلها موجة انبعاث واعٍ وتنوير حضاري.. وفي إطار الغضب يصعب تصور “التسامح” بصفة عامة، كما يخشى من انتشار الطائفية واضطهاد الأقلية… الثالث، أن التجربة السياسية لأكثر ممثلي التيارات الدينية تجربة محدودة.. وأعضاء تلك التيارات يشتركون مع سائر المواطنين العرب في نقص التربية السياسية ونقص “الوعي” بالحرية كقيمة إنسانية أساسية، بغيرها تهدد عشرات من القيم المتوقفة عليها…

إن الأثر النهائي لانتشار المد الإسلامي، على مستقبل الديمقراطية رهن –فيما نرى- بمصير الصراع داخل التيار الديني بين الروافد المحافظة الغاضبة وغير العقلانية.. وبين الرافد الذي تلوح لنا بعض بشائره والذي يتمتع بإدراك عميق لجذرية المنهج العقلي في التصور الإسلامي.. وإدراك عميق أخير لجذرية “الحرية” كشرط للفضيلة وللمسؤولية.. وتلك قضية تحتاج –بدورها- إلى بحث مستقل، ولكنها -وهذا هو الأهم- تحتاج إلى جهد ثقافي وسياسي لترشيد مسار الوعي الديني المتعاظم.


* نُشر هذا البحث وتعقيب د. كمال أبو المجد عليه في: أزمة الديمقراطية في الوطن العربي، بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية، د. سعد الدين إبراهيم وآخرون، ط3، مايو 2002م، ص355- 370، 381- 388.

(1) في الولايات المتحدة على سبيل المثال غيَّر التطبيق العملي كثيرًا من الأوضاع والاختصاصات المبينة في نصوص الدستور الاتحادي، ولذلك وجدنا فقهيًا دستوريًا، مثل برنارد شوارتز، يضع كتابًا عن الدستور الأمريكي يقسمه إلى قسمين، يتحدث في أولهما عن النظام الدستوري كما يُستخلص من النصوص، ثم يتحدث في القسم الثاني في عدة فصول مقابلة لفصول القسم الأول عن التطورات الكثيرة التي طرأت في العمل على مدلول النصوص الدستورية.. وفي خصوص نظام رئاسة الجمهورية نرى باحثًا مثل هيغز (E.J.Hughes) ينشر عام 1972 مؤلفًا بعنوان: The Living Presidency، يستعرض فيه خصائص نظام الرئاسة كما تحددت في العمل.

(2) قارن هذا -على سبيل المثال المجرد- بما ذهبت إليه المحكمة العليا الأمريكية عام 1952 من رفض التسليم لرئيس الولايات المتحدة بحق تقرير استيلاء وزارة التجارة على مصانع الصلب وإدارتها في أعقاب إضراب عمالي واسع النطاق تقرر البدء فيه والدولة متورطة في الحرب الكورية.. إذ حاول الرئيس الاستناد إلى سلطته كقائد أعلى للقوات المسلحة، وإلى مجموع سلطاته الدستورية فرفضت المحكمة هذا المنطق مقررة في حكم شهير لها أن الدستور قد جعل الرئيس قائدًا أعلى للقوات المسلحة ولكنه لم يجعل منه قائدًا أعلى للأمة، وأنه إذا سمح للرئيس بممارسة مثل هذا الاختصاص بعيدًا عن رقابة المحاكم لأصبح الرئيس وليس الدستور هو القانون الأعلى للبلاد.

بحث الدكتور يحيى الجمل “أنظمة الحكم في الوطن العربي” رابط مباشر

تعقيب الدكتور أحمد كمال أبو المجد رابط مباشر

– عام 1963م وضع المجتمع الدولي 13 صكاً قانونياً لمنع الأعمال الإرهابية تحت إشراف الأمم المتحدة.

– التعريفات الدولية للإرهاب لم تحسم بشكل واضح إشكالية عدوان الدول وارتكابها جرائم “إرهابية” ضد المدنيين.

– تعريفات الإرهاب في الشريعة الإسلامية ربطته بالاعتداء على المقاصد الخمسة الكلية للشريعة.

– تعريف الإرهاب في الشريعة الإسلامية أدخلت فيه جرائم الدول ضد الأفراد الأبرياء.

– كلام ابن تيمية عن الإرهاب يصلح أن يكون منطلقاً لتوحيد مفهوم الإرهاب عالمياً.

– لحل إشكاليات مفهوم الإرهاب يجب الاتفاق على عناصر محددة لما يعد إرهاباً من عدمه.

أصبح الإرهاب –شئنا أم أبينا- اللفظ الأبرز والأشهر دولياً منذ عدة عقود، فلا يكاد يمر يوم دون أن تحدث عملية أو جريمة ما توصم بأنها إرهابية، وغالباً ما يتم الربط بينها وبين الإسلام تحديداً، والذي يجري تصديره على نطاق واسع على أنه دين “إرهابي” أو على الأقل سند للإرهابيين وعقيدة لهم!

والواقع أن الغرض من هذا المقال لن يكون مناقشة تلك الادعاءات التي ترى أن الإرهاب إسلامي بالضرورة، ولكنه سيحاول أن يبحث في مفهوم الإرهاب نفسه من منظور القانون الدولي، ثم يعرض هذا المفهوم على مرجعية الشريعة الإسلامية لنتلمس موقفها من ذلك المفهوم لفظاً ومضموناً؛ بهدف طرح بعض الأفكار التي قد تساعد على ضبط هذا المفهوم بما يساعد على الوعي بظاهرة الإرهاب وبسبل تحجيمها عالمياً على أسس واقعية غير متحيزة أو مسيسة.

مفهوم الإرهاب من منظور القانون الدولي:

ظهر مفهوم الإرهاب أول ما ظهر في ملحق الأكاديمية الفرنسية عام 1798م حين وصم بالإرهاب حكومة الثورة الفرنسية التي كانت ترهب الشعب، وبخاصة الملكيين، وكلمة Terreur الفرنسية أصلها لاتيني ومشتقة من الفعلين اللاتينيين: Tersere، وTerrere، ويعنيان: جعله يرتعب ويرتجف، والاسم لهما terror وTerroris، ومنهما جاء الاسم الفرنسي Terreur؛ ومعناه اللغوي: رعب وخوف شديد، اضطراب تحدثه في النفس صورة شر حاضر أو خطر قريب، وأول عملية وُصفت بالإرهابية في العصور الحديثة كانت محاولة اغتيال “نابليون بونابرت” عام 1800م (د. عبد الله بن بيه، الإرهاب: التشخيص والحلول، ص17).

وجاء أول تعريف لمفهوم الإرهاب على المستوى الدولي عام 1937م عبر عصبة الأمم، التي عرفته بأنه: “عمل إجرامي، يهدف إلى إثارة الرعب والخوف، موجَّه لأشخاص معينين أو لمجموعة من الأشخاص، أو للعموم”، بينما اقترحت الجمعية العامة للأمم المتحدة تعريفه بأنه: “كافة الأفعال الإجرامية ضد دولة من الدول التي من شأنها بحكم طبيعتها أو هدفها إثارة الرعب في نفوس شخصيات معينة أو جماعات من الأشخاص أو في نفوس العامة”، ثم عادت الجمعية عام 1999م وأطلقت مفهوم الإرهاب على الأعمال الإجرامية التي من شأنها إثارة الرعب في نفوس العامة أو مجموعة من الأشخاص لأغراض سياسية غير مبررة، تحت أي ظرف، ومهما كانت طبيعة الاعتبارات السياسية أو الفلسفية أو الأيدولوجية أو الراديكالية أو العرقية أو الدينية أو أي اعتبارات أخرى تستغل لتبريرها.

وبدءاً من عام 1963م، وضع المجتمع الدولي 13صكاً قانونياً لمنع الأعمال الإرهابية، أُعدت تحت إشراف منظمة الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة والوكالة الدولية للطاقة الذرية، تناولت فقط بعض الجرائم الإرهابية كالاعتداء على الطائرات والمطارات والموظفين الدوليين والرهائن.. وذلك دون أن تعتمد أياً من تلك الاتفاقات والبروتوكولات تعريفاً موحداً لمفهوم الإرهاب، وهو أمر نأمل أن تتداركه الأمم المتحدة في الاتفاقية الدولية الرابعة عشرة التي تتفاوض حولها حالياً الدول الأعضاء، والتي يراد لها أن تكون اتفاقية شاملة بشأن الإرهاب الدولي تكمل الإطار القائم الذي تمثله الصكوك الدولية المناهضة للإرهاب (انظر: الصكوك الدولية لمكافحة الإرهاب، تقرير منشور على موقع: الأمم المتحدة في مواجهة الإرهاب).

ولم تقتصر محاولات تعريف الإرهاب على المنظمات الدولية وحدها، بل امتدت إلى الاتحادات الإقليمية وإلى الدول في تشريعاتها الداخلية كذلك، فمثلاً عرَّف الاتحاد الأوروبي الإرهاب بأنه: “هو العمل الذي يؤدي لترويع المواطنين بشكل خطير، أو يسعى إلى زعزعة استقرار أو تقويض المؤسسات السياسية أو الدستورية أو الاقتصادية أو الاجتماعية لإحدى الدول، أو المنظمات، مثل الهجمات ضد حياة الأفراد أو الهجمات ضد السلامة الجسدية للأفراد، أو اختطاف واحتجاز الرهائن، أو إحداث أضرار كبيرة بالمؤسسات الحكومية، أو اختطاف الطائرات والسفن ووسائل النقل الأخرى، أو تصنيع أو حيازة المواد أو الأسلحة الكيماوية والبيولوجية، أو إدارة جماعة إرهابية، أو المشاركة في أنشطة جماعة إرهابية”.

كما عرفت الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب عام 1998م الإرهاب بأنه: “كل فعل من أفعال العنف أو التهديد به مهما كانت بواعثه وأغراضه، ويهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس أو ترويعهم أو إلحاق الأذى بهم، أو تعريض حياتهم للخطر، أو إلحاق الضرر بالبيئة أو بأحد المرافق أو الأملاك العامة أو الخاصة، أو احتلالها أو الاستيلاء عليها، أو تعريض أحد الموارد الوطنية للخطر”.

أما على مستوى الدول – منفردة – فلقد عرفت كل من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا – على سبيل المثال – الإرهاب بأنه: “الاستخدام المدروس للعنف، أو التهديد بالعنف لتحقيق أهداف سياسية أو دينية أو أيديولوجية في طبيعتها.. من خلال الترهيب والإكراه أو بث الخوف”.

وعلى هذا النحو جاءت الكثير من التعريفات الدولية للإرهاب، ومعظمها تركز على توافر عنصر التخويف وإثارة الرعب عبر التهديد بالعنف أو استخدامه بالفعل ضد أفراد أو مؤسسات أو دول.. لتحقيق أغراض أو أهداف معينة، بغض النظر على مدى شرعية تلك الأهداف من عدمه، فالتركيز الآن هو على السلوك الإجرامي بغض النظر عن الغاية منه، وهو ما أوجد لبساً بشأن ما تسمى بحركات التحرر الوطني، وقد يتصادم مع حق تقرير المصير الذي يستوجب أحياناً استخدام القوة المشروعة لأجل التحرير، ولمقاومة الاحتلال، وهو أمر حاولت المنظمات الدولية تداركه بالاعتراف بحق الشعوب في تقرير مصيرها، وباعتبار المساهمين في عمليات التحرير الوطني محاربين لا إرهابيين، إلا أنها لم تفلح تماماً في منع الخلط بين الإرهاب والمقاومة، وذلك نتيجة لضغوط من بعض الدول الكبرى التي تمثل الجانب المعتدي الذي تقاوم الدول الصغرى اعتداءاته.

ويلاحظ على التعريفات الدولية للإرهاب كذلك أنها لم تحسم بشكل واضح إشكالية عدوان الدول وارتكابها جرائم “إرهابية” ضد المدنيين الأبرياء، بصورة أفظع من تلك التي يرتكبها أفراد أو جماعات منظمة في غالب الأحيان، مثل ضرب مدينتي هيروشيما ونجازاكي بالسلاح النووي على سبيل المثال، وهو أمر بدوره يكشف مدى الخلل في التنظيم الدولي العالمي الذي يتحكم فيه الأقوياء في تحديد ما يعد إرهابياً وما لا يعد كذلك وفق مصالحها التي كثيراً ما تتناقض مع القانون الدولي نفسه، ناهيك عن أبسط القيم الإنسانية!

ولذلك كتب المفكر الأمريكي “نعوم تشومسكي” مقرراً – بحق – من أن مشكلة تعريف الإرهاب في أن كثيراً من الدول لا تبحث عن تعريف شامل للإرهاب، بل أقصى ما يشغلها هو التساؤل عن تعريف للإرهاب يستبعدها منه. (انظر كتابه بالمشاركة مع “جلبير الأشقر”: كيف تستبعد نفسك؟ السلطان الخطير- السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط، دار الساقي، ص11).

والحقيقة أن هذا الأمر الذي ذكره “تشومسكي” يحتاج إلى تفسير أعمق يتعلق بمفهوم الأخلاق نفسه في الفكر الغربي الذي ينبني على العقلانية، والتي تتحدد هي الأخرى في الحصول على المنفعة المادية وتحاشي الألم؛ مما أدى إلى نسبية وهلامية وسيولة أخلاقية تمنع كثيراً من الثبات على مبادئ وقيم محددة، باعتبار أن الإنسان كائن “هوائي” في حاجة دوماً إلى أن تحكمه مرجعية مفارقة ملزمة، وهو الأمر الذي توفره بالتأكيد الشريعة الإسلامية، مقاصد وقيم وأحكام، على ما سنرى حالاً بإيجاز. 

مفهوم الإرهاب في الشريعة الإسلامية:

الإرهاب لغة يرجع إلى لفظ رهبه رهباً ورهبة ورُهباً بمعنى: خافه، ويقال: أرهب فلاناً خوَّفه وفزَّعه، و”الإرهابيون” وصف يطلق على الذين يسلكون سبيل العنف والإرهاب لتحقيق أهدافهم السياسية (المعجم الوسيط، مادة “رهب”، وجاء لفظ الإرهاب في كثير من المعاجم العربية بالمعنى ذاته؛ أي: الإخافة والتفزيع).

وقد وردت مشتقات لفظ “الإرهاب” – لا اللفظ نفسه – في القرآن الكريم في اثني عشر موضعاً أكثرها يتعلق بالخوف والرهبة من الباري جلت قدرته، أو ردع المعتدين مثلما ورد في قوله تعالى: )وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ {60}) (الأنفال).

وأما اصطلاحاً فلم يرد لفظ الإرهاب بمعانيه المعاصرة التي أشرنا إليها من قبل، وإنما عبرت عنه مصطلحات أخرى حين تناولت جرائم مماثلة تماماً لتلك الموصومة بالإرهابية حالياً، بعضها يعاقب بالحدود المقررة شرعاً، وبعضها الآخر يعاقب تعزيراً، مثل جرائم الحرابة، والبغي، والإفساد في الأرض.. وغيرها من الجرائم التي تمت معالجتها بتوسع وتفصيل في كتب الفقه الإسلامي المختلفة، قديماً وحديثاً.

ولقد أدى شيوع مفهوم “الإرهاب” – على ما يبدو – إلى تبنيه من قبل العديد من المؤسسات الإسلامية، ومنها المجمع الفقهي الإسلامي الذي عرف الإرهاب – في دورة المجمع السادسة عشرة – بأنه: “عدوان يمارسه أفراد أو جماعات أو دول بغياً على الإنسان (دينه، ودمه، وعقله، وماله، وعرضه)، ويشمل صنوف التخويف والأذى، والتهديد والقتل بغير حق، وما يتصل بصور الحرابة وإخافة السبل، وقطع الطريق، وكل فعل من أفعال العنف أو التهديد، يقع تنفيذاً لمشروع إجرامي فردي أو جماعي، يهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس أو ترويعهم بإيذائهم، أو تعريض حياتهم أو حريتهم، أو أمنهم أو أحوالهم للخطر، ومن صنوفه إلحاق الضرر بالبيئة، أو بأحد المرافق والأملاك العامة أو الخاصة أو تعريض أحد الموارد الوطنية، أو الطبيعية للخطر، فكل هذا من صور الفساد في الأرض التي نهى الله سبحانه وتعالى عنها”.

كما عرّف مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر الشريف “الإرهاب” – في بيان له – بأنه: “ترويع الآمنين، وتدمير مصالحهم ومقومات حياتهم، والاعتداء على أموالهم وأعراضهم وحرياتهم وكرامتهم الإنسانية بغياً وإفساداً في الأرض”.

والمتأمل في هذين التعريفين يجد أنهما أقرا المعنى السلبي للفظ “الإرهاب” في اللغة العربية وهو “إثارة الفزع والترويع”، دون أن يقفا عند معناه الإيجابي “الردع”، وهو اختيار محمود باعتباره يراعي السياق والمقاصد والأدوات التي يستخدم في ظلها ذلك المفهوم، وإن كان الأولى بالطبع هو اعتماد لفظ آخر لا يثير اللبس في تحريمه؛ مثل الترويع.

ويحمد لهذين التعريفين كذلك تأكيدهما على كون الجرائم الإرهابية تمثل اعتداء على المقاصد الخمسة الكلية للشريعة الإسلامية (وهي: حفظ الدين والنفس والعقل والمال والعرض)، لما يؤدي إليه ذلك من استبعاد الأفعال التي لا تمثل عدواناً بل دفاعاً عن تلك المقاصد، مثل الجهاد ومقاومة الاحتلال على سبيل المثال.

كما أن التعريفين المذكورين استخدما ألفاظاً لا تدع مجالاً لاستثناء جرائم الدول في حق الأبرياء من الوقوع تحت مفهوم الإرهاب، بل نص التعريف الأول صراحة على ذلك، بينما ركز التعريف الثاني على السلوك الإرهابي نفسه؛ مما يعني ضمنياً التأكيد على إرهاب كل من يرتكب ذلك السلوك سواء كان دولة أو جماعة أو فرداً.

ويلاحظ أن التعريفين استخدما تعبيرين مختلفين عن محل الاعتداء الإرهابي المُجَرَّم، فالتعريف الأول جعل الإنسان (مطلق الإنسان) هو محل العدوان، بينما التعريف الثاني استخدم لفظ “الآمنين” تعبيراً عن هذا المحل، والواقع أنه لا يوجد فارق حقيقي بين الاتجاهين، باعتبار أن الفعل لن يُعدَّ إرهاباً إلا إذا مثل اعتداء غير مشروع على الإنسان الآمن، وهو مفهوم يقترب في معناه من لفظ “المدني البريء” الذي يحرم قانوناً ارتكاب العنف ضده أو التهديد به والتخويف منه، فضلاً عن أنه ينهى عما حرمه الإسلام تحريماً قاطعاً من استهداف “غير المقاتلين” سواء بقتلهم، أو بالتمثيل بهم، أو بالثأر منهم، أو بتخريب قراهم ومدنهم، أو قتل دوابهم، وقطع أشجارهم، أو غير ذلك من صور الاعتداء الأخرى.

يقول الإمام ابن تيمية: “وإذا كان أصل القتال المشروع هو الجهاد ومقصوده هو أن يكون الدين كله لله وأن تكون كلمة الله هي العليا؛ فمن منع هذا قوتل باتفاق المسلمين، وأما من لم يكن من أهل الممانعة والمقاتلة كالنساء والصبيان والراهب والشيخ الكبير والأعمى والزمن ونحوهم فلا يقتل عند جمهور العلماء إلا أن يقاتِل بقوله أو فعله، وإن كان بعضهم يرى إباحة قتل الجميع لمجرد الكفر إلا النساء والصبيان لكونهم مالاً للمسلمين والأول هو الصواب لأن القتال هو لمن يقاتلنا إذا أردنا إظهار دين الله” (السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، دار المعرفة، ج 1، ص 104-105).

وهو أمر يحتاج إلى التوقف عنده قليلاً باعتباره من الممكن أن يسهم في توحيد مفهوم الإرهاب عالمياً.

نحو مفهوم عالمي موحد للإرهاب:

رأينا مما سبق أن مفهوم الإرهاب يعاني من إشكاليات عدة، بل هو نفسه قد وقع ضحية للإرهاب، إرهاب المستغلين له لتحقيق مآرب سياسية ولو على حساب ضحايا العمليات الإرهابية من الأبرياء، الذين يجري الاعتداء عليهم بغير حق من دول وجماعات وأفراد كل منهم يتهم الآخر بالإرهاب!

كما لمسنا كيف تأثر مفهوم الإرهاب بالأزمة الأخلاقية التي يعاني منها العالم، والتي تمثلت في نسبية هذه الأخلاق وسيولتها بما يمكن منها من يتلاعبون بها وبقيمها لحسابهم، فباتوا يحجمون عن الاتفاق على مفهوم موحد للإرهاب خشية أن يقعوا تحت طائلته، فلم يميزوا حتى بين الدفاع عن الإنسان والاعتداء عليه، وانشغلوا فقط باستبعاد أنفسهم وحماية مواطنيهم من دون بقية الناس.

لأجل ذلك فإنه لم يعد هناك من سبيل لحل إشكاليات مفهوم الإرهاب إلا عبر الاتفاق على عناصر محددة لما يعد إرهاباً من عدمه، وأرى أن العنصر الرئيس دوماً أن يكون الاعتداء – فعلاً أو تهديداً – موجهاً إلى المدنيين الأبرياء (أي من غير أهل الممانعة والمقاتلة على حد تعبير الإمام ابن تيمية سالف الذكر) لتحقيق أهداف معينة، سواء كانت تلك الأهداف مشروعة أو غير مشروعة؛ فالاعتبار ينبغي أن يتوجه دوماً لحماية الإنسان وقيمه ومبادئه الأساسية، ومن ثم تحريم كل فعل يستهين به وبنفسه وعرضه وكرامته ومعتقده وماله وعقله، سواء كان الفاعل فرداً أو جماعة أو دولة، وهذا ما يدعو إليه الإسلام دوماً الذي حان الوقت للاعتراف الدولي لا ببراءته من الإرهاب، بل بأهمية ثوابته في الحماية من الإرهاب ومن الانحرافات الأخلاقية غير الإنسانية بصفة عامة، وخاصة تلك التي تفرق بين إنسان وآخر في الحقوق الأساسية التي تشمل الجميع.

 

نُشر في مجلة المجتمع الكويتية في العدد رقم (2110) لعام 2017

رابط المقال من الموقع الإلكتروني للمجلة

 

في الرابع من شهر نوفمبر عام 2014م عُقدت في الكويت ندوة عن الدكتور عبد الرزاق السنهوري “تراثه وفكره”، وقد تحدث خلال هذه الندوة الدكتور إبراهيم الدسوقي أبو الليل -أستاذ القانون المدني- عن مساهمات السنهوري فيما يتعلق بالقانون المدني، والدكتور يسري العصار -أستاذ القانون العام- والذي تحدث عن الشق الدستوري ومواد دستور ١٩٥٤م الذي شارك السنهوري في وضعه ولكنه لم ير النور، كما تناول أ. أسامة الشاهين فكرة عودة الخلافة الإسلامية التي طرحها السنهوري في بحثه للدكتوراه.

ومن أهم ما جاء في هذه الندوة:

  • وصنف المستشار طارق البشري الدكتور عبد الرزاق السنهوري أنه من بين أحد الزعماء الثلاثة؛ فسعد زغلول هو زعيم الاستقلال السياسي، وطلعت حرب هو زعيم الاستقلال الاقتصادي، وأما الدكتور السنهوري فهو زعيم الاستقلال التشريعي.
  • كان السنهوري معلمًا وفقيهًا وقاضيًا ومشرعًا وشاعرًا وأديبًا، فكان قيمة كبيرة وقامة عالية في الفقه والقانون معًا، فاستحق وبكل جدارة أعظم الألقاب؛ ألا وهو أبو القانونيين”.
  • تميزت حياة الدكتور السنهوري بالبذل والسخاء في العطاء ليس فقط في مرحلة تكوينه العلمي والفكري، وإنما أيضًا في مرحلتي عطائه التشريعي، وإنتاجه الفكري.
  • سرد سيرة ذاتية للدكتور عبد الرزاق السنهوري.
  • بنى السنهوري -من خلال رسالته للدكتوراه الأولى “الإصلاحية التي عرفت بـ (مواد البرنامج) التي تتضمن رؤيته في الإصلاح، ورسالته عن “فقه الخلافة وتطورها لتصبح هيئة أمم شرقية”- أركان وآليات الوحدة الإسلامية، تلك الأركان والآليات التي أخذ بها الفقه الغربي وطبقها سواء من حيث وحدة العملة التي أصبحت اليورو، أو من حيث إلغاء الحدود وتم ذلك عن طريق اتفاقية شنجن، أو عن طريق المجلس الأوروبي وأيضًا المحكمة الأوروبية التي توازي ديوان المظالم في الفقه الإسلامي، وكذلك البنك المركزي الأوروبي، والذي يقابل بيت المال الإسلامي، والدستور الأوروبي الذي يُقابل ميثاق العهد الإسلامي.
  • جمع السنهوري بين أكثر من فرع من فروع القانون.
  • لقد كان للسنهوري دورًا بارزًا في إبراز دور الشريعة الإسلامية.
  • قال عنه الفقيه الكبير لامبير -مشرف السنهوري على رسالته الأولى للحصول على الدكتوراه-: “الشريعة الإسلامية تستطيع أن تسكب النور على الفقه المقارن فيما لو توفر رجالٌ كأمثال السنهوري”.
  • كان السنهوري إمامًا في الفقه الإسلامي وعالمًا في الفقه القانوني.
  • رفض الدكتور السنهوري أخذ أي مقابل مادي مقابل إعداد مشروع القانون المدني المصري على الرغم من أن هذا العمل امتد لمدة لا تقل عن 12 سنة.
  • لقد كان للدكتور السنهوري فكر مميز في القانون الدستوري والقانون الإداري.
  • للدكتور السنهوري مقالة هامة ومحورية في القانون العام بعنوان: “الانحراف في استعمال السلطة التشريعية”.

وأخيرًا فقد تضمنت الندوة الإجابة على العديد من تساؤلات السادة الحضور.

رابط مباشر للندوة على قناتنا: حوارات الشريعة والقانون

من معالم مرحلة التطور الفكري والثقافي التي يمر بها العالم في جيلنا هذا، أن المفكرين والمحللين السياسيين والاجتماعيين صاروا يتحدثون عن المستقبل أكثر مما يتحدثون عن الحاضر، وأن الخيال الثقافي، إذا صح هذا التعبير، قد صار أداة معترفا بها للبحث والاستشراف إلى جانب البيانات والمعلومات والأرقام. ولا يحتاج تفسير هذه الظاهرة بشقيها في تقديرنا إلى بحث طويل.

الاهتمام المتزايد بدراسات المستقبل يرجع إلى السرعة النسبية المتزايدة التي تتم بها التطورات السياسية والاجتماعية، وهي سرعة تتزايد معدلاتها عاما بعد عام بسبب الآثار المتراكمة للثورة الصناعية في ميدان الانتقال وميدان الاتصال بصفة خاصة، وفي سائر ميادين الثورة العلمية بصفة عامة، ذلك أن محصلة هذا التراكم أن الانتقال من حالة اجتماعية وسياسية إلى حالة أخرى، صار يتم ويتكون في فترات زمنية بالغة القصر إذا قيست بما كان عليه الحال منذ قرن أو قرنين من الزمان.

ومعنى هذا كله أن المستقبل قد صار يقتحم على الحاضر أبوابه، وأننا نعيش حالة يمكن أن نطلق عليها الوصف الذي أطلقه الحديث النبوي الشريف، وهو وصف “تقارب الزمان” في إشارة واضحة إلى سرعة تعاقب مراحل التطور وما تحمله كل مرحلة منها من ظواهر وأحداث.

الخيال العلمي وتطور البشرية

أما الاعتراف بدور الخيال في رسم صورة المستقبل، فمرجعه أن تحرك عناصر الواقع نحو المستقبل لا تحكمه معايير محددة يمكن رصدها على نحو دقيق أشبه بما يجري في عالم الطبيعة وعلومها، إذ يبقى السلوك الإنساني دائما ثغرة واسعة في جدار المنطق الصارم الذي يحكم الظواهر الطبيعية والقوانين التي تضبط حركتها وعلاقاتها. ولذلك يحتاج الباحث إلى تصورات ورؤى يجري بها تقدير حركة الظواهر الاجتماعية في امتدادها عبر الزمن نحو المستقبل القريب والبعيد. وإذا كان الخيال العلمي قد لعب دورا مقربا ومعروفا في تطور العلوم واكتشاف القوانين الطبيعية، فإن الخيال الثقافي يستطيع بدوره أن يلعب دورا نافغا في استشراف صور الحياة الاجتماعية والعلاقات السائدة فيها في المستقبل القريب والبعيد. وجدير بنا- نحن العرب- أن نستقبل هذا الاهتمام المتزايد بدراسات المستقبل، استقبال المرحب لا استقبال المتوجس المرتاب، فنحن أمة طال انكفاؤها على الماضي وانحصارها في تجاربه، واستغرافها في أجوائه، حتى حال بنا ذلك كله- في أحيان كثيرة- دون التجاوب مع متطلبات الحاضر أو الاستعداد لمواجهة تحديات المستقبل القريب.

ونقطة البدء في كل دراسات المستقبل، سواء اعتمدت تلك الدراسة على المنهج العقلي الصارم، أو اعتمدت على شيء من الخيال، هي رصد عناصر الواقع وفهمها وتحديد اتجاه حركتها.

وفرق هائل في منهج هذا الرصد بين عين المؤرخ وعين التاريخ، فمان عين المؤرخ تحصر فيها أحيائا في رؤية بعض الظواهر دون بعضها الآخر. كما أنهم بحكم الطبيعة الإنسانية لأشخاص المؤرخين عين منحازة تمنح بعض الظواهر والحوادث أحجاما وأوزانا وتأثيرات أكبر أو أصغر مما تستحق مما ينتقص من موضوعية الرصد والدقة، ويؤدي بالضرورة إلى درجات متفاوتة من أخطاء التقدير تترتب عليها أخطاء مماثلة في تحديد النتائج المتوقعة.

ودون دخول في تفاصيل عديدة تتعلق برصد الظواهر الكبرى التي شهدها ويشهدها هذا العقد من الزمان، فإننا نسجل الظواهر التالية:

1- سقوط عدد من الأنظمة السياسية والاقتصادية في الاتحاد السوفييتي وشرق أوربا، وتحول دول عديدة في تلك المنطقة من الشمولية السياسية إلى التعددية والديمقراطية بصورها الغربية. وتحول الدول ذاتها من النظام الاقتصادي القائم على التخطيط المركزي الصارم وعلى هيمنة الدولة على الإنتاج والنشاط الاقتصادي إلى نظام الحرية الاقتصادية القائم على آليات السوق.

2- انتهاء الحرب الباردة بين الدولتين الكبريين، وانتهاء الاستقطاب الأيديولوجي والسياسي والعسكري الذي ساد العالم خلال نصف القرن الماضي بين معسكر اشتراكي يقوده الاتحاد السوفييتي ومعسكر رأسمالي تقوده الولايات المتحدة، مما بدا معه أن العالم يتجه إلى صورة من صور الواحدية في النظام الدولي، وبدا معه لآخرين أن العالم- فوق ذلك- يتجه إلى صورة من صور الواحدية في النظام السياسي والاقتصادي الداخلي للدول المختلفة، هي صورة الحرية السياسية والاقتصادية المطبقة في الغرب، وفي هذا الإطار جرى حديث البعض عما سموه “نهاية التاريخ”.

3- بداية تشكيل نظام عالمي جديد، تجمعت فيه أوربا كوحدة اقتصادية مترابطة في مقابل الكتلة الاقتصادية المكونة من الولايات المتحدة وكندا، والكتلة الآسيوية التي تمثلها اليابان، وعدد من الدول الآسيوية الأخرى مثل تايوان وكوريا وسنغافورة.

حول دور العرب في النظام العالمى الجديد

وكان طبيعيا أن نتساءل- نحن العرب والمسلمين- عن مكاننا في هذا العالم الجديد، خصوصا وقد صاحبت عملية الزلزال العالمي ظواهر عديدة تتصل بنا. وبدا واضحا أننا بفكرنا وثقافتنا وشعوبنا وكل ما نمثله قد صرنا جزءا أساسيا من أجزاء الصورة التي يعدها أقطاب النظام الدولي الجديد للمستقبل القريب للعالم. لهذا لم يعد جائزا ولا مقبولا أن نواصل مسيرة الإنكفاء على الماضي، وأن نترك مآلنا في المستقبل القريب والبعيد بين يدي الغير، يقررون أمره ويخططون له. ونبدأ عرض تصورنا لدور العرب والمسلمين في النظام العالمي في مستقبله القريب برصد الظواهر وتقرير الحقائق التالية:

1 – أن هناك موجة تدين عام تجتاح العالمين العربي والإسلامي، تتمثل في الحرص على مزيد من الاستقلال الثقافي والسياسي، وفي إقامة أنظمة اجتماعية واقتصادية مستمدة من عقيدة الإسلام وثقافة الإسلام ومن شريعته. وهذه الموجة تمر حاليا بمرحلة مخاض طويل وصعب، يجري خلالها فرز الظواهر وتحديدها تمييزا بين ظواهر التطرف والراديكالية الناتجة عن الإحباط والرغبة في الثأر من هزائم حضارية قديمة وحديثة، وظواهر التألق الروحي والثقافي التي تعبر عن رغبة واعية في تثبيت قيم الثقافة الذاتية الخاصة. وفي أداء دور عالمي نابع من تلك القيم متواصل على نحو صحي وإيجابي مع سائر الأمم والشعوب.

2 – أن هناك حملة حقيقية وإسعة النطاق ومدبرة بإحكام واضح جوهرها تشويه صورة الإسلام والمسلمين في نظر العالم، وتحريض الحكومات العربية والإسلامية على مطاردة كل الحركات الثقافية والسياسية التي تتطلع إلى بناء نهضة الشعوب العربية والإسلامية على أساس من الإسلام ومبادئه وشرائعه. وقد حققت هذه الحملة جانتا كبيرًا من أهدافها حتى أستقر في أذهان مئات المتخصصين في الدراسات السياسية والاجتماعية أن الإسلام دين يحارب التقدم والنهضة، ويحجر على حقوق الأفراد والشعوب، ولا يهتم بحرياتهم، ويرفض كل صور المشاركة الشعبية في الحكم. وأنه فوق ذلك يقف موقفا عدائيا صارما من أبناء الأديان والعقائد الأخرى. كل استقر في وجدان الملايين أن الشعوب المسلمة غريبة على مسار التطور الإنساني المعاصر، وعلى القيم المشتركة بين الشعوب المعاصرة، وفي مقدمتها قيمة الإيمان بحتمية التعددية الثقافية والسياسية، والتوجه نحو الاعتماد المتبادل بدلا من نفي الآخرين والسعي إلى القضاء عليهم. كما توصلت هذه الحملة إلى ربط كثير من الناس- بحسن نية- بين الإسلام كعقيدة ونظام حياة، وبين التعصب والإرهاب واستخدام العنف تجاه الآخرين. وتوصلت في النهاية إلى اقتناع عدد كبير من أنظمة الحكم القائمة في العالمين العربي والإسلامي بأن التيار الإسلامي بكل روافده يمثل خطرا حقيقيا عليها كأنظمة، كما يمثل خطرا داهما على الأمن والاستقرار وعلى فرص التقدم الحقيقي في الميادين العلمية والاجتماعية والاقتصادية.

والحضارة الغربية أيضا في مهب الريح

ولقد ساهم في تشويه صورة العرب والمسلمين لدى الشعوب المعاصرة أن سلوك عدد غير قليل من أنظمة الحكم في الدول العربية والإسلامية، قد أعطى الحريصين على تشويه تلك الصورة فرصة ثمينة للتدليل على مطاعنهم واتهاماتهم. فإلى جانب الفردية والمزاجية المطلقة في اتخاذ القرارات ورسم السياسات، هناك العديد من التصرفات الملتوية التي يتعذر معها التفاهم والتعامل مع تلك الأنظمة. وهناك الفجوة الهائلة بين الكلمة والفعل، وبين الشعارات المعلنة والسلوك اليومي في الأمور الداخلية والخارجية على السواء. وهناك التذبذب الهائل في المواقف والقفز من النقيض إلى النقيض. كل ذلك ساهم في تثبيت الصورة التي أريد رسمها للعربي والمسلم، وهي صورة سهلت لكثير من الدول الأوربية اتخاذ مواقف عملية ضد العرب والمسلمين، كما ساعدت على نمو موجة كراهة العرب والمسلمين، والرغبة في التخلص من أكبر عدد منهم وإجلائهم عن الاراضي الأوربية، وحرمانهم من كثير من الحقوق. غير أن المستقبل لا تصنعه الأمور العارضة، والتاريخ لا تتحكم فيه أهواء الأفراد والجماعات، فإلى جوار ما تقدم جميعه تظهر حقيقة كبرى لا يجوز الغفلة عنها، وهي أن الحضارة الغربية التي يتصور البعض أنها ورثت الدنيا وانفردت بقيادتها تواجه- من داخلها- أزمات كبيرة- وفي تقديرنا أن انهيار النظم السياسية والاقتصادية لدول أوربا الشرقية والاتحاد السوفييتي لا يعني بالضرورة انتصار الحضارة الغربية ونظمها السياسية والاقتصادية. ولا نريد هنا أن نطيل الحديث في تقييم مسيرة الحضارة الغربية، أو أن نكرر المقولات التي قدمها منذ أكثر من نصف قرن المؤرخ والفيلسوف الألماني “أزوالد شبنجلر” عن انحلال الغرب، وإنما نسجل ظاهرة مركزية معاصرة متعلقة بهذه الحضارة، وهي أنها نتيجة الأسس لفلسفة النظام الاقتصادي الذي تقوم عليه قد تحولت تدريجيا إلى حضارة شيئية استهلاكية يتحكم من خلالها المنتجون في حياة الناس من خلال تحويلهم شيئا فشيئا إلى مجرد مستهلكين للسلع والمنتجات، وقد كان من بين ذلك أمور ثلاثة:

1 – استمرار تعاظم الفجوة بين الأغنياء والفقراء على مستوى العالم كله.

2 – وجود أزمة حادة في العلاقات الإنسانية داخل الأسرة وعلى مستوى العلاقات الثنائية والجماعية سادت النرجسية وعبادة الذات وفترت جميع الروابط التي تنشى علاقات عاطفية بين الأفراد مما أدى إلى انتشار الجريمة والعنف والزيادة الهائلة في تنظيم العلاقات عن طريق الخصومات القضائية.

3- التهديد غير المسبوق للبيئة نتيجة اندفاع الناس إلى إقامة المصانع وتبديد الثروات الطبيعية، وقلة الاحتفال بالمحافظة على البيئة رعاية للأجيال المقبلة.

ووسط هذا الجو الخانق المشبع بالحيرة والقلق والخوف من المستقبل المجهول، تحتاج البشرية وهي على أعتاب عصر جديد ونظام جديد للعلاقات بين الشعوب، إلى بنية تحتية من القيم والمبادئ يقوم على أساسها هذا النظام. وهنا يبرز الإسلام أساسا صالحا ونبعا فياضا لهذه القيم والمبادئ التي تقيم للعلاقات الإنسانية منهجا قائما على تكريم الإنسان وتقديس حرمة دمه وعرضه وماله، وقائما كذلك على مبدأ المساواة المطلقة بين الناس والشعوب، وقائما في النهاية على إشاعة الود والرحمة والتكافل والسلام، تحيط بذلك كله نظرة إنسانية شاملة تضع العناصر المادية في حياة الإنسان موضعها الصحيح إلى جوار حاجاته المعنوية والروحية، كما تضع قضية العدل الاجتماعي موضعها الرفيع داخل إطارا تصور شامل لأساسيات العلاقات الإنسانية داخل الجماعة، وأساسيات العلاقات بين الدول والشعوب.

ضمانات النجاح للدور الحضاري

ويبقى أن أداء المسلمين والعرب لهذا الدور الحضاري الذي تشتد الحاجة إليه عند هذا المنعطف التاريخي من حياة البشرية مرهون بأمرين، يحتاجان إلى رعاية وإلى عمل دءوب: – تأملات و.. مستقبل العالم، ومكاننا فيه

الأمر الأول: العمل بكل سبيل على وقف موجة المعاداة للإسلام والمسلمين، وهو عمل ينبغي أن يبدأ بتوقف الأنظمة الحاكمة في الدول العربية والإسلامية عن مسايرة هذه الحملة الظالمة، ومراجعة المحرضين عليها والمطالبين بها. كما يبدأ بحملة مضادة واعية مبصرة يقودها أصحاب الرأي الرشيد والكلمة المسموعة من المثقفين ورجال السياسة، تدعو إلى نوع من الوفاق الثقافي، وإلى قبول التعددية الثقافية، ووقف حملات الإبادة والتصفية الموجهة للثقافة العربية والإسلامية، ولأصحاب تلك الثقافة.

الأمر الثاني: محاربة العزلة التي يعيش فيها كثيرون من أهل الفكر ومن الدعاة في عالمنا العربي والإسلامي، وهي عزلة تيسر سبيل تشويه صورة العرب والمسلمين، كما تحول دون أدائهم لدورهم الحضاري الذي يتطلعون إلى أدائه، وتخلق ألوانا من القطيعة وسوء الفهم وسوء الظن المتبادل، وتحرم المسلمين والعرب من أن يكون لهم مكان كريم في ساحة العمل لإقامة نظام عالمي جديد.

إن العرب والمسلمين مطالبون بيقظة عاجلة يتوقفون فيها عن اجترار المشاكل القديمة الموروثة، كما يتوقفون فيها عن الاكتفاء بقذف الآخرين بسهام النقد والاتهام والإدانة، ويبدأون مسيرة تواصل ومودة مع الدنيا كلها، يكسبون بها أنصاره وأعوانا داخل بلادهم أولأ، وعلى امتداد ساحة الفكر والثقافة العالمية ثانيا، ويفتحون بها أبواب العقول والقلوب لتستمع إليهم وتطمئن إلى مودتهم، ولتتعرف من جديد إلى ما يمكن أن يقدمه المسلمون من خير للدنيا المعاصرة، وهي تتطلع إلى مسيرة نهضوية جديدة، تحقق للإنسان قدر، أكبر من السلام مع نفسه، ومع بيئته ومع الدنيا كلها.

مقال منشور في مجلة العربي العدد رقم (405)

يقول الدكتور عبد الحميد متولي في مقدمة دراسته معرفًا بالمنهج العلمي الذي سيسلكه:

“نجد الكثيرين من المؤلفين حين يتصدون لدراسة النظام السياسي (أو نظام الحكم) في الإسلام، لا يمهدون لتلك الدراسة بأن يبحثوا أولًا المباديء الدستورية في الشريعة الإسلامية، كما نجد الذين يتصدون منهم لدراسة هذه المباديء لا يمهدون لدراستها بالبحث أولًا عن مصادر هذه المباديء في الشريعة، أي عن “أدلة الأحكام الشرعية” كما يُطلق عليها عادة لدى الكثير من علماء الشريعة.

إن دراسة هذه المصادر -فيما أعتقد- يجب أن تكون نقطة البداية لكل بحث علمي جدي بصدد النظام السياسي الإسلامي أو بصدد المباديء الدستورية في الشريعة الإسلامية:

أولًا: لأن كثيرًا من أوجه الخلاف بين الباحثين بصدد ذلك النظام أو هذه المباديء إنما يرجع كنهها في الواقع إلى أنهم يختلفون -من حيث هم أحيانًا لا يشعرون- حول مصادر أحكام تلك المباديء الدستورية، كما أن هذا الخلاف في جوهره وفي الواقع من أمره إنما يرجع إلى أنهم لم يعنوا بأمر الدراسة العلمية الجدية لتلك المصادر، ولو أنهم عنوا بأمرها لزال الكثير من وجوه الخلاف، ولربما نجا العالم الإسلامي كذلك من غير القليل من الفتن والحروب التي أثارتها تلك الخلافات الدستورية.

ثانيًا: لأن الشريعة الإسلامية وإن كانت تمتاز على غيرها من الشرائع بأن مصادرها قد عُني ببحثها علماؤها قبل غيرهم من علماء الشرائع الأخرى، فجعلوا لها علمًا مستقلًا هو علم أصول الفقه، إلا أننا نجد رغم ذلك أنهم إنما عنوا ببحث مصادر الشريعة أو “أدلة الأحكام” بوجه عام، دون أن يعنوا ببحث مصادر كل فرع من فروعها كما هو شأن القانون الوضعي في العصر الحديث”.

ينقسم الكتاب بعد المقدمة المنهجية إلى أربعة مباحث:

الأول: خصائص الشريعة الإسلامية.
الثاني: مصادر الشريعة كما بينها الأصوليون من علماؤها.
الثالث: القانون الروماني ومصادر الشريعة الإسلامية.
الرابع: مصادر الأحكام الدستورية في الشريعة الإسلامية.

رابط مباشر لتحميل الكتاب

ورقة بحثية للمستشار طارق البشري رحمه الله، نُشرت في العدد رقم (151) من مجلة المسلم المعاصر.

النص الكامل للدراسة:

موضوع المقاصد هو موضوع المصالح الكلية المطلوب تحقيقها أو مراعاتها، والمقصد هنا كما هو معروف هو ما شُرِع الحكم التشريعي لأجله وهو ما يتغياه الشارع من غايات، وعلم المقاصد كما يظهر هو الوقوف على المعاني والحكم الملحوظة من الشارع في التشريعات بعامة، كلها أو الغالب منها.

وتدرك المقاصد كما هو معروف، إما بتصريح من الشارع في نص من النصوص، أو بإدراك العلة لحكم من الأحكام المعنية، كما تدرك باستخلاص الحكم من التشريعات وصولاً إلى المعاني العامة لها، والغالب هو التوسل إلى درك المقاصد من خلال منهج الاستقراء، والاستقراء منهج علمي يبلغ من الدقة والإحكام أنه هو وسيلة البشر والعلماء منهم لإدراك قوانين الطبيعة في الفيزياء والكيمياء ونحوهما، وهو يتعلق بتتبع الجزئيات والفروع في الظواهر لإدراك أمر كلي يصدق على جميع الكليات أو أغلبها.

وثمة فارق يبدو بين العلل والمقاصد في التعامل مع الأحكام التشريعية، وهو فارق يتعين مراعاته، لأن العلة في اصطلاح أهل الفقه وأصوله هي الأمر الظاهر المنضبط الذي يدور معه الحكم وجودًا وعدمًا، ولذلك وبموجب ظهورها وانضباطها تفيد تعدية الحكم في الحالة المنصوص عليها إلى غيرها مما لم يرد نص بشأنها، وذلك إن توافرت العلة في هذه الحالة الأخيرة، بينما المقاصد تدرك من الحِكَم والغايات والمصالح الكلية مما لا يبلغ مبلغ العلل في درجة الظهور والانضباط، لأنها تفيد نظرًا شموليًا للنصوص، ونحن نهتدي بقاعدة أن العام ظني الدلالة في عمومه والخاص قطعي الدلالة في خصوصه، ومن ثم فإن عمومية المقاصد تجعلها من المرجحات عند الاختلاف بين ما يحتمل النص من الآراء المتعددة، وهي من المرشدات في تبين مدى الملاءمة في درك النوازل لإنـزال الحكم المنصوص عليه في كل حالة بعينها.

والمقاصد تربط بين الأحكام الشرعية وبين الأهداف الاجتماعية في تنـزيل الأحكام على الواقعات المعاصرة، ومن هنا نلحظ أن المقاصد مثلاً، فيما يتعلق بنظم الحكم، تشكل الآصرة التي تصل علم السياسة بهذه الأحكام، وهي فيما يتعلق بنظم الإدارة تشكل الآصرة التي تصل بين الأحكام التشريعية وبين علوم الإدارة، وفيما يتصل بأحكام المعاملات بين البشر فإن المقاصد تشكل الآصرة لها مع علوم الأخلاق والمجتمع.

وكل ذلك يجري في إطار الترجيحات بين الآراء والمعاني التي تحتملها نصوص التشريع وتفيد التنوع في استخلاص الدلالات من الأحكام، كما أنه يجري أيضًا في إطار إدراك الوصف الشرعي للنوازل التي يراد أو ينظر في إيقاع حكم التشريع عليها، كما أن المقاصد تجد مجالها الفسيح في مجال السياسات الشرعية، حيث لا جزم بأمر من الشارع ولا نهي، فتقرر السياسات من ولي الأمر بما يصلح شأن الناس، وكذلك في مجال تقييد المباحات حثًا عليها أو تكبيلاً، مراعاة للصوالح والغايات المستحدثة.

وإن للمقاصد دور بديع في وصل الأحكام الشرعية بعضها ببعض، وإخراج كل حكم منها من ضيق النظر المحدود والصالح الذاتي والتناثر الجزئي، إخراجه من ذلك الحيز المحدود إلى فسيح النظر العام للقيم والمبادئ والأصول التي تعطي المعاني السامية لسائر الأنشطة الجزئية والتفصيلية، وتضفي على هذه الأنشطة من معنى الرسالية السامية، وتنقلها من جفاف التصرفات الصماء إلى رغد النظر الإيماني، بالحق والعدل والصالح العام.

ثمة العديد من النقاط التي يتعين الإشارة إليها، من جوانب البحث المتعددة فيما تجب الإشارة إليه، وعندما يكون موضوع الحديث هو المقاصد ويتعلق بالجماعة الوطنية، فإن ذلك يقترب بالأمر كله من علوم السياسة والمجتمع، مما يتوجب معه إيضاح هذا المجال وبيان ماهية الجماعة الوطنية المقصودة بالنظر. كما أن النظر في المقاصد بشأنها يستدعي النظر فيما تبني عليه المقاصد من أفكار تمليها النصوص. وبحسبان أن “الجماعة الوطنية” مفهوم سياسي، فالأمر يستدعي بحث الممارسات التاريخية التي تتعلق بهذا الجانب من حيث الدلالة الفكرية، وكذلك مكونات الجماعة الوطنية في صورتها المعاصرة وموقف الأحكام التشريعية منها.

(2)

الجماعة الوطنية هي: الجماعة السياسية، وأقصد بها هذه المجموعة من البشر التي تتحدد وفقًا لتصنيف معين يقوم على وصف فعّال يصدق عليهم ويميزهم عن غيرهم من المجموعات البشرية، وذلك متى كانت الأوضاع التاريخية قد رشحت الجماعة المصنفة بهذا الوصف بأن تقوم بوظيفة محددة لحماية صالحها المشترك بعيد المدى.

فثمة وصف يلحق بالجماعة ويميزها عن غيرها، وثمة وظيفة تؤديها الجماعة المتميزة بهذا الوصف، وإن البشر يجمع بينهم العديد من الأوصاف تمتاز بها جماعاتهم، وهي أوصاف تشكل معايير للتصنيف، بعضها يكون عامًا وبعضها خاص، وبعضها يكون حيويًا لوجود الجماعة وبعضها أقل حيوية، وبعضها أدوم في استمراره الزماني وبعضها أوقت نسبيًا.

والجماعة تشكُّل تاريخي تنشأ وتقوم عبر مراحل تاريخية متميزة، وهي باعتبارها تشكّل تاريخي تقوم بالأوصاف التي تتميز بدرجة عالية من العموم والدوام، فتشمل في عمومها مجموعات واسعة من البشر، وتمتد في دوامها إلى ما يجاوز حياة الجيل الواحد والأجيال المعدودة، وتحسب آثارها لا بالآحاد المعدودة من الأفراد ولا بما تحيط به أعمار الرجال.

ولم تتفتق التجارب التاريخية للبشر في هذا الشأن، إلا على أوصاف معدودة تولِّد هذه الدرجات العالية من العموم والدوام، وهي علاقات النسب أولاً التي تشكلت بها القبائل، ثم ما جاوز ذلك من عامل اللغة والدين، وكل ذلك في إطار من التجاوز الجغرافي الذي يمكن من التعامل المستمر، وفي إطار من الامتداد التاريخي الذي تنشأ به الأنا المشتركة.

تتجمع هذه الأوصاف في الأفراد، وتتداخل دوائر الانتماء إليها بين الجماعات، ثم يكون على أحداث التاريخ ما يرجح وصفًا على وصف في تشكل الجماعة، فيصير هو الوصف الحاكم لغيره الذي تتكون به الجماعة السياسية.

أن المجتمع، أي مجتمع، يتكون من وحدات انتماء أو دوائر انتماء لا حصر لها، وهي تتنوع من حيث معيار التصنيف الذي جمع الأفراد في كل منها، فيكون أساسها الدين أو المذهب أو الطريقة الصوفية أو الملة أو المشرب الثقافي أو الطائفة، أو يكون أساسها اللغة أو اللهجة أو نوع التعليم أو المهنة أو الحرفة، أو يكون أساسها معيار العمل الوظيفي لجيش أو لجامعة أو غيرهما، أو يكون أساسها الإقليم أو الحي أو القرية أو الجهة، أو يكون أساسها النسب لقبيلة أو عشيرة أو أسرة.

وبسبب تنوع معيار التصنيف فهي تعتبر وحدات انتماء جامعة، ولكنها ليست بالضرورة وحدات مانعة، بمعنى أن المندرج في إحداها لا يندرج طبعًا في غيرها من جنسها، ولكنه يندرج في غيرها من غير جنسها لاختلاف معيار التصنيف الذي ميز كلاً منها عن الأخريات، ومن ثم فهي وحدات أو دوائر متداخلة ومتشابكة، وتشكل ملفات غير منفصلة.

وهذه الوحدات أو الدوائر ليست متداخلة فقط، ولكنها متغيرة ومتحركة بين بعضها البعض، كشأن كل الظواهر الاجتماعية، فهي ليست ثابتة الحدود على الدوام، وإن منها ما يضمر أو يضيق، ومنها ما ينمو أو يتسع، ومنها ما تضعف قوته الجاذبة. كما تختلف وتتنوع العلاقات بين بعضها البعض، بما تزكيه أوضاع المجتمع وظروف التاريخ وما يطرأ من أحداث. ولكن يبقى من كل هذه معايير التصنيف الذي تقوم به الجماعات السياسية – حسبما تكشف الخبرة التاريخية – يبقى عامل الدين والمعتقد الذي قامت جماعات سياسية دينية من المسيحية والإسلام إلى الماركسية، ويبقى عامل اللغة الذي قامت به جماعات سياسية قومية، وكذلك عامل النسب الذي قامت به قديمًا المجتمعات القبلية.

هذا عن الجماعة السياسية، والأصل تاريخيًا أن تقوم الدولة على أساس جماعة سياسية متبلورة ومحددة، وذلك لأن الدول هي التكوين المؤسسي الوظيفي الذي يدير شئون الجماعة، فيكون حارسًا لأمنها في مواجهة مخاطر الخارج عليها، ويكون حاميًا لعلاقات التوازن بين القوى والجماعات الفرعية التي تشملها الجماعة السياسية، ويكون مشرفًا على أنشطتها الأخرى، ولكن هذا الأصل العام قد نجد الكثير من الأمثلة التاريخية التي تنتقص منه بفعل غوائل الصراعات، اعتداءً واستعمارًا وإخضاعًا.

(3)

المواطنة: في ظني، هي صفة للفرد الذي ينتمي لجماعة سياسية معينة تكون قد قامت على أساسها الدولة، أي هي الصفة التي تتعلق بالفرد بما توافر فيه من وصف سياسي قامت الدولة على أساسه. إن الدولة بموجب حاكميتها للجماعة السياسية وإدارتها لشئونها العامة تكون ذات سطوة عليها، وبهذا الأداء يظهر في المقابل وصف المواطنة، بحسبانه وصفًا سياسيًا يتحدد به الطرف الآخر في العلاقة داخل الجماعة. وفي الفكر السياسي القديم كان الطرف الآخر في العلاقة مع الدولة هم الرعية بحسبان ما يتعلق بواجب الدولة في رعاية شأنهم، ثم تطورت العلاقة النظرية بين الدولة الحاكمة وبين المحكومين إلى ضرورة أن يكون المحكومون مشاركين في الحكم بأسلوب تنظيمي ما، مثل الانتخابات ووجوه الرقابة المتعددة وتداول السلطة، فصار المحكوم الطرف الآخر في العلاقة مع الدولة الحاكمة هو المواطن، وظهر مفهوم المواطنة بحسبانه وصفًا يشير إلى المحكوم المشارك في الحكم ويعتمد أساسًا على كونه أصل الجماعة السياسية، المعرَّفة باسم “الوطن”.

ومن هنا يتعين القول بأن وصف المواطنة، باعتباره وصفًا بالطرف الآخر في العلاقة مع الدولة، هذا الوصف يتعين أن يصدق على كل من تشملهم الدولة بحاكميتها ويخضعون لولايتها. والمعيار هنا لا يتعلق فقط بالوصف الذي قامت به الجماعة السياسية وتميزت عن غيرها، ولكنه يتعلق بالنطاق الذي قامت على أساسه الدول وأخضعته لحكومتها، ذلك لأن صور اشتمال سلطة الدولة على جماعات سياسية تضم أقليات بها، هي صور متحققة في الواقع وتسفر عنها الحقيقة التاريخية في العديد من العلاقات من الحالات الماضية والحاضرة.

ومن ثم يتعين الجزم بأنه حيث تضم الدولة لسلطانها جماعات من البشر لا يتصفون بالوصف الذي اتصفت به الجماعة السياسية الأغلب – حيث تقوم هذه الحالة وهي عديدة- يتعين أن يكون وصف المواطنة صادق التحقق في كل من يضمهم سلطان الدولة، وإن اختلفت أوصافهم السياسية، إن لم يكونوا يتصفون بالوصف السياسي الذي قامت الدولة على أساسه.

الأصل النظري أن تقوم الدولة على أساس جماعة سياسية واحدة، تحددها وتتحدد بها، فتهيمن على من يصدق عليهم وصفها الجامع، وحدهم ودون غيرهم. والدولة في القانون الدولي العام تتضمن شعبًا وإقليمًا وحكومة، وهذه العناصر الثلاثة تضعها الصياغة القانونية على ذات مستوى الأهمية، ولكن هذه الصياغة ليست دقيقة، لأن ثمة عنصر أساسي هو الركن الركين للدولة وهو الشعب، أي الجماعة السياسية، وثمة مجال ضابط لهذا الركن بالنسبة لسيادة الدولة وهيمنتها وهو الإقليم، وثمة نتيجة لذلك وهو الحكومة. وإذا كان مناط الدولة شعبها وجودًا وعدمًا حسب الأصل، فإن هذا الأصل لم يتحقق دائمًا بسبب ما يعرفه تاريخ الشعوب من كر وفر ونصر وهزيمة وقوة وضعف.

ولذلك إذا اشتمل إقليم الدولة على غير واحدة من الجماعات السياسية، أو اشتملت أشطارًا من جماعات سياسية بموجب ما حدث من تقسيمات للحدود السياسية أملتها علاقات القوى بين الدول الأقوى، فإن ذلك يعكس خللاً في موازين العلاقات بين المواطنين داخل الدول المعنية، وهنا يبرز دور “المواطنة” بحسبانه وصفًا حاكمًا للعلاقة بين دولة وشعب، بمعنى لزوم أن يكون هذا الوصف هو مناط إيجاب الواجبات واستحقاق الحقوق، ومناط المشاركة في الشئون العامة.

فإذا كانت الدولة تقوم على جماعة سياسية واحدة، وجب أن تصاغ مؤسساتها من حيث التكوين العضوي لها، ومن حيث الشاغلين لمناصبها الرئيسية وذوي الإرادة والنفوذ فيها والقابضين على مفاتيح حركتها، وجب أن يكونوا ممن يضمهم الوصف الغالب الذي قامت على أساسه الدولة، وألا يقوم مانع من شغل مناصبها ممن لا يتوافر فيهم الوصف العام المذكور، ولا أن يقوم العرف العملي المطبق ولا القانون النافذ من منع ذوي الانتماءات الفرعية من تولي مناصب الدولة وشغلها، ما دامت انتماءاتهم الفرعية مندرجة في شمول الانتماء العام الذي تبلورت به الجماعة السياسية وانبنت به الدولة.

(4)

وفي النظر الإسلامي، سعيًا لتلمس المقاصد في هذا الشأن، فإن من أول ما نتلقاه من أصول الإسلام في هذه المسألة بطريق مباشر، هو “الصحيفة”، أوردها ابن هشام عن ابن إسحاق في السيرة النبوية، وهي من رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول عهده بالمدينة، وهي ذات دلالات سياسية وفكرية ترشدنا إلى الطريق الصواب في التعامل مع الجماعات البشرية، وفي تحول دوائر الانتماء من دائرة سابقة حاكمة لغيرها إلى دائرة لاحقة محكومة بغيرها، وتوضح ما نسميه الآن الجماعة السياسية على أول عهد الإسلام بالمدينة ونشوء دولة المسلمين فيها.

ونحن نتعامل مع نص الصحيفة هنا، لا بوصفه مجرد حدث تاريخي  تُستدعى منه خبرة الأحداث والتصرفات، ولكن يجري التعامل معه بحسبانه ذا دلالة نصية عابرة للأزمان، تُستدعى عبر الزمن على النوازل المتشابهة، وهذا مما يسعه مفهوم المقاصد فيما نتصور، ويكون ذلك لا بطريق إنـزال حكم النص مباشرة، ولا بطريق القياس لحكم غير منصوص على حكم منصوص، ولكن يطريق استخلاص المقاصد، لأن المقاصد إنما يمكن الوصول إليها لا من النصوص وعللها وحكمها فقط، بل يمكن ذلك عبر أحداث تاريخ الرسالة المحمدية في عهد الرسول عليه السلام، ونحن هنا لسنا أمام مجرد تاريخ من التاريخ، ولكننا أمام حدث ذي أهمية بالغة، لأنه من أوائل ما تشكلت به الجماعة الإسلامية في صورتها السياسية عقب الهجرة.

ورد بالصحيفة أنها كتاب من الرسول صلى الله عليه وسلم “بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم”، فهو كتاب بين جماعات ممن ذكر يجمعهم الإيمان والإسلام، وذكرت الصحيفة “أنهم أمة واحدة من دون الناس”، فهم بأقوامهم وجماعاتهم المتعددة صاروا أمة أي جماعة، وهم مع تعدد انتماءاتهم الجماعية صاروا جماعة ذوي انتماء واحد، ثم بينت الصحيفة أن المهاجرين من قريش “على ربعتهم يتعاقلون بينهم” أي أنهم على حالهم وعلى تضامنهم، ومن ثم فإن الانتماء الشامل للإيمان والإسلام يقر بقاء الانتماءات السابقة بوصفها انتماءات فرعية.

ثم عددت الصحيفة الأقوام، قومًا قومًا “وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين”، فلكل من الطوائف المعينة بذاتها هذا التكافل، ثم يرد بعد ذلك الانتماء الأعلى “ولا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه، وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين…” ثم ذكرت “وإن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس” تأكيدًا على الانتماء الأشمل برابطة الإيمان والإسلام، بحسبانها تؤسس لما نسميه اليوم الجماعة السياسية والمواطنة.

وإذا كانت الجماعة السياسية قد قامت على أساس الدين الإسلامي، فهي وقتها جمعت من غير المسلمين من أهل يثرب، فذكرت الصحيفة “وإنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم…”، ثم ورد بالصحيفة “أن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، ومواليهم وأنفسهم…”، وكذلك ليهود بني النجار وغيرهم ممن عددتهم الصحيفة بأسمائهم، بحسبان كل منهم مثل يهود بني عوف، وذكرت أن بينهم وبين المسلمين “النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة وإن بينهم النصح والبر دون الإثم.. وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة…”.

من هذا نلحظ ما يلي:

– إن ثمة جماعة سياسية نشأت بجامع الإيمان والإسلام كما عبرت الصحيفة، وهي نشأت من العديد من الجماعات التي كانت قد قامت على الجامع القبلي، وإنها نشأت لا بين المسلمين من هذه القبائل فقط، ولكنها ضمت أيضًا مهاجري مكة وأهل يثرب.

– أن هذه الجماعة السياسية الناشئة، لم تلغ الجماعات السابقة التي كانت قد قامت على الانتماء القبلي، ولكنها ضمتها إليها وألحقتها بها، فصارت القبيلة انتماءً فرعيًا داخل الجماعة الدينية السياسية.

– إن الجماعة السياسية التي قامت على أساس ديني اعتقادي، ضمت داخلها من لا يتبعون هذا الدين من اليهود أقوامًا وأقوامًا، وذلك على سبيل المساواة في الحقوق والواجبات.

– إن أساس قيام هذه الجماعة السياسية الجديدة، هو الحماية من المخاطر الخارجية عليهم مع تحقيق التساوي والتكافل بين بعضهم البعض جماعات وأفرادًا.

– أن هذه الجماعة الناشئة بما تضم من جماعات فرعية قامت على أساسها الدولة. وهي أول دولة عرفها الإسلام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(5)

بالنسبة للجماعة السياسية، فعادة ما ينظر فقهاء المسلمين القدامى – مثل الماوردي- إلى المسلمين بحسبانهم جماعة سياسية واحدة، الأصل أن يحكمها إمام واحد، وهم يستندون في ذلك إلى حال المسلمين في صدر الإسلام، ورفضهم منذ وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكون للأمة أكثر من إمام واحد. لذلك كانت النظم الغالبة عليهم عند النظر في تعدد الأئمة أنه فتنة، لأنه لا يقوم نظر سليم يعتمد على أن يكون للأمة أكثر من حاكم واحد، وغالب ما ورد في أحاديثهم عن تعدد الجماعات الإسلامية، إنما ورد بمناسبة الحديث عن تعدد الخلافة، وهو أمر غير جائز، لأنه يعني القول بإمكان قبول حاكمين لدولة واحدة، وهو تصور يستحيل على الفقه القانوني قبوله، شرعيًا كان هذا الفقه أو وضعيًا.

لذلك نجد الماوردي في “الأحكام السلطانية والولايات الدينية” يقول: “وإذا عقدت الإمامة لإمامين في بلدين لم تنعقد إمامتهما، لأنه لا يجوز أن يكون للأمة إمامان في وقت واحد، وإن شذ قوم فجوزوه”. (الماوردي، أبو الحسن علي بن عمر ابن حسن البصري، الأحكام السلطانية والولايات الدينية، القاهرة، 1978، ص9).

ثم تكلم بعد ذلك عمن يكون الإمام منهما إن حدث هذا التعدد، فهو لم يتصور إمكان قيام وضع “شرعي” تتعدد فيه الجماعات الإسلامية السياسية، ولا إمكان أن تنشأ الدولة غير مطابقة للجماعة السياسية الواحدة، على ما نرى ذلك في العصر الحديث، وبخاصة منذ انتهاء الخلافة بين سنتي 1922 – 1924.

وبعد انتهاء الخلافة، في أعقاب الحرب العالمية الأولى، تعرض لهذا الأمر السيد محمد رشيد رضا في كتابه “الخلافة أو الإمامة العظمى” (سنة 1922)، فتكلم أولاً بطريقة السلف في الخلافة وشرائط توليها ونصب الخليفة وغير ذلك، ثم تكلم عن “وحدة الخليفة وتعدده”، فهو لم يبدأ بالحديث عن الجماعة السياسية إنما بدأ بالحديث عن الحكومة، ثم عرض لوحدة الحكومة أو تعددها. وإن رسم السياق على هذا النحو ينتهي بالناظر إليه إلى أن في التعدد فتنة ونـزاعًا على السلطة بين أكثر من شخص أو أكثر من قوة في بلد واحد، وهو نـزاع إن جرى لابد أن ينتهي إلى الواحدية، ولكن السيد رشيد رضا أعقب ذلك بذكر آراء في الفقه الإسلامي الحديث تجيز عقد الخلافة لإمامين، من ذلك قول القائل: “لا يجوز العقد لإمامين في صقع متضايق الأقطار، أما في متسعها بحيث لا يسع الواحد تدبيره فهو محل الاجتهاد”. وقول القائل: “التعدد للضرورة أقوى من قول الجمهور بإمامة المتطلب للضرورة”، ثم نقل عن السيد صديق حسن خان: “إن كانت واحدية الإمامة الإسلامية قائمة على اختصاصها بإمام واحد”، وأما بعد انتشار الإسلام واتساع رقعته وتباعد أطرافه فمعلوم أنه قد صار في كل قطر أو أقطار الولاية إلى إمام أو سلطان، وفي القطر الآخر أو الأقطار كذلك، ولا ينفذ لبعضهم أمر ولا نهي في غير قطره أو أقطاره التي رجعت إلى ولايته، فلا بأس بتعدد الأئمة والسلاطين، ويجب الطاعة لكل واحد منهم بعد البيعة على أهل القطر الذي ينفذ فيه أوامره ونواهيه…”، ثم ذكر أن أهل الصين والهند لا يدرون بمن له الولاية في أرض المغرب، وكذلك أهل ما وراء النهر بالنسبة لليمن… وهكذا، وقد أسمى رشيد رضا هذا القول “هو اجتهاد وجيه”، ولكنه انتهى إلى أن جمهور المسلمين على أن تعدد الإمامة غير جائز، وإن التعدد يكون للضرورة بشرط ثبوتها، ثم حث المسلمين على تحرير بلادهم من سيطرة الأجانب لاستعادة الوحدة بينهم (رضا، السيد محمد رشيد، الخلافة أو الإمامة العظمى، القاهرة، 1922).

وقد أشار شيخ الإسلام الأخير بالدولة العثمانية، الشيخ مصطفى صبري، الذي نـزح من تركيا الكمالية بعد انتهاء الخلافة، أشار في كتابه “النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة” إلى موضوع  تعدد الحكومات الإسلامية: “قلنا عدم جواز التعدد إنما هو من جهة مزاحمة كل من الحكومات الإسلامية بالأخرى فتنتقص قوة الكل أو لا يتكون شيء منها رأسًا… فإذا جاز تعدد الحكومات الإسلامية، بأن كان ذلك ضرورة ببعد الشقة ولم يمنع التعدد تكون كل منها برأسها فلا مانع إذًا من تعدد الخلافة والخلفاء، نعم إن الأصوب والأنفع اتخاذ واحد منهم خليفة أعظم يعم نفوذه على الجميع…”. (حلمي، د. مصطفى حلمي، الأسرار الخفية وراء إلغاء الخلافة العثمانية، وبه نص كتاب الشيخ مصطفى صبري، القاهرة، 1985، ص146).

وأشار إلى أن هذا الأخير هو ما تمناه السيد محمد رشيد رضا، وأن مراجعة آراء الشيخ مصطفى صبري تظهر أن معنى الخلافة عنده هو الاحتكام إلى الشرع الإسلامي.

وفي الدراسة التي كان أعدها الدكتور عبد الرزاق السنهوري عن “الخلافة وتطورها لتصير عصبة أمم شرقية” (السنهوري، عبد الرزاق، le califat, sonevolution, versune société des nations orientales. A. Sanhoury, paris, 1926، انظر أيضًا: “فقه الخلافة وتطورها لتصبح عصبة أمم شرقية” للدكتور السنهوري ود.توفيق الشاوي، القاهرة، 1977)، في سنة 1926، أشار إلى مبدأ وحدة الخلافة وحالات الانفصال عنها، وأسمى الخلافة الواحدة خلافة صحيحة وغيرها خلافة ناقصة، وذكر أن الخلافة الصحيحة هي الخلافة الواحدة، وهي حسب الأصل لا تقبل تفردًا في الدول ولا الخلفاء، واستند في ذلك إلى عبارة الماوردي سابقة الذكر مشيرًا إلى أن هناك من شذ فأجاز التعدد أو ذكر أن ثمة رأي لفقهاء جدد يتكلم عن إمكانية تعدد دول الخلافة وحكوماتها في ظروف معينة، وأن أساس هذا الرأي الجديد هو فكرة الضرورة، بحسبان الاعتبارات الواقعية قد تغلبت.

لا يتسع المجال للاستطراد في هذه المسألة، إنما قصدت أن أشير إلى عدد من الأمور إشارة موجزة، وهي أن الفقه الإسلامي التقليدي في عمومه لم يركز على مسألة الجماعة السياسية، إنما كان تركيزه الرئيسي على الخلافة، وإنه في صدد التعرض لوحدة الحكومة أو تعددها نظر إلى الأمر فأنكر ما يفضي إلى النـزاع، وإلى صراع الشرعيات إذا تعدد المتولون للحكم، وإن من أجاز التعدد شَرَطه ببعد المسافات وربطه بالإمكانية الواقعية.

وقد أشرت في ذلك إلى ثلاثة أعمال، جمعها ثلاثتها أنها كتبت ونشرت في النصف الأول تقريبًا من عشرينات القرن العشرين، عندما ألغيت الخلافة الإسلامية بزوال الدولة العثمانية منذ 1922-1924، وإعلان الجمهورية التركية، وأن كلاً من الكُتَّاب الثلاثة كان يميل إلى النظر التقليدي بالنسبة لوحدة الخلافة ووحدة الجماعة الإسلامية، ولكن ثلاثتهم – مع هذا الميل- كشف عن وجود رأي آخر يقر بالتعدد ولم يعتبره خارج محيط الأصول الفقهية الإسلامية، وإنما نظر إليه في ضوء حالات الضرورة التي يتعين أن تقدر بقدرها أو في ضوء ما يفرضه الظرف الواقعي من أحكام أو في ضوء ما تقصر دون تحققه الإمكانات.

والحال أن الوحدة المبتغاة أو المستهدفة، إن كانت تحققت في صدر الإسلام، وإن كانت تصلح هدفًا تتغياه أمة المسلمين في كل حين، وتستهدفه مستقبلاً بأسلوب أو آخر من أساليب التنظيم الدولي والتحالف، فإن الواقع التاريخي من قبل إلغاء الخلافة في عشرينات القرن العشرين، قد عرف تعددًا متتابعًا، عرف تعاصرًا بين الحكم العباسي في بغداد والحكم الأموي في الأندلس، وعرف تعاصرًا بين حكم العباسيين أيضًا وحكم الفاطميين في مصر والمغرب، وعرف تعاصرًا متعددًا بين الصفويين والعثمانيين، ودول المماليك وهكذا. فلم يكن التنائي الجغرافي فقط هو سبب التعدد، إنما كان يستند أيضًا إلى أسباب تاريخية أو إقليمية أو مذهبية، كل ذلك يدخل في إطار ما رآه الفكر التقليدي من أوضاع الضرورة، وهو ما ينبغي النظر إليه اليوم في ضوء أوضاع الواقع ومعالجاته، فننظر في الجماعة السياسية وما تجتمع من الأسباب التاريخية لصياغتها على نحو أو آخر في تشكل الجماعات السياسية.

(6)

ونحن إذا راجعنا مفهوم الجماعة السياسية لدى بعض من كبار مفكري الإسلام السياسيين المعترف بريادتهم في القرن العشرين، نلحظ مثلاً أن أبا الأعلى المودودي ينظر إلى القومية بحسبانها مرادفة للتعصب العرقي، وأنها الأساس الذي تقوم عليه روح المحاربة بين الأمم (المودودي، أبو الأعلى، بين الدعوة القومية والرابطة الإسلامية، القاهرة، ص1-16). ولكن كتابات المفكرين المصريين ذوي الاعتبار والذيوع لا تنظر إلى القومية بهذا الغلو، والدكتور يوسف القرضاوي يرفض في القومية ما يراه من أثر الفكر العلماني فيها وأنها تقدم رابطة الأرض على رابطة الدين، ولكن من جهة أخرى يرى أن ما تنادي به من تجمع للشعوب العربية هو نواة طيبة للاقتراب الإسلامي الأعم، ويستند في ذلك إلى أقوال للأستاذ حسن البنا، ويرى ارتباط الشخصية العربية بالإسلام ارتباطًا عضويًا. (القرضاوي، يوسف، حتمية الحل الإسلامي، الجزء الأول، الحلول المستوردة وكيف جنت على أمتنا، الجزء الثاني، الحل الإسلامي فريضة وضرورة…). وكذلك نلحظ في كتابات الشيخ محمد الغزالي، أنه ينتقد في القومية كونها مفهومًا وجامعًا وَفَد من الغرب ليحل محل العقيدة لتفكيك وحدة المسلمين، ولكنه يقول: إنه إن عاش الإسلام في كنف الحكم القومي فلا بأس به، والمسألة لديه هي مدى اقتران الإسلام بالعروبة في بلادنا. (الغزالي، محمد: من هنا نعلم، القاهرة، 1970، حقيقة القومية العربية، القاهرة، 1937).

ويبدو من هذه الإشارة السريعة أنه إن كان ثمة ما تلتقي فيه نظرة الغزالي والقرضاوي مع المودودي في تركيبة الجماعة السياسية الدينية، فإن ثمة بونًا واضحًا يفصل بين النظرتين من حيث المورد التاريخي السياسي ومن حيث المآل التطبيقي، وأبو الأعلى يرى في الجامع القومي صنوًا للبلاء، لأنه كان صاحب دعوة انسلاخية يزكي بها انسلاخ مسلمي الهند من هنديتهم، فكان تحقيق الانتماء الإسلامي لديه لا يتم إلا بنفي الهندية، وألجأه ذلك إلى أن يحيل الجامع القومي إلى محض كونه جامعًا لسلالات عرقية، رغم عدم صحة هذا الزعم على إطلاقه بطبيعة الحال، ورغم أن مفكرًا إسلاميًا ذا شأن كبير، هو مالك بن نبي، يرى أن انسلاخ مسلمي الهند عن الهند قد أضر بالمسلمين وبالهند أيضًا، على أن المتصور الآن مما ذكر هو أن فكر المودودي بشأن الجماعة السياسية لا يصح فصله عن رؤيته لظرفه التاريخي، ولا عما أراد أن يوظف فيه هذا الفكر في ظرفه التاريخي.

وعلى خلاف نظرة المودودي نلحظ أن الجانب العربي صدر في نظره إلى القومية عما عايش من واقع تاريخي، فهو يرفض كلا الجامعتين الطورانية والعربية عندما نمتا تفكيكًا وتفتيتًا للجماعة الإسلامية في القرن التاسع عشر، ثم يقبلهما متحفظًا عليهما لما يمكن أن تفضي إليه مستقبلاً من تجميع لوحدات إقليمية مبعثرة، ومن ثم تكون العبرة في النظر المتعلق بالجامعة السياسية هو ما تفضي إليه من تجزئة وتفكيك أو من توحيد وتجميع.

ونحن نلحظ في هذا الجانب، أن جوهر ما هو مطلوب مما لا يمكن التغاضي عنه هو أن يكون الحكم إسلاميًا، وأنه حسبما يذكر الشيخ الغزالي “لا جناح على الحكم القومي إن مكن للنظام الإسلامي أن يعيش في ظلاله”. وهذا الاقتراب عينه هو ما نلحظه في كتابات شيخ الإسلام التركي مصطفى صبري، الذي رفض حكم مصطفى كمال أتاتورك وعاش بمصر بعدها، فهو يذكر عن الخلافة أنها حكومة مقيدة بأحكام الإسلام وأن “صفة الخلافة موجودة في جميع الحكومات الإسلامية المستجمعة بشرائطها على قدر الإمكان، وإن كان العرف العام على امتياز واحدة معينة من تلك الحكومات بها…”، “فاللازم في تحقيق الخلافة رعاية الحكومة لشرائطها الإسلامية، فيكون اتصاف الحكومات الإسلامية بالخلافة على قدر تلك الرعاية…”. (المرجع السابق، ص145، 146)، ولذلك أجاز التعدد.

ومن ذلك يبدو لي أن جوهر ما يتعلق بالحكم الإسلامي ليس هو النطاق الإقليمي ولا النطاق الشعبي الذي تتحدد به الحكومة أو الجماعة السياسية، وإنما هو متعلق بالمرجعية الشرعية الإسلامية كمرجعية يصدر عنها النظام والمعاملات.

ومتى كان ذلك كذلك، وكان الموقف الإسلامي يقبل تعدد الحكومات باعتبار ذلك مما تتسع له الآراء الشرعية الصادرة عن الإسلام، وحتى إذا كان التعدد هنا تعددًا تفرضه الضرورة ويقدر بقدرها ويبقى لحينها، فإن الضرورة هنا يتعين أن نفهمها على أنها هي ما يفرضه الواقع من ضوابط تحدد حركية التشكل التاريخي للجماعات البشرية وما يقدم من حكومات، ويبقى الأساس الذي يقوم عليه الموقف الإسلامي هو الانصياع للمرجعية الشرعية الآتية من القرآن والسنة في ضبط نظم الحكم والمعاملات والعلاقات.

بمعنى أن النظر الإسلامي في هذا الشأن الذي يرد الحديث عنه، إنما يتعلق بمرجعية النظم والمعاملات التي تحكم الجماعة، فيتعين أن تصدر في النظر الإسلامي عن الإسلام، وأما وحدة الجماعة السياسية وتعددها ونظام المواطنة وعلاقة الدولة بذلك ونطاق حاكميته فهما مما يتسع النظر الإسلامي بشأنها للحركية التاريخية وما تفرضه من فروض مرحلية وما تمليه من إملاءات في كل حين. ونحن وحدنا لا نصنع التاريخ، ونحن نشارك في صنعه حسب القدرة والجهد، ولكننا لا نملك إلا بذل الجهد مع التعامل مع الواقع التاريخي في كل حين.

(7)

ويمكن الحديث في هذا الموضوع كذلك بذكر المقاصد العامة للشريعة الإسلامية حسبما ترد في كتب هذا العلم ووصلها بموضوع المواطنة، من حيث تجنب الفتنة ودفع الحرج والأخذ بموجبات الضرورة والاعتدال في التشريع والأخذ بسنة التدرج، ولكن ما يحسن التعرض له بتركيز أدق هو ما يتعلق بالمسائل المختلف عليها التي تنجم عن الإقرار بجماعة سياسية عامة تشمل المسلمين وغيرهم، ويُستبقى مبدأ المساواة التامة في كل جوانبها، ذلك أنه لا أحد يجادل من خلال الفكر الإسلامي في قيام جماعة سياسية تكون مرجعيتها الشريعة الإسلامية ويكون فيها من غير المسلمين من تتشكل منهم الجماعة مع المسلمين، إنما الخلاف هو فيما يترتب على ذلك من قدر المساواة في الحقوق والواجبات، ولا يظهر أيضًا أن أحدًا ذا اعتبار ينكر المساواة في وجوه النشاط والمعاملات الخاصة، فإن المستقر الظاهر أن لهم ما للمسلمين وأن عليهم ما على المسلمين.

ولكن وجه النظر يتعلق بالولايات العامة، وهل يتساوى غير المسلمين مع المسلمين في شأن أهلية القيام بها؟ وما مدى هذه المساواة والمشاركة بينهم في شأنها؟

ينقل أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه (“الأموال”، تعليق: محمد خليل هراس، 1981) عن محمد بن كثير أن “أحق ما اقتضى به ووقف عليه حكم الله تبارك وتعالى، وأحق الوصايا بأن تحفظ وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله: “من ظلم معاهدًا أو كلفه فوق طاقته فأنا حجيجه، من كانت له حرمة في دمه فله في ماله والعدل عليه مثلها، فإنهم ليسوا بعبيد فتكونوا من تحويلهم من بلد إلى بلد في سعة، ولكنهم أحرار أهل ذمة، يرجم محصنهم على الفاحشة، ونساؤهم نساءنا من تزوجهن منا القسم والطلاق والعدة سواءٌ” (ص167). وخلاصة القول كما يذكر الدكتور عبد الحميد متولي نقلاً عن الشيخ عبد الوهاب خلاف: “إن وضع غير المسلمين من أهل الذمة في البلاد الإسلامية لم يكن يخضع عبر عصور التاريخ للاعتبارات الدينية فحسب، بل كان يخضع كذلك للاعتبارات السياسية، وأخصها مدى ما يبدونه من الولاء والصفاء للدولة وللمسلمين”. (بحوث إسلامية، منشأة المعارف، 1979، ص45).

وترتبط أحكام في القرآن بهذه الأمور وبمناسبتها وأوضاع إعمالها، حسبما ينقل أبو عبيد القاسم بن سلام عن ابن عباس أن قول الله تبارك وتعالى: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ)، قال: “كان ذلك يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل، فلما كثروا واشتد سلطانهم أنـزل الله تبارك وتعالى: (فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً) بما يمكن من الفداء”. (ص129).

فثمة أمور هنا:

أولاً: أن الجماعة السياسية حتى وإن كانت تشكلت بالجامع الثقافي الإسلامي، فهي تقبل وجود غير المسلمين بالمشاركة فيها، فما بال إن قامت الجماعة السياسية على أساس من اللغة الواحدة وضمت في رحابها من تجمعهم اللغة أو الإقليم مع تعدد دياناتهم.

وثانيًا: أن غير المسلمين يشاركون في هذه الجماعة التي تضمهم بغير ظلم وبالمساواة في شئون الحياة، وأن ما يتعلق بالمشاركة فمرجعه إلى الولاء والصفاء مما نلحظه في أحكام الصحيفة المدنية السابق الإشارة إليها.

فإذا كانت المواطنة هي صفة الفرد في الجماعة التي قامت على أساسها الدولة، فقد وجب – تحقيقًا لهذه الصفة في شمولها على نطاق الجماعة – أن تتوافر بموجب المواطنة المساواة في المراكز القانونية والسياسية لكل من شملتهم الجماعة واتصفوا بصفتها التي قامت على أساسها الدولة، حتى من كانوا على تنوع وتباين في انتماءاتهم الفرعية المندرجة في الوصف العام للجماعة الوطنية.

ونحن نعرف أن صيغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في 1948م ينص في مادته الأولى على أن “يولد جميع الناس أحرارًا متساوين في الكرامة والحقوق…”، وهذه الصيغة المشهورة تكاد أن تكون هي ذات صيغة العبارة التي نقلت عن عمر بن الخطاب: “بم استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا”، ويؤكد معناها أن قائلها – رضي الله عنه- لم يكن مفكرًا ولا كاتبًا، إنما كان حاكمًا، وقالها في عز سطوة الحكم والولاية ليلزم عمال دولته بها، وأنه لم يكن يمثل شعبًا مقهورًا إنما كان يرأس القوة الإسلامية الغالبة، وأنه قالها ليحمي بها غير المسلمين المغلوبين.

وهذه العبارة بقيت يتناقلها عبر القرون والأجيال تلاميذ المدارس وصبية الكتاتيب في بلاد المسلمين، وهذا أحمد عرابي زعيم ثورة 1881م في مصر، يقف بجواده يواجه حاكم مصر في ميدان عابدين في 9 سبتمبر 1881م ويقول له: “لقد ولدتنا أمهاتنا أحرارًا ولن نستعبد بعد اليوم”، ولم يكن عرابي قد طالع إعلان الاستقلال الأمريكي في سنة 1776م، ولا إعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي في 1789م، إنما كان يردد ما عُرِف عن عمر مما تعلمه في قريته وهو صبـي.

والقرآن الكريم عندما يقول: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى) (الحجرات:13) إنما يشير إلى وحدة النشأة للناس كافة، والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يوصي المؤمنين في خطبة الوداع: “أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب”، ثم يؤكد أن لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأحمر على أبيض إلا بالتقوى. وبهذا يتقرر أصل التساوي بين البشر جميعًا حسب خلقهم الأول، وبقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يتقرر أن التفاضل بين الناس بعد ذلك، إنما يَرِد من الفعل الإرادي للبشر وهو التقوى، وبهذا فإن الناس لا يتفاضلون إلا بما في مكنة كل منهم من وجوه الخيارات الإرادية المتاحة للناس والتي ترد بشأنها تبعة الثواب والعقاب.

والمساواة تعني منع التمييز بين الناس بوصف يعلق بهم أو بسبب يلحق بهم، دون أن يكون لإرادتهم دخل في هذا التعلق أو الإلحاق، وأن يقوم هذا الوصف أو السبب لديهم على وجه الإطراد، دون أن يكون في مكنتهم بالعمل الإرادي أن يرفعوه أو أن يتجاوزوه، وأن يقوم أي من هذه الأوصاف أو الأسباب لدى جماعات من البشر تشترك فيه، وتلك هي الأسباب والأوصاف المتعلقة بالجنس أو بالعنصر أو لون البشرة أو اللغة الأصلية أو العقيدة التي نشأ القوم عليها.

والمساواة تعني أن تنظر الجماعة إلى الأفراد والجماعات الفرعية المكونة لها والمندرجين فيها، تنظر إليهم بحسبانهم محض أفراد فيها، لا يميز فردًا عن الآخرين إلا أن تكون أوصافًا مكتسبة كشروط التعليم والخبرة والمهارات، أو على الأقل – إن لم تكن أوصافًا مكتسبة – أن تكون أوصافًا مفارقة وغير لصيقة بالفرد التصاقًا شبه دائم، كشرط بلوغ سن معينة للتمكن من أمر معين أو تولي عمل معين، فالسن إن لم يكن شرطًا مكتسبًا فهو شرط مفارق، يطرأ على الإنسان ويتجاوزه.

ومن ذلك فإن المساواة بمعنى أن لغير المسلمين ما للمسلمين وعليهم ما عليهم هو أمر يطمأن إلى قيامه ضمن مقاصد الشرع الإسلامي، ولكن تبقى مسألة الولايات العامة، فيما يتعين النظر فيه الآن.

(8)

نستطرد من ذلك إلى نقطة أحسبها هامة، ذلك أن من سوابق الفتاوى وأقوال السلف ما تقوم به قرائن على تزكية حكم معين بحسبانه هو ما لا محيد عنه، ويلاحظ ذلك كثيرًا فيما كتب عن أحوال غير المسلمين في المجتمع الإسلامي، كما ستجئ الإشارة إن شاء الله، ولكن علينا في هذا المجال أن ننظر لأية فتوى أو قول لواحد من الفقهاء أو حتى للصحابة أو التابعين، ننظر إلى قوله أو فعله، ليس فقط بمقتضى القياس المنطقي للحكم الذي يزكيه، ولكن ننظر كذلك في واقع الحالة التي كان ينظرها وتقديره لها في إطار الظروف المحيطة.

وأنا عن نفسي أوضح للقارئ أنني فقهت القانون في مواقع القضاء والإفتاء، أي في مواقع إدراك أثر القول على الحالات المرئية والملموسة والمعيشة، وتعلمنا من شيوخنا في القضاء ما كان يعبر عنه بعض المتفقهين منهم يرحمه الله بقوله: “إذا تداخلت مشروعية الأمر في مناسبته وجب لكي يكون الأمر مشروعًا أن يكون مناسبًا”.

ونحن نقرأ لابن القيم الفصل الشهير الذي أورده في كتابه (أعلام الموقعين، الجزء 3) بعنوان: “في تغير الفتوى واختلافها حسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والبيئات والعوائد”، وهي في نظرنا تتعلق بالأفعال أو بالأحكام على الأفعال بما تعتبر رحمة أو عدلاً او مصلحة أو حكمة.

ونلحظ أن الاختلاف إنما يجد سنده في الغالب من ترجيح آراء للإفتاء أو القضاء مما تسعه النصوص وترجحه مقاصد الشرع الحنيف، ومن ثم عينيات هذه الفتاوى والأقضية إنما تعتبر في الغالب مما أنتجتها الترجيحات المقاصدية، دون أن تعتبر بذاتها ثابتة على مر الزمان والمكان وتنوع الأحوال والمصالح المتجددة والمتغيرة، وهذا ما يميز بين الشريعة والفقه، لأن الفقه اجتهادات بشر يصيبون ويخطئون، وصوابهم في تطبيقات تتصل بأوضاع اجتهاداتهم، بينما الشريعة ثابتة بما تشمله من سعة وقدرة على استيعاب التنوع في الاجتهاد في إطار ضوابطها وحدودها.

يقول ابن القيم: “إذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله فإنه لا يسوغ إنكاره” (ص4)، وبهذه العبارة الهادية أن الحكم المختار للفتوى قد لا يختلف فقط اختلاف زمان ومكان ومصلحة عامة، ولكنه قد يختلف اختلاف تقدير ووزن، بما نسميه مناسبة الأمر أو ملاءمته، فالأمر الذي ننكره يرى ابن القيم أنه قد يزول أو يخلفه ما هو أنكر أو أقل إنكارًا، فثمة تقدير لما سيخلفه بعد زواله وثمة ربط للحكم بمآلاته وتأثر الفتوى بوجه التقدير لما هو ملائم ومناسب.

ويضرب العالم الكبير الأمثلة لذلك من سقوط حد السرقة عام المجاعة (ص10)، وصدقة الفطر حسب قوت المخرجين (ص12)، ورد صاع من التمر من المصراة (ص13)، وطواف الحائض بالبيت (ص14)، وكل ذلك للتخفيف عن المكلفين امتثالاً لقاعدة أن الأمر إذا ضاق اتسع، وهو يشير إلى رسالة الليث بن سعد إلى مالك بن أنس بحسبان ذلك من وجوه اختلاف المكان بين المعمول به في المدينة وبين الجاري في مصر (ص83)، وكذلك يشير إلى فتويين لعمر بن عبد العزيز بين المدينة والشام عن الشهادة بشاهد ويمين (ص85)، ثم يتكلم عن المقاصد تغير أحكام التصرفات (ص98).

والملاحظ هنا أن الاختلاف في الرأي وفي الإفتاء سائغ على النحو المشار إليه، في إطار ما تسعه نصوص الأحكام من وجوه الرأي والنظر، وهذا لا يتعلق فقط في الاختلاف في فهم عبارات النصوص ومعناها المستفاد من سياقها، ولكنه اختلاف في إطار ما تسعه النصوص في تطبيق على الواقع المتنوع بموجب اختلاف مصالح ورؤى الجماعات الفرعية في إطار الصالح العام المشمول بصالح الجماعة الوطنية، لأن الأمر ليس أمر منع وجواز فقط، ولكنه أمر تقدير وجوه النفع المتصور في الأوضاع السياسية المحيطة والأحوال الاجتماعية المعيشة.

والمقاصد هنا حاكمة فيما تسعه النصوص من ترجيحات من الآراء، وبخاصة بالنسبة للمسألة السياسية التي تتعلق بالجماعة الوطنية وتكونها وحفظها لمصالح المندرجين فيها من الجماعات والأفراد.

(9)

ثمة نصوص في القرآن الكريم تتعلق بالولاية، ويُستند إليها عادة في بيان قصر ولاية الحكم في الجماعة على ذات الأكثرية المسلمة فيها ممن تضمهم الجماعة الوطنية، وهنا يتعين النظر فيما إذا كانت هذه النصوص لها هذه الدلالة الصارمة التي تفضي إلى هذا المعنى وحده.

وقد ورد بسورة آل عمران: (لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ) (الآية 28)، وقد ورد بتفسير المنار للسيد رشيد رضا إشارة إلى من يتكلمون في الدين بغير علم فيستندون إلى الآية وما في معناها عن النهي العام أو الخاص باعتبار أنه لا يجوز للمسلمين أن يحالفوا أو يتفقوا مع غيرهم، “وفاتهم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان محالفًا لخزاعة وهم على شركهم”، ثم ينقل صاحب المنار عن الأستاذ محمد عبده أن النهي عن اتخاذ الأولياء (مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ)، لأنها تعني “تفضيل الكافرين على المؤمنين وإعانة للكفر على الإيمان”. ويؤكد ابن كثير في تفسيره للآية على أن النهي في هذه الآية هو نهي من موالاة الكافرين واتخاذهم أولياء يسرون إليهم بالمودة من دون المؤمنين.

وورد في سورة المائدة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) (آية: 51)، ويشير تفسير المنار إلى ابن القيم وأن غير المسلمين كانوا ثلاثة أقسام، قسم صالح النبـي وقسم لم يصالح ولم يحارب وقسم حاربه، وإن الآية نـزلت لَما قاوم بنو قينقاع الرسول صلى الله عليه وسلم، وذكر القرطبـي أنها نـزلت في قصة يوم أحد.

وورد بسورة المائدة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) (الآية 57)، يذكر تفسير المنار بالنسبة لأهل الكتاب: “أنه ينهى عن موالاتهم بوصف فيهم ينافي الموالاة كاتخاذهم دين الإسلام هزوًا ولعبًا…”. وبالنسبة للكفار فإن كان القصد “الولاية” بفتح الواو فالنهي يكون عنهم جميعًا، وإن كان بالكسر للواو فيكون النهي للهازئين منهم بالإسلام فقط. وذكر ابن كثير أن الإشارة لمن أوتوا الكتاب لبيان الجنس، أما القرطبي فيفهم منه الإشارة إلى التفرقة.

وورد بسورة النساء: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً) (الآية 144)، ويذكر تفسير المنار أن المقصود أنهم “يوالونهم وينصرونهم من دون المؤمنين… حذر الله تعالى المؤمنين أن يحذوا بعض ضعفائهم حذو المنافقين في ولاية الكافرين من دون المؤمنين، أي من غير المؤمنين، وعلى خلاف مصلحتهم”، وأشار إلى أن هذه الولاية كانت لنصرة اليهود والنصارى الذين كانوا حربًا على النبـي والمؤمنين، بمعنى أنه لا يشمل من ليسوا كذلك كالذميين الذين استخدمتهم الدولة في أعمالها الحربية والإدارية، وإن لهؤلاء حكم آخر، وأظهر ابن كثير في تفسيره عبارة (مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) ثم تحدث عن المنافقين.

وورد بسورة النساء أيضًا: (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً) (الآية 138، 139)، ويذكر تفسير المنار “أي الذين يتخذون الكافرين المعادين للمؤمنين أولياء وأنصارًا، متجاوزين ولاية المؤمنين وتاركيها إلى ولايتهم وممالأتهم عليها لاعتقادهم أن الدولة ستكون لهم”، وذكر القرطبي أن المقصود من يبتغون موالاة بني قينقاع، وأكّد ابن كثير على عبارة (مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ)، ورجح سيد قطب في تفسيره أن المقصود على الأرجح هم اليهود.

وورد بسورة الممتحنة: (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (الآية 9)، والنص ظاهر في بيانه نطاق النهي.

وكذلك ما ورد بذات سورة الممتحنة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاء مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ) (الآية 1)، ويشير القرطبـي في تفسير الآية إلى قصة حاطب بن أبي بلتعة وإخباره مشركي مكة عن بعض أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، وكذلك أشار ابن كثير مشيرًا إلى الكفار “الذين هم محاربون لله ولرسوله وللمؤمنين الذين شرع الله عداوتهم ومصادمتهم ونهى أن يُتخذوا أولياء وأصدقاء وأخلاء…”، وكذلك أشار سيد قطب في تفسيره في “ظلال القرآن” إلى هذا المعنى، وأشار في ذلك إلى نوع من ازدواج الولاء الذي يتعين الحذر منه.

يظهر من ذلك المعنى الذي أظهره الشيخ عبد الوهاب خلاف مما سبقت الإشارة إليه، وهو أن موضوع معاملة غير المسلمين في بلاد المسلمين لم يخضع للاعتبارات الدينية وحدها، بل خضع للاعتبارات السياسية أيضًا، وأخصها مدى ما بدا من الولاء والصفاء للدولة وللمسلمين، وإن الأمر في سياق المقاصد المنبئة عن الغايات والمصالح إنما يستفاد من إدراك وجوه الصوالح العامة التي تسفر عنها اعتبارات الزمان والمكان وغيرها، بمراعاة أن المقاصد هنا تتعلق بالمصالح العامة والغايات الكلية المستقرأة من خصوص الأحكام، وأنها في انطباقها يترجح رأي على رأي آخر مما تسعه النصوص وتنبئ عنه، إنما تراعي أوضاع انطباق الحكم على الحالات التي تجِدّ والنوازل التي تتراءى.

وإن ما سبق ذكره من آيات القرآن الكريم، إنما هي أحكام تتراءى وجوه التفسير لها في ضوء مناسبات إعمال النص. ومن المعلوم والمفهوم طبعًا أن الحالة أو الحالات الواقعية التي عاصرت صدور النص التشريعي، هذه الحالة أو الحالات ليست هي سبب صدور النص، وإلا لم يكن النص نصًا تشريعيًا يتصف بالعمومية والتجريد، وإلا لكان النص مجرد واقعة تاريخية يستأنس بها فيما يستأنس من تجارب التاريخ دون أن تكون لها صفة الإلزام التشريعي، إن الأمر ليس كذلك ولكنه يتعلق بحالة أو حالات واقعية كانت مزامنة لصدور النص وكانت من مناسبات صدوره، وبهذه المثابة تكون هي أو مثيلاتها “مناسبة” لإعمال النص، أي تعتبر مثيلاتها شرطًا لتوافر أوضاع إنـزال حكم النص على الحالات المستجدة الشبيهة، ونحن لسنا مع من يخطئ في تفسير بعض نصوص الأحكام فيحولها إلى محض وقائع تاريخية، ويفقدها وضعها كنموذج قابل للتكرار والانطباق في الحالات المماثلة لحالة تطبيقها الأول، ولكننا أيضًا في ظروف قيام أوضاع المعاصرة بين صدور النص وأوضاع معينة وتغيير صياغات نصوص الأحكام الصادرة في حالات متنوعة، ومع ما تفيده عبارات النص من سعة في المعاني وتنوع يطيق تعدد الآراء، مع كل ذلك نرى أن نجعل مناسبات صدور النص مما يلقي الضوء عليه في تفسير نطاق إعماله على الحالات المخصوصة التي تجد، فيترجح بذلك الرأي القائل بأن تصير الأوضاع المشابهة من الشروط التي يتعين توافرها لإنـزال حكم النص على الحالات المستجدة.

(10)

ويؤكد هذه المعاني الأخيرة وما نستخلصه من نصوص “الولاية” من حيث الدلالات اللغوية والتشريعية، فهي دلالات أعم وأكثر من أن تنحصر في معنى وحيد يضيق عن استيعاب العديد من السياسات العامة والسلوكيات الخاصة التي قد تستدعيها الصوالح العامة في تنوعها وتجددها وتتاليها عبر الزمان والمكان.

لقد وردت مادة “ولي” في لسان العرب بمعان عديدة، فالولي هو الناصر وهو المالك المتصرف، والولاية تشعر بالتدبير والقدرة، وهي السلطان والنصرة، والأولى هو الأحق وهو الأوفى والأقرب، والمولى هو الحليف أو ابن العم أو الناصر أو الجار أو الشريك، ويوليه أي يحابيه أو يحبه، ومولى القوم أي منهم، والمولى هو الرب والمالك والسيد والمنعم والمعتق، والناصر والمحب والتابع والجار وابن العم والحليف والعقيد والصهر والعهد والمعتَق، والمنعم عليه، والولاية بفتح الواو هي النسب والنصرة والصفة، والولاية بكسر الواو هي الإمارة، والولي هو الصديق والنصير، والموالات ضد المعاداة، والمولى هو المالك وهو العبد، ويلي أي يلصق ويداني، وولَّى أي ابتعد. (لسان العرب، الجزء 15، دار صادر ودار بيروت، 1968، من ص215 إلى ص406).

ووردت ذات المعاني أيضًا في تاج العروس، وورد به أن التولية قد تكون إقبالاً كما ذكر القرآن الكريم: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)، أو تكون انصرافًا كما ورد في القرآن الكريم: (ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ)، ثم ذكر “فهذه واحد وعشرون معنى للمولى أكثرها جاءت في الحديث، فيضاف كل واحد إلى ما يقتضيه الحديث الوارد فيه”. (تاج العروس، الجزء 10، دار صادر، بيروت 1966، الناشر دار ليبيا للنشر والتوزيع ببني غازي، ص398 إلى ص400)، وكذلك ورد في القاموس المحيط أن من معاني اللفظ المعتِق بكسر التاء والمعتَق بفتح التاء، ومن معانيه المالك والعبد. (ترتيب القاموس المحيط، الجزء 4، الطاهر أحمد الزاوي، دار الكتب العلمية، 1979).

ومن هذا نلحظ أن لفظ الولاية يرد من جذر لغوي له كل هذا الثراء في المعاني التي يشير إليها وكل هذا التنوع الهائل، وهو يستفاد معناه المحدد في كل مناسبة من السياق الذي استخدم فيه ومكانه في نص العبارة المقولة، فيتحدد معناه والمقصود منه وفقًا للدرجة والقدر الذي يكشف عنه السياق، وهو يبقى له – في إطار المعنى المستخدم في سياق العبارة- قدر معتبر من السعة والمرونة وتنوع درجات المعاني التي تمكن من إنـزال حكمه على ما يستجد عبر السنين والقرون والأزمان، من تغيرات في أوضاع ولايات الناس على الناس، من ولاية الأب على ابنه إلى ولاية الحاكم المستبد على شعبه، إلى ولايات نظم وحكومات القرون الوسطى إلى ما يحل محلها في العصور الحديثة، ومن ولايات الغرب إلى ولايات الشرق، ومن شيوخ القبائل إلى نظم الديمقراطيات الشعبية، ومن القيادات الفردية إلى القيادات الجماعية.

وهذا درس قرآني نتعلم منه أساليب صياغة النصوص بقدر ما تمكننا منه طاقتنا على الاستيعاب البشري لدروس القرآن الكريم، كما استخدم القرآن لفظ “القروء” في بيان عدة المطلقة، استخدامًا يدور بين الطهر والحيض، ليكون في اختلاف المعنيين بين ثلاثة من كل منها يتخللها اثنان من الأخرى، ليكون في ذلك اختلافًا يسع تنوع احتياجات الناس حسب الأعراف والعادات السائدة لديهم في جماعاتهم، وهذا جميعه من وجوه قول سفيان الثوري: “لا تقل اختلفوا بل قل: توسعوا”، ورحم الله عبد الوهاب الشعراني الذي أشار في كتابه “الميزان الكبرى” إلى أن عين الشريعة هي الآراء كلها وأن أي رأي منها وحده هو شريعة غير كاملة، ذلك أن الاختلافات تؤدي إلى وجوه تشديد ووجوه تخفيف مما يناسب في درجة اختلاف البيئات وتنوعها.

وفي هذا السياق تلزم ملاحظة أن المقاصد يتعين أن تكون من الشمول والعموم بحيث تسع هذا التنوع والثراء في المعاني لتحيط بالجماعات البشرية في أحوالها السياسية والاجتماعية والوطنية وغيرها، وتستجيب لدواعي المصالح التي تجدُّ في سياق هذا التنوع.

(11)

وثمة من يجحد الإمكان الشرعي لتولي غير المسلمين شأنًا من شئون الولاية في الجماعات التي يتشاركون فيها مع المسلمين، وقد أقيمت على ذلك الحجج المستمدة من الأحكام وسوابق التاريخ، وهي أمور يتعين العرض لها والنظر في وجه الاحتجاج بأي منها في الدلالة على ما سبق الحديث بشأنه.

وفي الكتاب الشهير لابن قيم الجوزية “أحكام أهل الذمة” يورد فصلاً عن المنع من استعمال اليهود في شيء من ولايات المسلمين وأمورهم، فحدث عن رجل أراد أن يخرج مع النبـي صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر وهو مشرك فرفضه النبـي صلى الله عليه وسلم إلا إذا أسلم، وأصر الرجل على طلبه وأصر عليه الصلاة والسلام على رفضه حتى أسلم الرجل، وإن كان النبـي صلى الله عليه وسلم يقول: “أنا لا أستعين بمشرك” (ص208).

ويتعين في تفهم هذا الحدث النظر في أن غزوة بدر كانت أولى غزوات المسلمين مع المشركين بعد أن أُخرج المؤمنون من مكة مهاجرين مع الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ولم يكونوا جربوا بعد قوتهم إزاء المشركين ولا جربوا بعد مدى مناصرة أهل يثرب لهم في حرب تقوم ولم يعرفوا ما يبيت لهم، وكانت شفقة الرسول صلى الله عليه وسلم قبل القتال عظيمة، فإذا جاء التشدد في اشتراط الإيمان بين المحاربين مع الرسول صلى الله عليه وسلم فهو أمر مرتبط بظرفه، أو هو أمر لا أقول إنه غير مقصود الاقتداء وأنه لا يعتبر سنة تتبع، لا أقول ذلك وإنما أقول: إن ظرف الحدوث يصير شرطًا للاتباع، فيصير الحكم تشريعًا قابلاً للتكرار والانطباق على ما يستجد من أحداث بشرطه.

وذكر ابن القيم أيضًا أن كان لأبي موسى الأشعري كاتب نصراني، وحدث عنه عمر بن الخطاب فأثناه عمر عن استخدامه مذكرًا إياه بالآية الكريمة عن عدم استخدام اليهود والنصارى أولياء (ص210).

ولا يغيب عن الذهن أنه مع الاعتبار برأي عمر، فإن الموقف الآخر كان لأبي موسى الأشعري وهو من هو بين الصحابة ولم يرى عيبًا في استخدام من استخدم، ونحن هنا بين رأيين أو موقفين لعمر وأبي موسى، والنظر يقتضي القول بأنه إما أن يكون رأي أبي موسى مرجوحًا فعدل عنه ولكنه يبقى له اعتباره الفقهي، وإما أن يكون نفاذ رأي عمر بموجب ولايته أمور المسلمين وليس بموجب راجحية رأيه.

وذكر ابن القيم أيضًا أن بعض عمال عمر استشاره في استعمال غير المسلمين لخبرتهم، فقال له عمر: “لا تدخلوهم في دينكم ولا تسلموهم ما منعهم الله منه ولا تأمنوهم على أموالكم” (ص211)، ومن الجلي أن قول عمر كان أدخل في السياسة الشرعية منه في الرأي الفقهي حول الحل والتحريم النصي، فقد أمر بعدم إدخال أولئك في الإسلام مما لا يصح في الظروف العادية، وهو رأي يحتاج لاجتهاد خاص من جانب عمر كما حدث منه في وقف حد السرقة عام المجاعة، وأن أحدًا في الأوضاع العادية لا يملك منع أحد من الدخول في الإسلام فيكسب الداخل عصمة نفسه وماله، ولكن حداثة العهد بالحرب والفتوحات وقلة المسلمين العددية في الأمصار المفتوحة وموجبات بناء الدولة في أول عهدها، هو ما اقتضى كل هذا القدر من الحذر.

وقد كان عمال الدولة الإسلامية الحديثة في الأمصار المفتوحة يواجهون قلة الخبرة، سواء في الإدارة والحكم عامة وبناء مؤسسات الدول، أو بالنسبة للأقوام المفتوحة أمصارهم أو حديثي العهد بالإسلام وحكومته، وقد طلب معاوية من عمر أن يستخدم نصرانيًا لا يجد صالحًا غيره، فرد عليه عمر: “مات النصراني” (ص211)، اعتبره ميتًا وغير موجود، وذلك من شدة حذر عمر وهو القابض على السلطة المركزية في الحجاز من أن ينفلت الأمر من يده لو شاع استخدام غير رجاله في هذه الأمصار الجديدة عليهم، وكان عمر ينصح أبا هريرة بأن يعود مرضى المسلمين ويشهد جنائزهم، ويفتح بابه لهم ولا يستعين بمشرك (ص212)، أي يوثق صلته بعماله حتى يحفظ على إدارة الدولة الجديدة تماسكها.

ويذكر ابن القيم نهي عمر بن عبد العزيز عن استخدام غير المسلمين في أعمال الكتابة والجباية مستندًا إلى الآية الكريمة التي تتحدث عمن يتخذون (دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً) (ص212)، وهذا نهي عن الاستخدام يجاوز في سببه مجرد اختلاف العقيدة، كما يظهر جليًا، ثم يذكر أن شكا جماعة من المسلمين أيام أبي جعفر المنصور من ظلم النصارى وعسفهم فأخرجهم أبو جعفر (ص214)، ودلالة الخبر هنا ليست في أن أبا جعفر أخرج ظالمين أسخطوا الناس منهم فهذا طبيعي، ولكن دلالته أن أبا جعفر استعمل النصارى وولاهم ولم يخرجهم إلا لأنهم ظالمون، كما ذكر ابن القيم أيضًا أنه في أيام الخليفة المهدي الذي جاء بعد أبي جعفر قويت شوكة أهل الذمة (ص245).

ثم يتحدث ابن القيم أيضًا عمن كان متوليًا من غير المسلمين أمورًا عامة في عهد هارون الرشيد والمأمون والمتوكل والمقتدر بالله والآمر بالله، وهو حديث يفيد وجودهم في وظائف عامة (ص124.. إلخ)، وهذا الحديث يفيد عدم قيام مستند فقهي يمنع من ذلك على طوال حقب وعهود، وأن ذكرها يفيد عبرة تاريخية رآها الكاتب دون أن تدل على حكم فقهي، وقد أورد الآية الكريمة التي تنهي عن اتخاذ بطانة من دون المسلمين: (قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ)، والتي تنهي عن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المسلمين وتنهي عن اتخاذ (عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء).

وقد ذكر كتاب الموالاة والمعاداة في الشريعة الإسلامية لمحمد بن عبد الله الجلعود (الجزء 2، من ص791، 799) أمثلة كثيرة لا أظنها تخرج عما ذكره ابن القيم في ضوء ما أعرض له في هذا الحديث، والغالب فيها كلها أنها وقائع تاريخية تحولت لدى من يستشهد بها إلى فقه بغير مستند فقهي يقتصر عليها ولا يسع غيرها من الحجج مما تسعه النصوص السابق البيان عنها. والحاصل أن منشأ الخلاف حول هذا الأمر لم يكن أساسه حجية النصوص المانعة من رأي آخر غير ما اتبع، ولكن كان مما رجحته أوضاع السياق الواقعي وملاءماته.

(12)

ننتقل إلى كلمة سريعة عن المواقف الحالية من الناحية الفكرية، التي تتعلق بالمساواة بين المواطنين المندرجين في الجماعة الوطنية من مختلفي الأديان، وإن الحديث عن الفكر السياسي الذائع الآن حديث صعب، لأن حصره يكاد يكون من الصعوبة بما يبلغ درجة عدم الإمكان وخاصة في هذه الفقرة الموجزة، والكتّاب بفضل الله كثر والكتابات عديدة والاتجاهات تتنوع وهي أوسع من أن يحاط بها في دقة، ويمكن فقط بقدر من التجريد والتعميم الذي لا يبرأ من تهمة الإخلال، يمكن بذل المحاولة لزمِّ الموضوع، وبهذا القدر من التبسيط نعرض لثلاثة اتجاهات عامة رئيسة مع التمثيل لكل منها ببعض رموزها الأساسية:

– أولها الاتجاه الذي يرى أن الدولة الإسلامية دولة عقائدية لابد أن تجري تمييزًا بين المسلمين وغيرهم، ومن ثم يكون لغير المسلمين حق التوظف في الوظائف العامة فيما عدا المناصب الرئيسية لرئاسة الدولة والمجالس النيابية، ويمكن توليهم أعمال الخبرة المهنية في المحاسبة والهندسة وغيرها. وأوضح أصحاب هذا الاتجاه هو أبو الأعلى المودودي، ورأيه ينسجم مع دعواه السياسية التي قامت على أساس انسلاخ المسلمين من الجامعة الهندية القومية إلى إنشاء دولة لهم تقوم على الإسلام بحسبانه الجامعة السياسية الواجبة التشكل، وقد كان الانسلاخ من القومية الهندية بدافع الإسلام لا يتضمن توحيد مسلمي الهند مع غيرهم من خارج الهند. وهو يقسم القاطنين في الدولة الإسلامية قسمين، قسم يؤمن بمبادئها وهم المسلمون، وقسم لا يؤمن بها وهم غيرهم وأنه يتعين التفرقة بينهم، وإن غير المسلمين ثلاثة أنواع: من دخلها بالصلح أو المعاهدة، والمغلوب الذي فتحت أرضه عنوة، ومن انضم بغير حرب ولا صلح. ولم ير المودودي قسمًا هامًا جدًا وهو من شارك المسلمين من غير المسلمين في حروب التحرير ومعارك الاستقلال الوطني ضد المستعمرين الأوروبيين، وأنشأ هذا القسم مع المسلمين جامعة وطنية جديدة بنيت على أساسها الجماعات الوطنية المعاصرة في آسيا وأفريقيا. ويتصل باتجاه المودودي وإن لم يبلغ مبلغه من الشدة ما تصادفه من كتابات سعيد حوى عندما ينكر على الذميين وظائف الشورى والسيادة.

– وثاني هذه الاتجاهات، نجده في الكثير من كتابات الشيخ يوسف القرضاوي وهو يقر مبدأ المساواة بين المواطنين، وأن الذمة تعطي ما يعرف الآن بالجنسية، ولكنها لا تؤهل لوظائف الخلافة وإمارة الجيش والقضاء، وذلك لغلبة الصفة الدينية على ما يتعلق بالإمارة ورئاسة الدولة وقيادة الجيش، ومن هذا الاتجاه أيضًا الدكتور إسماعيل الفاروقي باستبعاده غير المسلمين من المراكز التي تتطلب اتخاذ القرارات، مثل القضاء والسلطة التشريعية، وكذلك الأستاذ عبد القادر عودة، الذي ذكر أن المسلم هو من يقتنع بالإسلام والذمي هو من يلتزم بأحكام الإسلام، وكذلك الدكتور عبد الكريم زيدان وهو يجيز اشتراك الذميين في انتخاب رئيس الجمهورية والمجالس النيابية، وإعطاء عقد الذمة للجنسية.

– والاتجاه الثالث يقر بالجماعة الوطنية في إطارها الواقعي الحاصل ويسوي في الحقوق كافة بين المسلمين وغيرهم في الأمور كافة، ويذكر الأستاذ عمر التلمساني المرشد السابق للإخوان المسلمين بمصر أن القانون الذي يطبق على الأغلبية هو ذاته القانون الذي يطبق على الأقلية مع تولي الوظائف العامة من أصغرها إلى أكبرها، ويذكر الأستاذ راشد الغنوشي أن مبدأ المساواة ثابت إلا فيما يتعلق باختلاف العقائد، وأن المجتمع الإسلامي وإن كان عقائديًا فهو مفتوح لكل العقائد والأجناس، ويتمتع الجميع فيه بحقوق المواطنة، وأن أساس العلاقة مع الدولة هي المسالمة، لأن العدل بمعنى المساواة هو الأصل في جميع حقوق المواطنين، ومدار تولي الوظائف العامة هو الكفاءة والأمانة، عدا ما تقتضيه طبيعة الدولة الإسلامية بالنسبة للوظائف ذات الطبيعة الدينية.

وفي هذا الاتجاه الثالث يذكر الدكتور محمد سليم العوا أن الكثرة الدينية لا توجب حقًا وأن القلة الدينية لا تمنع حقًا، وأن الأمر في النهاية أمر المصالح التي تتعلق بالجماعة، وأن ادعاء اقتصار الحق السياسي أو ممارسة السياسة على أهل دين معين في دولة متعددة ذوي الأديان هو ادعاء لا تسنده أصول الشريعة، وإن عقد الذمة انتهى بسقوط الخلافة، وبذات المعنى يذكر الأستاذ فهمي هويدي أن القاعدة هي أن الحكم للأغلبية والحقوق للأقلية، وأن حق الأغلبية في الحكم لا يخل بالمساواة، وأن الإسلام صنّف الناس على أساس صفة المسالمة والمحاربة، وفرق بينهم وبين مسالم ومحارب وأن الحربيين فقط هم الأجانب.

(13)

والخلاصة فيما أرى:

أن فكرة المساواة بين المسلمين وغيرهم من أهل الكتاب في بلادنا، كانت متحققة في غالب الفقه الإسلامي بالنسبة للحقوق الخاصة والفردية، بموجب أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، إنما تقوم المشكلة في الفقه الإسلامي فيما يتعلق بالولايات العامة، أي الحق في تولي مناصب الدولة والوظائف القيادية ذات القرار النافذ، سواء في القضاء أو الجيش أو الإدارة العامة أو غيرها، وهذه المسألة هي التي كانت تحتاج إلى اجتهاد فقهي يوطئ من أكنافها في إطار المواطنة وما اتبعت في مجتمعاتنا الحديثة من تكوينات سياسية أنشأتها حركات الاستقلال الوطني والمقاومة الوطنية التي تشارك فيها المسلمون والمسيحيون من أهالي بلادنا، وقد تشكلت جماعاتنا السياسية المعاصرة على وفق النتاج الواقعي والتاريخي الذي أسفر عنه هذا الامتزاج، فحُقَّ للجميع أن يقيموا دولهم وفق هذا التشكل وأن تقوم المواطنة فيهم بموجب صفة المشاركة في هذه الجماعة، ووجب من ثم أن يقوم الاجتهاد في البحث عن إمكانات الفقه الإسلامي بما يتحقق به المساواة في الشئون العامة، وتكون مساواة تستقى من مرجعية الفقه الإسلامي ومستجيبة للواقع المعيش.

وحاصل المسألة أن الإمام – ذا الولاية العامة – في الفقه الإسلامي مشروط فيه التدين بالإسلام لأنه مقيد بأحكام الشريعة، وهذه السلطة التقديرية -كما يصورها فقهاء الإسلام- بالغة السعة والشمول، وهي جماع أنشطة الدولة من تدبير الجيوش إلى النظر في الأحكام وتقليد القضاة وجباية الضرائب وقبض الصدقات وإقامة الحدود وحماية الدين وصيانة البيضة وإشاعة الأمن وتحصين الثغور وجهاد من عاند الإسلام، وذلك كله حتى تسير الحجيج إلى مكة في موسم الحج.

وسواء سلطات الإمام أو الوزراء أو الأمراء أو الولاة، فهي سلطات تُقلَّد لصاحبها في عمومها أو خصوصها لينفرد بها بنفسه، وكل من هؤلاء في نطاق ولايته يُعمل إرادته الفردية ومشيئته الخاصة لتنفَّذ بموجب صدورها عنه، ومن هنا يبدو الفارق بين هذا التصور في أعمال الولاية قديمًا وبين التصور المعاصر الذي تنبني فيه نظم الإدارة والسياسة في المجتمع الحديث، وإن سلطات “وزير التفويض” المفوض من الإمام حسب التصور الفقهي التقليدي، هي سلطات لا يملكها اليوم وزير ولا رئيس للوزراء ولا مجلس الوزراء كله في النظام البرلماني.

وإذا كان الفقه الإسلامي التقليدي قد شرط التدين بالإسلام في الإمام ووزير التفويض، فنحن لا نجد اليوم في خريطة توزيع السلطات رئيسًا ولا وزيرًا يملك ما نيط بالإمام أو الوزير المفوض من صلاحيات، لأن سلطات هؤلاء قد توزعت على العديد من الهيئات الدستورية أو الإدارية، التي تتداول فيما بينها العمل العام الواحد وتتقاسمه مراحل حتى ينشأ كاملاً عبر نشاطها جميعها، كما تتبادل الرقابة فيما بينها من أعمال.

وكذلك نلحظ من الناحية الإدارية التنظيمية (لا الدستورية فقط)، إنه لم تعد السلطة المحددة بالتنفيذ مجتمعة في يد فرد أيًا كانت قدراته وإمكانياته، ولا باتت مرتبطة بتوافر العلم الفردي والمعارف الذاتية لموظف فيما يتعلق بالأحكام الشرعية وأمور الحرب وشئون الخراج ومظالم المحكومين، لأن المعارف ذاتها لم يعد في المقدور أن تتهيأ لمدير بموجب علمه الفردي، ولكنها تتجمع من أجهزة فنية متخصصة عديدة، يتوزع عليها العمل توزيعًا فنيًا متخصصًا، وتتكامل الرؤية بتجميع هذه المعارف وتصنيفها والتنسيق بينها.

وإن ما كان يكِلْه الفقه الإسلامي لأي من القائمين على الولايات العامة، قد صار اليوم موكولاً لهيئات تُنَظَّم على وجه يضمن تجميع الجهود المتعددة، ولم يعد الفرد سلطة طليقة في تدبيرأو تنفيذ، والسلطة تقيدها أحكام دستورية، وفي نطاق الدستور تقيدها القوانين، وفي نطاق القوانين توجد لها لوائح وأحكام تفصيلية وفي هذا النطاق المضيق تمارس السلطة التقديرية – في الغالب –  والمهم من الأمور لا كسلطة فردية، إنما تتخلق في الممارسة على نحو مركب، فيمر مشروع القرار السياسي أو الإداري عبر قنوات محددة ومتعددة ومن خلال هيئات متنوعة ومقررة سلفًا بالنظم المرسومة، وإذا صدر قرار فردي بعد ذلك فهو يصدر بهذا التوقيع الفردي تتويجًا لكل العمليات المركبة السابقة عليه، وهو في العديد من مراحله يصدر بأعضاء هيئة أو هيئات تتشكل من عدد من الأفراد يتخذون القرار مجتمعين.

ونجمل هذه النقطة بالقول بأن السلطة الفردية، سواء في السياسة أو في الإدارة، قد تغيرت على طريقين وعلى مبدأين، أولهما: توزيع السلطة بين العديد من الأجهزة والهيئات فلا يستبد بإعداد القرار وإصداره جهاز واحد ولا هيئة واحدة، إنما يتخلق من خلالها كلها. وثانيهما: حلول القرارات الجماعية محل القرار الفردي في المهم من الأمور، أو بعبارة أدق في كل الأمور ما عدا ما تَفُه وضؤل شأنه من الصغائر.

وسلطة الإمام التي صدرها فقهاء المسلمين فردية تمامًا، يتبين من تحليل عناصرها ومقارنتها بأوضاع اليوم أنها صارت موزعة على العديد من سلطات التقرير والتنفيذ والمتابعة والرقابة والتخطيط، وأنه استبدل بها القيادات الجماعية والقرارات الجماعية في العديد من صور اتخاذ القرار، كما استبدل بالعمل الفردي العمل الجماعي المعتمد على التخصص وتقسيم العمل، ولم يعد ثمة منصب واحد يشغله فرد واحد يمكن أن يجتمع له من السلطات ما يجتمع لمن كان يسمى عند الماوردي “وزير التفويض”، يكفي معرفة أن عزل وزير التفويض كان يستتبع عزل جميع من ولاهم من عمال التنفيذ، وأن هذا المنصب الذي شرط الفقه الإسلامي التقليدي في شاغله أن يكون مسلمًا لم يعد موجودًا في الواقع، والحال أن الفقه الإسلامي التقليدي لم يشترط فيمن سماه “وزير التفويض” أن يكون مسلمًا، وهو حسبما تحددت صلاحياته “يؤدي إلى السلطان ويؤدي عن السلطان ويشارك بالرأي”، ولا يظهر أن من عمال الدولة الحديثة اليوم ومن ولاتها من تجاوز سلطانه هذه الصلاحيات التي لم يشترط فقهاء المسلمين الإسلام فيمن يمارسها، أو بعبارة أدق فإنه يمكن الآن بناء مؤسسات الدولة الحديثة على الصورة التي لا تجعل أيًا من أفراد شاغلي مناصبها مالكًا زمام السلطة ومنفردًا بشخصه.

(14)

لقد حلت الهيئات محل الأفراد في تولي الولايات العامة، بما تتصف به الهيئة من جماعية في اتخاذ القرار وتعدد في جهات اتخاذه، وبما يتصف به شاغلو وظائفها من تأقيت فلا يدومون فيها، ومن تداول فلا يستقرون بها، وبما يقر في عقول الكافة أنهم يمثلون شخصًا معنويًا لا أصلاً عن ذواتهم، وإذا كان هذا الوضع غير حادث فعلاً في بلادنا، فإنه يمكن أن نحدثه، أو بعبارة أخرى فإننا نستهدف إحداثه كمعلم من معالم النهوض بأجهزة الدولة وأساليب إدارة المجتمع.

وما دام ذلك كذلك، فيبقى السؤال، إذا كان صاحب الولاية قد صار هيئة وليس شخصًا طبيعيًا، فهل يمكن أن يكون له دين؟ إن الهيئة بوصفها المعنوي لا تصلي ولا تصوم… إلخ، والجواب على ذلك أن دين الهيئة هو مرجعيتها، والمرجعية هي الأصل الفكري المرجوع إليه فيما يصدر عنها من نشاط ومدى التزامها بهذا الأصل بحسبانه موردًا لشرعية ولايتها على الناس، وما دامت “الهيئة” مرجعيتها إسلامية فقد صارت الولاية بها إسلامية في الفقه الإسلامي.

وإن مسألة تصور أن يكون للهيئة دين وأن يكون دينها هو الإسلام، قد صارت في ظني مسألة مستقرة في النظر الفقهي الإسلامي، وقد كان ذلك إبداعًا فكريًا وفقهيًا قام به الشيخ محمد بخيت المطيعي المفتي الأسبق للديار المصرية عندما كان عضوًا بلجنة وضع الدستور المصري في سنة 1923م، إذ كان هو من اقترح على لجنة وضع الدستور أن ينص فيه على أن “دين الدولة هو الإسلام”، فوافقت عليه اللجنة بالإجماع وفيها من فقهاء القانون ومن الليبراليين ومن المسيحيين، وقد اطرد ذكر هذا النص في دساتير مصر التالية كلها كما اطرد ذكره في دساتير الدول العربية، وأقر الجميع به وطالبوا بإيراده إن لم يكن واردًا، وإبقائه إن كان واردًا، بما يمكن معه القول بأن فقهاء الشريعة الإسلامية المحدثين قد أقروا بهذا الحكم وبأن “الهيئة” يمكن أن تتصف بالدين، ومعنى دين الهيئة هو مرجعيتها الشرعية.

لذلك فإن الدستور عندما ينص على أن دين الدولة هو الإسلام، يكون قد أسبغ الولاية الشرعية على مؤسسات الدولة، بمعنى أنه يتعين عليها أن تلتزم باتباع هذه الشرعية والصدور عنها وعدم الصدور عما ينافيها. ويكون أصل الصدور عن الشرعية الإسلامية قد تقرر، ولا مانع بعد ذلك أن تجمع مؤسسات الدولة بين المسلمين وغير المسلمين من المواطنين باعتبارهم شاغلين مناصب هذه المؤسسات وبما يفيد أنهم متساوون في “التأدية إلى السلطان” أي إبلاغه بالمعلومات و”التأدية عن السلطان” أي تنفيذ قراراته “والمشاركة بالرأي”، والسلطان هنا هو الهيئة وليس الأفراد المشكلين لها.

والحال أن الدستور عندما يؤكد على إسلامية الدولة، فهو يؤكد أيضًا على حقوق المساواة بين المواطنين جميعًا، ويؤكد الحقوق المتساوية المستفادة من مبدأ المواطنة، وهو بهذا الجمع بين النص على إسلامية الدولة وأن مرجعيتها هي مبادئ التشريع الإسلامي، وبين النص على المساواة بين المواطنين، هو بهذا الجمع إنما يكون قد اعتمد من وجهة النظر الإسلامية ما يؤكد على المساواة بين المواطنين، ويكون قد أقر بأن المساواة بين المواطنين هي ما يعتمده من المبادئ المستندة إلى الفقه الإسلامي، والمعروف في أصول الفقه الإسلامي أن لولي الأمر – إمامًا كان أو قاضيًا- أن يرجح من الآراء التى يسعها الفقه الإسلامي ما يرى ترجيحه، فيصير هذا الرأي هو مكتسب الشرعية في الحالة العينية التي رجح فيها، وذلك كله ما دامت وجوه النظر الفقهي تسع هذا النظر.

والحمد لله

رابط للتحميل المباشر للدراسة

يقترح هذا التقرير للدكتور “أحمد ت. كورو” تفسيرًا بديلاً وهو أن السبب الرئيس للسلطوية والتأخر في العديد من البلدان ذات الأغلبية المسلمة هو التحالف بين علماء الدين وسلطات الدولة، وقد شهدت الفترة بين القرنين الثامن والحادي عشر حقبة عُرفت بالعصر الذهبي للإسلام حين كانت طبقتا العلماء والتجار هما المحركين اللذين دفعا التقدم العلمي والاقتصادي للأمام. لكن في منتصف القرن الحادي عشر بدأ تحالف علماء الدين مع الدولة يترسخ، وقام هذا التحالف تدريجيًا بتهميش العلماء والتجار المستقلين، مما أدى إلى قرون من الركود الفكري والاقتصادي في العالم الإسلامي. ويسعى هذا التقرير إلى تقديم رؤية جديدة لمستقبل العالم الإسلامي ويوصي بإصلاحات جذرية بالدولة والاقتصاد قائمة على إعادة تقييم هذا التاريخ.

رابط مباشر للتحميل

ورقة للدكتور محمد سليم العوا نُشرت في مجلة كلية التربية بجامعة الملك سعود عام 1977، يتطرق فيها للظاهرة التي لفتت الأنظار حينذاك حيث تزايد الاتجاه بين المشتغلين بالقانون -تشريعًا وفقهًا- إلى الإفادة من الفكر القانوني الإسلامي في مجالات متعددة، وعلى رأسها المجال الجنائي، وقد أثمر هذا الاتجاه على إقامة عدد من الندوات اهتمت بالتشريع الجنائي الإسلامي.

اقتصر العوا في هذه الورقة أثناء تحليله للنتائج الأولى لهذا الإنتاج العلمي على خمسة مباديء أساسية للتشريع الإسلامي، وهي

1- الصبغة الدينية للتشريع الجنائي الإسلامي.

2- العلاقة بين القاعدة القانونية والقيم الأخلاقية.

3- مبدأ -أو قاعدة- الشريعة “لا جريمة ولا عقوبة بغير نص”.

4- مبدأ عدم رجعية التشريع الجنائي إلى الماضي.

5- المساواة أمام النصوص الجنائية.

رابط تحميل مباشر للدراسة