المركز القانوني الدولي لحركات المقاومة في القانون الدولي المعاصر

By د. هيثم موسي حسن تشرين2/نوفمبر 21, 2023 1027 0

تأتي دراسة "المركز القانوني الدولي لحركات المقاومة في القانون الدولي المعاصر" التي قدمها الباحث هيثم موسي حسن للملتقي الدولي الخامس الذي دار حول "حرب التحرير الجزائرية والقانون الدولي"، بجامعة حسيبة بن بو على بالجزائر لمحاولة رفع بعض من الغموض الذي يكتنف الكتابات القانونية المختصة بظاهرة المقاومة من جهة غموض الاصطلاحات التي تستخدم للتعبير عنها، أو عدم وضوحها، على عكس الحال فيما يتعلق بالمعالجة القانونية للحرب، فبينما يستقر الفقه القانوني الدولي على استعمال اصطلاحات محددة، تتعلق بها معان مستقرة، ويترتب عليها آثار قانونية متميزة للتعبير عن الحرب، نجد أن الفقه القانوني الدولي ذاته يستعمل تعبيرات عديدة في إشارته إلى المقاومة وحروبها، وهو ما يؤدي إلى زيادة الغموض واللبس حولها، ويحيط دراسة الجوانب القانونية التي تثيرها بمشاكل وصعوبات لا حصر لها. وما هذا الوضع إلا نتيجة لاعتبار أن المقاومة وحرب التحرير الوطنية تمثل وضعًا سياسيًا قبل أن تمثل مفهومًا قانونيًا، وهكذا تتداخل العوامل السياسية مع المفاهيم القانونية في التأثير على تحديد ماهية المقاومة وحروب التحرير الوطني، وضبط مضمونهما وحدودهما ... وهذا ما يؤدي عمليًا إلى صعوبة تمييز حركات المقاومة والتحرير الوطني عن أنواع أخرى من التنظيمات والتجمعات الأخرى، كالحركات الانفصالية، والأحزاب المعارضة والحركات الإرهابية.

ومما جاء في مقدمة الباحث للدراسة:

"المقاومة هي التعبير الحي عن البقاء، والصنو المرادف للحياة، والحقيقة المساوية الجوهر الوجود، وما استمرار الإنسان ذاته إلا نتاجًا للمقاومة والبقاء داخله، ضد أسباب الفناء وعوامل الهلاك.. إذ ما أن تنتهي منه سمات المقاومة وصفاتها، وإرادة البقاء وأدواتها، فسيحكم عليه بالموت والانتهاء.. وكذا الأمر بالنسبة للشعوب والدول.

ولقد أصبح من المسلّم به أن: «لكل الكائنات الحية دافعًا يدفعها إلى المحافظة على ذاتها واستقلالها، وتظهر على البشر تبعًا لذلك سمتي (إرادة الحياة) و(إرادة الحرية) وحين تعرف الأمة بأنها على استعداد للتصرف الجماعي لغايات سياسية، فإننا نعني ضمنًا أنه حينما وجدت أمة، فقد وجد الكفاح من أجل التعبير عن الذات تعبيرًا مستقلًا». واستقراء سريع للتاريخ ووقائعه وأحداثه يكشف لنا أن معادن الشعوب في أصالتها وصلابتها لا تظهر على حقيقتها إلا في أتون تلك الصراعات طلبًا للحرية أو ذودًا عنها ... وكان البقاء لتلك الشعوب التي عرفت كيف تبذل الدماء، وتجود بالأرواح في تلك الساعات الحالكة من تاريخها وتاريخ العالم ... والتي لم يكن فيها بد من أن تبذل الدماء وتصير التضحية بالأرواح واجبًا مقدسًا ... وكان لأولئك الذين يحبون ويقدسون أرض الآباء والأجداد، ويدافعون عنها بشتى الوسائل، اعتبار كبير في تكوين الضمير الاجتماعي، ويتغنى بهم كأبطال في الأدب وفي كل العصور.

ويعتبر حق الحياة أو البقاء وحق المقاومة أو الدفاع عن النفس من حيث النتيجة وجهان العملة واحدة باعتبارهما مترابطين ولا يقبلان التجزئة أو الانفصال أو التنازل ... إذ لا معنى للتأكيد على حق الحياة سواء للأفراد أم الشعوب، دون أن يستتبع ذلك إعادة التأكيد على الوسيلة المؤدية للحفاظ على هذا الحق، ألا وهي وسيلة الدفاع والمقاومة ضد الأسباب التي تعرض حق الحياة أو البقاء للخطر والفناء، وما ذلك إلا لاعتبار أن حق المقاومة والدفاع يمثل حقًا طبيعيًا وملازماً للبشر، أفرادًا ومجموعات، يقوم عند حدوث أي اعتداء أو انتهاك للحقوق التي يتمتعون بها. وقد تأكد هذا الحق عمليًا بالنص عليه في بعض الإعلانات العالمية لحقوق الإنسان، وبعض الدساتير والقوانين الوطنية الأخرى.. وكانت الانطلاقة الفعلية بهذا الخصوص في الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن غداة الثورة الفرنسية عام 1789.

ولئن كانت المقاومة بشكل عام، ظاهرة ذات جوانب متعددة؛ سياسية وعسكرية وقانونية وتاريخية واجتماعية، فإن الكتابات القانونية حولها تتسم بالغموض، غموض الاصطلاحات التي تستخدم للتعبير عنها، أو عدم وضوحها ... على عكس الحال فيما يتعلق بالمعالجة القانونية للحرب، فبينما يستقر الفقه الدولي على استعمال اصطلاحات محددة، تتعلق بها معان مستقرة، ويترتب عليها آثار قانونية متميزة للتعبير عن الحرب، نجد أن الفقه ذاته يستعمل تعبيرات عديدة في إشارته إلى المقاومة، وحروبها ... وهو ما يؤدي إلى زيادة الغموض واللبس، ويحيط دراسة الجوانب القانونية التي تثيرها بمشاكل وصعوبات لا حصر لها. وما هذا الوضع إلا نتيجة لاعتبار أن المقاومة وحرب التحرير الوطنية تمثل وضعًا سياسيًا قبل أن تمثل مفهومًا قانونيًا، وهكذا تتداخل العوامل السياسية مع المفاهيم القانونية في التأثير على تحديد ماهية المقاومة وحروب التحرير الوطني، وضبط مضمونهما وحدودهما ... وهذا ما يؤدي عمليًا إلى صعوبة تمييز حركات المقاومة والتحرير الوطني عن أنواع أخرى من التنظيمات والتجمعات المماثلة أو المشابهة لها تقريبًا، كالحركات الانفصالية، والأحزاب المعارضة، والحركات الإرهابية. وقد وفرت هذه الاعتبارات غطاء جيدا لبعض الدول، في موضوع تعاملها مع حركات المقاومة والتحرر الوطني، وذلك تبعًا لما يحقق مصالحها وأهدافها، وحسب موقعها من الأحداث، بين كونها دولة غازية أو معتدية أو معتدى عليها ... حيث كانت تنظر إلى مثل هذه الحركات على أنها مجموعات إرهابية وإجرامية، وتنزل بأفرادها أشد العقوبات وأقساها، فيما إذا كانت دولة معتدية ومحتلة ... بينما كانت تشجع هذه الحركات وتنادي بها وتحث المواطنين على الانضمام لها، باعتبارها حركات مشروعة تمارس حقها المشروع في الدفاع عن الوطن ورد المعتدي وذلك في حالة تعرضها لغزو خارجي، واحتلال أراضيها من قبل القوة المهاجمة الغازية.

وهكذا مع تزايد حركات المقاومة والتحرير الوطني في أرجاء العالم أثناء وبعد الحرب العالمية الثانية، وتعاظم دورها على المستويين الوطني والدولي في تحقيق الاستقلال لبلادها وتحرير أراضيها المحتلة.. وممارسة حقها المشروع في تقرير مصيرها، ثم في تنامي الاعتراف الدولي بها وبشرعية لجوئها لاستخدام القوة المسلحة في سبيل تحقيق أهدافها الوطنية بالتحرير والاستقلال.. فقد تم اعتبار حروبها التي تخوضها في هذا المجال حروبًا دولية، كما أقر بذلك البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، حيث جاء في الفقرة الرابعة من المادة الأولى منه: (على أنه يعتبر من قبيل الحروب الدولية التي تطبق فيها أحكام هذا البروتوكول المنازعات التي تناضل بها الشعوب ضد التسلط الاستعماري والاحتلال الأجنبي وضد الأنظمة العنصرية، وذلك في ممارستها لحق الشعوب في تقرير المصير، كما كرسه ميثاق الأمم المتحدة والإعلان المتعلق بمبادئ القانون الدولي الخاصة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول طبقا لميثاق الأمم المتحدة).

وأخيرًا، ومع الأخذ بعين الاعتبار ما تضمنته قوانين وأعراف الحرب وبخاصة اتفاقيات جنيف لعـــام 1949 والبروتوكولين الإضافيين المكملين لها لعام 1977، وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، يمكننا تحديد مفهوم المقاومة، وتعريفه على النحو التالي: (العمليات ذات الطابع العسكري، والتي تستخدم فيها القوة المسلحة، من قبل القوات المسلحة النظامية بواسطة عناصر وطنية من غير أفراد القوات النظامية، وتنفذ ضد السلطات القائمة بالاحتلال أو قواتها أو مراكزها فوق الأراضي المحتلة، أو ضد الأهداف العسكرية وما في حكمها فوق إقليم الدولة المحتلة ذاتها أو خارجها، يدفعهم إلى ذلك الدافع الوطني في الدفاع عن البلاد ومقاومة الاحتلال في سبيل تحرير الأراضي المغتصبة، وطرد المحتلين منها .. وسواء كانت تلك العناصر تعمل في إطار تنظيم يخضع لإشراف وتوجيه سلطة قانونية أو واقعية، أو كانت تعمل بناء على مبادرتها الخاصة، وسواء باشرت النشاط فوق الإقليم المحتل ذاته، أو من قواعد خارج الإقليم)".

 

تقسيم الدراسة:

 قسم الباحث دراسته، إلى المطالب الآتية:

المطلب الأول: الوضع القانوني فيما قبل اتفاقيات جنيف لعام 1949.

المطلب الثاني: الوضع القانوني في ظل اتفاقيات جنيف لعام 1949.

المطلب الثالث: النظرية الحديثة للمقاومة في ظل البروتوكولين الإضافيين لعام 1977.

المطلب الرابع: الطبيعة الدولية لحروب المقاومة والتحرير الوطني.

المطلب الخامس: الشخصية القانونية الدولية لحركات المقاومة والتحرير الوطني.

رابط ملف الدراسة

_____________

المصدر: هيثم حسن، المركز القانوني الدولي لحركات المقاومة في القانون الدولي المعاصر، الملتقي الدولي الخامس "حرب التحرير الجزائرية والقانون الدولي"، جامعة حسيبة بن بو على، الشلف، الجزائر، 9، 10 نوفمبر 2010.

Rate this item
(0 votes)
Last modified on السبت, 08 آذار/مارس 2025 03:41

Leave a comment

Make sure you enter all the required information, indicated by an asterisk (*). HTML code is not allowed.