الدين والدستور في مصر

By د. محمد نور فرحات تشرين2/نوفمبر 19, 2023 1783 0

مقدمة:

تهدف هذه الورقة إلى محاولة التعرف على إشكالية العلاقة بين القانون والدين ومبدأ المواطنة في الدستور المصري خاصة بعد أن نصت المادة الثانية من الدستور بعد تعـديلها سـنة 1980 على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع.

من الناحية التاريخية كانت الشريعة الإسلامية فيما قبل إنشاء المحاكم الأهلية في مصـر سـنة 1883 هي الشريعة العامة التي تطبق على كافة العلاقات القانونية في مجال المعـاملات وفـى مجال التجريم والعقاب بالنسبة للمصريين المسلمين. أي أن الأحكام المستمدة من الدين كـانت بصفة عامة هي المصدر العام للقانون، وذلك في غير ما وردت به نصـوص تشـريعية خاصـة صادرة من عاصمة الدولة العثمانية أو من حاكم مصر في حدود ولايته، وهذه كانت أغلبها في علاقات القانون العام.

ومعلوم أنه منذ أوائل القرن التاسع عشر وتحديدًا منذ عصر محمد على واكب التشريع المصري الاتجاه العام الذى كان يتزايد تدريجيًا في الإمبراطورية العثمانية من الاعتماد على التشـريعات المستندة إلى اعتبارات المصلحة والاستفادة من الحلول التشريعية الأوروبيـة والتوسـع في المجالس القضائية التي تباشر اختصاصها بجانب المحاكم الشرعية التقليدية. إلا أنه كأصل عام ظلت الشريعة الدينية هي الشريعة الحاكمة في علاقات القانون الخاص. ومن المثير للدهشـة أن التحول عن أحكام الفقه التقليدي إلى التقنينات الحديثة عام 1875 (التقنينات المختلطة) ثم عام 1883  (التقنينات الأهلية) لم يواجه بأي رد فعل اجتماعي أو سياسي مقاوم لهذا التحـول عن أحكام الشريعة وعن قضاء الشريعة.

الدين في الوثائق الدستورية السابقة على دستور 1971:

بل لقد خلت الوثائق الدستورية التي عرفتها مصر في بداية إطلالها على التنظـيم الدسـتوري الحديث من أي إشارة إلى دين للدولة أو إلى الشرائع الدينية كمصدر للتشريع. يصدق ذلك على لائحة تأسيس مجلس شورى النواب سنة 1866، والأمر العلي للائحة مجلس النواب الصادر في فبراير سنة 1882، والقانون النظامي المصري الصادر في مايو 1883، والقانون النظامي رقـم 29 لسنة 1913، المختص بالجمعية التشريعية المصرية.

والواقع أن النص في الدستور على أن الاسلام دين الدولة لم تعرفه الدساتير والوثائق القانونية الأساسية في مصر إلا مع صدور دستور 1923، إذ نص في المادة 149 منه علـى أن "الاسـلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية". ثم تبنت الدساتير اللاحقة هذا النص فورد بعباراتـه في المادة 138 من دستور 1930 والمادة الثالثة من دستور 1956، وإن كان قد جرى إغفاله في دستور الجمهورية العربية المتحدة المؤقت لعام 1958 وفى الاعلان الدسـتوري الصـادر في سبتمبر 1962، إلا أن النص عليه عاد مرة ثانية في المادة الخامسة من دستور سنة 1964.

دستور 1971 وسمو الشريعة الإسلامية:

وخطا دستور 1971 خطوة أكثر إيغالاً في الربط بين القانون والدين؛ لأن الرئيس السادات كـان يبحث عن شرعية جديدة تميز نظامه عن نظام يوليو 1952، وتمثلت هذه الشرعية في اكتسـاب الدولة طابعًا دينيًا فيما عرف وقتئذ بـ"دولة العلم والإيمان"، فلم تكتف المادة الثانية من الدسـتور بالنص على أن الإسلام دين الدولة، كما كان الحال في الدساتير السابقة، بل اعتبرت [مبادئ] الشريعة الإسلامية مصدرًا رئيسيًا للتشريع. والواقع أن هذه أول مرة في التاريخ القـانوني المصري الحـديث يكتسب الربط بين النظام القانوني والشريعة طابعًا دستوريًا منذ العدول عن اعتبار فقه الشريعة هو النظام القانوني الحاكم والأخذ بنظام التقنينات الحديثة سنة 1883.

لقد أدخلت هذه المادة إلى الدستور المصري لأول مرة في دستور 1971، وعُدلت سـنة 1980 لتصبح الشريعة الإسلامية مقتضاها هي المصدر الرئيسي للتشريع بدلاً من كونها مجرد مصدر رئيسي دون أداة التعريف. وجرى مع هذا التعديل في سلة واحدة تعديل آخر للمادة 77 مـن الدستور بإطلاق مدد ولاية رئيس الجمهورية دون حد أقصى. وهكذا صَوَّت المصريون وقتئـذ بالموافقة على أن تكون الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسـي للتشـريع مثلمـا صـوتوا بالموافقة على أن يكون رئيسهم رئيسًا إلى الأبد.

وحقيقة الأمر أن تصويت المصريين سنة 1980 بتعديل المادتين أمر تحيط بحدوثه في الواقـع شكوك شبه مؤكدة. فلم يتعود المصريون أن يذهبوا إلى صناديق الانتخاب فكيف يذهبون إلـى صناديق الاستفتاء خاصة إذا كانت النتيجة الموافقة سيتم إثباتها وإعلانها رغمـًا عنهم سـواء أرادوا ذلك أم لم يريدوه. ولكنها شرعية اللفظ المثبت على الورق التي كانت السلطة في ذلك الوقت تلهث وراءها وتساعدها في تحقيق هذا جوقة وهبت نفسها لتزييف الواقع بصرف النظر عن الشرعية الفعلية.

على أي حال، لا يستطيع أحد أن ينكر أن التعديل الذي جرى على هذه المادة قد أثار حساسيات شديدة لدى الإخوة الأقباط في مصر أو في خارجها، حساسيات يعلن عنها تارة وتضمر في النفوس تارات أخرى، وهم الذين يذكرون أن دساتير مصر فيما قبل 1956 لـم تكـن تتعـرض لمسألة كون الشريعة مصدرا للتشريع من قريب أو بعيد. وصاحب هذه الحساسـية، أو لنقـل نجم عنها، مجموعة من المعلومات غير الصحيحة عن الدور الذى لعبته المـادة الثانيـة مـن الدستور بعد تعديلها في إشاعة الفرقة بين الأقباط والمسلمين وفى تدنى الوضع القانوني للأقباط. وهى معلومات راجت في ظل مناخ غير صحى بالمرة كرسه التصريح الشهير للرئيس أنـور السادات الذى أعلن فيه أنه "رئيس مسلم لدولة مسلمة" مما أعطى انطباعـًا أن الأقبـاط قـد صاروا تطبيقًا للمادة الثانية من الدستور مواطنين من الدرجة الثانية. وهو انطباع وإن كـان له ما يبرره من شطط القول الصادر من رئيس البلاد إلا أنه يتجنى على الواقـع الموضـوعي وغير صحيح.

الإسلام في دساتير الدول الاسلامية:

إن الحكم على تأثير المادة الثانية من الدستور بعد تعديلها على الأوضاع القانونيـة للأقبـاط لا يمكن الركون فيه إلى تصريح غاضب صادر من الرئيس في فورة انفعال تنفلت معـه الكلمـات، ولكن إلى الواقع الموضوعي الذى أحدثته هذه المادة في العلاقات القانونية التي يكـون الأقبـاط طرفًا فيها لهويتهم الدينية. 

وقبل أن نعمد إلى استقراء هذا الواقع علينا أن نلقي نظرة على الساحة العالمية لنعـرف علـى وجه التحديد ما هي الصيغ السائدة للعلاقة بين الدين والدولة في الدول الإسلامية.

يبلغ عدد المسلمين في العالم ما يربو على البليون والثلاثمائة مليون نسمة، يعيش بليون مـنهم في أربعة وأربعين دولة ذات أغلبية إسلامية، أما الباقون فيعيشون في دول غير إسلامية. ومن هؤلاء الذين يعيشون في دول إسلامية يعيش 28% منهم في بلدان عشرة تعلن دسـاتيرها أن الدولة بها هي دولة إسلامية. وهذه الدول هي أفغانستان والبحرين وبروناي وإيران والمالديف وموريتانيا وعمان وباكستان والعربية السعودية واليمن ( منها خمس دول عربية). وفضـلاً عن ذلك ثمة اثنتا عشر دولة أخرى نصت دساتيرها على أن الإسلام دين الدولة دون أن ينعكس ذلك على طبيعة النظام السياسي في الدولة. وهذه الدول هي الجزائـر وبـنجلاديش ومصـر والعراق والأردن والكويت وليبيا وماليزيا والمغرب وقطر وتـونس والإمـارات ( أغلبهـا دول عربية). أي أن اثنتين وعشرين دولة يعيش بها ما يقرب مـن 58% مـن مسـلمي الـدول الإسلامية (600 مليون نسمة) ربطت بين الدين والدولة -على نحو ما- في دساتيرها.

وعلى الجانب المقابل ثمة إحدى عشر دولة تعيش بها أغلبيات مسلمة نصت دساتيرها صـراحة على أن الدولة بها هي دولة علمانية. وتضم هذه الدول العلمانية ذات أغلبية السكان المسـلمين قرابة مائة وأربعين مليونًا من السكان. وهذه تشمل بوركينا فاسو وتشاد وغينيا ومالي والنيجر والسنغال وأذربيجان وكيرجستان وطاجيكستان وتركمانيا (لا توجد بين هذه الدول دولة عربية واحدة). وتبقى بعد ذلك إحدى عشر دولة أخرى من بين الدول ذات الأغلبيـة الإسلامية لـم تتضمن دساتيرها أي إشارة إلى الطابع الديني أو الطابع العلماني للدولة، ومن هذه الدول ألبانيا ولبنان وسوريا وجزر القمر وجيبوتي والصومال وغيرها. وتضم هذه المجموعة الأخيرة دولة إندونيسيا التي هي أكبر الدول الإسلامية في العالم حيث تضم 250 مليون مسلم.

المادة الثانية من دستور 1971 والدولة المدنية:

 هذا عن العلاقة بين الدين والدولة في الدول الإسلامية على الساحة العالمية. علـى أنـه، كمـا لاحظ كثير من الباحثين بحق، فإن النص في الدستور على أن الإسلام دين الدولة الرسمي أو أن الشريعة هي مصدر التشريع أو المصدر الرئيسي له، لا يترتب عليه بالضرورة أن تتحول الدولـة من دولة مدنية إلى دولة دينية أو أن يتحول غير المسلمين إلى أقلية دينية منقوصة الحقـوق. فالغالب أن هذه النصوص لا تؤدي إلى إحداث انقلاب في النظام التشريعي، وإنما أدخلـت هـذه النصوص في العديد من دساتير الدول ذات الأغلبية الإسلامية لظروف سياسية ارتبطت بعمليـة الصراع السياسي بين النظم الحاكمة وجماعات الإسلام السياسي.

والأهم من ذلك، أن تمكنت المحكمة الدستورية العليا المصرية في العديد من أقضيتها من إقرار مبادئ حالت بين أن يؤدى النص في الدستور على أن الشريعة الإسلامية هي المصـدر الرئيسي للتشريع إلى أن تتحول مصر إلى دولة دينية. وأهم هذه المبادئ التي قررتها محكمتنا العليا: أن خطاب هذه المادة موجه إلى المشرع وليس موجهًا إلى القاضي، وبالتالي لا يجـوز للقاضي أن يتجاهل القانون الوضعي، وأن يذهب إلى تطبيق الشريعة مباشرة حتى ولو تراءى له أن نص القانون الوضعي مخالف لأحكام الشريعة الإسلامية، وأن المقصود بالشريعة التي هي مصدر التشريع الأحكام الكلية العامة التي اتفقت عليها مختلف المذاهب الفقهية دون الدخول في تفصيلات اختلافات المذاهب وخاصة تلك المرتبطة بثقافات نسبية تجاوزها العصر، وأن القوانين الصادرة قبل دستور 1971 لا يسري عليها نص المادة الثانية من الدستور من اعتبار الشريعة مصدر التشريع، وأن المقصود بصفة عامة من كون الشريعة مصدرًا رئيسيًا لتشـريع هـو ألا تكون التشريعات متعارضة مع الأحكام الكلية للشريعة دون أن يعني ذلـك اشـتراط أن تكـون التشريعات مستمدة مباشرة من أقوال الفقه القديم، ففي مبدأ المصلحة مجال فسـيح لسـلطة المشرع في الدولة الحديثة.

ولا نعرف تشريعًا واحدًا صدر في مصر بعد دستور 1971 يحتوي على أقل قـدر مـن شـبهة التمييز بين المسلمين وغير المسلمين أو على أن الدولة في مصر قد تحولت إلى دولـة دينيـة يحتل فيها غير المسلمين مرتبة ثانية.

ومع ذلك، وبعيدًا عن دائرة الدستور والتشريع فإن لأقباط مصر مشكلات، وهـى مشـكلات لا ترجع إلى البنية القانونية للمجتمع المصري، ولا ترجع إلى تأثير المادة الثانية من الدسـتور التي لم تحدث كما رأينا انقلابًا في النظام القانوني، وإنما ترجع إلى مناخ ثقافي واجتمـاعي لا دخل للقانون به.

ومع ذلك فثمة حجة يرددها معارضو المادة الثانية من دستور 1971 (ومنهم أقباط المهجر) أنه يجب أن تكون قوانين الدولة وفى مقدمتها الدستور محايدة بـين الأديـان المختلفـة التي يعتنقها مواطنو الدولة عملاً بمبدأ المواطنة؛ لأن الدين الله والوطن للجميع. وأن من شأن الخلط بن القانون والدين أن تصبح الدولة -المفترض فيها أنها ظاهرة قانونية- منحازة لدين علـى حساب دين آخر. وهي في الغالب تكون منحازة لدين الأغلبية على حساب دين الأقليـة، وأن هذا الانحياز من شأنه أن يضرب مبدأ المواطنة في الصميم.

الدين والقانون في مصر:

وإن شئنا الدقة في تفحص العلاقة بين الدين والقانون في مصـر فعلينـا أن نسـلم أن النظـام القانوني لم يكن أبدًا بعد إنشاء المحاكم الأهلية سنة 1883 نظامًا منفصلاً البتة عن مبادئ الدين وقواعده، بل كان ثمة تداخل معترف به بين دائرة القانون ودائرة الدين. يظهـر هـذا علـى أوضح ما يكون في التأثير الذى مارسه الفقه الإسلامي على القانون المدني المصري منذ نشأته الأولى سنة 1883. فقد تأثر القانون المدني الأهلي الذي استمدت أغلب أحكامه من القـانون الفرنسي في بعض جوانبه بالفقه الإسلامي. ثم وضح هذا التأثر واستقام مع صـدور القـانون المدني الجديد عام 1948. حيث استقى التقنين الجديد الكثير من أحكامه من الفقـه الإسـلامي سواء في المبادئ العامة أم في المسائل التفصيلية. فقد أخذ القانون المدني من الفقه الإسلامي نزعته الموضوعية مؤثرًا إياها على النزعة الذاتية التي تميز القوانين اللاتينية، واسـتمد منـه أيضًا نظرية التعسف في استعمال الحق، وتنظيم حوالة الدين، ومبـدأ الحـوادث الطارئـة، والأحكام الخاصة بمجلس العقد، وإيجار الوقف والحكر، وهلاك الزرع في العـين المـؤجرة، وانقضاء الإيجار بموت المستأجر وغير ذلك.

والأهم من ذلك أن التقنين المدني الجديد جعل من الشريعة الإسلامية مصدرًا عامًا للقانون عنـد خلو التشريع والعرف من نص يحكم النزاع ( م1/2). والشريعة كمصدر للقانون – كما ذهـب إلى ذلك السنهوري في الأعمال التحضيرية- لا تتقيد بمذهب معين بل تتمثل في المبادئ الكلية التي يقبلها الضمير القانوني المعاصر والتي تتوافق مع المبادئ العامة في القانون المدني.

العلاقة بين الشريعة الإسلامية والنظام القانوني المصري في هذه الصـياغة لـم تكـن علاقـة أساسها الدين، أي باعتبار الشريعة شريعة دينية تدين بها الأغلبية، ولكـن باعتبارهـا نظامًـا قانونيًا ناضجًا اعترف به مؤتمر القانون المقارن في لاهاي عام 1937 كأحد الـنظم القانونيـة المعاصرة التي تحتوي على صنعة قانونية رفيعة. ولم يكن أمر العلاقة بـين الـدين والدولـة -[من حيث] الربط بينهما [أم] الفصل بينهما- مطروحًا عند اعتبار الشريعة مصـدرًا للقانون في منتصف القرن الماضي، بل كان المطروح هو أمر قوميـة القـانون وضـرورة أن يكون القانون النافذ مستندًا إلى التراث القانوني للأمة، وهو تراث يستند بدوره بالضرورة علـى أحكام الفقه الإسلامي الأكثر ملائمة للضمير القانوني المعاصر، على حد تعبير العميد السـنهوري واضع القانون المدني الجديد.

وأظن أن أمر المادة الثانية من الدستور قد آل من حيث فهمه وتفسيره ورسم ضوابطه إلى مـا استقر عليه فهم الفقرة الثانية من المادة الأولى من القانون المدني، مـن حيـث أن الشـريعة الإسلامية التي هي مصدر التشريع أو القانون ليست مجرد شريعة دينية يدين بهـا المسـلمون، وإنما هي نظام قانون ناضج يعتبر مكونًا جوهريًا في التراث القانوني للأمة بمسلميها ومسيحييها، وأن المقصود بالشريعة في كلا الأمرين هو المبادئ العامة التي يتقبلهـا الضـمير القـانوني المعاصر. ولا شك أن هذا الفهم مختلف تمامًا عن مفهوم الدولة الدينية الذى يروج له الـبعض أو الذى يقاومه ويناهضه البعض الآخر.

المظهر الآخر للعلاقة بن الدين والقانون في النظام القانوني المصري يتمثل في مسائل الأحـوال الشخصية. فالمبدأ العام أن المصريين يخضعون في تنظيم أحوالهم الشخصية لشرائعهم الدينية.

وتتعدد الشرائع الدينية المنظمة للأحوال الشخصية في مصر بتعدد الديانات والمذاهب والطوائف. فالمسلمون تنظم أحوالهم الشخصية مختلف التشريعات الصادرة في هذا الشأن، وفـى حالـة خلو نص في التشريع يطبق أرجح الأقوال من مذهب أبى حنيفة. والمسيحيون تطبق شرائعهم المذهبية والطائفية على تعدد مذاهبهم ومللهم وطوائفهم. واليهود تطبق عليهم شرائعهم وهـم ينقسمون إلى قرائين وربانيين.

والجدير بالملاحظة أنه حتى الآن لا توجد تقنينات رسمية للأحوال الشخصية لغير المسـلمين. بل ما زال الأمر متروكا للتقنينات غير الرسمية ولتعليمات وقرارات الآباء الكنسـيين وقـرارات المجامع. وهذا الوضع الخاص بتعدد وعدم ثبوت مصادر القاعدة القانونية في مسائل الأحـوال الشخصية عند غير المسلمين وإلى حد ما عند المسلمين في غيبة نـص تشـريعي لـه آثـاره السلبية على علاقات الأحوال الشخصية في مصر.

فليس بعيدًا عن ذاكرتنا ذلـك الحكـم الـذ أصدرته المحكة العليا في مصر بتطليق أحد المفكرين من زوجته استنادًا إلى أرجح الأقوال مـن مذهب أبى حنيفة. وليس خافيًا ذلك العنت الذى يلاقيه بعض الأزواج المسيحيين لأن شـريعتم ترفض ايقاع الطلاق رغم استحالة العشرة بين الزوجين.

ثم إن نص المادة السادسة من قانون إلغاء المحاكم الشرعية والمجالس المليـة ( 462 لسـنة 1955) جعل من الشريعة الإسلامية شريعة واجبة التطبيق على غير المسلمين في منازعـات أحوالهم الشخصية في حالة اختلاف الطائفة أو الملة بين الزوجين. وإن كان لا يجـوز إيقـاع الطلاق بين غير المسلمين مختلفي الطائفة أو الملة إلا إذا كان الطرفان يدينان بوقوع الطلاق. هذا النص نظر إليه عدد من رجال القانون الأقباط (المرحوم الدكتور سليمان مرقس) على أنه يمثل تمييزًا بين المسلمين وغيرهم لأنه يقضي بتطبيق الشريعة الإسلامية على غير المسـلمين حال كونهم لا يدينون بها. والحجة التي تقال لتطبيق الشريعة في هذه الحالة أنها هنا بمثابـة الشريعة العامة للبلاد التي تطبق في حالة اختلاف المتنازعين. وهذا قول مـردود عليـه بـأن شريعة الأقباط الأرثوذكس تمثل شريعة عامة بالنسبة للمسيحيين مختلفي المذهب أو الطائفة، وأن شريعة اليهود الربانيين شريعة عامة بالنسبة لليهود، وبالتالي لا تسـتقيم حجـة كـون الشريعة الإسلامية شريعة عامة إلا في حالة اختلاف الدين بين الزوجين.

وعلى أي حال فقد كانت هذه المادة سببًا لتلاعب المتقاضين من غير المسلمين في مسألة تغيير الدين أو المذهب أو الطائفة توصلاً إلى تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية خاصة تلك التي تجيـز التفريق بين الزوجين.

ولا أجد مبررًا واحدًا لبقاء النظام القانوني للأحوال الشخصية على ما هو عليـه مـن مظـاهر التعدد بل والتشرذم القانوني. فلا المسلمين ينعمون بوجود تقنين موحد لأحـوالهم الشخصـية مثل نظرائهم في أغلب البلدان العربية. ولا غير المسلمين ينعمـون بوجـود تقنـين رسـمي لأحوالهم الشخصية ناهيك عن تقنين موحد لأحكامها.

وعلاج هذه الفوضى القانونية التي تنتج صورًا من الظلم البيِّن معروف للجميع، وإن كان بعضنا أكسل من النهوض بتبعاته: أن يوجد تقنين موحد للأحوال الشخصية للمسلمين وغير المسلمين ينص فيه على الأحكام المتفق عليها بين مختلف الديانات وهى كثيرة، ويفرد لكل دين أو مذهب أو طائفة أحكامها الخاصة إن وجدت. على أن يؤخذ عند صياغة هذا التقنين من أقـوال الفقـه القديم بأكثر الأحكام يسرًا وتوافقًا مع الضمير القانوني المعاصر في وقت يتحدث فيه العالم عـن واجب الدولة في إزالة كافة أشكال التمييز ضد المرأة وفي حماية حقوق الطفل.

في مسألة الحصة البرلمانية للأقباط:

وثمة سؤال آخر يرتبط بمسألة العلاقة بين الدستور والدين، وإن شئنا الدقة العلاقة بين الدستور وأتباع كل دين وهو: هل من المناسب أن يقنن الدستور حصة مناسبة للأقباط وفقًا لنسـبتهم لعدد السكان في الوظائف العامة وفى المجالس التمثيلية تشريعية كانت أم محلية؟.

الذين يجيبون على هذا السؤال بالإيجاب يستندون إلى مجموعة من الحجـج. الحجـة الأولـى تتمثل في مبدأ المواطنة والمساواة أمام القانون. فمن حق كل الجماعات الدينية والثقافيـة أن تعامل معاملة مساوية فيما يتعلق بتمثيلها في جهاز الدولة تنفيذيًا كـان أم تشـريعيًا. الحجـة الثانية تنطلق من ضرورة الإقرار بالتعددية الدينية والثقافيـة والاجتماعيـة كأسـاس لتنظـيم المجتمع السياسي الحديث. فلم يعد هذا المجتمع مجتمعًا شموليًا يسيطر فيه أصحاب دين معين أو ثقافة معينة أو عرق معين على جهاز الدولة. بل لا بـد أن تكـون المؤسسـات الرسـمية والشعبية معبرة عن مختلف التنوعات والتغايرات الدينية والثقافية والعرقيـة الموجـودة في المجتمع. الحجة الثالثة تتمثل فيما هو شائع اليوم عن ضـرورة أن يقـوم النظـام السياسي الرسمي وفى مقدمته الدستور باعتباره الوثيقة القانونية الرئيسية بتقديم الدعم الإيجابي للفئـات التي عانت من التهميش في فترات تاريخية معينة بهدف إعانتها على الانخراط في المجتمـع السياسي العام. يتمثل هذا الدعم الإيجابي في تخصـيص حصـص لأعضـاء هـه الجماعـات الاجتماعية سواء في الجهاز الوظيفي بالدولة أم في المجالس النيابية.

ومن الناحية التاريخية خلت كل الوثائق الدستورية المصرية من الأخذ بمبدأ الحصص الدينيـة في المجالس النيابية. وذلك باستثناء ما نصت عليه المادة الثالثة من القانون النظامي المختص بالجمعية التشريعية المصرية من تعيين أربعة أقباط ضمن الأعضاء الخمسة عشـرة المعينـين بالجمعية.

يعتبر الدستور اللبناني في مادته الرابعة والعشرين خير نمـوذج للتقسـيم الطـائفي للمواقـع السياسية. ومع ذلك فالدستور اللبناني ينظر إلى الطائفية السياسية علـى أنهـا إرث تـاريخي بغيض يجب التخلص منه. وعلى ذلك تنص المادة 24 منه إذ تقول ".... وإلى أن يضع مجلس النواب قانون انتخاب خارج القيد الطائفي توزع المقاعد النيابيـة وفقًـا للقواعـد الآتيـة: أ – بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين. ب- نسبيًا بين طوائف كل من الفئتين ج- نسـبيًا بيـن المناطق. كما تنص المادة 95 من ذات الدستور على إلزام مجلس النـواب المنتخـب باتخـاذ الإجراءات الملائمة لتحقيق إلغاء الطائفية السياسية.

هذا عن النموذج اللبناني. أما على الجانب المقابل فثمة إحياء للطائفيـة السياسـية تدعمـه الولايات المتحدة الأمريكية ويجري على قدم وساق في العراق. فتوزع المناصب السياسية وفقًا للتمثيل الطائفي مما يقوض مفهوم الدولة القومية في الصميم ويحولها من دولـة تسـعى إلـى تحقيق الصالح العام لكل مواطنيها على قدم المساواة إلى دولة تتكون من عـدد مـن ممثلـي الكيانات الطائفية ويدار الصراع السياسي فيها على أساس طائفي بحت.

والواقع أن فكرة التوزيع الطائفي والديني للمواقع السياسية كانت وما زالـت فكـرة مرفوضـة بحسم من رواد حركة النهضة من أقباط مصر أمثال مكرم عبيد وويصا واصف وغيرهم، ومـا زالت حتى اليوم فكرة مرفوضة ومستهجنة من التيار الوطني الذى تمثلـه الكنيسـة القبطيـة الأرثوذوكسية في مصر. فالعلاقات السياسية في الدولة الحديثة لا تقوم على فكـرة الـولاء والانتماء الديني، وإنما تقوم على أساس من الولاء السياسي الذى يحكمه مبدأ الوحدة والتعدد في نفس الوقت. الوحدة فيما يتعلق بالمفاهيم الكبرى والأسس والدعائم السياسية للوطن: وطـن واحد ترابه مقدس يمتلك فيه الجميع بقدر على أساس من مبدأ المواطنة والمساواة أمام القانون دون تمييز بسبب الدين أو اللغة أو العقيدة أو العرق. والتعدد في الانتماءات والرؤى السياسية التي تصب جميعها في نهر المصلحة العليا للوطن. ودائرة الدين ودائرة السياسة منفصلتان فلا سياسة في الدين ولا دين في السياسة. الدولة هي مشروع قومي لتحقيق الصالح العام لأعضائه على أساس من التوافق والرضاء المتبادل. والصالح العام الذى تسعى الدولة إلى تحقيقـه هـو صالح يرتفع عن انتماءات الأفراد الدينية والعقيدية والعرقية وغيرها. إنـه صـالح مجمـوع المواطنين الذين ينتمون إلى وطن معين على أساس من حريـة الإرادة ومبـدأ المسـاواة في المغارم والمغانم.

ونحسب أن ارتفاع نبرة الحديث عن التمثيل الديني والطائفي في المجتمعات العربية في الآونـة الأخيرة يرجع إلى ثلاثة عوامل متشابكة ومتفاعلة في نفس الوقت؛

العامـل الأول: أن الخطـاب السياسي العربي قد اختلط في العقود الأخيرة وخاصة بعد فشل وانكسـار المشـروع القـومي العربي بالخطاب الديني. وتزامن ذلك مع تصاعد التيار الإسلامي بمختلف أطيافه. الأمر لـذى استشعر معه غير المسلمين خطرًا يهدد هويتهم الدينية والوطنية من دولة تقـوم مشـروعيتها الحالية أو المستقبلة على أساس مشروعية دينية مغايرة.

العامل الثـاني يتمثـل في غيبـة الديموقراطية على مستوى العالم العربي بما في ذلك حرمان مختلف الجماعات الاجتماعية بمـا فيها الجماعات الدينية والإثنية والثقافية من التعبير عن مشكلاتها بصراحة وبوضـوح.

هـذا القهر العربي تعرض له مسيحيون ومسلمون وعرب وغير عرب على حـد سـواء. فالنظـام السوري السابق هو الذى دهس بدباباته أجساد آلاف المسلمين في حمـاة. والنظـام العراقـي السابق هو الذى أباد آلاف الأكراد بالأسلحة الكيمائية في حلبجة. والأمثلة علـى ذلـك كثيـرة تستعصي على الحصر: من قهر للشيعة في العراق ولبنان، وقهر لغير العلويين في سـوريا، وتمييز ضد البربر في المغرب العربي وأحداث للتعصب والفتنة الطائفية ترتكبها جماعات غيـر رسمية ضد أقباط مصر وانتهاكات رسمية وغير رسمية ضد الجماعـات المهمشـة في دول الخليج إلى آخر ذلك. فعندما تغيب الديموقراطية والعقلانية والتسامح فإن الجميع يدفع ثمن هذا الغياب. وإنما تأتي في المقدمة الجماعات الاجتماعية والدينية المتميزة عن الأغلبية.

العامـل الثالث هو التشجيع الأمريكي والغربي لأن يكون التمييز الطائفي والديني في الـبلاد العربيـة ذا إفصاح سياسي عنه. أي التعامل مع قضية التمييز في العالم العربي بمنطق "وداونـي بـالتي كانت هي الداء". ورغم أننا لا نعرف أن الدستور الأمريكـي يخصـص لمسـلمي أمريكـا أو للأمريكيين ذوي الأصول الإسبانية أو الأفريقية (وهم بالملايين) مقاعد في البرلمان، كما أننا لا نعرف أن الوولش والسكوتش لهم بهذه الصفة العرقية وحدها مقاعد في مجلـس العمـوم البريطاني، فإن الرؤية الغربية للديموقراطية في المنطقة العربية تستند إلى اعتمـاد الطائفيـة أساسًا لها.

ومع التسليم بوجود مشكلات للتمييز يتعرض لها أقباط مصر فإن السؤال المهم هو: هـل نعالج التمييز بتكريس الطائفية على المستوى القانوني والسياسي أم بانخراط الجميع في برامج سياسية متعددة تقوم على أساس أن الدين الله والوطن للجميع وعلى أساس من مبدأ المسـاواة أمام القانون؟.

Rate this item
(0 votes)
Last modified on الجمعة, 07 آذار/مارس 2025 18:15

Leave a comment

Make sure you enter all the required information, indicated by an asterisk (*). HTML code is not allowed.