المؤلف:
يُعد عمر لطفي بك (1867- 1914) أحد أبرز رجال القانون والأكاديميين المصريين في مطلع القرن العشرين، حيث جمع بين العمل القضائي والتدريس الأكاديمي المتخصص، وتولى منصب وكيل مدرسة الحقوق الخديوية وكان مدرسًا شرفيًا بها، بالإضافة إلى عمله مدرسًا للقانون الجنائي بمدرسة البوليس. ثم عمل محاميًا حتى وفاته. امتلك عمر لطفي بك خبرة تعليمية واسعة استمدها من ممارسة تدريس الفقه الجنائي والتعليق على القوانين الأوروبية وأحكام المحاكم الأهلية لزمن مديد. يعد أحد رواد الحركة التعاونية على مستوى العالم، كما أنه هو صاحب فكرة تأسيس النادي الأهلي المصري. اختاره المؤرخ عبد الرحمن الرافعي ضمن أعظم عشر شخصيات مصرية في النصف الأول من القرن العشرين. من أهم مؤلفاته: الدعوى الجنائية في الشريعة الإسلامية، حقوق المرأة، حرمة المساكن، حق الدفاع، الامتيازات الأجنبية، الوجيز في شرح القانون الجنائي، شركات التعاون في مصر.
نظرة عامة على الكتاب:
يُعد كتاب "الوجيز في القانون الجنائي"* أطروحة علمية وأكاديمية تأسيسية في المكتبة القانونية المصرية، حيث صاغه المؤلف بصفته خبيرًا أكاديميًا وممارسًا شغل منصب وكيل مدرسة الحقوق الخديوية ومدرسًا للقانون الجنائي بها وبمدرسة البوليس. تكمن الأهمية العلمية للكتاب في كونه جاء استجابةً لضرورة تشريعية ملحة عقب صدور قانون العقوبات الجديد سنة ١٩٠٤، مما تطلب وضع مرجع يفسر فلسفة هذا القانون ويقارن بين القواعد القديمة والحديثة. وقد اعتمد المؤلف منهجية أكاديمية رصينة تقسم العمل إلى جزأين؛ يختص الأول بالقواعد العمومية (الموضوعية)، بينما ينفرد الثاني بتحقيق الجنايات (الإجرائية)، مما يوفر رؤية شاملة للمنظومة الجنائية.
وفي صلب النظرية الجنائية، يقدم الكتاب تحليلًا دقيقًا لـ أركان الجريمة، حيث يفصل في الركن المادي متتبعًا مراحل الجريمة من "التصميم" إلى "الشروع" وصولًا إلى "الجريمة التامة"، مع استعراض تطبيقات قضائية وقانونية معقدة في جرائم النصب والسرقة والتسميم. كما يبحث في الركن الأدبي القائم على الإرادة والتمييز، مفصلًا في عوارض المسؤولية الجنائية كالسن، والعته، والسكر، والإكراه، والقصد الجنائي بشقيه العام والخاص. ويُتوج هذا التحليل بالبحث في الركن الشرعي القائم على مبدأ "لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص"، وهو ما يمثل حجر الزاوية في ضمان الحريات الفردية.
علاوة على ذلك، يتوسع الكتاب في دراسة نطاق تطبيق القانون من حيث الزمان والمكان، مبينًا قواعد تنازع القوانين ومبدأ إقليمية القانون الجنائي وسلطة الدولة على أراضيها وبحارها الإقليمية. ولعل من أبرز الإضافات العلمية للكتاب هو رصده الدقيق لتاريخ الامتيازات الأجنبية في مصر وتأثيرها على السيادة القضائية وتطبيق القانون الجنائي على الأجانب، فضلًا عن القواعد الدولية المنظمة لتسليم المجرمين. إن هذا العمل لا يمثل مجرد شرح للقانون، بل هو مرجع فقهي يجمع بين التأصيل التاريخي، والتحليل الفلسفي، والتطبيق القضائي، مما يجعله ركيزة أساسية في دراسة السياسة الجنائية المصرية.
المنهجية العلمية:
من الناحية المنهجية، يتبنى الكتاب المنهج التاريخي المقارن، حيث لم يكتفِ بشرح النصوص، بل غاص في أصول التشريعات الجنائية الغربية (الرومانية، والجرمانية، وأحكام الكنيسة) وتطورها الفلسفي الذي أدى إلى ظهور المدارس الحديثة في حق العقاب مثل مدرسة "العقد الاجتماعي" لروسو و"المنفعة العامة" لبنتام. هذا التأصيل النظري مكن المؤلف من ربط التشريع المصري بمنابعه الأوروبية، مع تسليط ضوء أكاديمي كثيف على خصوصية التشريع المصري وتطوره من أحكام الشريعة الإسلامية (حدود، قصاص، تعازير) مرورًا بفرمانات محمد علي باشا وقانون الفلاح، وصولًا إلى التقنينات الحديثة التي تلت إنشاء المحاكم الأهلية.
أبرز موضوعات الكتاب
أولًا: تاريخ التشريع الجنائي الغربي:
تناول الباب الأول من الكتاب تاريخ وتطور التشريع الجنائي في البلاد الغربية، موضحًا أن القوانين الجنائية المصرية الحالية تستمد أصولها من الشرائع الأوروبية، مما يجعل دراسة تاريخ تدوين هذه القوانين أمرًا ضروريًا لفهم أسرارها ومرامي نصوصها. ويبين المؤلف أن العقوبات عند الأمم السالفة كاليونان والرومان والجرمان كانت تتسم بالشدة والصرامة المفرطة، حيث كانت الفكرة السائدة هي الانتقام من الجاني وتعذيبه، فكان اليونانيون يعاقبون بالسم أو السقوط في الجب أو الجلد حتى الموت، بينما كان الرومان يلقون بالمجرم من فوق صخرة عالية أو يلقونه في البحر داخل كيس يضم حيوانات مفترسة. واستمرت هذه القسوة حتى ما قبل الثورة الفرنسية، حيث كانت العقوبات تشمل الحرق أو الربط في خيول تساق في اتجاهات مختلفة، فضلًا عن العقوبات المزدرية بالشرف كالتمثيل والتشهير بالمحكوم عليه.
ويذكر الكتاب أن قوانين أوروبا استمدت أصولها من ثلاثة منابع هي: القانون الروماني، والعوائد الجرمانية، وقوانين الكنيسة. وبينما اعتنى القانون الروماني بالمسائل المدنية، إلا أنه ترك تقسيمًا مهمًا للجرائم إلى جنايات عامة وجنايات خاصة، وكان يعطي للمحاكم سلطة مطلقة في تكييف الجرائم. أما العوائد الجرمانية فكانت تمتاز بفكرة الانتقام الفردي، ولم تكن تعتد بالنية أو القصد الجنائي بل بالنتائج المادية للفعل، وكان لديهم ما يسمى بالدية (Wergeld) للاعتياض عن القتل أو الجروح بالمال. وجاءت أحكام الكنيسة لتساهم في تهذيب الشعوب الغربية وإخراجها من دور الوحشية، حيث أوجدت محاكم كنسية تعاقب على أفعال تعتبرها مخالفة للشريعة المسيحية كالردة والزنا، وقد ظل تأثير قوانين الكنيسة في أوروبا لفترات طويلة.
وفي النصف الأخير من القرن الثامن عشر، ظهرت حركة إصلاحية كبرى قادها فلاسفة وعلماء مثل فولتير وبكاريا لإنقاذ الأمم من ظلم الحكومات واستبدادها، فنادوا بالحرية والمساواة والعدل في الأحكام. وقد كان لكتاب بكاريا الشهير في الجرائم والعقوبات أثر عظيم، حيث كان أول من جاهر بوجوب إلغاء عقوبة الإعدام وحذفها من القوانين. وأدت هذه الأفكار إلى البحث في مشروعية حق العقاب، فظهرت مذاهب فقهية متعددة؛ منها مذهب "العقد الاجتماعي" لروسو الذي يرى أن الإنسان تنازل عن جزء من حريته للهيئة الاجتماعية مقابل حمايتها له، ومذهب "المنفعة العامة" لبنتام الذي يرى أن الغرض الوحيد من العقوبة هو تحقيق مصلحة المجتمع وإرهاب الجاني لمنعه من العودة للجريمة.
كما برز مذهب "العدالة المطلقة" للعلامة الألماني كانت، الذي يرى أن العقوبة يجب أن تنزل بالجاني لمجرد استحقاقه لها بسبب مخالفته للواجب الأخلاقي، دون النظر لمنفعتها الاجتماعية. ثم جاء المذهب "المنتخب" الذي يجمع بين مذهبي المنفعة والعدالة، وهو المذهب الذي اعتمده أغلب الفقهاء في وضع الشرائع الجنائية الحديثة. وبناءً على هذه النظريات، بدأت الدول الأوروبية في تدوين قوانينها، وكان قانون العقوبات الفرنسي الصادر سنة 1810 هو النموذج الذي احتذت به معظم الدول، حيث وضع قواعد واضحة للتناسب بين الجرم والعقوبة.
وفي العصر الحديث، تطورت الغاية من العقوبة فلم تعد مجرد إيلام للجاني، بل أصبح الهدف هو إصلاحه وتهذيبه، ولذلك اهتمت الحكومات بإصلاح السجون وتعليم المسجونين وتدريبهم على أعمال نافعة. كما استقرت القواعد الجنائية الحديثة على مبادئ هامة، منها قاعدة عدم سريان القانون على الماضي، وضرورة وجود نص قانوني لكل جريمة وعقوبة، والتمييز بين مسؤولية الفاعل الأصلي والشريك. كذلك وضعت القوانين قواعد خاصة لمسؤولية الصغير والمجنون والمكره، ومنحت القاضي سلطة تخفيف العقوبة إذا وجد ما يدعو للرأفة، كما استحدثت نصوصًا تسمح بإيقاف تنفيذ الحكم في الجرائم الصغيرة كنوع من الترغيب للجاني في الإصلاح.
ثانيًا: تاريخ التشريع الجنائي المصري:
تناول الباب الثاني من القسم التمهيدي للكتاب تاريخ التشريع الجنائي في البلاد المصرية، حيث بدأ المؤلف بالإشارة إلى صعوبة الوقوف بدقة على تفاصيل الشرائع الجنائية في مصر قبل الفتح الإسلامي، لا سيما في زمن الفراعنة، لكونها لا تزال محلًا للبحث من قبل علماء الآثار واستنطاق النقوش القديمة. ومع دخول العرب لمصر، أصبحت الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للقانون، وهي شريعة تستمد أحكامها من القرآن الكريم والسنة النبوية والإجماع والقياس. وقد أقرت هذه الشريعة بعض ما كان متبعًا عند العرب في الجاهلية من أعراف لا تتنافى مع العدل والمنطق، كالدية والقسامة، مع إدخال تعديلات جوهرية عليها لتهذيبها، مثل تحديد عدد الزوجات وإقرار المساواة وحماية أموال اليتامى.
وبين الكتاب أن الجرائم في الشريعة الإسلامية تنقسم إلى ثلاثة أنواع رئيسية هي الحدود والقصاص والتعازير. والحدود هي عقوبات مقدرة حقًا لله تعالى، وتشمل جرائم محددة مثل السرقة والزنا والقذف وشرب الخمر والردة. وقد فصل الكتاب شروط إقامة هذه الحدود، ففي حد السرقة مثلًا، يشترط أن يكون المال المأخوذ خفية، ومن مكان محرز، وأن يبلغ نصابًا معينًا، وتكون عقوبتها قطع اليد. أما في حد الزنا، فتختلف العقوبة بين الرجم للمحصن (المتزوج) والجلد لغير المحصن، مع التشدد الكبير في شروط الإثبات. وبالنسبة لـ حد القذف وشرب الخمر، فقد حدد الشارع لها عقوبة الجلد لردع المعتدين على أعراض الناس وعقولهم.
أما القسم الثاني فهو القصاص والدية، ويختص بجرائم الاعتداء على النفس وما دونها، حيث ينقسم القتل إلى عمد، وشبه عمد، وخطأ. والقتل العمد هو ما يقصد فيه الجاني إزهاق روح المجني عليه بآلة تقتل غالبًا، وعقوبته القصاص إلا إذا عفا أولياء الدم، فتجب الدية. أما القتل الخطأ فلا قصاص فيه، بل تجب فيه الدية والكفارة. وقد استعرض المؤلف مقادير الدية في الشريعة وكيفية تقديرها في الجروح وفقد الأعضاء، مشيرًا إلى دقة التشريع الإسلامي في مراعاة جسامة الضرر الناتج عن الفعل. والقسم الثالث هو التعزير، وهي عقوبات غير مقدرة يترك تقديرها للقاضي أو الإمام لتأديب الجاني في الجرائم التي ليس فيها حد أو قصاص، والغرض منها الإصلاح والزجر.
وانتقل الكتاب بعد ذلك إلى العصور اللاحقة، موضحًا كيف تداخلت السلطات الإدارية مع القضائية في عهد المماليك، مما أدى إلى استبداد الولاة وظهور أنواع قاسية من التعذيب بعيدة عن أحكام الشريعة. ومع تولي محمد علي باشا الحكم، بدأ في إصلاح أحوال البلاد ووضع قوانين لضبط الأمن، منها "قانون الفلاح" سنة ١٢٤٥ هجرية، الذي تضمن أحكامًا لزجر التعديات الواقعة من المزارعين وحماية المحاصيل والمواشي، وكانت عقوباته تشمل الضرب بالكرباج. ثم صدر في عهد سعيد باشا "القانون الهمايوني" سنة ١٨٥٥، والذي قسم الجرائم إلى فصول تتناول القتل والجرح والقذف والتعدي على الأموال، واتسم بكونه مزيجًا بين القواعد الإدارية والجنائية.
وفي المرحلة الأخيرة من التطور التشريعي، شرح المؤلف كيف وضعت مصر قانون العقوبات الأهلي سنة ١٨٨٣ على نمط القوانين الغربية (لا سيما الفرنسي)، تزامنًا مع إنشاء المحاكم الأهلية. ومع الوقت، ظهرت الحاجة لتعديل هذا القانون لمواكبة رقي المجتمع المصري وتلافي الثغرات، فتشكلت لجنة بوزارة الحقانية لدراسة المشروعات المقترحة، وهو ما أسفر في النهاية عن صدور قانون العقوبات الجديد سنة ١٩٠٤. ويختتم المؤلف هذا الباب بالتأكيد على أن هذا القانون الجديد هو المطبق حاليًا، والذي سيقوم بشرح قواعده العمومية في الأجزاء التالية من الكتاب.
ثالثًا: أطراف الجريمة:
كرّس عمر لطفي بك "الباب الثالث" من كتابه لبحث أحكام الجاني والمجني عليه في قانون العقوبات الساري حينذاك، مقسمًا إياه إلى ثلاثة فصول رئيسية تتناول أطراف الجريمة والروابط التي قد تجمع بينهما وتأثير ذلك على المسؤولية الجنائية والعقوبة. يبدأ الفصل الأول بتحديد ماهية الجاني، حيث يقرر أنه لا يُعد جانيًا في نظر القانون إلا الشخص الحر المميز القادر على التفرقة بين الخير والشر والنفع والضر؛ فإذا فقد الإنسان إحدى هاتين الصفتين فلا يمكن مؤاخذته قانونًا. وبناءً على ذلك، استبعد المؤلف الجماد والحيوان من دائرة الجناة لعدم امتلاكهم العقل أو الإرادة، مشيرًا إلى أن المحاكمات التي كانت تُجرى للحيوانات في العصور الوسطى بفرنسا قد ولّى زمنها، وأصبح القانون المعاصر يكتفي أحيانًا بمعاقبة صاحب الحيوان إذا أهمل في حراسته.
وفي سياق متصل، ميَّز الكتاب بين الشخص الطبيعي والشخص الاعتباري (المعنوي) في المسؤولية الجنائية، موضحًا أن الإنسان هو المسؤول الأول عن الجنايات التي يرتكبها بصفته المادية. أما الأشخاص الاعتبارية مثل الشركات والجمعيات والمصالح الحكومية، فإنها وإن كانت تتمتع بشخصية قانونية تمكنها من البيع والشراء والتقاضي، إلا أنها لا يمكن أن تُسأل جنائيًا عن الأفعال المادية؛ إذ لا يُتصور صدور جناية عن كيان معنوي. ويؤكد المؤلف هنا على مبدأ "شخصية العقوبة"، وهو أن العقاب يجب أن يقع على الفرد الذي ارتكب الفعل حقيقة (كالمدير أو الوكيل) ولا يصح أن يمتد إلى ذمة الشركة أو الكيان الاعتباري، لأن ذلك سيؤدي إلى تضرر أشخاص آخرين لا ذنب لهم. ومع ذلك، يجيز القانون للحكومة حل الجمعيات أو تشديد الرقابة عليها إذا تبين أنها تشكل خطرًا على النظام العام، كما يحق للمتضررين مطالبة تلك الجهات بالتعويضات المدنية عن الأضرار التي أحدثها ممثلوها أثناء تأدية وظائفهم.
انتقل المؤلف في الفصل الثاني للحديث عن المجني عليه، وهو كل ذات لها حقوق يقررها القانون، سواء كان شخصًا حقيقيًا أو ماديًا، صغيرًا كان أم كبيرًا، وطنيًا أم أجنبيًا. ويشمل هذا المفهوم في التشريع الجنائي المصري الجنين في بطن أمه، حيث شدد القانون العقوبات على إسقاط الحوامل حماية لحق الجنين في الحياة. كما ناقش الكتاب مسألة رضاء المجني عليه، مبينًا أن رضاء الشخص بوقوع الجريمة عليه لا يمنع من مؤاخذة الجاني في الجرائم التي تمس النظام العام أو الحق في الحياة، كالحريق العمد والقتل والجرح، لأن الإنسان لا يملك التصرف في نفسه بما يضر المجتمع. أما في الجرائم التي تقع على الأموال كالسرقة، فإن رضاء صاحب المال قبل ارتكاب الفعل قد ينفي صفة الجريمة، بشرط أن يكون هذا الرضاء صحيحًا وصادرًا عن شخص كامل الأهلية.
وجاء في الفصل الثاني أيضًا أن الحيوان أو الجماد لا يعتبران "مجني عليهما" بالمعنى القانوني لافتقارهما للحقوق البشرية، وإنما يقع التجريم في حال الاعتداء عليهما باعتبارهما ملكًا للغير أو لمساس ذلك بالمصلحة العامة. في المقابل، يمكن أن يكون الشخص المعنوي مجنيًا عليه في جرائم معينة، كالسرقة من أموال الشركات أو اختلاس الأموال الأميرية، أو في جرائم السب والقذف الموجهة ضد الهيئات الحاكمة أو الطوائف أو المصالح العمومية.
أما الفصل الثالث والأخير، فقد خُصص لبحث الصلة أو الرابطة بين الجاني والمجني عليه وتأثيرها على جسامة الجريمة. ويشير المؤلف إلى أن وجود علاقة معينة قد يكون سببًا في تشديد العقوبة، كما هو الحال في جرائم هتك العرض إذا كان الجاني من أصول المجني عليه أو المتولين تربيته أو خدمته، وذلك لتمكن الجاني من إيقاع الضرر بالضحية بسبب هذه الصلة. ومن جهة أخرى، قد تكون الرابطة سببًا في تخفيف العقوبة أو الإعفاء منها كنوع من الرأفة أو تقديرًا لظروف اجتماعية، ومثال ذلك إعفاء الجاني من عقوبة السرقة إذا وقعت بين الأقارب في حدود معينة، أو إعفاء الخاطف من العقوبة إذا تزوج المخطوفة زواجًا شرعيًا، وذلك بهدف حفظ كرامة الأسرة وعرض المجني عليها.
رابعًا: نظرية الجريمة وأركانها:
استعرض عمر لطفي بك في "الباب الرابع" من كتابه أركان الجرائم بشرح وافٍ ومفصل، مقررًا أن للجرائم نوعين من الأركان: أركان عامة تشترك فيها جميع الجرائم وتعد القواعد الكلية التي يبنى عليها البحث الجنائي، وأركان خاصة تختلف باختلاف طبيعة كل جريمة وعناصرها المكونة لها. وتتمثل الأركان العامة في الركن المادي، والركن الأدبي، والركن الشرعي، إضافة إلى ما سماه المؤلف "ركن التعدي". أما الأركان الخاصة فهي التي تميز جريمة عن أخرى؛ فمثلًا يشترط في السرقة "اختلاس مال منقول مملوك للغير بقصد الاستحواذ عليه"، بينما يتطلب التزوير "تغيير الحقيقة بطرق محددة قانونًا مع قصد الإضرار"، مما يجعل لكل جريمة كيانًا قانونيًا مستقلًا يفرضه المشرع.
وفي الفصل الأول من هذا الكتاب، فصَّل الكتاب في الركن المادي للجريمة، مبينًا أنه يبدأ بـ "التصميم" وهو العزم الباطني الذي لا يؤاخذ عليه القانون كقاعدة عامة إلا إذا خرج إلى حيز التنفيذ أو شكل بحد ذاته خطرًا على النظام العام كجريمة التحزب. تلي ذلك مرحلة "التأهب" أو الأعمال التحضيرية كشراء السلاح أو إعداد الأدوات، وهي أفعال لا يعاقب عليها القانون عادةً لأنها لا تضر المجتمع مباشرة ولإتاحة الفرصة للجاني للعدول عن فعله. ومع ذلك، استثنى القانون بعض الأعمال التحضيرية لخطورتها الذاتية، مثل صناعة المفاتيح المصطنعة، أو حمل السلاح بدون ترخيص، أو التواجد في أماكن محددة بقصد ارتكاب جرم، حيث اعتبرها المشرع جرائم قائمة بذاتها.
أما مرحلة "الشروع"، فهي البدء في تنفيذ العمل الإجرامي بقصد ارتكاب جناية أو جنحة إذا أوقف أو خاب أثره لأسباب لا دخل لإرادة الفاعل فيها. وحدد المؤلف ثلاثة أركان للشروع: البدء في العمل، وعدم تمام الجريمة، وأن يكون سبب عدم التمام خارجًا عن إرادة الجاني. كما ناقش الكتاب مسألة "الجرائم المستحيلة"، وهي الحالات التي يبذل فيها الجاني جهده لكن الجريمة لا يمكن أن تتحقق (كإطلاق النار على جثة)، مستعرضًا الآراء الفقهية حول معاقبة الجاني في هذه الحالة بناءً على نيته الإجرامية وخطورته على المجتمع. وقدَّم هذا القسم تطبيقات واسعة على الشروع في جرائم النصب والسرقة والتسميم وهتك العرض لتوضيح الحدود الفاصلة بين العمل التحضيري والتنفيذ المعاقب عليه.
وفيما يخص عقوبة الشروع، نبه المؤلف إلى ضرورة التفرقة بين الجنايات والجنح والمخالفات؛ ففي الجنايات يعاقب على الشروع دائمًا بعقوبات أخف من الجريمة التامة، أما في الجنح فلا عقاب إلا بنص خاص، بينما لا عقاب على الشروع في المخالفات مطلقًا. ويشرح الكتاب كيفية تقدير هذه العقوبات في القانون المصري الجديد مقارنة بالقديم، موضحًا سلطة القاضي في تخفيف العقوبة أو استبدالها حسب ظروف الدعوى والرأفة. وينتهي الفصل بالحديث عن "الجريمة التامة"، مبينًا الوسائط المستخدمة فيها كالقوة والحيلة، وأهمية تحديد زمن ومكان ارتكابها، والضرر الناتج عنها، مع الإشارة إلى أثر تدارك الجاني للضرر (مثل رد المسروقات) في تخفيف المسؤولية أو العقوبة.
انتقل الكتاب في الفصل الثاني إلى الركن الأدبي، مؤكدًا أن المسؤولية الجنائية تتطلب توفر الإرادة والتمييز لدى الفاعل. وبدأ ببحث "السن"، حيث قسم المشرع مراحل عمر الإنسان جنائيًا؛ فمن لم يبلغ السابعة لا مسؤولية عليه، ومن السابعة إلى الخامسة عشرة يعتبر في دور التمييز المحدود وتطبق ضده تدابير إصلاحية، أما من تجاوز الخامسة عشرة فيدخل دور الرشد الجنائي مع مراعاة تخفيف العقوبات حتى سن الثامنة عشرة. كما تناول حالات العته والجنون والسكر (إذا كان بغير اختيار) والنوم واليقظة والتنويم المغناطيسي، مبينًا كيف تؤدي هذه الحالات إلى انتفاء المسؤولية الجنائية لفقدان الإدراك.
وأفاض المؤلف في شرح "القصد الجنائي" وسبق الإصرار، معتبرًا القصد هو تعمد الفعل المحظور مع العلم بحقيقته. كما بحث في أثر الإكراه المادي والمعنوي، والجهل بالقانون أو الغلط فيه، موضحًا أن القاعدة المستقرة هي "عدم الاعتداد بالجهل بالقانون" كعذر لارتكاب الجرائم، إلا في نطاق ضيق جدًا. واختتم هذا القسم ببيان الحالات التي يتجاوز فيها ضرر الجريمة غرض الفاعل الأصلي وكيفية تقدير المسؤولية عنها.
أما الفصل الثالث والأخير، فقد خُصص لـ الركن الشرعي، القائم على مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات "لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص". وفيه ناقش المؤلف قواعد سريان القانون من حيث الزمان، مرجحًا قاعدة تطبيق القانون الأصلح للمتهم، ومن حيث المكان، مؤكدًا على مبدأ إقليمية القوانين الجنائية وسلطة الدولة على أراضيها. كما تطرق إلى سريان القانون على الأشخاص، مستعرضًا تاريخ الامتيازات الأجنبية في مصر وكيفية التعامل القضائي مع الأجانب، بالإضافة إلى القواعد الدولية المتعلقة بتسليم المجرمين، مما يجعل هذا الباب عرضًا شاملًا للمقومات القانونية والأدبية والمادية التي تقوم عليها الجريمة في التشريع المصري.
لتحميل ملف الكتاب (هنا)
* عمر لطفي بك، الوجيز في القانون الجنائي، الطبعة الأولى، مطبعة الشعب، مصر، د. ت (يرجح صدوره في أوائل القرن العشرين، بعد صدور قانون العقوبات عام 1904م).