لمحات قضائية في قتل عثمان*

By للأستاذ عبد المتعال الصعيدي** يوليو 06, 2026 15 0

هذه لمحات جديدة في قتل عثمان من ناحيته القضائية، تضع الحق في نصابه، وتبيّن هل كان في قتله قصاص أو لا، وهل سلك المطالبون بدمه الطريق المشروع له أو لا، كما تبيّن كيف سكتوا عن ذلك بعد أن صار أمر المسلمين بيدهم.

فأما عن الأمر الأول؛ فإن الثائرين على عثمان رأوا أن يأخذوه غيلة بعد أن طال حصارهم له، فتسوروا داره من دار مجاورة لها، ونزل عليه جماعة منهم فيهم محمد بن أبي بكر، ولم يكن عنده إلا زوجه نائلة بنت الفرافصة، لأن أهله ومواليه كانوا يشتغلون بالدفاع عنه أمام بابِ داره. فدخل عليه محمد بن أبي بكر فأخذ بلحيته، فقال له: "يا محمد! والله لو رآك أبوك لساءه مكانك". فتراخت يد محمد حين سمع هذا من عثمان، وخرج عنه ولم يفعل به شيئًا، فلما خرج؛ دخل عليه رجلان من الذين تسوروا داره فقتلاه ثم خرجا.

فصعدت زوجه نائلة بعد خروجهما وصرخت: "قُتل أمير المؤمنين!". فدخل كل من كان يدافع عنه فوجدوه قد فاضت نفسه، ولم يمكنهم أن يسألوه عمن قتله.

فانحصر شهود قتله في زوجه نائلة، وقد قام علي بن أبي طالب بالتحقيق في ذلك عقب وقوعه، فذهب إلى نائلة وقال لها: "من قتله وأنتِ كنتِ معه؟"، فقالت: "دخل إليه رجلان"، وقصت خبر محمد بن أبي بكر.

فأحضر علي محمدًا وسأله عن ذلك، فلم ينكر محمد ما قالت نائلة، وقال: "والله لقد دخلت عليه وأنا أريد قتله، فلما خاطبني بما قال خرجت، ولا أعلم بتخلف الرجلين عني، والله ما كان لي في قتله سبب، ولقد قُتِل وأنا لا أعلم قتله".

وقد انتهى تحقيق علي في قتل عثمان بذلك، فلم تعرف فيه نائلة ممن دخل على عثمان إلا محمد بن أبي بكر، ولكنها لم تشهد بأنها رأته يقتله، بل ظاهر شهادتها أن قتله كان بيد ذينك الرجلين اللذين تعرفهما، وحينئذ يكون قاتله مجهولًا، وإذا كان قاتله مجهولًا فإنه لا يكون في قتله قصاص، بل يكون نصيب قضيته أن تُحفظ إلى أن يظهر قاتله، كما يُفعل الآن في كل جناية لا يوجد شهود لها. ولا يصح أن يؤخذ محمد بن أبي بكر فيها بشيء، لأنه عزم ولم يفعل، والعزم لا يُؤاخذ عليه في الشريعة الإسلامية ولا في غيرها من الشرائع.

وأما عن الأمر الثاني؛ فإنه لما بويع علي بالخلافة طالبه طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام ومعاوية بن أبي سفيان وعائشة زوج الرسول ﷺ بدم عثمان، ولكنهم لم يطلبوا ذلك بالطرق السلمية المشروعة في القضايا، بل ذهب طلحة والزبير في عدة من الصحابة إلى علي فقالوا له: "يا علي، إنا قد اشترطنا إقامة الحدود، وإن هؤلاء القوم قد اشتركوا في دم هذا الرجل، وأحلّوا بأنفسهم".

فقال لهم علي: "يا أخوتاه، إني لست أجهل ما تعلمون، ولكن كيف أصنع بقوم يملكوننا ولا نملكهم؟ ها هم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم، وثابت إليهم أعرابكم، وهم خلالكم يسومونكم ما شاءوا، فهل ترون موضعًا لقدرة على شيء مما تريدون؟".

قالوا: "لا".

فقال لهم: "إن الناس من هذا الأمر إن حُرِّك على أمور: فرقة ترى ما ترون، وفرقة ترى ما لا ترون، وفرقة لا ترى هذا ولا هذا، حتى يهدأ الناس، وتقع القلوب مواقعها، وتؤخذ الحقوق، فاهدؤوا عني، وانظروا ماذا يأتيكم؟ ثم عودوا".

ولا شك أنها كانت فتنة جامحة، وقد اشترك فيها ألوف من الناس، فلا بد من التريث في أمرها كما رأى علي، ولا سيما أنه لم يُعلم من قام منهم بقتل عثمان، حين يتعين فيه القصاص، ويؤخذ دمه بدمه، ثم يُحكم على من عداه بقدر تبعته في تلك الفتنة، وقد كانوا من الكثرة بحيث يُجهل أكثرهم، ولا يمكن تمييزهم إلا بعد مضي زمن يكفي لتمييزهم.

ولكن هذا لم يُرضِ طلحة ولا الزبير ولا معاوية ولا عائشة، فنادوا بالحرب، وانتقل الأمر بذلك من قضية يجب أن تؤخذ بالسلم كما تؤخذ سائر القضايا إلى حرب مفاسدها أكثر مما يرونه مفسدة، فقابلهم علي حربًا بحرب، وجرى الأمر بينهم في ذلك إلى قتل طلحة والزبير وعلي، وآل أمر المسلمين بعدهم إلى معاوية.

وأما عن الأمر الثالث؛ فإن معاوية لما آل الأمر إليه لم يُعِد النظر في قضية عثمان، ولا شك أنه وجد نفسه أمام جناية قتل لا يُعلم القاتل فيها بيقين، فلا يمكنه أن يأخذ أحدًا فيها بقصاص، كما وجد نفسه أمام كلمة قد اجتمعت، وأرادت أن تنسى الماضي بما له وما عليه، لتأسو الجروح، وتُقضى الفتن، فيجتمع الشمل، ويعود المسلمون إخوانًا، ويتموا ما بدأ به السلف الصالح من الفتوح، ويعملوا متعاونين على إعلاء كلمة الإسلام.

فلم يجد معاوية مع هذا إلا أن يترك أيضًا أمر النظر فيمن اشترك في تلك الفتنة، حرصًا على جمع الكلمة، ونزل في ذلك على مثل ما نزل عليه علي، رضي الله عنهم جميعًا.

 

* الصعيدي، عبد المتعال. "لمحات قضائية في قتل عثمان." مجلة الرسالة، العدد 701، 9 ديسمبر 1946.

** الشيخ عبد المتعال الصعيدي (1894 - 1966م) هو عالم لغوي وفقيه مصري من علماء الأزهر الشريف وعضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة. يُصنف كأحد أبرز المفكرين المنادين بالإصلاح والتجديد في الفكر الإسلامي والتعليم الأزهري خلال القرن العشرين، حيث ركز مشروعه العلمي على الدعوة إلى فتح باب الاجتهاد الفقهي، وتطوير المناهج التعليمية لمواكبة العصر، والدفاع عن حرية الفكر والوسطية. ترك الصعيدي نتاجًا فكريًا غزيرًا شمل عشرات المؤلفات في علوم البلاغة، والأدب، والفقه، والتاريخ، من أبرزها "المجددون في الإسلام"، و"حرية الفكر في الإسلام"، و"تاريخ الإصلاح في الأزهر".

قيّم هذا المقال
(0 أصوات)
آخر تعديل بتاريخ الإثنين, 06 يوليو 2026 21:06

أضف تعليقاً

يرجى إدخال جميع البيانات المطلوبة والمشار إليها بعلامة (*)، ولا يُسمح باستخدام أكواد HTML.

© 2018 Your Company. All Rights Reserved. Designed By Tripples