قراءة في فكر البشري: حول المسألة الإسلامية المعاصرة (3-3)*

By د. نادية محمود مصطفى** نيسان/أبريل 16, 2026 6 0

ثالثًا: جدران البناء: المفاهيم والتعبيرات

تضمن التصميم الأول لهيكل الورقة أربعة مكونات للبناء. كان ثالثها يختص بما أسميته جدران البناء التي تصل بين القاعدة والأعمدة، كما تضمن المتن الأول لهذا التصميم الإحالة إلى الصفحات التي تحتوي النماذج التوضيحية لطبيعة أعمدة البنيان وقواعده الأساسية.

وحيث تبين أن مثل هذه الإحالات قد أفقدت الورقة الكثير من المضامين التي اعتملت في ذهني عند القراءة وعند الكتابة؛ لهذا جاءت الصياغة النهائية للورقة متضمنة -بقدر الإمكان- هذه النماذج التوضيحية في مواضعها من الأجزاء الأول والثاني والرابع. ومن ثم وجدت أن التوقف هنا في هذا الجزء من الورقة عند المكون الثالث للبناء -أي القضايا الأساسية في فكر البشري- لن يكون إلا تكرارًا لما ورد في النماذج التوضيحية. ولذا فكرت أن أقتصر هنا على بيان موضوعات الدراسات التي احتوتها الكتب الخمسة، والتي استقينا منها النماذج التوضيحية السابق عرضها من ناحية. كما أتوقف من ناحية أخرى -انتقاءً وليس حصرًا- عند بعض التعبيرات التي تمثل جملة من المفاهيم الهامة ذات دلالة ولم يتطرق إليها العرض في الأجزاء الثلاثة الأخرى. وتكتسب هذه التعبيرات أهمية خاصة إذ تمثل حججًا عقلية ومنطقية بالغة الأهمية نحن في أمس الحاجة إليها لتدعيم حالة الحوار مع الآخر، وقبل ذلك لتدعيم حالة الفهم للوضع الراهن للذات في مقابل هذا الآخر، ووجدت أن هذه التعبيرات التي انتقيتها والتي تتصل أساسًا بأوضاع الظرف الراهن الذي نعيشه بكل معضلاته وبكل إشكالياته المتداخلة. هي من التعدد والكثرة بحيث يصبح نقلها هنا في هذا الموضع -وعلى النحو الذي يحقق الغاية منه - بمثابة نقل جل محتوى الكتب الخمسة. ولذا فقد كان البديل الأمثل من وجهة نظري هو الدعوة لقراءة هذه الكتب، ليس فقط للتعرف على فكر البشري- بأعمدته وأساسه ومنهاجه الذي جرينا على استكشافهم في هذه الورقة- ولكن للاستزادة من الصياغات والتعبيرات العميقة الرصينة؛ فهي لا تشرح مفاهيم وقضايا شائكة بعبارات سهلة متماسكة فقط، ولكن البشري يقدمها في قوالب لغوية وأدبية عريقة وعميقة تدل على التمكن من ناصية اللغة. نجد أن البشري لا يكتب كلمات وإنما يرسم صورًا حية واضحة المعالم. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن هذه القراءة المباشرة التي أدعو إليها إنما تبين لنا -ما أيقنته عند القراءة- لماذا يستحق البشري أن يوصف من البعض بالحكيم***. فإن لغة خطابه لا تتسم بالعنف والمواجهة والرفض ولكن ينفسح فيها للآخر -مكانًا رحبًا للحوار معه؛ سعيًا نحو رأب الصدع وتكوين التيار الأساسي للمشروع الوطني.

فبالرغم من اجتياح العلمانية -كما يشخص البشري- فإن الإسلام ما زال قائمًا والذود عن الأصول والثوابت عملية مستمرة لا تقف مهما قيل عن الجمود في الاجتهاد التشريعي.

وبالرغم مما يقال عن المواجهة بين الإسلام والعروبة إلا أن المشترك بينهما -كما يرى البشري- أكبر، ودواعي التآلف وعدم النفي المتبادل قائمة.

وبالرغم من الاضطراب التشريعي فإن الشريعة باقية، وبالرغم من ضغوط المعاصرة فما زال للذاتية وجود. وهكذا يصب في الرافد الأساسي لفكر البشري ثنائيات عديدة تعبر عن وسطيته. وهذه الوسطية- وهي من أهم المعالم المنهاجية التي تتبدى في لغة خطابه الذي تتشيد به جدران البناء.

 

رابعًا: بعض الملامح المنهاجية

ولقد شيد البشري البناء الفكري استنادًا إلى منهاجية متميزة تتناغم وطبيعة البناء بأعمدته وقواعده وجدرانه. وتوضح هذه المنهاجية التزاوج بين خبرة البشري كمؤرخ وخبرته كفقيه.

وتتلخص أهم هذه الملامح المنهاجية في أن الأمة هي وحدة التحليل، يليها توظيف التاريخ وأساليبه، والربط بين الفكر والواقع القائم في ظل ظرف تاريخي والتمييز بين الثابت والمتغير في الإسلام، وفيما يلي قدر من التفصيل حول كل ملمح من هذه الملامح:

١- إذا اعتبرنا أن تحديد مستوى التحليل والمعالجة للقضية موضع الاهتمام هو أحد الملامح المنهاجية؛ فيمكن القول إن تحليل البشري في هذه السلسلة قد تم على مستوى الأمة وليس على مستوى دول بعينها، وهو يمتد إلى مستوى الشعوب والجماعات ولا يقتصر على النظم والحكومات فقط، وإذا كان التحليل قد توقف عند بعض الخبرات المحددة -وخاصة في الحالة المصرية- فذلك لم يكن بانقطاع عن السياق العام الذي تنتظم في نطاقه، أو تمثل أحد أجزائه.

وإذا كانت التجربة المصرية -وفي قلبها قضية الأقباط- هي بمثابة المنطلق لفكر البشري في هذه السلسلة (الكتاب الأول) فإن تحليلها لم ينفصل عن الإسلامية باعتبارها الإطار الأشمل للمصرية والعروبة. ثم انتقل البشري إلى ساحة أرحب وهي الأمة الإسلامية، وإلى الفكر الإسلامي والشريعة الإسلامية والحركة الإسلامية في امتداداتها الجغرافية والمكانية عبر أرجاء الأمة؛ لتتبلور رؤية مقارنة للقضايا وللتحديات وللاستجابات المشتركة أو المختلفة على حد سواء.

بعبارة أخرى فإن اعتماد البشري لمستوى الأمة كمستوى أساسي للتحليل انعكس في تقديمه دائمًا أو في معظم الأحيان على الأقل لأطر مقارنة بين المناطق الكبرى العربية والإسلامية (حول الزوايا المختلفة للنظر السابق شرحها فيما يتصل بأعمدة البناء أو قواعده). ولقد أبرزت هذه المقارنة مغزى فقه الواقع، ومغزى الظرف التاريخي الزماني والمكاني على نحو يفسر حالة التنوع في نطاق الوحدة أو حالات الخلاف حول المتغيرات وليس الثوابت. ولسنا هنا في حاجة لطرح الأمثلة ولعل الرجوع إلى ما سبق عرضه في الأجزاء السابقة من الورقة من أمثلة يكفي لبيان ما قصدناه.

ومن ناحية أخرى هناك مؤشرات أخرى -عدا الإطار المقارن- يتبين منها كيف أن الأمة هي التي تشغل فكر البشري، ومن بينها على سبيل المثال وليس الحصر:

عدم إنكار الانتماء القومي والوطني، ولكن يبرز أن الولاء يجب أن يكون للجماعة الأشمل؛ كاستخدامه لمصطلح الجامعة الإسلامية والجامعة السياسية الأشمل. وأخيرًا نتوقف عند تحليله الذي يبين كيف أن الشريعة ما زالت حاكمة ولم تغب بعد الراشدين؛ حيث يتبين في هذا التحليل كنه الرابطة بين الأمة فهو يقول ".... إن الشريعة ليست نظام حكم فقط، والعلاقات القانونية المستمدة من الشريعة، والتي كان الفقه الإسلامي يفرع التفاريع على أصولها، هذه العلاقات تغطي كل أنواع الأنشطة البشرية في المجتمع... وإذا كان الحاكم قد ابتعد عن التطبيق المثالي للشريعة الأمثل، أو أنه غالى في الابتعاد... فهل هذا يكفي للقول بأن السياسة كانت بعيدة عن الدين؟ أو هل السياسة ملك للحاكم وحده؟! ... إننا هنا لا نتكلم عن سلطان بذاته أو دولة بعينها، ولكننا نتكلم عن مجتمعنا وشعبنا، عن أمتنا عبر مراحل تاريخية طويلة ممتدة.. والشريعة الإسلامية لم تفرض من علٍ إنما نمت مع شيوع الإسلام بين الناس وانتشاره في الأصقاع... إن من أسباب الخطأ في تجلية هذه الأمور، أن كتاب اليوم... يضمرون بذلك نظرة لا تفرق بين المجتمع والدولة... فنحن عندما نبحث عن الشريعة لا ينبغي أن نفتش عنها في دواليب الحكام وحدها، ولكن يجب أن ننشدها في الأزقة والحواري والنجوع والدساكر والحصص والواحات" (ك: ٣ ص: ٨٢ - ٨٤).

ويقول في موضع آخر (ك: ١، ص: ٦٨) "... إن توحيد الشرائع على مستوى الوطن العربي لا يتصور في ظني إلا أن يكون آخذًا من الشريعة الإسلامية. كما أن الاحتكام للشريعة الإسلامية كشريعة موحدة للوطن العربي، له وظيفة جامعة بالنسبة للأقليات القومية غير العربية في الوطن العربي".

بعبارة أخرى فإن اهتمام البشري بموضع قيام الشريعة كشريعة حاكمة في التاريخ الإسلامي، ومن ثم التصدي لهؤلاء الذين يجوبون -كما يقول- في منطقة بور هي التي يدور فيها النقاش حول: هل وجدت الشريعة في حياة المسلمين أم لم توجد؟ هذا التصدي من أبرز ملامح المنهجية البشرية التي تتحرك على مستوى الأمة. فهذه الشريعة هي الرابطة الأساسية بين أجزاء هذه الأمة مهما اختلفت وتنوعت الأبعاد الأخرى، وينبثق عن هذا الملمح الأساسي المعني بالأمة ولا تنفصل عنه كل الملامح التالية وخاصة المتصلة بالتاريخ.

 

٢- يتسم منهج البشري بتوظيف عميق ومتعدد الأبعاد للتاريخ:

أ- فهو يقدم رؤية كلية لتاريخ العصر (القرنين التاسع عشر والعشرين) في مراحله المتتالية ومجالاته المختلفة دون انفصال أو توازٍ، أو انقطاع، ولكن في ترابط وتواصل وتفاعل بين هذه المراحل على نحو يبين مقولة «وحدة تاريخ الأمة» ومن ثم خطورة النظرة التجزيئية القطرية للتاريخ الإسلامي، وخطورة إلحاق هذا التاريخ وتبعيته في ظل مقولة وحدة التاريخ العالمي. ولعل الأمثلة التي سبق عرضها في الأجزاء السابقة تعطي دلالة عن هذه الكيفية لتوظيف التاريخ في تحليلات البشري. ونكتفي هنا بالإحالة إلى إحدى مقولاته (ك: ٣، ص: ٩٠)، حيث يقول: "إن أساس النظر عندي أن ثمة أصولًا وإطارًا مرجعيًا أرى وجوب الحفاظ عليها وهي: إن نظرنا إليها على المستوى الفلسفي وجدناها ذات أساس إيماني، وإذا نظرنا إليها على المستوى الاجتماعي والحضاري وجدناها قوائم ارتكاز تتجمع عليها وجوه إدراك الهوية والشعور بالانتماء لدى الجماعة... إن تجريد مراحل التاريخ البشري من تلك الخصائص الحضارية المميزة لكل من الشعوب يطمس ذاتيتها، ويفتح الطريق لحضارة الغرب الغالبة التي تفد بحسبانها تقدمًا وعصرية وحداثة، وبحسبان تاريخ الغرب هو معيار التاريخ البشري كله، وبحسبان أن حاضره هو مستقبلنا، وأن واقعه هو مدينتنا الفاضلة".

ب- ومن ناحية أخرى يعيد البشري قراءة التاريخ ويعيد تفسير ما قدمته منظورات أخرى قومية أو ليبرالية في بعض القضايا الهامة الكلية والجزئية على حد سواء.

فعلى صعيد القضايا الكلية نجد أن الدولة العثمانية احتلت اهتمام البشري وكذلك دولة محمد علي وعلاقتها بالدولة العثمانية. ولا يقدم البشري دفاعًا حماسيًا عن الدولة العلية ولكن يدعو إلى تفهم وظيفتها التاريخية وأوضاعها ومشاكلها بصورة أكثر موضوعية، ولذا فهو يعتبر التاريخ العثماني مثالًا على ضرورة إعادة كتابة التاريخ من غير موقع التبعية الفكرية؛ الذي هو حادث عند تناول كثير من أمور تاريخ هذه الدولة، ومع ملاحظة التمييز بين النظرة التحليلية التي تعاصر الحدث في سياقه التاريخي والاجتماعي والسياسي، وبين النظرة البعدية للحدث والذي تراه من بعد فيما ترتب عليه من آثار لم يحددها ولم يرسمها ولا قصد إليها صانعوا الحدث؛ وإنما ترتبت نتيجة توظيفه في ظروف أخرى متغيرة.

ومن ثم يقدم البشري بناءً على هذه الضوابط المنهاجية رؤيته عن بعض الأمور الخاصة بالدولة العلية، وكذلك دولة محمد علي. ونذكر منها على سبيل المثال ما يلي: فمن ناحية يناقض البشري القوميين الذين يصبون الفكرة الإسلامية في وعاء الدولة العثمانية بغية تشخيص الفكرة ليسهل ضربها من خلال ضرب المشخص لها؛ حيث ينسبون إلى هذه الدولة كل النقائص. ولذا فهو ينقض مقولة القوميين إن انهيار هذه الدولة قد حرر العرب. حقيقة اعترف البشري أن في هذه الدولة كثيرًا مما يستحق الشجب؛ وخاصة أنها فشلت في الدفاع عن الحوزة الإسلامية في عهدها الأخير، وفتحت الباب للمصالح الاستعمارية، إلا أنه رفض أن تكون دولة تشخص الإسلام وقيمه ومعتقداته، كما رفض أن يكون انهيارها قد حرر العرب بل يقول إنه قد صحب هذا الانهيار تفتيت العرب وتناثرهم، وسقوط الدولة العربية فريسة الاستعمار الأوروبي الغربي (ك: ١، ص: ٣٠ - ٣٢).

وفي موضع آخر (ك: ٣، ص: ٧٨ - ٨٠) يشير البشري إلى الوظيفة التاريخية -عميقة الخطر- التي لعبتها الدولة العثمانية في مرحلة قوتها وذلك في التصدي لخطر تطويق العالم الإسلامي من الجنوب، والتصدي للزحف الأوروبي من الأندلس إلى شمال إفريقيا كما يقول: ".... لا أظن أن من الإنصاف، ولا أنه من العلم، الحكم عليها بمعايير زمان لاحق عليها، ولا تعميم الحكم عليها وفقًا للصورة التي آلت إليها في شيخوختها. وأي دولة لا تشيخ بعد كل هذه القرون الطوال؟ ... وعندما يذكر أحدنا قوة هذه الدولة في عهد فتوتها، فليس من الإنصاف وصفه بالفاشية وتصويره كمن يصفق للقوة المعتدية الظالمة، لأننا نتكلم عن هذه القوة بوصفها جامعة حافظة للإسلام وجماعته ولشعوب هذه المنطقة ولغتهم وثقافتهم".

وفي موضع ثالث (ك: ٥، ص: ١٥ - ٢٥) يناقش البشري ما أسماه «المثل العثماني للديموقراطية الضالة في عصر التنظيمات»، ولقد اجتهد خلال هذه المناقشة -كما يقول- أن يصدم الرؤوس بأحداث بالغة الشذوذ والقسوة تتعلق بغايات نبيلة: إصلاح الجيش وحماية الحوزة، وتحقيق الديموقراطية في مواجهة الاستبداد. ولكنها جميعًا لم تتحقق لأنها كانت أنماطًا من الإصلاح الضال الوافد؛ والتي قادت إلى العكس. في حين أن "... كثيرًا من الباحثين والمفكرين يقوّمون هذه الأحداث بحسبانها من حركات الإصلاح والنهوض والتجديد... ويصمون معارضيها بالتخلف والجمود والانحطاط.. (لأنهم) لا يبالون بأثر نقل النموذج في حالة اختلاف الإنسان، وأثر اختلاف الوظيفة المؤداة مع اختلاف الظروف".

أما عن قراءة البشري لتاريخ مصر -دولة محمد علي- فنجد أن من أهم ما أعاد مناقشته من مقولات شائعة مقولتين مرتبطتين وغير منفصلتين وهما تمثلان وجهي عملة واحدة، تلك المتصلة بطبيعة الدولة إسهامًا في العلمنة من ناحية وعلاقتها بالدولة العثمانية (الوطنية المصرية في مواجهة العثمانية الإسلامية). وهما مقولتان مرتبطتان.

فمن ناحية يبين أنه إذا كانت تجربة محمد علي في الاستقلال بمصر شروعًا في إحياء الإمبراطورية العثمانية على يديه قد أدت به إلى تشكيل نخبة حكم من عناصر منفصلة نسبيًا عن الجماهير، وإذا كانت صلة هذه التجربة بالغرب مبكرًا في إطار السعي للتحديث قد تولد عنها تدريجيًا طوال القرن التاسع عشر ظاهرتا الازدواج والانفصام بين الوافد والقديم في ظل تسرب النفوذ السياسي والاجتماعي والثقافي (ك: ١، ص: ٤٠ - ٥٠)، إلا إنه يشرح في موضع آخر (ك: ٢، ص: ١٠ - ١٤) كيف أن محمد علي -وهو في ذلك يورد ما ذكره د. شفيق غربال في كتابه محمد علي الكبير- "بدأ وعاش وانتهى عثمانيًا مسلمًا... لم يخلق محمد علي ثنائية في معاهد التعليم... ولم تعرف أيام محمد علي ثقافة عربية إسلامية في كل مكان... كانت بعثات محمد علي إلى أوروبا تتجه أساسًا إلى ما يمكن تسميته بعلوم الصنائع وفنونها... اهتم الوالي في تدريب جنده بالجانب الديني والتأكيد على فكرة الجهاد في الدعوة بينهم. لذلك نجد أنه من غير الصواب الزعم بأن محمد علي أقام نظامًا علمانيًا أو أن تاريخ النظم العلمانية يبدأ بهذه الفترة....."

ومن ناحية أخرى، وعن الجامعة السياسية المصرية؛ بوصفها أنها تعتبر أوضح رموز العلمانية السياسية، فيؤكد البشري أن ما تفتق عنه مشروع محمد علي من بدء تكوين الجماعة السياسية المصرية في أساسها العلماني "لم يكن من صنع محمد علي، ولا من قراراته السياسية، ولا كان مما يستهدفه من تكوين جيشه من جنود مصريين، ولا كان ذلك مما يترتب -أو من شأنه أن يترتب حتمًا- على سياسات محمد علي في ظروف تقرير هذه السياسات. إنما نتج ما نتج بسبب تغير الوظيفة المؤداة بتغير الظروف. بل إن الجامعة السياسية القومية جرت على مدى القرن التاسع عشر بغير عراك مع العقيدة الإسلامية، ولا يبدو أن المصرية ظهرت وقتها كدعوة للانفصال عن أية جامعة أشمل.. كما لا يبدو أن الموقف الإسلامي ضاق بهذه الحركة" (ك: ٢، ص: ١٢ - ١٤).

بعبارة أخرى فإن البشري يرى أن وقائع تاريخ تجربة محمد علي تبين أن بغيته كانت دولة الخلافة ومؤسسة الحكم هناك، وليس مجرد إقامة دولة مصرية أو عربية. ولذا فإن مناقشة البشري للتلازم التاريخي بين بناء الدولة الحديثة على عهد محمد علي، وبين بداية تكوين الوطنية المصرية في هذا العصر (ك: ١، ص: ٨٧ - ٩٢) إنما يبرز أمرين يدعمان موقفه من أن دولة محمد علي لم تكن تريد الانفصال أو الاستقلال عن الدولة العثمانية. ولذا فهو يقول "... كان الإسلام هو الجامع الذي يربط دولة محمد علي بدولة الخلافة... وأن عملية التمصير التي بدأت في الجيش ثم الوظائف العامة كانت تجري في إطار من مفهوم الجامعة الإسلامية العثمانية... وأن المصرية -على مدى القرن التاسع عشر- لا يبدو أنها ظهرت كانفصال عن الجامعة الأشمل؛ إنما ضربت عليها العزلة ضربًا من قِبل الدول الكبرى وقتها مما ظهر في معاهدة لندن ١٨٤٠".

ولقد ظهر هذا التوجه أيضًا في فكر البشري عند مناقشته بعد ذلك (ص: ٩٢ - ١٠٠) نمو الاتجاه العربي لمصر منذ بداية القرن العشرين حيث إن الوعي المصري تفتق عن أن الحفاظ على المصرية لا تكفله الجامعة المصرية وحدها، وأن درء الخطر عنها لا يكفله إلا الانتماء إلى جامعة سياسية أعم؛ إسلامية كانت أو عربية.

أما بالنسبة للقضايا ذات الطابع الجزئي التي اهتم البشري بإعادة قراءة التاريخ حولها فيمكن أن نذكر المثالين التاليين:

الأول خاص بمغزى الحملة الفرنسية، والثاني خاص بوضع أهل الذمة ثم وضع أقباط مصر.

وهو يقول بشأن حملة نابليون: "..... لا أظن أن بلادنا ينتظرها خير ما، في ضوء نظرة تحسب الغازي هو ناقل الحضارة والمخرج لنا من الظلمات إلى النور. إن حملة نابليون حملة استعمارية واحتلالها مصر هو غزو مسلح كوفح بما يستحق وبما يجب أن يواجه به من شعوب حرة... والحملة الفرنسية هذه لم تستجب لمبادئ ثورتها الإنسانية عندما وضعت سليمان الحلبي على الخازوق، وما صنعه أبناء الثورة الفرنسية في الجزائر معروف مشتهر" (ك: ١، ص: ٧٦).

أما المثال الثاني فهو الخاص بـ«أهل الذمة». وقد ورد في تعقيب للبشري على دراسة قدمت في ندوة عقدت في سنة ١٩٨٠ تحت عنوان «القومية العربية والإسلام»، وهي الدراسة التي وردت تحت عنوان «الإسلام والمسيحية العربية والقومية العربية العلمانية». وفي هذا التعقيب رد على ما أثير في الدراسة عن وجود «عقلية الذمة» في نفوس اليوم نتيجة ما ترسب عن ظروف المسيحيين العرب في عهود الحكم الإسلامي يقول البشري: ".... في النظر إلى التاريخ ينبغي الالتزام بالمنهج التاريخي بمراعاة ظروف الزمان والمكان في تقييم الوقائع والأحداث... والجانب الفكري في نظام الذمة يتعين ألا يرد معزولًا عن سياقه وتفاصيل أحكامه.. إننا لا نريد لأحداث وفكريات السلف أن تتحول في الأيدي إلى أشباح يفزع بها البعض بعضًا... ولن نتقدم قط ما استمر مسيحيونا يذكرون (اللباس الخاص) في بعض السنين، وما استمر مسلمونا يذكرون (الجنرال يعقوب)، ومن غير الإنصاف أن يجري تعميم الأحداث العارضة في محاولة للترسيخ في ضمير المواطن المسلم أن في ماضيه ما يشين، وأنه لا مساواة ولا ضمان للمساواة إلا بأن يفقد المواطن المسلم إسلاميته. إن ذلك يستند إلى دلالة تاريخية مغلوطة، ويبنى عليها مطلب غير عادل وغير عملي، ولن ينجم عن ذلك إلا نمو الاستقطاب، فيفقد البعض هويته؛ ولدينه سهم في قيامها، ويستنفر البعض دفاعًا عن إسلاميته، والجميع يرى بالمعايشة سرعة ازدهار الحركات السياسية الإسلامية، والكل ينبغي أن يدرك ما تمليه موازين القوى البشرية" (ك: ١، ص: ٧٧ - ٧٨).

ولذا ينتقد البشري من جانب آخر الدراسة لتقريرها الجازم بإيجابية المناخ الذي ساد في القرن التاسع عشر، ونصف القرن العشرين، وهي ذاتها مرحلة التوغل الغربي في وطننا، ولذا لا يستعجب أن تتسق الدراسة في هذا مع نظرتها إلى حملة نابليون الكبرى وإلى الأثر الإيجابي للضغط الأوروبي على الدولة العثمانية، وفي تقريرها مساواة المسيحيين بالمسلمين. ولقد كان تعقيب البشري على هذه الدراسة -كما ذكرنا في موضع سابق- من أهم النماذج على مناظرة البشري -من منظور إسلامي- مع المنظورات الأخرى القومية والليبرالية حول وضع الأقباط في مصر والدول العربية، وهي المناظرة التي وإن حرص عليها البشري إلا أنه لا يتخطى خلالها حدود الأصول والثوابت التي لا يمكن النكوص عنها.

ج- من ناحية ثالثة فإن توظيف البشري للتاريخ يهدف إلى تعميق فهم الحاضر. فإن إعادة القراءة للتاريخ أو الاستعراض الطولي المرحلي للتاريخ المعاصر (القرنين الثامن عشر والتاسع عشر) ليس غاية في حد ذاته لدى البشري بقدر ما هو وسيلة لفهم الحاضر. وبذا يتضح أن البشري على هذا النحو لا يبدو لنا مؤرخًا تقليديًا، ولكنه مؤرخ سياسي واجتماعي؛ يسعى نحو أطر التحليل والتفسير والتقييم التي لا ينفصل فيها عن واقعه المعاش، ولكنها تستمد رحابتها وعمقها من مدلولات التاريخ وخبرته.

إذن البشري يستدعي التاريخ لتدعيم الفهم للحاضر وتعميقه، ولقد نوه البشري إلى هذه الغاية في المواضع المتعددة التي لجأ فيها إلى العرض الطولي التاريخي. إنه عند مناقشته للعلاقة بين الإسلام والعروبة قد أكد على أهمية البحث عن سبل التلاقي والتقارب وليس التنافي والتنافر فهو يقول (ك: ١، ص: ١٧): ".. إن المجال المشترك في ظني عميق متسع، إذا نظرنا إليه من وجهة التاريخ أو الجغرافيا السياسية أو التكوين النفسي والثقافي.. إن ما يريد أن ينبه إليه هذا المقال ليس جديدًا ولا مبتكرًا؛ إنه قديم قدم القرن التاسع عشر، جديد جدة الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين. وتاريخنا في هذا الإطار يمدنا بوجوه عزيزة للتقارب والترابط، وما كان يظهر عراك بين الجامعتين في ظني لولا أن ظروف الواقع الحاضر وملابساته تعمل على طمر تلك الخبرة التاريخية وطمس دلالتها....".

وفي موضع آخر (ك: ٢) من منطلق اقترابه من الحوار الإسلامي العلماني والذي قدم بصدده مراحل تطور الوفود العلماني قبل أن يتصدى لقضايا هذا الحوار الراهنة نجد البشري يقول (ص: ٨): "إن الحديث عن مستقبل الحوار يعني الحديث عن علاقة الطرفين المتحاورين، من حيث هي صيرورة ومآل، ومادمنا في مجال الضرورة فلا بد من الحديث عن الماضي وعن أصل المشكلة، وما طرأ عليه من بعد".

ومن منطلق تناوله أيضًا للتحديات التي تواجه الأمة في ظروفها الراهنة والاستجابات المطلوبة (ك: ٥، ص: ٧ - ١٤) يقول البشري: "... كل ذلك يستوجب الوقوف لتأمل التجارب والصيغ وحصيلتها. إن الوضع الفكري الراهن يمثل -في تصوري- وقفة تاريخية للمراجعة والتدبر... وإعادة الكشف عن المورد الفكري والحضاري للمقاومة ومشروعات الاستقلال والنهوض" (ص: ٨).

وفي الكتاب الرابع ومنذ السطور الأولى منه يقول البشري: "... أتصور أنه لكي نتلمس رؤية المستقبل للحركة الإسلامية، يحسن بنا أن نطالع ملامح الوعاء الزمني الذي تعمل فيه هذه الحركة، والزمان المعاصر في تاريخنا يتكون من هذين القرنين الأخيرين، وقد شارف القرن الثاني منهما على نهايته، وصرنا على مشارف قرن ثالث، يبدأ معنا بالملامح عينها التي صبغت تاريخنا المعاصر منذ بداية القرن التاسع عشر" (ص: ٥).

ويقول في موضع آخر: ".... ونحن نختار هذا الفكر السياسي الإسلامي في زماننا إنما نفعل ذلك وأعيننا على الحاضر، ولنوضح الظرف التاريخي الذي نبتت فيه أي ثمرة من ثمار هذا الفكر» (ص: ١١).

بعبارة أخرى لم يكن توظيف التاريخ لفهم الحاضر لينفصل لدى البشري عن توظيفه من أجل غاية أخرى وهي فهم الرابطة بين الفكر والواقع، وهذا يقودنا إلى الملمح الثالث من ملامح منهاجية البشري في هذه السلسلة.

 

٣- الرابطة بين الفكر والواقع (حركة أو حدثًا أو تنظيمًا..): تعد -هذه الرابطة- من أهم الملامح المنهاجية لدى البشري. فهو لا يتناول الأفكار -فقهية كانت أم فلسفية أم سياسية اجتماعية- مجردة ولكن في سياقها التاريخي زمانًا ومكانًا.

أ - وقد سبق أن أوردنا في مواضع مختلفة (وخاصة في الجزء الثاني الذي يقدم إشكالية التحديات/ الاستجابات باعتبارها قاعدة البناء) نماذج توضيحية عن هذه العلاقة بمستوياتها المختلفة التي أحاط بها تحليل البشري. وهما -أساسًا- مستويان:

المستوى الأول: ويلخصه البشري في كلمات جامعة في نهاية دراسته تحت عنوان «الإسلام والعصر: ملامح فكرية وتاريخية» (ك: ٤، ص: ٤٧ - ٦١) وهو يقول: "١- .. إن هذا الفكر -كما يتراءى لنا- هو حصيلة استجابات تاريخية للعصر الحاضر، ولهذه المرحلة من حياة الجماعة الإسلامية، وهو حصيلة تراكمت عناصرها واحدًا واحدًا عبر تنوع الأوضاع التاريخية والإقليمية في العصر الحاضر... ٢- إن الخلافات بين الاتجاهات المختلفة التي ظهرت في هذه المرحلة إنما هي في أساسها خلافات بين مواقف تفتقت عنها الحاجة التاريخية والاجتماعية فهي... خلاف فكري أساسه خلاف الزمان أو المكان، أو خلاف الرؤية السياسية والاجتماعية لجماعة الحركة... ٣- إن الحاسم في الحكم لا يتعلق فقط باستخلاص الأحكام من النصوص واستنباطها من مصادرها الأولية، ولكنه يتعلق أيضًا بكيفية النظر للواقع الذي تحياه الأمة..." (ص: ٦٠ - ٦١).

أما المستوى الثاني؛ فلم يلخصه البشري بين المجموعة السابقة من النتائج، وهو المستوى الذي يبين كيف أن عملية نقل النماذج الفكرية أو التنظيمية التي نبتت في واقع غير واقع مجتمعاتنا وتم اختبارها على أرضه، لا يثمر نفس الثمار على أرضنا بل يمكن أن تحدث نتيجة عكسية.

وكان هذا المستوى بدوره حاضرًا في تحليلات البشري، ولا أدل على ذلك من عبارته الجامعة الملخصة لنتائج تحليله لمجموعات الفكر السياسي والحركات السياسية الغربية التي وفدت إلى بلادنا باعتبارها مقومات الإصلاح والتحديث؛ وهي التي تتعلق بالديموقراطية والإصلاح الديني، والقومية، والاشتراكية (ك: ٥، ص: ٤٧) فهو يقول: "والحاصل، أن حظنا من كل من هذه المجموعات الفكرية، كان حميدًا أو ضالًا بقدر ما أمكننا، أو لم يمكنا توظيفه كأدوات للإصلاح لا كأهداف للإصلاح، وبقدر ما أمكننا أو لم يمكنا تحديد أهداف الإصلاح طبقًا لأوضاعنا العقدية والتاريخية في ظروفنا المعيشية، وبقدر ما استطعنا أن نستبقي مواريثنا الحضارية نقدر بها الصالح وغير الصالح مما نشربه من غيرنا. والحاصل أيضًا أننا فشلنا كل الفشل في كل الظروف التي لم نراعِ فيها عينية الفروق بين السياق الاجتماعي التاريخي الذي ظهرت فيه أي من هذه المجموعات الفكرية، وبين السياق الاجتماعي التاريخي لدينا.. ومن هنا تبدو أهمية موضع المعاصرة الذي أريد به أن يطمس الفروق بين أوضاع الغرب وأوضاعنا".

وهكذا يصل بنا البشري إلى مفهوم محوري في فكره، يصب فيه -وعنده- مفاهيم وقضايا أخرى. وهذا المفهوم هو مفهوم المعاصرة، أو وحدة العصر، التي سنتوقف عندها لاحقًا في خاتمة العرض لبقية الملامح المنهاجية.

ب - ويمكن من ناحية أخرى الإشارة إلى البعض الآخر من النماذج التوضيحية للعلاقة بين الفكر والواقع لدى البشري، والتي تقدم لنا مدلولات إضافية ذات طبيعة منهاجية بصفة خاصة.

فنجد على سبيل المثال اهتمام البشري -الذي ظهر في السلسلة- بالعلاقة بين الإصلاح الفكري والإصلاح المؤسسي التنظيمي؛ انفصالًا واندماجًا، وما لذلك من آثار على حالة الأمة في مواجهة الفكر الوافد ومؤسساته وأنظمته في المراحل المختلفة من «العصر» أي القرنين التاسع عشر والعشرين.

وكذلك يمكن أن نشير إلى تمييز البشري -عند اقترابه من العلاقة بين الإسلام والعروبة- بين الحوار الذي يدور حول البعد الفكري النظري في القومية (أي المفهوم القومي النظري والذي يثير أكثر الخلاف بين الإسلاميين والقوميين) وبين الحركة والاحتياجات العملية التي تولد الروابط المشتركة بين الفكرين الإسلامي والقومي حول الاستقلال، والوحدة، والتنمية، في ظل مظلة انتماء أوسع وأشمل.

وعلى صعيد آخر -وعلى النحو الذي يقدم لنا البشري الفقيه القاضي- يتكلم البشري عن جانب هام من العلاقة، وهي العلاقة بين النصوص والوقائع في الفقه الإسلامي (ك: ١، ص: ٦٨) فهو يقول: "ونفي العلمانية يعني في تصوري الأخذ بالشريعة الإسلامية... وقد قرأت في الشريعة وتعلمت القوانين الوضعية الآخذة عن الغرب والشريعة بناء تشريعي فقهي عظيم... ونحن نعلم ما يقال فيها عن اختلاف الزمان والمكان واختلاف الحجة والبرهان... وتفسير النصوص.. في صميمه (هو) تحريك للنص على الوقائع المتغيرة، وعلى الحالات المتنوعة. والمرونة سمة أصلية من سمات الفقه الإسلامي".

ولعل من أعظم الأمثلة التي ضربها البشري عن التفاعل بين الفكر وبين ضغوط الواقع ما قاله عن خبرة السنهوري باشا وتطور موقفه من العلاقة بين الشريعة والقوانين الوضعية. فبالرغم من اعتراف السنهوري في سنة ١٩٣٤ بما ينطوي عليه فقه الشريعة من إمكانات كبيرة ومن مرونة وقابلية للتطور، إلا أنه عندما أعد القانون المصري لم يستغل الإمكانات المتاحة كلها، وأتى القانون غربيًا خالصًا. وكان تفسيره لهذا الموقف أن الدراسات لم تنضج في حقل الشريعة بعد. ولذا يقول البشري إن السنهوري -الذي ظلت كتبه وأبحاثه في هذه المرحلة الأولى تدور في نطاق الثقافة القانونية الغربية- كانت الشريعة لا تزال لديه مجالًا للدعوة، ولم تشارف عنده مرحلة الممارسة العملية أو التشريعية... فليس من قرأ كمن صنع. ثم جاءت الفرصة بعد ذلك أمام السنهوري للصناعة، ولكن بالمزاوجة أولًا مع أحكام «المجلة» وفقه الشريعة عامة. ولقد خرج السنهوري من هذه المرحلة الثانية شديد الاعتراف بعراقة الفقه الإسلامي، وقال معبرًا عن مدى تأثره بخبرة ممارسته: "هذه هي عقيدتي في الفقه الإسلامي، تكونت لا من العاطفة والشعور فحسب، بل تضافر في تكوينها الشعور والعقل، ومكن لها شيء من الدرس، .... فأتاح لي اطلاعي على نصوص هذا الفقه الإسلامي.. أن ألحظ مكانة هذا الفقه وحظه من الأصالة والإبداع، وما يكمن فيه من حيوية وقابلية للتطور".

أما المرحلة الثالثة من تطور خبرة السنهوري باشا فيقول البشري إنه خاض فيها الممارسة الفقهية بكتابه المهم عن مصادر الحق في الشريعة الإسلامية مقارنة بالقوانين الغربية. ولذا؛ فإن السنهوري -وفقًا للبشري- لم ير المستقبل في واحدة من المرحلتين الأولى (مرحلة الأخذ عن الثقافة القانونية الغربية) أو الثانية (مرحلة الثقافة الغربية إلى جانب الفقه الإسلامي) بل في تفاعل المرحلتين تفاعلًا يفضي إلى تخطيهما معًا. (ك: ٣، ص: ٢٤ - ٢٥).

لقد توقفت عند هذا المثال العملي الحي من واقع خبرة أحد أبرز علمائنا المعاصرين؛ لما له من دلالة هامة منهجية، أعتقد أن البشري قد مر بها -ولو في إطار مختلف- ويحتاج شبابنا لتفهم مثل هذه الدلالة. فهي تساعد على حفز الإيمان وتشكيله وتدعيمه بأنه مهما كانت المشاكل والصعوبات، فهناك إمكانية بل وضرورة للخروج من إسار الفكر الغربي لرأب الانفصال عن التراث.

وتبقى أخيرًا الإشارة إلى النموذج الذي يوضح فهم البشري لما يجب أن يكون لتأثير الواقع على الفكر من حدود من ناحية، وشروط فاعلية الفكر من ناحية أخرى فهو يقول (ك: ٤، ص: ١٢ - ١٣): «إن الفكر -كشأن أي كائن حي- لن نحميه بأن نضعه في المعازل، ولكن السبيل الأمثل للدفاع عن الوجود هو بالتجديد وبالتفاعل مع أوضاع الواقع المعيش... وهناك تصور خاطئ لفكرة التجديد، وهو أنها تعني بذلك الجهود لإسباغ بردة الإسلام على ما نشاهد ونمارس من أوضاع المعيشة في حياتنا الراهنة؛ وبخاصة ما طرأ عليها من أنماط السلوك والنظم الوافدة، حتى وإن كانت تخالف أصلًا من أصول الإسلام. وهذا موقف خاطئ لأنه يحيل الفكر الإسلامي إلى مجرد أنه تبرير وتسويغ للواقع المعيش وليس حاكمًا له.. إن التجديد في الحقيقة يتأتى من وجهة أخرى. إنه يرد من كيفية استجابة الأحكام الشرعية ونظم الإسلام ودعوته للتحديات التي تواجه عقيدة المسلمين وديارهم».

وتقودني هذه الكلمات إلى الانتقال إلى الملمح الرابع من الملامح المنهاجية.

 

٤- «الأصل»، و«المرجع»، و«الثابت»، ومعيار الاحتكام؛ جميعها مفاهيم ترددت في خطاب البشري وهي تعني الإسلام وتشير إليه.

فالإسلام لدى البشري هو أصل الشرعية ومعيار الاحتكام، وهو الإطار المرجوع إليه في النظم الاجتماعية والسياسية وأنماط السلوك. ومن ثم فمن الملامح المنهاجية الهامة والأساسية التي غلفت وأحاطت بالبناء كله؛ تلك المتصلة بالتمييز الواضح لدى البشري بين الثابت والمتغير، وبين الأصل والفرع، ومن ثم التمسك بأهمية الدفاع عن حوزة الأصول وعن أصل الشرعية وعن معيار الاحتكام مهما تغير الزمان والمكان.

ذاك هو الجوهر الدفين في بناء فكر البشري، والذي يفسر لنا فكره حول الأعمدة الأساسية وحول القاعدة الأساسية في بنائه الفكري: فإن الصدع لم يظهر إلا نتيجة الابتعاد عن أصل الشرعية ومعيار الاحتكام والمشروع الوطني لن يتحقق بدون العودة لهما.

وإذا كانت كتابات البشري التي نتحدث عنها قد تضمنت دراسة تحت عنوان: شمولية الشريعة الإسلامية عناصر الثبات والتغير (ك: ٣، ص: ٩٩ - ١١٥). كما توقف البشري عند الموضوع ذاته طوال نصف دراسة أخرى تحت عنوان: الإسلام والعصر ملامح فكرية وتاريخية (ك: ٤، ص: ٤٧ - ٥١)؛ التأكيد على هذا الأمر قد تلازم مع غالبية الدراسات واتخذ أشكالًا مختلفة ونجده في موضع آخر من كتابه (ك: ٣، ص: ٣٥ - ٣٦) تحت عنوان: «حول التجديد» يتوقف لينبه إلى ضرورة التفرقة بين الشريعة والفقه، وأن الشريعة هي الثابتة والفقه هو الذي يتغير.

".... إن التغير لا يعني تغيرًا لأصل الحكم المرجوع إليه، إنما يعني تغييرًا لدلالة الحكم مطبقًا على حالات متغيرة أو في ظروف مختلفة.. لذلك؛ فإن النص وهو ثابت لا تتناهى تفسيراته لأنه ينطبق على واقع غير متناهٍ، والاجتهاد هو سبيل التفسير المتجدد للنص الثابت على الوقائع المتغيرة. هذا الفارق بين الشريعة والفقه، يتعين أن يكون واضحًا لدى من يذودون عن الشريعة، فلا يسبغون وضعها الإلهي الثابت على آراء للفقهاء جرت في ظرف مغاير. كما يتعين أن يكون واضحًا لدى من ينقد آراء قديمة في الفقه، ألا يبسط نقده على ما يسمى الأصل المرجعي الثابت في القرآن والسنة، أي الشريعة» (ص: ٣٥ - ٣٦).

وربما يجد بعض المتخصصين أن هذا التنبيه من البشري لا يحمل جديدًا، ولكن الجديد هو أن فكر البشري يقدم ترجمة عملية لهذه القاعدة في مجالات عديدة وحول موضوعات متفرقة، وخاصة الاستجابات الفكرية المختلفة في مواجهة تحديات المراحل المتتالية في العصر.

ويتضح لنا ذلك الجديد من موضعين:

الموضع الأول من دراسة له تحت عنوان: «الإسلام والعصر: ملامح فكرية وتاريخية» (ك: ٣) التي انقسمت إلى جزأين: جزء منهاجي يحدد فيه البشري منهج وأصول النظر العقلي في إدراك العلاقة بين الثابت والمتغير. ويلخص فكره في هذا الجزء عبارات هامة: ".... عندما يجري الحديث عن مشكلة تتعلق بـ(الإسلام والعصر)، فإن المقصود من ذلك الإشارة إلى ثبات الإسلام وتغير العصور، أي تغير الأوضاع الاجتماعية والتاريخية والإنسانية... متى صارت لدينا القدرة على التمييز بين ما هو ثابت، أي يشكل وضعًا إلهيًا -وهو النصوص والأحكام المنزلة قرآنًا وسنة- وبين ما هو متغير واجتماعي وتاريخي من اجتهادات الفقهاء، فإننا بهذه القدرة نستطيع أن ندرك كيف نحفظ أصول الشريعة، وفي الوقت نفسه نعمل عقولنا في المجال الفسيح المتاح للاجتهاد في هذه الأحكام، بما يحفظ أصول الإسلام، ويرعى مصالح العباد، وبما يشيع العدل. ونحن نتذكر كلمة محمد إقبال التي لقنها له أبوه: (اقرأ القرآن كأنه يتنزل إليك)، وهذا القول هو واحد من تطبيقات أن القرآن نص غير تاريخي، فنحن نقرؤه في كل عصر كأنه تنزل إلى هذا العصر.....".

أما الجزء الثاني من الدراسة فهو تاريخي يوجز فيه البشري ما سبق وفصله في دراسات عديدة حول موجات الإصلاح منذ منتصف القرن الثامن عشر. ثم لخص البشري نتائج عرضه التاريخي التي يبرز فيها جوهر رؤيته عن العلاقة بين الفكر والواقع على نحو ما أشرنا إليه فيما سلف.

أما الموضع الثاني الذي يوضح الجديد لدى البشري بالمقارنة بغيره -من الذين يجرون على التنبيه لهذه القاعدة- فهو يتمثل في تلك العبارة البليغة «المؤمنة» التي أنقلها كاملة (ص: ٣٧) يقول: ".... نقطة أخرى أدركتها بالمعايشة. إن الإسلام بقلب المؤمن به جديد جدة نفسه وجدة حياته وحاضره ومتى أمن عليه من الغوائل وأمن على أصوله وثوابته، صار إسلامه عنده وكأنه أبلغ إليه في هذه الساعة متفاعلًا بأصوله وأركانه وقيمه مع حاضره وما يرنو إليه من مستقبل. ذلك أن الإسلام معتقد معقود في نفس المؤمن به، والمؤمن حاضر وحي وجديد. وهو مخاطب بأحكام الإسلام، قرآنًا وسنة، في يومه هذا. وهذا مفاد كون نصوصه غير تاريخية".

هذا بخلاف ما يمكن أن نسميه بالنظرة (الأثرية) للإسلام، التي تراه آثارًا، أو حتى لو كانت تحن إليه، فكما يحن الشاعر إلى مرابط قومه القديمة يستنشق عبيرها ويستحضرها في ذاكرته ساعة ثم يمضي.

بهذا الإدراك لجدة الإسلام بوصفه معتقدًا، نفهم كيف هدم الوهابيون الأوائل كثيرًا من المزارات، وكيف قرر الأصوليون أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لأن النص إلهي، وهو غير تاريخي. أما الفقه، فهو الوضع التاريخي نأخذ منه ونترك وفقًا لما ندركه من جدة أصول الإسلام في نفوسنا، ومع تقديرنا أن الفقه هو الخبرة التاريخية التي يلزم استطلاعها، وهو تجارب الماضي التي نسترشد بها.

 

وأخيرًا وبعد هذه التعبيرات أجدني لا أستطيع أن يترك قلمي الكتابة دون أن أسجل الملاحظة التالية: إن طارق البشري الفقيه القاضي، والمؤرخ السياسي، المسلم المؤمن، قد سطر كل هذه الصفحات التي تضمنتها هذه السلسلة محملًا إياها همه وانشغاله بأحوال الأمة في تاريخها المعاصر والراهن، ومفوحًا منها عبق رؤيته الإسلامية الحكيمة، سطّر كل هذا دون أن يحيل إلى نصوص الأصول (قرآن وسنة) ولكن سطرها من واقع رؤية إسلامية واعية ومؤمنة لتاريخ المسلمين وحاضرهم بكل منعطفاته ومفترقاته، بكل تحدياته واستجاباته على تلك التحديات.

وإذا كنت قد ترددت قليلًا عند صياغة كلماتي السابقة إلا أنني أجد أن الكلمات التالية للبشري تصدقني القول: ".... هذا هو العصر الذي نتصدى لحل مشكلاته لصالح الجماعة. وإذا اتضح ما هو العصر اتضح معيار الحكم. ليس المشكل في فهمنا للإسلام ولكن المشكل هو في فهمنا للعصر؛ ليس المشكل في قراءتنا للنص ولكن المشكل في رؤيتنا للواقع» (ك: ٤، ص: ٦١).

وأخيرًا وعلى ضوء كل العرض السابق يتضح لنا كيف يتكامل لدى البشري ويتضافر الملمحان المنهجيان الأخيران وهما: العلاقة بين الفكر والواقع، والعلاقة بين الثابت والمتغير. كما اتضح لنا من قبل التكامل بين الملمحين الأول والثاني، أي الأمة والرؤية الكلية للتاريخ وكيفية توظيفها. ويتحقق إحكام التكامل المنهاجي وتراكمه بين هذه الملامح الأربعة في مجموعها من خلال رؤية البشري عن «العصر» وعن «المعاصرة».

وبالرغم من أهمية هذه الرؤية وتفردها عن «وحدة العصر الحديث»، والمعاصرة فلم أجدني في بداية القراءة قادرة على تسكينها باقتناع في أحد أجزاء هذه الورقة. ثم صممت لها وضعًا في الجزئية الثالثة. ولكن اختصار هذه الجزئية، على ما آلت إليه، لم يعد يتناسب وما أراه من قيمة منهاجية ومضمونية في الدراستين اللتين انبرى فيهما البشري لتقديم رؤيته عن وحدة العصر والمعاصرة. الأولى تحت عنوان «الإسلام والعصر: ملامح فكرية ومنهاجية» (ك: ٤، ص: ٤٧ - ٦١)، والثانية تحت عنوان: «مفهوم المعاصرة بين العالمين الغربي والإسلامي» (ك: ٥، ص: ٤٨ - ٦٥).

وإذا كنت قد وجدت للدراسة الأولى مكانها من العرض في الأجزاء السابقة كما رأينا- إلا أنه ظل للثانية وضعها الخاص بالنسبة لتفاعلي مع أفكار البشري في كلياته وارتباطاتها. كذلك لم تسقط من ذهني الرابطة بينها وبين الدراسة الأولى. لماذا؟

إن الملاحظات التالية تلخص هذا الوضع المزدوج وتقدم الإجابة. ولقد أوردتها في هذا الموضع من الورقة لأنها تبرز -من وجهة نظري- ليس التكامل بين الملامح المنهاجية الأربعة فقط ولكن أيضًا التكامل بين مكونات البناء الأخرى. وتتلخص ملاحظاتي في أن الدراسة الأولى -للبشري- كانت تشرح العلاقة بين الإسلام والعصر على النحو الذي يبين كيف أن منهاجيته لشرح العلاقة بين الفكر والواقع والظرف التاريخي على صعيد المجتمعات الإسلامية، إنما تتمحور -هذه المنهاجية- حول ما يحفظ ويقيم أصول النظر في الثابت والمتغير، فالإسلام هو الثابت والعصر هو المتغير.

أما الدراسة الثانية فإنها تشرح بعمق ورحابة واقتدار وإبداع جوهر إشكالية العلاقة بين «نحن» و«الآخر» في العصر الحديث، والتي تتصدر المناقشات في الدوائر الفكرية تحت مفهوم «المعاصرة». وأرى أن البشري في هذه الدراسة، قد قدم الخلفية والإطار الشامل الذي يفسر لنا لماذا رأى البشري «الوافد» قد أحدث الصدع وكيف أحدثه؟، لماذا تعد التبعية والتجزئة من أخطر التحديات المعاصرة؟ وما الذي يقع في صميم هذه التبعية والتجزئة: أهي العوامل المادية أم هو الوعي الحضاري؟

وأستطيع القول إن هذه الدراسة التي كتبها البشري في سنة ١٩٩٣ إنما تضع أسانيد رؤية إسلامية واعية ناقدة لـ«العولمة». وهي الرؤية التي تقيم أسانيدها على اعتبارات القيم، والوعي الأممي الحضاري. وبذا فهي وإن كان لها سبق المشاركة في مناقشة واحد من أخطر أبعاد هذا الموضوع- أقصد «العولمة»، إلا أن البشري أرسى أيضًا من خلالها وبوضوح عميق الأسانيد التي تميز الرؤية الإسلامية في هذا المجال عن غيرها من الرؤى الناقدة أيضًا، أو الناقضة لـ«العولمة». فمن أهم ما ثار في أوساطنا الفكرية والأكاديمية خلال العامين الماضيين تلك الفورة من الاهتمام غير العادي بما يسمى «العولمة» على نحو يذكرنا بنظيرتها التي جرت في بداية التسعينيات حول «النظام العالمي الجديد». ومن بين بعض أهم ملامح الجدال بين الرؤى الأخرى الناقدة للعولمة هو أنه لا يمكن التمييز بين أسانيد رؤية إسلامية وبين رؤى أخرى ناقدة للعولمة سواء منها الرؤى القومية أو الهيكلية أو غيرها.

وتأتي دراسة البشري والتي كتبها قبل أن يحتدم الجدال لتقدم إسهامًا بالغ الأهمية في هذا المجال، في وقت لم يسطر البشري -ولو مرة واحدة- لفظة العولمة.

وهذه الدراسة من الدراسات التي لا بد وأن يحدث افتئات على مضمونها إذا تم اجتزاء عنها، حيث إن أجزاءها وسطورها محكمة وبالغة الإتقان في تعبيراتها وانتقالاتها. وبالرغم من هذا فإنني أنقل عنها بعض ما يمكن أن يشرح وجهة نظري السابقة.

كانت هذه الدراسة قد قدمها البشري تحت عنوان: «حول القيم والمفاهيم السائدة في المجتمع العربي» وذلك في ندوة «الثقافة العربية الواقع وآفاق المستقبل» التي عقدتها جامعة قطر في سنة ١٩٩٣. ومن ثم فإن مدخل البشري لمناقشة العصرية والمعاصرة هو (القيم والمفاهيم السائدة في المجتمع العربي) على اعتبار أن العصرية أو المعاصرة تبدو فيما يظنه البشري كالقيمة العليا التي صارت حاكمة في الثقافة السائدة... قد صارت أصلًا مرجوعًا إليه.

ولقد بدأ البشري عرضه بمتابعة التطور في مفهوم «العصري» ومن ثم المقابل له أي «الرجعي». وهو التطور الذي حدث في النصف الثاني من القرن العشرين بالمقارنة بمعانيها في النصف الأول من هذا القرن. ففي حين كان المعنى الاجتماعي يغلب في البداية (القيم السلوكية، العادات، أساليب الحياة...) بدأ المفهوم يكتسب بالتدريج مع الوقت دلالات أخرى تشير إلى معنى أممي.... فصار العصر يمثل وحدة جامعة تضم العصريين جميعًا في العالم أجمع، وصار العصري... يشير إلى من يندرج في وحدة الانتماء هذه بحسبانها تشكل وحدة انتماء حضاري وأممي، ولم تعد العصرية تقابل الرجعية كطرف صراع اجتماعي في داخل الجماعة المحلية، إنما صارت العصرية -بوجهها الأممي- تقابل التخلف على صعيد العالم أجمع. وقسم هذا المعنى العالم -في وعي القائلين به- إلى فريقين... ويتساءل البشري: ".... كيف أمكننا أن نقيم معايير للتقويم التاريخي والحضاري يتحول بها العصر من عنصر زماني إلى قيمة ثقافية حضارية، يُبلور عليها مفهوم الأمة والجماعة ويصير غير المتمتع بخصائص العصر منكورًا عليه جدارة الانتماء إلى أمته؟!!".

والإجابة لدى البشري تتلخص في أننا لم نقم في وعينا من قبل (خلال السيطرة الاستعمارية في التاريخ الحديث) نسقًا واحدًا لتاريخ عالمي يقيم معايير موحدة للوجود والنمو والارتقاء. وحتى بعد التحرر كانت مهمتنا هي اللحاق بالركب ومن ثم وضعنا حاضر أوروبا صورة لمستقبلنا ومعيارًا لتقدمنا. وهنا بدأ المعيار التاريخي ومعيار التقويم الحضاري للعالم يتوحدان في وعي الثقافة السائدة (أي المسيطرة والحاكمة) في مجتمعاتنا.. وبهذا المنظور تعدل في وعينا التصنيف الذي كان قائمًا؛ فبعد غازٍ ومغزو ومستعمِر ومستعمَر، صار يتعلق بمعاصر ومتخلف... وأخذ هذا التصنيف يسود على ما عداه من تصنيفات تقوم على أساس الدين أو القومية أو اللغة أو العرق أو القارة.

وحيث إن الغرب هو الأكثر تقدمًا فلقد سادت خصائصه الحضارية بحسبانها خصائص العصر فكرًا ونظمًا، وأنماط حياة وسلوكًا، ومذاهب.

وهكذا بعد تحديد المفهوم السائد ينتقل البشري إلى تقديم رؤيته النقدية له. وهي تقوم على رفض الدلالة الأممية الحضارية لـ«العصر» الذي هو في الأصل وحدة زمانية، ذلك لأن هذه الدلالة تجعل العصر وحدة انتماء جماعي تحل محل وحدات الانتماء الأخرى؛ دينية كانت أو قومية أو غيرها. هذا ما يرفضه البشري كما يرفض أيضًا البشري مفهوم وحدة العصر لأنه ينتج عن القول بوحدة التاريخ الذي يعني وحدة الجماعة. وهذا الرفض قائم لدى البشري على نحو يدفعه للتساؤل: هل توحد العالم أو الجماعة البشرية لن يتم لحساب فئة على حساب فئة أخرى؟ بعبارة أخرى ألن يكون على حساب اختلاف الجماعات والتكوينات الثقافية التي تحيا في هذا القرن؟

ويفصل البشري موقفه على ضوء نقد مدلولات هذا المفهوم «العصرية» بالنسبة للتقويمات الكلية والتقسيمات العامة للتاريخ، ولأدوات تحليل النظم والمؤسسات والأفكار والأحداث، فهو يقول: ".... كيف يمكن أن تتوحد العصور وتتوحد الأحكام إلا بكثير من الشطط وتجاهل الواقع تجاهلًا يصل إلى حد إسقاطه كلية... إننا لا نعترض على حركة التاريخ الأوروبي ولا على تقسيماته وتقويماته (إلا) أن تعمم.. أو نستخدمها كأدوات فكرية في تحديد واقعنا ووصفه، أو كمعايير نتحاكم بها في تاريخنا....". كما يقول على ضوء مناقشة بعض نماذج الاحتكام للغرب: "... إن هذه المفاهيم والقيم.. لا تيسر لنا صواب النظر ولا صحة التناول. والأخطر من ذلك أنها تجعلنا دائمًا نقيس وفقًا لنموذج آتٍ لنا من غير وقائعنا وخبراتنا. إن وحدة العصر كجامع حضاري أممي، تعني إلحاق عصرنا الراهن -أي حاضرنا- بعصر الغرب؛ أي بنمط الحضارة الغربية الغالبة المتصفة بوصف حضارة العصر الحديث. وهذا يعني -فيما يعني- أن التبعية في الحاضر ترتد تبعية على الماضي، كما أن وحدة العصر كجامع أممي استتبعت وحدة التاريخ".

ولم يكن ليكتمل معنى هذه الخلاصة لدى البشري بدون قيامه بالتنبيه في نهاية الدراسة إلى خطورة النظرة التجزيئية للتاريخ الإسلامي التي تسود الدراسات التاريخية الحديثة، والتي لا تقتصر خطورتها على التجزيء السياسي -وهذا وارد- ولكن لأنها تمتد إلى تقسيم الوعي الحضاري الجماعي وضياع الرؤية التاريخية الواحدة للماضي.

وأخيرًا يجدر القول بأن علينا استدعاء أبعاد الجدل حول العولمة السائدة الآن في أوساطنا حتى نعرف ما الذي قصدته من أن فكر البشري حول «المعاصرة» إنما يقدم أسانيد رؤية إسلامية نقدية مشاركة في هذا الجدل.

 

قراءة في فكر البشري: حول المسألة الإسلامية المعاصرة (1-3)

قراءة في فكر البشري: حول المسألة الإسلامية المعاصرة (2-3)

 

 

* دراسة مستلة من كتاب: طارق البشري: القاضي المفكر "الكلمات والبحوث التي ألقيت في الندوة العلمية الأهلية للاحتفاء بالمستشار طارق البشرى، بمناسبة انتهاء ولايته القضائية بمجلس الدولة المصري، تحرير وتقديم: د. إبراهيم البيومي غانم، (القاهرة: دار الشروق، 1420هـ/ 1999م)، ص170- 215.

** أستاذ العلاقات الدولية المتفرغ، والرئيس الأسبق لقسم العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية- جامعة القاهرة، ورئيس مركز الحضارة للدراسات والبحوث بالقاهرة.

*** ورد هذا الوصف في كلمة الدكتور سيف الدين عبد الفتاح وفي ورقته التي قدمها لندوة الاحتفاء بالمستشار البشري (المحرر).

Rate this item
(0 votes)
Last modified on الخميس, 16 نيسان/أبريل 2026 15:43

Leave a comment

Make sure you enter all the required information, indicated by an asterisk (*). HTML code is not allowed.