الفرد والدولة في الشريعة الإسلامية (1-3)*

By د. عبد الكريم زيدان** آذار/مارس 03, 2026 562 0

المقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

وبعد:

فهذا بحث في الدولة ومركز الفرد فيها في الشريعة الإسلامية، اعتمدت فيه على نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، والسوابق التاريخية القديمة الثابتة، واجتهادات الفقهاء.

وقد جعلت هذا البحث في ثلاثة فصول:

  • الأول: في بيان مكانة الدولة في الشريعة الإسلامية من جهة مدى وجوب إقامتها، وطبيعتها وأهدافها... إلخ.
  • الثاني: في بيان المركز القانوني للفرد في الدولة من جهة الحقوق التي يتمتع بها.
  • الثالث: في الحقوق التي للدولة على الفرد.

وإني لآمل أن أكون بهذا البحث الموجز قد قدمت خدمة بسيطة متواضعة للشريعة الإسلامية، بعرض جانب من جوانبها التنظيمية المتعلقة بموضوع الدولة ومكانة الفرد فيها، آملًا أن أعود إلى هذا الموضوع وكل ما يتعلق به في فرصة أخرى بشيء من التفصيل والإسهاب، والله من وراء القصد وهو خير معين.

بغداد في 28 شوال 1384 هـ - 28 شباط 1965م

الدكتور عبد الكريم زيدان

 

الفصل الأول: مكانة الدولة في الشريعة الإسلامية

1- تمهيد:

يرى بعض الناس أن الشريعة الإسلامية دعوة دينية تُعنى بالأخلاق وتنظيم علاقة الإنسان بربه، ولا شأن لها بما وراء ذلك من شؤون الحياة ومنها شؤون الدولة والحكم... وهذا رأي مردود تنكره الشريعة وتأباه كما يتضح في الفقرات التالية.

 

2- الشريعة تدعو إلى إقامة دولة:

من خصائص الشريعة الإسلامية الشمول؛ فما من شيء في الحياة إلا وللشريعة حكم فيه. ولهذا نجد في نصوصها أحكام العبادات والأخلاق والعقائد، والمعاملات بمعناها الواسع الذي يشمل تنظيم علاقات الأفراد فيما بينهم، سواء أكانوا أفرادًا أم جماعات. وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾[1].

وما دامت الشريعة بهذا الشمول فمن البديهي أن نجد في أحكامها وقواعدها ما يتعلق بالدولة ونظام الحكم فيها، كمبدأ الشورى، ومسؤولية الحكام، ووجوب طاعتهم في المعروف، وأحكام الحرب والسلم والمعاهدات، إلى غير ذلك من الأحكام المتعلقة بالدولة وشؤونها.

وفي السنة النبوية تتكرر ألفاظ «الأمير»، و«الإمام»، و«السلطان»، وهذه ألفاظ تعني من بيدهم السلطة والحكم، أي الحكومة، والحكومة عنصر مهم من عناصر الدولة. وهذه النصوص يلزم تطبيقها؛ لأنها ما نزل الوحي بها لتُقرأ وتُترك، وإنما نزلت لتُقرأ وتُنفذ، وتنفيذها يعني إقامة دولة حسب المفاهيم التي جاءت بها الشريعة.

 

3- أحكام يستلزم تنفيذها قيام دولة:

وفي الشريعة الإسلامية أحكام كالعقوبات، ووجوب الحكم بين الناس بما أنزل الله، والجهاد في سبيل الله، ونحو ذلك. وهذه الأحكام بطبيعتها تنفذها الدولة بما لها من سلطان على الأفراد، ولا ينفذها الأفراد أنفسهم.

وفي هذا المعنى يقول الإمام ابن تيمية: «إن ولاية أمر الناس أعظم واجبات الدين بل لا قيام للدين إلا بها؛ ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونصرة المظلوم، وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد والعدل وإقامة الحدود لا تتم إلا بالقوة والإمارة»[2].

فإقامة الدولة الإسلامية أمر ضروري لتنفيذ أحكام الشريعة.

 

4- تحقيق عبادة الله تقتضي إقامة الدولة الإسلامية:

خلق الله تعالى البشر لعبادته، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. والعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة[3].

وتحقيق معاني العبادة، بهذا المعنى الواسع، يقتضي أن يجعل الإنسان حياته وسائر أقواله وأفعاله وتصرفاته وعلاقاته مع الناس وفق المناهج والأشكال التي وضعتها الشريعة الإسلامية.

والإنسان لا يستطيع أن يصوغ حياته بهذه الكيفية إلا إذا كان المجتمع الذي يعيش فيه منظمًا بكيفية تسهل عليه هذه الصياغة؛ لأن الإنسان كائن اجتماعي يتأثر بالمجتمع الذي يعيش فيه حتمًا. وتكون نتيجة هذا التأثر اتجاهًا نحو الخير والهداية أو نحو الشر والضلالة.

يؤيد قولنا هذا ما جاء في الحديث الصحيح: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تجدون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها»[4]. فالأبوان بالنسبة للصغير مجتمعه الصغير، فإن كانا ضالين دفعاه إلى الضلال وأخرجاه عن مقتضى الفطرة السليمة التي خلقه الله عليها، وإن كانا صالحين أبقياه على الفطرة ونميا فيه جانب الخير.

كما نجد في القرآن الكريم ما يدل على أن المجتمع الفاسد يمنع من إقامة ما يأمر به الإسلام، فلا يستطيع المسلم أن يحيا فيه وفق ما يريده الإسلام فيجب هجره والتحول عنه.

قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا﴾[5].

يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: «فنزلت هذه الآية العامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة وليس متمكنًا من إقامة الدين فهو ظالم لنفسه مرتكبًا حرامًا بالإجماع»[6].

فالإنسان لا يمكن أن يحيا وفق تعاليم الإسلام وينظم علاقاته مع الآخرين وفق قواعد الشريعة إلا إذا كان بناء المجتمع على أسس إسلامية تمكن للفرد هذه الحياة، وتهيئ له البيئة الصالحة لتكميل نفسه بأنواع العبادات.

إن بناء المجتمع على النمط الإسلامي لا يمكن أن يتم بالوعظ والإرشاد فقط، وإنما بقيام الدولة التي تصوغ المجتمع الصياغة المطلوبة، وتشرف وتسهر على سلامته، ومنع من يريد تخريبه أو إفساده بما لها من سلطان وقوة. قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾[7].

فمن لم تنفعه هداية الكتاب يمنعه الحديد -القوة- من الإفساد والإضلال، فليس من حق أحد أن يخرق السفينة فيغرق أهلها... والقوة الفعالة التي تحفظ المجتمع من التخريب والانحراف هي قوة الدولة بما لها من سلطان، «إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن» كما جاءت الآثار.

 

5- الرسول الكريم يخطط لإقامة الدولة الإسلامية:

ولما كانت طبيعة الشريعة تستلزم إقامة دولة، بل وتأمر بإقامتها، فقد بدأ الرسول الكريم (ص) بالتخطيط والإعداد لإقامة هذه الدولة. وكان البدء في ذلك بيعة العقبة الثانية التي تمت قبل الهجرة من مكة إلى المدينة.

وخلاصة هذا الحدث المهم، كما روته كتب السيرة، أن وفدًا من مسلمي المدينة وكان عددهم ثلاثة وسبعين رجلًا وامرأتين واعدوا الرسول (ص) في مكان قرب مكة، وعندما تم هذا اللقاء التاريخي المهم تكلم الرسول (ص) وأمر بطاعة الله، ثم تكلم بعضهم وكان مما قالوه: «... يا رسول الله علامَ نبايعك؟».

قال: «تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله لا تخافون في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة». فقاموا إلى الرسول (ص) وبايعوه على ما اشترطه من هذه الشروط[8].

فهذه البيعة عقد صريح بين أولئك المسلمين وبين النبي (ص) في إنشاء أول دولة إسلامية، وإعطاء السلطة فيها إلى الرسول (ص)، والتزام المبايعين -وهم طرف العقد- بالسمع والطاعة للرسول (ص) فيما يباشره من سلطان في إدارة شؤون الدولة الجديدة، ولزوم نصرته والدفاع عنه وعن الكيان الجديد -وهو الدولة- وعن نظام هذه الدولة وهو القانون الإسلامي كما يفهم من قول النبي (ص): «وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر».

 

6- قيام أول دولة إسلامية في الأرض:

ثم هاجر النبي (ص) إلى المدينة بعد أن أمر أصحابه الكرام بالهجرة إليها قائلًا لهم: «إن الله عز وجل قد جعل لكم إخوانًا ودارًا تأمنون بها».

وبعد أن استقر النبي (ص) في المدينة وبنى مسجده «كتب كتابًا بين المهاجرين والأنصار وادع فيه يهود وعاهدهم وأقرهم على دينهم وأموالهم واشترط عليهم وشرط لهم»[9].

وهكذا انبثقت أول دولة إسلامية في الأرض، وكان الرسول (ص) أول رئيس لها. وما معاهدته مع اليهود إلا من مظاهر السلطان السياسي الذي أخذ يباشره بصفته رئيسًا للدولة الإسلامية الناشئة في المدينة.

ثم إن النبي (ص) قام برص الجبهة الداخلية فآخى بين المهاجرين والأنصار حتى إنهم كانوا يتوارثون بهذا الإخاء حتى نُسخ بأحكام المواريث[10].

 

7- توافر عناصر الدولة:

تُعرف الدولة في الاصطلاح القانوني الحديث بأنها: «جماعة من الأفراد منظمة تملك إقليمًا محددًا وذات سلطان ولها شخصية معنوية»[11].

فعناصر الدولة تتكون من:

  1. جماعة من الناس.
  2. تخضع لنظام معين.
  3. وتقطن إقليمًا محددًا.
  4. وذات سلطان.
  5. ولها شخصية معنوية[12].

وهذه العناصر توافرت في دولة الإسلام الأولى التي أقامها الرسول (ص) في المدينة.

فالجماعة من الناس هم المسلمون الأولون من المهاجرين والأنصار. والنظام الذي خضعت له تلك الجماعة هو الشريعة الإسلامية بأحكامها وقواعدها. والإقليم الذي سكنته تلك الجماعة هو المدينة. والسلطان الذي كان لها كان يباشره النبي (ص) بصفته رئيسًا لتلك الدولة الإسلامية في إدارة شؤونها ومصالحها العامة. والشخصية المعنوية لتلك الجماعة كانت ظاهرة، فالمعاهدات التي كان يعقدها الرسول (ص) بصفته رئيسًا للدولة تلتزم بها الدولة بأجمعها لا شخص الرسول فقط.

اجتماع صفة النبوة والحكم في شخص الرسول (ص):

وبقيام الدولة الإسلامية في المدينة اجتمع في شخص الرسول الكريم (ص) جملة صفات: صفة النبوة والتبليغ عن الله تعالى، وصفة الرئيس الأعلى للدولة الإسلامية، وصفة القاضي الذي يحكم بين الناس. وهكذا اجتمعت فيه السلطة التنفيذية والسلطة القضائية إضافة إلى ما يبلغه للناس من شرع الله بصفته نبيًا رسولًا.

وقد أدرك الفقهاء اجتماع هذه الصفات في شخص الرسول الكريم (ص) وبينوا حكم ما يصدر عنه باعتبار هذه الصفة أو تلك. فقالوا: ما صدر عنه بصفته نبيًا يبلّغ عن الله شرعه يكون حكمًا عامًا وقانونًا ملزمًا للجميع. وما صدر عنه بصفته إمامًا -أي رئيسًا للدولة- لا يجوز فعله إلا من قبل رئيس الدولة أو بإذنه. وما صدر عنه بصفته قاضيًا لا يجوز لأحد أن يفعله إلا بحكم من القضاء.

وقد يختلف الفقهاء في اجتهاداتهم بناءً على اختلافهم في تكييف ما صدر عنه؛ أصدر عنه بصفته نبيًا أم بصفته رئيسًا للدولة أم بصفته قاضيًا؟ من ذلك اختلافهم في مسألة اشتراط إذن الإمام لتملك الأرض الميتة بالإحياء. فالجميع يذكرون الحديث الشريف: «من أحيا أرضًا ميتة فهي له»، ولكنهم اختلفوا في الصفة التي بموجبها صدر هذا القول منه عليه الصلاة والسلام. فمنهم من قال هذا تصرف منه بالفتوى والتبليغ فيكون لكل أحد أن يحيي الأرض، أذن له الإمام -رئيس الدولة- في ذلك أم لا، وهذا مذهب مالك والشافعي. ومنهم من قال إن هذا القول تصرف منه بالإمامة -أي باعتباره رئيسًا للدولة- فلا يجوز لأحد أن يتملك الأرض الموات بالإحياء إلا بإذن رئيس الدولة، وهذا مذهب أبي حنيفة.

ومثل هذا الاختلاف اختلافهم في قول النبي (ص) لهند امرأة أبي سفيان: «خذي لك ولولدك -أي من مال أبي سفيان- ما يكفيك بالمعروف». فمنهم من قال إن هذا القول من النبي (ص) تصرف بطريق الفتوى وتبليغ الأحكام، فيجوز لكل من ظفر بحقه أو بجنسه أن يأخذه ولو بدون علم خصمه، وهذا مذهب الشافعي. ومنهم من قال إنه تصرف منه عليه الصلاة والسلام بالقضاء -أي باعتباره قاضيًا- فلا يجوز لأحد أن يأخذ حقه أو جنسه إذا تعذر أخذه من الغريم إلا بحكم من القاضي[13].

 

9- دار الإسلام هي الدولة الإسلامية في اصطلاح الفقهاء:

وقد سمى الفقهاء المسلمون الدولة الإسلامية باسم «دار الإسلام»، وهي تحمل ذات المعنى الذي تحمله كلمة «الدولة» في الاصطلاح القانوني الحديث، وهذا ظاهر من التعاريف التي قالوها لدار الإسلام وإن كان كل تعريف أبرز بعض عناصر الدولة وأغفل العناصر الباقية، ولكن ما أبرزه يدل على ما أغفله. فمن تعاريفهم قولهم: «دار الإسلام اسم للموضع الذي يكون تحت يد المسلمين»[14]. فهذا التعريف يبرز عنصر السلطة وعنصر الإقليم، ويتضمن العناصر الباقية للدولة، كعنصر السكان وعنصر النظام؛ لأن المفروض في المسلمين إذا حكموا أن يطبقوا القانون الإسلامي.

وعرفها البعض بأنها -أي دار الإسلام- هي التي تظهر فيها شعائر الإسلام بقوة المسلمين ومنعتهم[15]. فهذا التعريف يبرز نظام الدولة وسلطانها، ويتضمن عناصر الدولة الأخرى كالسكان والإقليم. ويلاحظ أن عنصر السكان لا يشترط لتوافره أن يكون جميع المواطنين من المسلمين، فقد يكون منهم غير المسلمين، ولهذا صرح الفقهاء بأن «الذمي» -المواطن غير المسلم- من أهل دار الإسلام[16]. بل ولا يشترط أن يكون من السكان مسلمون؛ لأن الشرط لقيام دار الإسلام أن يكون حاكمها مسلمًا يطبق النظام الإسلامي، وفي هذا يقول الإمام الرافعي: «وليس من شرط دار الإسلام أن يكون فيها مسلمون بل يكفي كونها في يد الإمام وإسلامه»[17].

 

10- طبيعة الدولة الإسلامية وأهدافها:

الدولة الإسلامية دولة فكرية تقوم على أساس العقيدة الإسلامية وما انبثق عنها من أحكام ونظام. فهي إذن ليست دولة إقليمية محدودة بالحدود الأرضية، ولا دولة عنصرية محدودة بحدود القوم والجنس والعنصر، وإنما هي دولة فكرية تمتد إلى المدى الذي تصل إليه عقيدتها، ومن ثم فلا مكان فيها لامتيازات تقوم على أساس اللون أو الجنس أو الإقليم. وهذه الطبيعة للدولة الإسلامية تمكنها أن تكون دولة عالمية تضم مختلف الأجناس والأقوام، إذ باستطاعة أي إنسان أن يعتنق عقيدة هذه الدولة -الإسلام- فيكون من رعاياها وحملة عقيدتها ونظامها. وإذا رفض اعتناق الإسلام فإنه يستطيع أن يعيش في ظل نظامها القانوني ويكون من رعاياها وحملة جنسيتها ويبقى هو على عقيدته دون مضايقة من الدولة.

أما أهداف هذه الدولة فهي مشتقة من طبيعتها، فما دامت هي دولة فكرية قامت على أساس الإسلام فمن الطبيعي أن تكون أهدافها هي أهداف الإسلام ذاته. فلا تقف أهدافها عند حد توفير الأمن والطمأنينة للأفراد والمحافظة على حياتهم ورد العدوان الخارجي عنها، بل تمتد أهدافها إلى تنفيذ أحكام الإسلام في جميع شؤون الدولة وحمل الدعوة الإسلامية إلى العالم أجمع. إن عليها أن تمكن الأفراد من عبادة الله والعيش وفق العقيدة الإسلامية وحسب المناهج التي وضعها الإسلام، وأن ترفع العوائق التي تحول دون ذلك، وأن تزيل كل ما يناقض الإسلام في أفكاره ونظمه الاجتماعية والاقتصادية. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾[18]. فإقامة الصلاة تشير إلى تمكين الفرد من عبادة الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يشيران إلى تمكين الفرد من العيش وفق مناهج الإسلام وتنفيذ جميع أحكامه في جميع شؤون الدولة.

هذه هي أهداف الدولة الإسلامية وهي بجملها ترجع إلى رعاية مصالح الفرد والمجتمع بالكيفية التي شرعها الله تعالى، وبهذا تضمن الدولة مصلحة الفرد في العاجل والآجل.

 

لتحميل ملف الدراسة (هنا)

 

 

* د. عبد الكريم زيدان، الفرد والدولة في الشريعة الإسلامية، بغداد: مطبعة سلمان الأعظمي، 1966م.

** الدكتور عبد الكريم زيدان (1921م - 2014م)، فقيه عراقي، وأحد علماء أصول الفقه والشريعة الإسلامية. تولى وزارة الأوقاف العراقية عام 1968م، وعمل أستاذًا للشريعة الإسلامية ورئيسًا لقسمها في كلية الحقوق بجامعة بغداد سابقًا، وكان عضوًا بالعديد من المجامع العلمية الإسلامية. كما أن له مؤلفات عديدة أخرى في الشريعة الإسلامية وفي الفقه الإسلامي وفي الفقه المقارن، منها: "أحكام الذميين والمستأمنين في دار الإسلام"، "نظام القضاء في الشريعة الإسلامية"، و"القصاص والديات في الشريعة الإسلامية"، و"القيود الواردة على الملكية الفردية للمصلحة العامة في الشريعة الإسلامية"، و"الكفالة والحوالة في الفقه المقارن مع مقدمة في الخلاف وأسبابه"، و"المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية"، و"نظرات في الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية".

[1] سورة الأنعام: الآية 38.

[2] السياسة الشرعية لابن تيمية، ص 172 - 173.

[3] فتاوى ابن تيمية، ج 1، ص 304 وما بعدها.

[4] المنتخب من السنة، ص 391.

[5] سورة النساء، الآية 97.

[6] تفسير ابن كثير، ج 1، ص 542.

[7] سورة الحديد، الآية 25.

[8] البداية والنهاية للإمام ابن كثير، ج 3 ص 159، سيرة ابن هشام، ج 2، ص 48، إمتاع الأسماع للمقريزي، ص 35.

[9] سيرة ابن هشام، ج 2، ص 119.

[10] البداية والنهاية لابن كثير، ج ،3 ص 224.

[11] شرح القانون الدستوري للدكتور مصطفى كامل، ص 25.

[12] المرجع السابق، ص 26 وما بعدها.

[13] الفروق للقرافي، ج 1، ص 207 - 208.

[14] شرح السير الكبير للسرخسي، ج 1، ص 81.

[15] شرح الأزهار، ج 5، ص 571 - 572.

[16] بدائع الصنائع للكاساني، ج 5، ص 281، المبسوط للسرخسي، ج 1، ص 81، المغني، ج 5، ص 516.

[17] فتح العزيز، ج 8، ص 15.

[18] سورة الحج، الآية 40.

Rate this item
(0 votes)
Last modified on الأربعاء, 04 آذار/مارس 2026 13:43

Leave a comment

Make sure you enter all the required information, indicated by an asterisk (*). HTML code is not allowed.