Print this page

شيخ الأزهر يفنِّد شبهة تقادم الشريعة

هناك تساؤل، أو بالأحرى شبهة، تواجه شبابنا، وتثير في أذهانهم ما يشككهم في حاجة الناس اليوم إلى شريعة الإسلام وفقهها وأحكامها. هذا التساؤل هو: كيف تطالبوننا بربط التشريعات الحديثة بالقرآن والسنة، واعتمادهما كمرجعية لمسيرة الاجتماع الإسلامي المعاصر، رغم تطاول الأزمان والآباد، ورغم بُعد العهد بنزول هذه التشريعات وانقضائها وانقضاء زمنها؟ وكيف يمكن لنظام اجتماعي مضى عليه اليوم أكثر من أربعة عشر قرنًا أن يعالج مشكلات عصرنا الحديث وأسلوب حياتنا المعاصرة، وبينها وبين العصر الأول ما بين المشرق والمغرب؟

 

إن هذا الاعتراض وأشباهه يمكن دحضه بأكثر من وجه:

أولًا: ليس صحيحًا أن تشريعات القرآن والسنة طبقها المسلمون الأوائل على مدى عصر أو عصرين بعد ظهور الإسلام، ثم تركها المسلمون بعد ذلك وراء ظهورهم، وراحوا يبحثون عن تشريعات أخرى يستوردونها من الفرس أو الرومان أو الهنود، فهذا ما يكذبه واقع الأمة الإسلامية وتاريخها الذي يعرفه أعداؤها قبل أنصارها.

 

ثانيًا: إن الصحيح في هذه القضية، هو أن فقه هذه الأمة وتشريعاته الإنسانية العميقة في مجال الثوابت والمتغيرات، هذا الفقه بهاتين الميزتين المعجزتين، كان من وراء قوة هذه الأمة وصمودها واستمرارها عزيزة الجانب بين الأمم والشعوب إلى ما قبل قرنين من الزمان، وتحديدًا مع بداية الحملة الفرنسية، وما تلاها من حملات الغرب الظاهرة والمستترة والمستمرة حتى يوم الناس هذا.

 

ثالثًا: نذكر هؤلاء الساخرين من فقهنا وشريعتنا وجملة تراثنا بأن يقرؤوا تاريخ فتوحات المسلمين، ويقفوا عند أبرز محطاته؛ ليعلموا أن المسلمين طووا تحت جناحهم أعظم وأعتى دولتين في الشرق في تاريخ العصور الوسطى، وانتصروا عليهما انتصارًا حاسمًا، وهما: دولة الروم البيزنطية في معركة اليرموك عام خمسة عشر من الهجرة، ودولة الفرس في معركة القادسية في نفس العام، أي بعد انتقال النبي صلى الله عليه وسلم بأربع سنوات فقط. ولم يمض عام واحد بعد ذلك حتى تسلم المسلمون بيت المقدس، ثم انكشفت للمسلمين بعد ذلك أراضي العراق والشام وإيران وأرمينيا وأذربيجان وبلاد الأندلس وأفريقيا، مشرقها ومغربها، وإندونيسيا والصين وغيرها. فهل فتح المسلمون هذه البلاد وبقوا فيها حتى اليوم بشريعة منتهية الصلاحية كما يقولون؟ أو الصحيح أن يقال إن شريعتهم كانت، إلى عهد قريب، هي المصدر الذي يمدهم بالثبات والصمود حتى وهم في أحلك عصورهم ضعفًا وتيهًا وهوانًا على الأمم؟

 

إن المشكلة، أيها المشاهدون الكرام، ليست في الفقه ولا في الشريعة، وإنما هي في الكسل الذي أصيبت به أمتنا، والتشرذم الفكري والثقافي، بل العجز عن استثمار المخزون المعرفي في أعظم تراث تعرفه البشرية على وجه الأرض، وانتقاء ما يصلح منه لمعالجة قضايانا المعاصرة، والبناء على أصوله ومبادئه في إطار قاعدة الثابت والمتغير التي جاء بها القرآن الكريم وبيَّنتها السنة المشرفة.

 

هذا، وبالله التوفيق، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

Rate this item
(0 votes)
Last modified on الجمعة, 27 آذار/مارس 2026 16:14
فريق تحرير الموقع

Latest from فريق تحرير الموقع