في خطوة تشريعية تهدف إلى إعادة تنظيم شؤون الأسرة، تقدمت الهيئة البرلمانية لحزب العدل، ممثلة في النائبة فاطمة الزهراء علي سعد، إلى مجلس النواب المصري بمشروع تشريع جديد تحت اسم "قانون تنظيم الأحوال الشخصية الموحد للمسلمين". ويأتي هذا التحرك التشريعي استجابةً للارتفاع الملحوظ في معدلات الطلاق والنزاعات العائلية، وبهدف معالجة التشتت القانوني الناتج عن الاحتكام إلى أربعة قوانين منفصلة تنظم شؤون الأسرة يعود تاريخ أقدمها إلى عام 1920. ويسعى المشروع المُقترح إلى إرساء إطار قانوني شامل يجمع الأحكام المتناثرة ويواكب التطورات المجتمعية والاقتصادية الحديثة -وفقًا لمقدمي مشروع القانون-، مستهدفين تحقيق التوازن والعدالة بين أطراف العلاقة الزوجية، مع إعطاء الأولوية القصوى للمصلحة الفضلى للطفل، واستحداث آليات لتسريع الإجراءات وحسم النزاعات في محاكم الأسرة.
يحتوي مشروع "القانون الموحد لتنظيم الأحوال الشخصية للمسلمين"، المقدم من حزب العدل، على 151 مادة موزعة على ستة أبواب. ومن أهم الموضوعات التي جاءت في هذا المشروع:
أولًا: ضوابط الزواج والحقوق المالية المشتركة: استحدث المشروع موادًا تسعى -من وجهة نظر واضعيه- إلى ضمان الوضوح والشفافية في العلاقة الزوجية منذ بدايتها:
1) سن الزواج: حظرت المادة (10) تزويج من لم يبلغ 18 عامًا ميلادية كاملة، وأقرت عقوبات بالحبس والغرامة لكل من شارك في قيد أو توثيق زواج قاصر.
2) الإفصاح المالي والاجتماعي: ألزمت المادة (10) مكرر الزوج بالإقرار بحالته الاجتماعية في وثيقة الزواج، بينما أوجبت المادة (11) على الموثق إخطار الزوجة (أو الزوجات) الأخريات بالزواج الجديد رسميًا.
3) اقتسام العائد المادي: أجازت المادة (13) للزوجين الاتفاق في وثيقة الزواج على اقتسام العائد المادي المشترك الذي تم تكوينه أثناء الزيجة في حال الطلاق، مع حفظ حق الأبناء في النفقة.
4) القوة التنفيذية للوثيقة: منحت المادة (14) وثيقة الزواج قوة السند التنفيذي، مما يتيح تنفيذ الشروط المتفق عليها مباشرة دون الحاجة لرفع دعوى قضائية جديدة.
ثانيًا: تنظيم إنهاء العلاقة الزوجية والآثار المادية: وضع المشروع إجراءات صارمة -بحسب ظن مقدميه- للحد من الطلاق التعسفي وضمان حقوق المرأة:
1) توثيق الطلاق: أوجبت المادة (28) على المطلق توثيق الطلاق خلال30 يومًا، مع فرض عقوبة الحبس في حال إخفاء الطلاق عن الزوجة أو تعمد الإضرار بها.
2) مسكن المطلقة: ألزمت المادة (33) الزوج بتوفير مسكن للمطلقة التي استمر زواجها 20 سنة فأكثر ولم تنجب، أو انتهت حضانتها، تقديرًا لسنوات العشرة.
3) الخلع: نظمت المادة (34) حق الزوجة في الخلع مقابل التنازل عن حقوقها المالية ورد الصداق، مع اشتراط محاولة الصلح لمدة لا تتجاوز 3 أشهر بموجب المادة.
ثالثًا: منظومة الحضانة والاصطحاب (الرؤية المطورة): تبنى المشروع رؤية مختلفة لمفهوم الرعاية المشتركة:
1) ترتيب الحضانة: جعلت المادة (54) الأب في المرتبة الثانية مباشرة بعد الأم في استحقاق الحضانة، لتعزيز دوره التربوي.
2) سن الحضانة: حددت المادة (52) انتهاء حضانة النساء ببلوغ الصغير9 سنوات، مع منح القاضي سلطة تمديدها بناءً على مصلحة الطفل.
3) الاصطحاب (الاستضافة): استبدلت المادة (56) بنظام "الرؤية" نظام "الاصطحاب"، ونظمت المادة (58) مدد الاصطحاب (أسبوعية، وفصلية، وسنوية) لضمان تواصل الطفل مع غير الحاضن.
رابعًا: النفقات وصندوق دعم الأسرة المصرية:
1) تقدير النفقة: وضعت المادة (88) معايير رقمية للنفقة تترواح بين 10% إلى 50% من دخل الزوج حسب عدد المستحقين، بحد أدنى لا يقل عن25% من الحد الأدنى للأجور وفقًا لـ المادة 44.
2) النفقة المؤقتة: أوجبت المادة (83) على القاضي صرف نفقة مؤقتة خلال 15 يومًا من تقديم الطلب لضمان سرعة تلبية احتياجات الأسرة.
3) صندوق دعم الأسرة: أنشأت المادة (99) صندوقًا لضمان صرف النفقات في حال تهرب الزوج أو إعساره، ونظمت المادة (101) مصادر تمويله عبر رسوم مستقطعة من وثائق الحالة المدنية.
خامسًا: محاكم الأسرة والوساطة الإجبارية:
1) التخصص القضائي: نصت المادة (109) على تشكيل محاكم الأسرة من ثلاثة قضاة يعاونهم خبراء نفسيون واجتماعيون (بينهم امرأة على الأقل).
2) الوساطة الإجبارية: ألزمت المادة (119) الأطراف باللجوء لمكاتب تسوية المنازعات الأسرية لمحاولة الصلح وديًا قبل رفع الدعوى، وحددت المادة (120) مدة 15 يومًا لهذه العملية.
خاتمة:
يمثل مشروع قانون الأسرة المقدم من حزب العدل مقاربة تشريعية متطورة تسعى لإعادة هندسة النظام الإجرائي والموضوعي في منازعات الأحوال الشخصية. فمن خلال مواده الـ 151، يتجاوز المشروع النمط التقليدي للخصومة القضائية، ليطرح بدائل تنفيذية وضوابط سريعة تهدف إلى حسم النزاعات في مهدها وتثبيت المراكز القانونية بفاعلية وكفاءة.
ومن هذا المنطلق، يضع موقع "حوارات الشريعة والقانون" هذه النصوص بين أيدي الفقهاء، والباحثين، وصنّاع القرار؛ لفتح باب التحليل القانوني والمقارن حول هذه الأطروحات، إيماناً منا بأن الوصول إلى بيئة تشريعية محكمة وقادرة على حماية الكيان الأسري والطفل، يبدأ أولاً من مثل هذه النقاشات التخصصية الجادة.