هذه الدراسة أطروحة علمية لنيل درجة الدكتوراه في الحقوق للباحث حماده مختار موسى الصياد، أُجيزت بكلية الحقوق- جامعة المنصورة، بجمهورية مصر العربية، عام 2018، بإشراف أ. د. الهادي سعيد عرفة (أستاذ الشريعة الإسلامية بالكلية). تناولت تلك الأطروحة "جريمة ازدراء الأديان" عبر منهج مقارن يوازن بين أحكام الشريعة الإسلامية ونصوص القانون الوضعي؛ حيث استعرض الباحث ماهية الجريمة وأركانها، مركزا على ركن العلانية وتأثير الوسائل الحديثة، وفصّل في العقوبات المترتبة عليها سواء كانت حدًا وحكمًا بالردَّة في الفقه الإسلامي أو حبسًا وغرامة في القانون المصري، ليخلص إلى نقد القصور التشريعي الحالي والمطالبة بتغليظ العقوبات لحماية المقدسات وحفظ السلم المجتمعي.
الإطار العام والتعريفات
استهل الباحث دراسته ببيان أهمية الموضوع وخطورته، مشيرًا إلى أن جريمة ازدراء الأديان تعد من أخطر الجرائم؛ لأنها تمس قدسية المعتقدات وتؤدي إلى الفتنة وتكدير الأمن العام، خاصة في ظل التطور الهائل في وسائل الإعلام. وقد قسَّم الباحث دراسته إلى مقدمة وفصل تمهيدي وثلاثة أبواب رئيسية. في الفصل التمهيدي، يؤصل الباحث للمفاهيم الأساسية، فيعَرّف "الجريمة" في اللغة والشرع والقانون، ويخلص إلى أنها كل فعل أو امتناع نهى عنه المشرع وقرر له عقابًا. ويعرّف لفظ الازدراء بأنه يعني "التحقير". ثم ينتقل الباحث لتعريف "الدين"، موضحًا أن الدين في اللغة يعني الطاعة والجزاء، وفي الشرع هو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة، ويرجح أن الإسلام والدين مترادفان في المعنى الشرعي. كما يحدد الأديان محل الدراسة بأنها الأديان السماوية الثلاثة (الإسلام، المسيحية، اليهودية) المعترف بها، مميزًا إياها عن المعتقدات الوضعية الأخرى.
أركان جريمة التعدي على الأديان: ركن العلانية
انتقل الكتاب في بابه الأول لمناقشة أركان الجريمة، بادئًا بركن "العلانية". وضح الباحث أن العلانية شرط أساسي لتحقق الجريمة في القانون، وتتحقق بالجهر بالقول أو الصياح في مكان عام أو مطروق، أو عبر الإذاعة بأي وسيلة، بما في ذلك الوسائل اللاسلكية والإلكترونية الحديثة. ولا تقتصر العلانية على القول، بل تشمل الفعل والإيماء، كالإشارات التي تفيد التحقير، وكذلك الكتابة والرسوم والرموز إذا وُزعت أو عُرضت أو بيعت للجمهور. وأشار الباحث إلى أن مفهوم العلانية في الشريعة يتماثل في مضمونه مع القانون الوضعي.
الركن المادي والسلوك الإجرامي
تناول الباحث الركن المادي للجريمة، والذي يتمثل في السلوك الإجرامي؛ حيث بيَّن أنه في الشريعة الإسلامية، تتعدد صور هذا السلوك لتشمل الاستهزاء بالله وآياته ورسله، وهو ما يُعد كفرًا مخرجًا من الملة، مستدلًا بآيات من سورة التوبة. وذكر أن من صور السلوك الإجرامي أيضًا سبّ الملائكة ومعاداتهم، والطعن في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وسب الصحابة الكرام، والطعن في شعائر الإسلام كالصلاة والحج. أما في القانون المصري (المادة 161 عقوبات)، فيتمثل السلوك الإجرامي في أفعال محددة؛ مثل طبع أو نشر كتب مقدسة محرفة عمدًا لتغيير معناها، أو تقليد احتفال ديني بقصد السخرية في مكان عمومي.
الأحكام والعقوبات في الفقه الإسلامي
في الباب الثاني، فصَّل الباحث في الأحكام الشرعية المترتبة على هذه الجريمة؛ مؤكدًا على أن سبّ الله تعالى أو الاستهزاء به يعد كفرًا وردة عن الإسلام بإجماع العلماء، سواء كان ذلك جدًا أو هزلًا، ولا يُعذر فاعله. وناقش الباحث مسألة استتابة "الساب"، مرجحًا قبول توبته إذا تاب وأصلح، استنادًا للأدلة العامة في قبول التوبة، مع تفريق الفقهاء بين الردة المجردة والردة المغلظة. وبالنسبة لغير المسلم (الذمي)، رأى الباحث أن سبّه لله أو لرسوله يعد نقضًا لعهده ويوجب العقوبة، إلا أن يُسلم. كما تطرق الباحث لحكم سب ما يعبده غير المسلمين، موضحًا أن الشريعة نهت عن سب آلهة المشركين سدًا للذريعة، حتى لا يؤدي ذلك إلى سبهم لله عدوًا بغير علم.
سب الرسل والأنبياء: المفهوم والحكم
خصص الباحث جزءًا لمناقشة سب الرسل والأنبياء، بادئًا بالتفريق بين "النبي" و"الرسول"، حيث رجح أن الرسول من أُوحي إليه بشرع وأُمر بتبليغه، بينما النبي من أُوحي إليه ولم يؤمر بالتبليغ، أو بُعث بشريعة سابقة. وأكد الباحث على أن سب أي نبي أو رسول هو كفر مخرج من الملة يوجب القتل حدًا. وقد استعرض الكتاب أمثلة لما ورد في الكتب المحرفة (كالتلمود والتوراة المحرفة) من طعن في الأنبياء كنوح ولوط وداود وعيسى عليهم السلام، مفندًا هذه الافتراءات ومبينًا براءة الأنبياء منها.
الرؤية النقدية للقانون والتوصيات
اختتم الباحث دراسته برؤية نقدية للنصوص القانونية المصرية (المواد 98 و160 و161 من قانون العقوبات)، معتبرًا إياها غير كافية ولا تحقق الردع المطلوب؛ إذ تكتفي بعقوبات جنح (حبس وغرامات ضئيلة) لا تتناسب مع فداحة الجرم المتمثل في التعدي على المقدسات. وانتقد الباحث اشتراط القانون لـ "تغيير المعنى" في التحريف أو "قصد السخرية" في تقليد الشعائر لقيام الجريمة، وذهب إلى أن مجرد التحريف أو التقليد في مكان عام يجب أن يكون مجرَّمًا، وأن يتم التعامل معه باعتباره جناية لا جنحة. وأوصى الباحث بضرورة التدخل التشريعي لتغليظ العقوبة على جريمة ازدراء الأديان، خاصة مع خطورة النشر الإلكتروني الذي يمنح الجريمة انتشارًا واسعًا وخلودًا في الفضاء الرقمي يصعب تداركه. كما يوصي بتفعيل الدور التثقيفي للإعلام والمؤسسات الدينية لوأد هذه الفتنة في مهدها.
لتحميل ملف الدراسة (هنا)