تقديم: أ. د. أحمد كمال أبو المجد لكتاب “التيارات الإسلامية في مصر ومواقفها تجاه الخارج – من النكسة إلى المنصة [1967-1981]*

By أ. د. أحمد كمال أبو المجد تشرين1/أكتوير 12, 2023 825 0

 

لا أعرف موضوعًا أولى بالبحث هذه الأيام من موضوع الإسلام ودوره في حياة العرب والمسلمين، وما ينتظر هذا الدور في المستقبل القريب والبعيد بعد أن سقطت الحواجز بين الحضارات، وأوشك ماؤها أن يلتقي بعد طول تباعد وافتراق، وصار على المؤرخين والباحثين في علوم السياسة والاجتماع والاقتصاد أن يتبينوا صورة هذا اللقاء، وأن يستشرفوا مستقبله الذي تتخلق عناصره هذه الأيام أمام أعيننا وبين أيدينا.

كما لا أعرف أيامًا أولى بممارسة هذا البحث من هذه الأيام التي صار (الإسلام) فيها موضع تساؤلات لا آخر لها، يصدر بعضها عن رغبة صادقة في فهم هذا (الآخر) الذي شغل (الأنا) الثقافية عن بعد، طيلة قرون، وإذا به يشغلها عن (قرب قريب) بعد أن انكسرت حواجز المكان وتقاربت فواصل الزمان؛ كما يصدر بعضها الآخر عن رواسب ثقيلة من سوء الفهم وسوء الظن، وسوء القصد في غير قليل من الأحوال، وهما موقفان متناقضان لا يزالان يتنافسان، فأما أولهما، فإنه رسول تفاهم وسلام، وسفير مودة وتواصل. وأما الآخر، فإنه نذير حرب وعدوان وسفير مواجهة وصدام. وما زال التراوح بين هذين الموقفين معلقًا لم يحسم أمره حتى وقعت الواقعة التي زلزلت عقول الناس، حين تعرضت عاصمتا الغرب الكبريان في واشنطن ونيويورك لعدوان إرهابي لم يعرف العالم شرقيه وغربيه مثيلًا له في سابق الأيام، ولم تسجل شبيها له صفحات التاريخ القديم أو الحديث. وإذا (بالإسلام) ومعه (العروبة) بين يوم وليلة، فيما يشبه قفص الاتهام، وإذا بالعرب والمسلمين يوضعون جميعًا، نعم جميعًا، موضع الشك وسوء الظن والارتياب، وإذا بالحملة التي كان العرب والمسلمون أول من حمل لواءها منذ عشرات قليلة من السنين حملة الدعوة للتعاون الدولي (لمواجهة) الإرهاب، توشك أن تتحول إلى حملة المواجهة العرب والمسلمين. وتلك لحظة من أسوا لحظات التاريخ؛ إذ هي تهدد بصراع حضاري وحركة حوادث لا يزال أمر مدبريها خافيًا وملتبسًا على الأفهام، كما لا تزال بواعثها مشبوهة وداعية لسوء الظن والارتياب.

وإن لكاتب هذه السطور في ذلك كله رأيًا لا يجب أن يخفيه، خلاصته: أن الجذور البعيدة لهذه الأزمة صنعتها ملابسات تاريخية عامة جوهرها غياب العدل، وغياب الحرية عن مواقع كثيرة في حياة الناس جميعا، ومنهم العرب والمسلمون. كما صنع مظاهرها القريبة تحول غياب العدل من غياب نسبى إلى ما يوشك أن يكون في بعض القضايا السياسية الكبرى غيابًا مطلقًا، إذا جاز أن يكون في حياة الناس شيء من المطلقات، أما الذين حركوا تجلياتها الدموية الأخيرة، فهم -في اعتقاد كاتب هذه السطور- غير من قاموا بتنفيذها وباشروا لمساتها الأخيرة قبل الخروج بها على الناس، وسوف تكشف الأيام ولو بعد حين حقيقة الذين دبروا أمرها وخططوا لها من بعيد.

ومن الموضوعي مع ذلك أن نصف هذا التحليل الخاص بأنه تحليل يقوم على رؤية للتاريخ المعاصر تسلط الأضواء على الخطوط الكبرى في مسيرة هذا التاريخ، كما تبحث عن (الفاعل) في جريمة لا تزال مقيدة (ضد مجهول)، عن طريق البحث عن (المستفيد) من تلك الجريمة، بينما تقوم الرؤية المقابلة على شبهات وقرائن وافتراضات لم تبلغ – حتى يوم كتابة هذه السطور- مبلغ الأدلة اليقينية التي تصلح أساسًا للاتهام القانوني أو للإدانة القضائية، اللتين ينتقل بهما (العرب والمسلمون)، وكذا غير العرب والمسلمين من موقع البراءة الأصيلة إلى موقع الاتهام الصريح. هذا، إذا صح في منهج العقل وسبيل العدل أن يؤخذ الكل بجريرة البعض، وأن تحاسب الجماعة، ولو بمجرد سوء الظن على ما يقترفه الفرد. ذلك مسلك في التجريم والعقاب طالما رفضته وتبرأت منه جميع الحضارات، حين رفضت مبدأ (الإدانة القائمة على مجرد الانتساب) ( (GUILT BY ASSOCIATIO.

وتاريخ الإسلام، والدين كله، في مصر تاريخ خاص جدير بالتأمل، طلبا للفهم أو التعمق، وسعيا إلى التأصيل والتحليل  ذلك أن شعب مصر قد كان من أول شعوب الدنيا اهتمامًا بقضية الموت وما قد يكون بعده من حياة، وانتهى الأمر بالحضارة المصرية القديمة إلى الإيمان بأمرين صارا من بعد أهم ثوابت الرؤية الثقافية العامة لشعب مصر، كما صارا أهم ثوابت التدين المستمد من الوحي الإلهي. الأمر الأول: الإيمان بالبعث بعد الموت. والأمر الثاني: الإيمان بإله قوي قادر عالم وعادل يدير شئون الكون في حياتنا، ويتولى حسابنا بعد بعثنا، فيجزى بالخير خيرًا وبالسوء سوءًا.

ولازم التدين شعب مصر حين دخلتها المسيحية، ثم لازمه حين دخلها الإسلام، فبقي مسيحيو مصر، والكنيسة الشرقية بوجه عام، من أكثر مسيحيي العالم استمساكًا بدينهم والتزامًا برؤيته العقيدية والأخلاقية – كما ازدهر الإسلام في مصر، وازدهرت فيها علومه، وتأدب شعب مصر بأدب الإسلام وعاش حضارته في راحة وهدوء وسماحة في حياته اليومية كلها، فأفاد معرفة وفقها على معظم ربوع العالم الإسلامي.

والإسلام بحكم طبيعته الشاملة، وتناوله بالتنظيم شئون الفرد والجماعة على السواء، كان ولا يزال أهم المكونات وأعظمها تأثيرًا على حياة الفرد المسلم والجماعة المسلمة، وذلك قبل أن تظهر داخل الدولة القوية الحديثة جماعات وأحزاب ذات توجه إسلامي، تنادي بإقامة حكم إسلامي قائم على العدل والشورى، في ظل دساتير تعترف بالشريعة الإسلامية مصدرًا أساسيًا للتشريع الذي ينظم أمور الجماعة. وحين ظهرت هذه الجماعات والأحزاب، ظهر معها مصطلح جديد يسمى (الإسلاميون)، بعد أن كان الوصف الوحيد الشائع هو وصف (المسلمين) إشارة إلى معتقدهم الديني والثقافي، مقابل كلمة وصف (المسيحيين) أو (النصارى)، أو (الأقباط) لتعريف المسيحيين الذين احتفظوا بدينهم ولم يدخلوا في الإسلام عند فتح المسلمين لمصر في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

لهذا، فإن الكتاب الذي أقدم له بهذه السطور ليس تاريخًا ولا تحليلًا للإسلام في عقيدته أو شريعته أو ثقافته العامة. وإنما هو دراسة علمية وصفية وتحليلية لمواقف (الأحزاب) والجماعات التي تكونت داخل المجتمع المصري مطالبة بتعديلات جوهرية في مساره الثقافي والسياسي، تقوم في مجملها على ما يراه مؤسسو هذه الجماعات الفهم السليم أو التصور الصحيح للإسلام وما يطالب به من المؤمنين به في حياتهم السياسية وشئونهم الاجتماعية.

وقد اختار الدكتور وليد عبد الناصر لبحثه هذا مرحلة محددة وموضوعًا محددًا، أما المرحلة، فهي التي تمتد من عام ١٩٦٧ الذي صار معروفًا في لغة الخطاب السياسي في مصر والعالمين العربي والإسلامي بعام النكسة، نكسة هزيمة العرب أمام العدوان الصهيوني، وما أدت إليه تلك النكسة من وقوع أجزاء جديدة من الأرض العربية تحت سيطرة الدولة الصهيونية، وفي القلب من تلك الأجزاء مدينة القدس وبها المسجد الأقصى الذى يشير إليه جميع المسلمين بأنه (أولى القبلتين وثاني الحرمين)، وهي المدينة التي تكسرت على صخرة الخلاف حولها جهود التسوية المتعاقبة بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وتمتد هذه المرحلة حسب اختيار المؤلف حتى يوم اغتيال الرئيس السادات -عليه رحمة الله- متوسطًا المنصة العالية مزهوًا باستعراض الجيش الذي حقق النصر الوحيد في حياة هذا الجيل، نصر عبور قناة السويس، وكسر الخط الدفاعي المنيع الذي أقامه الإسرائيليون، وتصوروه حصنًا لا يطال، يحميهم في مواجهة أي عمل عسکري قد يدبره ويخطط له المصريون. وإذا كان لهذه المرحلة ما يميزها، وهي أنها فترة الإعداد سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا للثأر من عام النكسة ولإعادة التوازن بين مصر (والعرب عمومًا) وبين إسرائيل تمهيدًا لاستهلال مرحلة جديدة في حياة العالم العربي والمنطقة التي آثر البعض أن يسميها تجهيلًا لعروبتها وإسلامها باسم الشرق الأوسط، وإذا كان الجزء الأكبر من هذه المرحلة يمثل حكم الرئيس السادات عقب وفاة الرئيس جمال عبد الناصر -رحمه الله- إلى مقتل الرئيس السادات -عليه رحمة الله- عام ۱۹۸۱، فإنه من الضروري مع ذلك ملاحظة أن التاريخ لا يمكن تقسيمه إلى أقسام وأجزاء محددة على نحو صارم. فهذه المرحلة قد شهدت في سنواتها الثلاث الأول امتدادًا لحكم الرئيس عبد الناصر، كما أن بعض خصائصها، في شئون مصر الداخلية وأكثر مواقفها الدولية الخارجية لا تزال مستمرة في عهد الرئيس محمد حسني مبارك.

أما الموضوع الذي اختاره الباحث، فقد حدده بمواقف أولئك الإسلاميين تجاه الخارج، وهو تحديد جائز ونافع تمامًا، وربما دفع الباحث إليه تخصصه المهني والعلمي كواحد من جيل (الشبان النابهين الجادين) في الدبلوماسية المصرية، وهو جميل يستحق الاهتمام ويستحق التقدير؛ إذ هو في جملته جيل جامع بين الوطنية المثالية النقية، وبين الرؤية الموضوعية (للواقع)، بأبعاده كلها، ما يتصل منها بمصر والعالمين العربي والإسلامي، وما يتصل بالعالم الخارجي كله. وهي رؤية أتاحها التنقل بحكم العمل بين دول وحضارات متعددة ومتنوعة، بعضها في الدول الكبرى، وبعضها في دول صغرى، ومن خلالها جرى التعرف على حضارات متنوعة، ورؤى ثقافية ومواقف سياسية مختلفة متباينة.

ولا أريد في هذه المقدمة أن أعرض بالمناقشة وإبداء الرأي في النتائج التي انتهى إليها المؤلف وهو يتناول بالتحليل مواقف الإسلاميين في مصر تجاه الخارج، فذلك شأن القارئ للكتاب والمتأمل فيما بثه المؤلف خلال سطوره من ملاحظات وتعليقات، وإنما أتوقف عند تساؤل يفرض نفسه على القارئ كما فرضها على المؤلف وهو: مَن الإسلاميون في مصر؟ وقد نبهنا في مطلع هذه المقدمة إلى أن مصطلح (الإسلاميين) مصطلح مستحدث في أدبيات الكتابة عن (المسلمين)، فقد كان الناس إلى عهد قريب يصنفون من حيث معتقدهم الديني إلى مسلمين، وغير مسلمين ولكن استخدام مصطلح (الإسلاميين) لم يظهر إلا حديثًا حين نشأت أحزاب وجماعات تواجه الدعوة إلى العلمانية وإلى فصل الدين عن الدولة عن طريق تقديم برامج للإصلاح ومشروعات للنهضة تستمد إطارها المرجعي كله من مصادر المعرفة الإسلامية، ومصادر التشريع الإسلامي، وهي على التحديد القرآن الكريم والسنة النبوية الكريمة، والمصادر التكميلية الأخرى للأحكام التشريعية، وقد فرق الدكتور وليد عبد الناصر بين أقسام أو روافد أربعة تقسم هؤلاء (الإسلاميين)، وهي:

(1) جماعة الإخوان المسلمين.

(ب) الجماعات الإسلامية.

(ج) التنظيمات الإسلامية السرية.

(د) خطباء المساجد المستقلون.

وإذا كان الرافد الأول، وهو جماعة الإخوان المسلمين، محددًا ومعروفًا لدى القراء جميعًا، وكان الرافد الرابع، وهو خطباء المساجد، معروفًا كذلك، فقد بقي أن توضح أن المؤلف يقصد بالجماعات الإسلامية الجماعات أو التنظيمات الطلابية الإسلامية في الجامعات والمدارس وفي الاتحادات الطلابية بصفة خاصة، كما أنه يقصد بالتنظيمات الإسلامية السرية جماعة “شباب محمد” التي تولى قيادتها صالح سرية والتي قامت بمحاولة الاستيلاء على الكلية الفنية العسكرية عام ١٩٧٤، وجماعة التكفير والهجرة -أو جماعة المسلمين كما تسمى نفسها- وأخيرًا تنظيم الجهاد المسئول عن اغتيال الرئيس السادات عليه رحمة الله.

والواقع أن بين هذه الروافد الأربعة فوارق كثيرة، كما أنه بداخل كل منها أكثر من تيار فرعي، على نحو يجعل هذا التقسيم الرباعي نسبيًا في دلالته بسبب عمومه، وإنما نود أن ننبه إلى أمور ثلاثة تتصل بجماعة الإخوان المسلمين التي خصها الباحث بتحليل مفصل لأفكارها ومواقعها بوصفها أقدم هذه الروافد وأكثرها تأثيرًا على الحياة العامة في مصر، وأكثرها -إلى الآن- أتباعًا وأنصارًا.

الأمر الأول: أن هذه الجماعة قد كانت الوعاء أو المصدر أو العباءة، على حد تعبير الجهات الأمنية في مصر، التي خرجت منها أكثر الجماعات الإسلامية. وإذا كان هذا صحيحًا من الناحية التاريخية، فإن هذه الحقيقة لا وزن لها في تحديد العلاقة بين جماعة الإخوان المسلمين وتلك الجماعات. وإنما الذي له الوزن والقيمة هو تحديد سبب خروج تلك الجماعات وانشقاقها عن (الجماعة الأم)، إن صح هذا التعبير. وستجد من التحليل الدقيق الذي يقدمه المؤلف لمواقف تلك الجماعات من القضايا الكثيرة التي تناولها أن أكثر هذه الجماعات المنشقة قد انسلخت عن جماعة الإخوان المسلمين بسبب اعتدال تلك الجماعة وانتهاجها مواقف عملية وجدت فيها تلك الجماعات المنشقة صورًا غير مقبولة -من وجهة نظرها- تتوسع بها الجماعة في مجاملة الأوضاع القائمة، وتتجنب المواجهة مع الحكومات، كما تتجنب اتخاذ مواقف حدية صارخة وواضحة تجاه القوى الأجنبية التي تعمل على إضعاف المسلمين وتحول دون تحقيق المشروع المعنوي المستمد من أصول ومصادر إسلامية خالصة.

الأمر الثاني: أن حركة الإخوان المسلمين قد ظهرت ونمت أول الأمر بوصفها جزءًا مندمجًا في عموم الحركة الوطنية المصرية، ولهذا ظلت علاقتها بالأحزاب المختلفة وبالتيارات السياسية والاجتماعية علاقة منافسة حزبية سلمية على نحو ما ينشأ بين الأحزاب الوطنية حين تختلف برامجها وأساليب عملها، ولكنها جميعا تظل تعبيرًا عن حركة المجتمع لتحقيق أهدافه الكبرى في المحالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وقد تمثل هذا في خصوص موضوع البحث وهو (الموقف تجاه الخارج) في وجود مساحة من الرأي والموقف مشتركة بين تلك الجماعة وبين أحزاب وتيارات سياسية أخرى، أما الجماعات الإسلامية والتنظيمات السرية، فقد قامت منذ بلادها بوصفها حركات منشقة عن المجتمع وتنظيمات خارجة عليه، ومنكرة لشرعيته، وداعية إلى تغييره بالقوة إذا اقتضى الأمر حتى يتوافق مع رؤية تلك الجماعات للإسلام وثقافته ونظامه السياسي والاجتماعي.

الأمر الثالث: أن هذه الحركة قد انفردت بأمر لا تشاركها فيه الجماعات الأخرى، وهي أن بناءها ونشاطها قد عرف رافدين متميزين: أولهما رافد علني يضم التيار الواسع للجماعة وأعضائها، وهو رافد يتواصل مع المجتمع ويشارك في الحياة السياسية والاجتماعية العامة، ويسعى إلى إحداث تغييرات تتوافق مع برنامجه الخاص للإصلاح، ولكنها تلتزم بضوابط العمل الديمقراطي الشرعي، وأساليبه القانونية السليمة. أما الرافد الآخر الذي أحاطت بنشأته وأسباب تلك النشأة ملابسات لا تزال بعض جوانبها غامضة، فهو تنظیم سرى محكم، وصلت سريته إلى حد جهل أكثر أعضاء الجماعة العامة بوجوده، وإلى الانفصال بين حركته وأوجه نشاطه وبين أوجه النشاط العلني التي شاركت فيها الجموع الكبرى من أعضاء الجماعة. وفي تقديرنا أن تسليط الأضواء على هذه الثنائية وعلى المعالم الفكرية لكل من الرافدين، وما آل إليه كل منهما في تحديد أهداف هذه الجماعة التي ما زالت تمارس نشاطها في المجتمع المصري رغم حظر ذلك النشاط ووقوع القائمين به تحت طائلة القانون.. في تقديرنا أن هذا أمر لا غنى عنه، وأن هناك قصورًا كبيرًا في التصور القائم لدى كثير من أجهزة الدولة السياسية والأمنية عن التحولات الجذرية التي طرأت على الجماعة، وعلى كثير من مواقف أعضائها من القضايا السياسية والاجتماعية المعاصرة. وإذا كان للدكتور وليد عبد الناصر فضل في تسليط الأضواء على موقف هذه الجماعة من القضايا السياسية الخارجية الكبرى خلال الفترة التي يتناولها بالتحليل، وهى الفترة من ١٩٦٧ حتى ۱۹۸۱، فإن متابعة هذا التحليل ليشمل الفترة المعاصرة تبقى مسئولية باحثين آخرين أو هيئات وأجهزة سياسية وأمنية لا يتصور أن تجمد تصوراتها عند مرحلة تاريخية مضت وانقضت.

أما الجماعات السرية التي تحدث عنها المؤلف، فإن لها في تقديرنا بعض الخصائص المشتركة، وتعنينا منها خصائص ثلاث:

الخصيصة الأولى: أنها نشأت رد فعل غاضبًا لبعض الأوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية العامة، وثمرة للإحباط الذي يصيب كثيرًا من العناصر النشطة حين تسد أبواب العمل السياسي العام في وجوهها، أو رد فعل -غاضبًا- كذلك على مواقف جماعة سياسية كانوا ينتمون إليها، ثم استبطئوا حركتها، وتعجلوا التغيير الذي يحلمون به، فانشقوا عنها، وانطلقوا يعملون وحدهم، غير حريصين على التواصل مع أحد، أو التعاون مع أحد، فإذا هم يمارسون ما يسمونه (مفاصلة) مع المجتمع، وانفصالًا عنه، وعملًا خارج أطره الرسمية والشرعية.

الخصيصة الثانية: الالتزام الصارم بالانضباط التنظيمي، ومنح الرؤساء أو الأمراء سلطات واسعة في اتخاذ القرارات المتعلقة بالجماعة ووسائل تحقيق أهدافها، والتزام الأعضاء بالطاعة المتعلقة لأولئك الرؤساء والأمراء دون مناقشة أو مراجعة، وهو ما يفتح الباب -في ظلال السرية وظلامها- لارتكاب أخطاء فادحة، وممارسات ضارة، تنسب -ويغير حق- للإسلام ومبادئه وثقافته وشريعته، ويدفع ثمنها المسلمون جميعًا، ويروح ضحيتها أبرياء كثيرون، يتحمل وزر ما يتعرضون له قيادات تمنح نفسها حق التصرف في الآخرين من غير سند شرعي أو منطقي، أو إحساس واجب بالمسئولية.

الخصيصة الثالثة: اجتراء شديد على الفتيا دون التأهل السليم لها، وهو اجتراء تحكمه -في أغلب صوره- روح تشدد صارم لا سند له عند أهل العلم المحققين، يقع به الناس في العنت والخرج، وتغيب عنه مقاصد الإسلام الكبرى، والعلل الحاكمة لشريعته، والمصالح التي تدور حولها الشريعة في أحكامها كلها. ويتم هذا الاجتراء في جسارة غير محمودة، وثقة بالنفس والرأي لا أساس لها ولا حجة تسندها، وهي ثقة لا تكون أبدًا لعالم حق يعرف أن الرأي بين أهل العلم قد يختلف، وأن زوايا الرؤية قد تتعدد، وأن هذا الاختلاف وذلك التعدد هما اللذان يكفلان للإسلام وشريعته معنى الخلود في إطار التجدد الذي لا غنى عنه لملاقاة اختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال.

إن غيبة هذه المعاني الأساسية عن كثير من تلك الجماعات وقياداتها، وتحول الغضب المشروع عند أعضائها إلى روح عزلة من المجتمع، تفضي -بحكم الضرورة- إلى خصومة مع ذلك المجتمع، هي فيما ترى موضع الكارثة في نشاط تلك الجماعات، وهي كارثة لا تفلح في علاجها الأساليب الأمنية التي ينتهي جهدها عند حد الدفع بهؤلاء الغاضبين إلى ساحة القضاء. ثم إلى ساحات السجون والمعتقلات وإنما يحتاج علاجها إلى جهد متواصل من العلماء الثقات الذين أحكموا معرفة الحق ومعرفة المواقع وفي تنزيل أحدهما على الآخر، كما تخلقت عقولهم وقلوبهم بأخلاق الإسلام الرفيعة التي مثلها رسول الله، وبقى أن يتمثلها العاملون تحت لواء أسوته التي أمرنا جميعًا بالتزامها، وجوهرها إحقاق الحق، وإقامة العدل والتواصل مع الناس جميعا في روح من الأخوة السمحة الصادقة، وفى ظلال وارفة من الرحمة والرفق، والعطاء الذي ينفع الناس ويرفع عنهم الخرج والمشقة، ويقدس حياتهم وحرياتهم وكرامتهم نزولًا عند وصية النبي، لأمته في حجة الوداع: (أيها الناس إن دماءكم وأعراضكم وأموالكم، حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا، في عامكم هذا)، وقوله: (إن من أحبكم إلى وأقربكم منى مجلسًا يوم القيامة الموطئون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون).

إن من لا يحب الناس، ولا يعرف كيف يتواصل معهم، ليس من حقه أن يتصدى لدعوتهم وأن يرفع في وجوههم رايات الإسلام وشعاراته، بله أن يجعل من نفسه متحدثًا رسميًا باسم الإسلام، تجب على الناس طاعته كما تجب عليهم طاعة الله وطاعة رسوله. ذلك أن تصديه هذا يفرق ولا يجمع، ويسعد ولا يقرب، وينفر من الإسلام ولا يفتح له القلوب والعقول. وخير لهذا وأمثاله أن يلزموا خاصة أنفسهم، وأن يبتعدوا عن طريق الناس، حتى لا يحمل الناس سعة الإسلام على ضيق صدورهم ولا يحملوا سماحته على تنفيرهم وإعنائهم لعباد الله.

إن المفارقة تبدو هائلة، محزنة ومؤسفة، بين سعة الإسلام وتيسيره على عباد الله، وحرصه على أن تمتلئ حياتهم بهجة وسعادة وبشراء وهم يبتغون فيما أتاهم الله الدار الآخرة، دون أن ينسوا نصيبهم من الدنيا، وبين الروح التي تبثها أكثر الجماعات السرية التي ترفع ألوية إسلامية، حين تملأ النفوس مرارة وكراهية، وتملأ حياة المؤمنين حرجًا وضيقًا وعبوسًا ومشقةً، وتدفع أيامها إلى عزلة موحشة ينقطعون بها عن تيار الحياة، ويفقدون بسببها القدرة على التفاهم مع “الآخرين”، فضلًا عن التواصل معهم.

هذه بعض المعاني التي أثارها عندي هذا السفر العلمي الرصين الذي قدمه، بأمانة العلماء والمحققين، شاب نابه من شباب الدبلوماسية المصرية التي كنا نراها ولا تزال إحدى جزر التميز والأداء المهني الرفيع بين مؤسساتنا العامة والحكومية. وإني إذ أحمل إليه هذا الثناء والتقدير، فإنني أرجو -مخلصًا- أن يتابع تحليل مواقف وأفكار هذه “الجماعات الإسلامية” ليصل بنا إلى فهم أدق وأصح لهذه المواقف والأفكار، وسط الاضطراب الشديد الذي يحيط بحياتنا الثقافية -نحن العرب والمسلمين- والذي يوشك أن يدخل بنا إلى فتنة يرى بعضنا أولها دون أن يرى أحد منا آخرها ومنتهاها.

رابط لتحميل الكتاب

________________________________________

* د. وليد عبد الناصر، التيارات الإسلامية في مصر ومواقفها تجاه الخارج- من النكسة إلى المنصة [1967-1981]، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الأولي، 2001م. هذا الكتاب جزء من بحث علمي قُدم ضمن متطلبات الحصول على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية والعلاقات الدولية من جامعة جنيف.

** السفير الدكتور وليد محمود عبد الناصر، كاتب ومفكر ودبلوماسي مصري، شغل العديد من المناصب في السلك الدبلوماسي. حصل د. عبد الناصر على البكالوريوس والماجستير في العلوم السياسية من الجامعة الأمريكية في القاهرة، ثم حصل على دبلوم دراسات دبلوماسية من معهد الدراسات الدولية العليا بجنيف، ثم نال درجة الدكتوراة في العلوم السياسية من كل من معهد الدراسات الدولية العليا بجنيف وجامعة جنيف، وحصل على ليسانس في القانون من كلية الحقوق بجامعة القاهرة. وقد ألف الدكتور وليد عبد الناصر العديد من الكتب كما كتب العديد من المقالات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية. كذلك قام بالتدريس كأستاذ غير متفرغ للعلوم السياسية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، وحاضر في عدد كبير من الجامعات، وقدم أوراقًا بحثية في العديد من المؤتمرات العلمية.

Rate this item
(0 votes)
Last modified on الإثنين, 30 تشرين1/أكتوير 2023 03:43

Leave a comment

Make sure you enter all the required information, indicated by an asterisk (*). HTML code is not allowed.

الأكثر مشاهدة

Post Gallery

الوجيز في القانون الجنائي

"الموسوعة القضائية العسكرية".. إصدار جديد يثري المكتبة القانونية

قراءة في فكر البشري: حول المسألة الإسلامية المعاصرة (2-3)*

الفرد والدولة في الشريعة الإسلامية (2-3)*

حقوق المتهم في الدستور المصري والدستور المقارن*

تحدي صارخ للمواثيق الدولية: إسرائيل تقر إعدام الأسرى الفلسطينيين وسط تنديد حقوقي واسع

القرآن والقتال*

عصر ما بعد القيم في النظام الدولي: هل تصبح القوة بديلا عن الشرعية؟*

التجديد القانونى للخطاب الدينى.. حظر تعذيب المتهم*