يُعد كتاب "مقاصد الشريعة الإسلامية" للعلامة المجدد الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، والذي نُشرت طبعته الأولى في منتصف القرن العشرين (1946م)، لبنة تأسيسية كبرى في الفكر الإسلامي الحديث ومشروعًا علميًا طموحًا يهدف إلى إعادة صياغة علم أصول الفقه وتجديده. وسعى المؤلف من خلال هذا العمل إلى إثبات أن للشريعة الإسلامية مقاصدَ كليةً ومعانيَ حكيمةً، يمكن استنباطها عبر الاستقراء لا عبر الظواهر اللفظية فحسب، بغية جعل الفقه الإسلامي قادرًا على مواكبة المستجدات الحضارية دون جمود. وتكمن الأهمية القصوى لهذا الكتاب في كونه أخرج "المقاصد" من كونها مبحثًا هامشيًا داخل كتب الأصول، ليجعلها علمًا مستقلًا بذاته، رابطًا بين النصوص الجزئیة والكليات العقلية، ومؤسسًا لقاعدة "حفظ نظام الأمة" كغاية عظمى للتشريع.
دراسة تمهيدية (بقلم المحقق: د. محمد الطاهر الميساوي):
استهل الكتاب بدراسة تحليلية مفصلة وضعها المحقق، تهدف إلى وضع القارئ في السياق التاريخي والمعرفي للمؤلف وكتابه. ركز هذا القسم على استعراض البيئة الفكرية التي عاش فيها ابن عاشور في تونس، وكيف أثرت التحديات الاستعمارية وحالة الجمود الفقهي آنذاك في تشكيل عقليته الإصلاحية. وطرح المحقق أطروحة مفادها أن ابن عاشور لم يكن مجرد ناقل للتراث المقاصدي (مثل الشاطبي)، بل كان ناقدًا ومطورًا، حيث سعى لتخليص علم الأصول من "الآفات" التي لحقت به كالمجادلات الكلامية والافتراضات النظرية البعيدة عن الواقع. وتُعد هذه الدراسة مدخلًا منهجيًا ضروريًا لفهم المصطلحات التي سيعتمدها المؤلف لاحقًا، وتبرز القيمة المضافة للكتاب مقارنة بالمصادر السابقة.
مقدمة المؤلف:
انتقل بنا الكتاب إلى مقدمة الشيخ ابن عاشور نفسه، والتي تمثل البيان التأسيسي للكتاب. وطرح المؤلف هنا إشكالية قصور "علم أصول الفقه" بوضعه التقليدي عن تلبية حاجات التشريع المتجددة، معللًا ذلك بغلبة النزعة اللفظية والجدلية عليه. وقدم المؤلف حجته المركزية بضرورة تدوين علم جديد يُسمى "مقاصد الشريعة"، يكون قطعي الدلالة في معظمه، ليُتخذ مرجعًا عند اختلاف الفقهاء وتعارض الأدلة. أظهر هذا القسم براعة ابن عاشور في تشخيص الداء، حيث ربط بين جمود الفقهاء وغياب النظرة الكلية للشريعة، ممهدًا بذلك الطريق لطرح نظريته القائمة على "القطعيات" بدلًا من "الظنيات" التي تملأ كتب الفروع.
القسم الأول (إثبات مقاصد الشريعة)
- إثبات أن للشريعة مقاصد:
في هذا الفصل، أسس ابن عاشور للقاعدة الصلبة التي سيبني عليها كتابه، وهي أن أحكام الشريعة ليست تعبدية محضة لا تُعقل معانيها، بل هي معللة ولها غايات. واستخدم المؤلف منهج "الاستقراء" لتصرفات الشريعة في مختلف الأبواب لإثبات أن الشارع الحكيم لا يشرع عبثًا، وأن كل حكم شرعي يحمل في طياته مصلحة مرجوة أو مفسدة مدفوعة. وناقش الفصل موقف الظاهرية ومنكري التعليل، ورد عليهم بأدلة عقلية ونقلية تؤكد أن سريان المعاني والمقاصد هو الأصل في التشريع، مما يجعل الفقيه ملزمًا بالبحث عن هذه العلل لتعدية الأحكام إلى النوازل الجديدة.
- احتياج الفقيه إلى معرفة مقاصد الشريعة
انتقل ابن عاشور لبيان الوظيفة العملية لهذا العلم، مجيبًا عن سؤال: لماذا يجب على الفقيه معرفة المقاصد؟ يُقرر ابن عاشور أن المجتهد لا يستغني عن معرفة المقاصد في فهم النصوص وتنزيلها على الواقع، خاصة عند تعارض الأدلة أو غياب النص الخاص. وطرح فكرة أن المقاصد هي "الميزان" الذي يضبط الاجتهاد ويمنع الفقيه من الوقوع في التناقض أو التمسك بظاهر النص مع إهدار روحه. يُعد هذا الفصل محوريًا لأنه ينقل المقاصد من حيز الترف الفكري إلى حيز الضرورة الفقهية الملحة لضبط الفتوى والقضاء.
- طرق إثبات المقاصد
تناول هذا الفصل المنهجية العلمية التي يقترحها ابن عاشور للكشف عن مقاصد الشارع. ورفض المؤلف الاعتماد الكلي على أدلة الآحاد الظنية، واقترح بدلاً من ذلك الاعتماد على "الاستقراء" (تتبع الجزئيات للوصول إلى حكم كلي) و"التواتر المعنوي". وقسم طرق الإثبات إلى استقراء العلل المعروفة في الأحكام، واستقراء أدلة الشريعة العامة، ودلالة المناسبات السياقية. يمثل هذا الفصل الجانب "الإبستمولوجي" (المعرفي) في الكتاب، حيث يضع قواعد صارمة تمنع من ادعاء مقاصد لا دليل عليها، وتضمن علمية هذا الفن الجديد.
ثالثًا: القسم الثاني (مقاصد التشريع العامة)
- المقصد العام من التشريع
حدد ابن عاشور في هذا الفصل "الغاية الكبرى" للإسلام، وهي "حفظ نظام العالم" وصلاح أحوال الناس. وجادل بأن الشريعة جاءت لتنظيم حياة البشر بما يضمن استمرار النوع الإنساني وسلامة اجتماعه. وربط المؤلف هنا بين المفهوم الديني (الصلاح والتقوى) والمفهوم الحضاري (النظام والعمران)، مؤكدًا أن إصلاح الفرد هو وسيلة لإصلاح المجتمع. وقدم شواهد قرآنية تدل على نفي الفساد وطلب الإصلاح، معتبرًا أن كل حكم يؤدي إلى اختلال نظام المجتمع فهو مناقض لمقصد الشارع.
- الفطرة
تُعد نظرية "الفطرة" حجر الزاوية في فكر ابن عاشور المقاصدي، وطرح في هذا الفصل أطروحة جريئة مفادها أن "الشريعة هي الفطرة"، بمعنى أن أحكام الإسلام تتماشى تمامًا مع الخلقة التي طبع الله الناس عليها دون تكلف أو عنت. وحلل معنى الفطرة لغويًا وشرعيًا، ويستنتج أن الإسلام هو دين الفطرة لأنه لا يصادم الحقائق الكونية ولا الطبائع البشرية السوية. وربط هذا المفهوم بعالمية الإسلام، فبما أن الفطرة الإنسانية واحدة، فإن الدين الذي يوافقها صالح لكل زمان ومكان، مما يجعله المقصد الكلي الذي تندرج تحته سائر المقاصد.
- السماحة
وأفرد ابن عاشور فصلًا خاصًا لمقصد "السماحة"، معتبرًا إياها وصفًا لازمًا للشريعة وليست مجرد رخص طارئة، وعرّف السماحة بأنها سهولة التكليف ورفع الحرج، واستدل على ذلك باستقراء الرخص الشرعية وأدلة رفع العسر. قرر ابن عاشور أن السماحة مقصد مقصودُ لذاته؛ لما لها من إثر في ضمان بقاء الشريعة ومحبة الناس لها، ولتيسير دخول الأمم فيها. وناقش التوازن بين العزيمة والرخصة، وحذر من التشديد الذي يُنفر الناس، مؤكدًا أن "الوسطية" هي تجسيد لهذه السماحة.
- مصالح الناس (المصلحة)
تناول هذا الفصل المفهوم التقليدي للمقاصد (جلب المصالح ودرء المفاسد) ولكن بنظرة تحليلية أعمق. وأعاد ابن عاشور تقسيم المصالح إلى: ضرورية، وحاجية، وتحسينية، مع تفصيل دقيق لمراتبها وكيفية الترجيح بينها؛ حيث ميَّز بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة، وقرر قاعدة تقديم المصلحة العامة عند التعارض. تميز هذا الفصل بالدقة في تعريف "المصلحة" لإخراج الأهواء والشهوات منها، وضبطها بضوابط الشرع والعقل السليم، مما يغلق الباب أمام التلاعب بالأحكام بدعوى المصلحة المرسلة.
- المساواة
ناقش ابن عاشور "المساواة" كمقصد شرعي أصيل، مؤسسًا لمبدأ أن الأصل في التشريع هو عموم الخطاب وتساوي الناس أمام الأحكام. واستعرض الأدلة على إلغاء الفوارق الطبقية والعرقية في الإسلام، وكيف أن الاستثناءات في الأحكام (مثل أحكام المرأة أو العبيد قديمًا) لها علل خاصة لا تقدح في أصل المساواة. كما عالج المؤلف بحكمة قضية الفوارق البيولوجية والاجتماعية، موضحًا أن المساواة في الإسلام هي مساواة في الحقوق الإنسانية والكرامة والعدالة، وليست بالضرورة تماثلًا ميكانيكيًا في كل تفصيل جزئي.
- الحرية
في طرح تقدمي سابق لعصره، عالج ابن عاشور مفهوم "الحرية" كمقصد من مقاصد الشريعة. وميز بين الحرية الوجودية (خلو الذات من سيطرة الغير) والحريات الحقوقية (حرية التصرف، التملك، الاعتقاد). واستدل بمحاربة الإسلام للرق وتشوّفه للعتق تدريجيًا دليلًا على أن الحرية هي الوضع الطبيعي الذي يسعى الشرع لتكريسه. وربط المؤلف بين الحرية والمسؤولية، مؤكدًا أن الحرية المقاصدية ليست فوضى، بل هي قدرة الإنسان على التصرف في شؤونه بما لا يضر بالآخرين ولا يخالف النظام العام، واضعًا بذلك تأصيلًا إسلاميًا لمفهوم الحريات المدنية.
القسم الثالث (مقاصد التشريع الخاصة)
- مقاصد أحكام العائلة
انتقل الكتاب من الكليات النظرية إلى التطبيق العملي، بادئًا بأهم وحدة اجتماعية وهي الأسرة. وحلل ابن عاشور نظام الأسرة في الإسلام، مبينًا أن مقصده الأسمى هو "حفظ النسل" و"إحكام الآصرة الاجتماعية". وناقش قضايا الزواج، والطلاق، والولاية، والميراث، موضحًا كيف تخدم كل جزئية منها استقرار العائلة. وأبرز المؤلف حكمة التشريع في توزيع الأدوار بين الرجل والمرأة بناءً على الفطرة والكفاءة، وكيف أن القيود المفروضة في هذا الباب تهدف لحماية المجتمع من التفكك واختلاط الأنساب.
- مقاصد التصرفات المالية (المعاملات)
استعرض هذا الفصل فلسفة المال في الإسلام، حيث قرر أن المقصد العام هو "روج المال" (تداوله) و"حفظه" و"وضوح ملكيته". وفصل المؤلف في الحديث عن منع الغرر، وتحريم الربا، وتوثيق الديون، معتبرًا أن هذه الأحكام تهدف لمنع النزاع وضمان استثمار الأموال وتنميتها. وطرح فكرة أن المال "قوام الحياة"، وبالتالي فإن الشريعة حاطته بسياج من الضوابط التي تمنع تجميده أو تبديده في غير نفع، رابطًا بين الاقتصاد والأخلاق في منظومة متكاملة.
- مقاصد أحكام العمل (العمل والعمال)
خصص ابن عاشور حيزًا للحديث عن العمل وحقوق العمال، مستنبطًا مقاصد الشريعة في إيفاء الأجير حقه وعدم استغلاله. ورأى أن المقصد هنا هو إقامة العدل الاجتماعي وحفظ كرامة الإنسان الكادح. وناقش قضايا الإجارة والمساقاة وغيرها، مؤكدًا أن الشريعة تهدف إلى حماية الطرف الأضعف في المعادلة الاقتصادية، وتشجيع الإنتاج والكسب المشروع باعتباره وسيلة لعمارة الأرض وتحقيق الاستخلاف.
- مقاصد العقوبات والقضاء
اختتم المؤلف أبواب الكتاب ببحث مقاصد النظام الجنائي والقضائي. مؤكدًا أن الغاية من العقوبات (الحدود والتعازير) هي "الزجر" و"الإصلاح" و"جبر الضرر"، وليست مجرد الانتقام. وحلل فلسفة القصاص كحياة للمجتمع، ويوضح أهمية القضاء المستقل في فصل الخصومات ومنع الناس من الانتصاف لأنفسهم مما يؤدي للفوضى. وربط هذا الفصل بين حفظ الأمن العام وتحقيق العدالة، معتبرًا أن إقامة العدل هي الوجه الآخر لحفظ نظام الأمة.
خاتمة
يمثل كتاب "مقاصد الشريعة الإسلامية" لمحمد الطاهر بن عاشور وثيقة تجديدية بالغة الأهمية، نجحت في إعادة وصل الفقه الإسلامي بأصوله العقلية وغاياته الإنسانية. من خلال فصول الكتاب المتسلسلة، أثبت المؤلف أن الشريعة نسق متكامل يهدف إلى تحقيق "الفطرة" و"السماحة" و"صلاح العالم"، متجاوزًا النظرة الجزئية للنصوص. خلص الكتاب إلى نتيجة جوهرية مفادها أن استمرار صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان مرهون بقدرة العقل الفقهي على استيعاب مقاصدها الكلية وتنزيلها على الواقع المتغير، مما جعل هذا الكتاب المرجع الأساس لكل محاولات التجديد الفقهي المعاصر.
لتحميل ملف الكتاب (هنا)
المراجع: محمد الطاهر بن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، تحقيق: محمد الطاهر الميساوي، الأردن: دار النفائس للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 2001م.