يُعد الإمام الشيخ محمد الطاهر بن عاشور (1879- 1973م)، واحدًا من أبرز أقطاب الفكر والاجتهاد الإسلاميين في العالم الإسلامي في العصر الحديث، وشخصية علمية فذة جمعت بين التضلع في العلوم الشرعية والانفتاح الواعي على الثقافة المعاصرة. لم يكن الشيخ مجرد عالم دين تقليدي، بل كان رائدًا من رواد الإصلاح والتجديد الذين حملوا على عاتقهم مهمة إخراج العقل المسلم من دوائر الجمود والتقليد إلى رحابة الاجتهاد ومواكبة مقتضيات العصر، وقد تجلى ذلك في مسيرته الحافلة التي تنوعت فيها أدواره بين تفسير القرآن الكريم والتدريس والقضاء والإفتاء ومشيخة الجامع الأعظم، تاركًا بصمات واضحة في مسار التعليم الزيتوني وفي المكتبة الإسلامية.
الأسرة والجذور:
وُلد محمد الطاهر بن عاشور في قصر جده لأمه بضاحية المرسى، إحدى ضواحي تونس العاصمة، في سنة 1296هـ الموافق لعام 1879م، ونشأ في كنف أسرة علمية عريقة تمتد جذورها إلى الأندلس، وعُرفت بإنجاب العلماء والقضاة الذين تخرجوا في جامع الزيتونة وتقلدوا أرفع المناصب. كان من بين هؤلاء جده الذي حمل الاسم نفسه، الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور، والذي توفي عام 1868م بعد أن شغل مناصب خطيرة كالقضاء والإفتاء ونظارة بيت المال، بالإضافة إلى علماء آخرين من الأسرة مثل أحمد ابن عاشور ومحمد ابن عاشور، مما هيأ للحفيد بيئة علمية خصبة ساهمت في تكوين شخصيته الفذة. وقد تزامنت نشأته مع فترة تاريخية تموج بالدعوات الإصلاحية في العالم الإسلامي، حيث كان لأفكار المصلحين الكبار مثل جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده صدى واسع في تونس، وتزامن ذلك مع تأسيس مؤسسات تعليمية رائدة كالمدرسة الصادقية والجمعية الخلدونية، مما شكل المناخ الثقافي الذي تفتح عليه وعي الشيخ.
مسيرته العلمية:
بدأ ابن عاشور رحلته العلمية بحفظ القرآن الكريم على يد المقرئ الشيخ محمد الخياري، ثم أقبل بنهم على حفظ المتون العلمية الأساسية كمتن ابن عاشور والأجرومية والرسالة، قبل أن يلتحق بجامع الزيتونة عام 1310هـ (1892م) وهو لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره. وفي رحاب الزيتونة، انكبَّ على دراسة طيف واسع من العلوم شملت النحو والصرف والبلاغة والمنطق والتفسير والحديث وأصول الفقه، مُظهرًا نبوغًا مبكرًا وهمة عالية في التحصيل، كما تميز عن أقرانه في ذلك العصر بإقباله على تعلم اللغة الفرنسية بمساعدة أستاذه محمد النجار، مما مكّنه من الاطلاع على الثقافات الغربية وتوسيع مداركه. وقد توجت هذه المرحلة بحصوله على شهادة التطويع (العالمية) عام 1317هـ (1899م)، ليلتحق بعدها مباشرة بسلك التدريس.
تتلمذ الشيخ ابن عاشور على يد نخبة من كبار علماء عصره الذين غرسوا فيه روح الإصلاح والتجديد، ومن أبرزهم الشيخ محمد النخلي، والإمام سالم بوحاجب الذي لازمه وتأثر به كثيرًا وحصل منه على الإجازة العلمية عام 1323هـ، وكذلك جده لأمه الوزير الشيخ محمد العزيز بوعتور الذي أجازه بكل مروياته. وشملت قائمة شيوخه أعلامًا مثل شيخ الإسلام محمود بن الخوجة، والشيخ عمر بن الشيخ، والشيخ صالح الشريف، والشيخ محمد طاهر جعفر، الذين شهدوا له جميعًا بالتفوق والقدرة الفائقة على استيعاب العلوم.
اللقاء بالإمام محمد عبده:
شكلت زيارة الإمام محمد عبده الثانية لتونس عام 1903م محطة مفصلية في حياته، حيث التقى به وتوطدت العلاقة بينهما نظرًا لتقارب رؤاهما الإصلاحية، حتى إن محمد عبده لقبه بـ "سفير الدعوة في جامع الزيتونة"، كما ربطته علاقة وثيقة بالشيخ محمد رشيد رضا تلميذ الإمام محمد عبده، ونشر الشيخ رضا في مجلته "المنار" مقالات عدة للإمام ابن عاشور.
التدرج الوظيفي والمناصب القيادية:
تدرج الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في المناصب العلمية والإدارية والقضائية، فبدأ مدرسًا بجامع الزيتونة، ثم اختير للتدريس في المدرسة الصادقية عام 1904م، وهي تجربة عمقت وعيه بضرورة ردم الهوة بين التعليم التقليدي والتعليم العصري. وفي عام 1907م عُين مدرسًا من الطبقة الأولى ونائبًا عن الدولة لدى النظارة العلمية بجامع الزيتونة، حيث بدأ في طرح رؤاه لإصلاح التعليم. وشارك بفاعلية في العديد من اللجان والمجالس، منها لجنة تنقيح برامج التعليم الأولي، ومجلس المدارس، ومجلس الأوقاف الأعلى، والمحكمة العقارية. وفي عام 1913م عُين قاضيًا مالكيًا، ثم باش مفتي المالكية عام 1927م، وصولًا إلى تعيينه "شيخ الإسلام المالكي" عام 1932م، ليكون أول من تولى هذا المنصب من المالكية. وفي العام نفسه، جمع بين مشيخة الإسلام ومشيخة الجامع الأعظم وفروعه، إلا أنه استقال بعد فترة قصيرة بسبب العراقيل التي واجهت مشروعه الإصلاحي، قبل أن يعود لمشيخة الجامع مرة ثانية عام 1944م ليقود نهضة تعليمية شاملة، ثم عُين عميدًا للجامعة الزيتونية عام 1956م.
المشروع الإصلاحي والرؤية التربوية:
ارتكز المشروع الإصلاحي لابن عاشور على رؤية عميقة لأسباب تدهور التعليم الإسلامي، والتي حصرها في فساد المعلم، وفساد التأليف، وفساد النظام العام. وسعى من خلال مناصبه إلى معالجة هذه الاختلالات عبر إدخال العلوم الحديثة كالرياضيات والطبيعة في مناهج الزيتونة، واستبدال الكتب القديمة بمناهج تنمي الملكات العقلية، والدعوة إلى التقليل من التلقين والإكثار من التطبيق لتنمية الفهم لدى الطلاب. كما اهتم بإحياء علوم اللغة العربية وآدابها، فدرس بنفسه شرح ديوان الحماسة، وسعى لتوحيد الرؤية بين تياري الأصالة والمعاصرة، مدونًا أفكاره الإصلاحية في كتابه الشهير "أليس الصبح بقريب". وقد أثمرت جهوده في فترته الثانية بمشيخة الزيتونة عن زيادة عدد المعاهد والطلاب وتطوير البيئة التعليمية بشكل ملحوظ.
الآثار العلمية والمؤلفات:
أثرى الشيخ المكتبة العربية والإسلامية بإنتاج علمي غزير ومتنوع، غطى مجالات التفسير والفقه والمقاصد واللغة والأدب. ويأتي في مقدمة أعماله تفسيره العظيم "التحرير والتنوير"، وكتابه الفذ "مقاصد الشريعة الإسلامية" الذي أحيا به علم المقاصد، وكتاب "أصول النظام الاجتماعي في الإسلام". كما ترك تحقيقات ودراسات أدبية ولغوية هامة، منها "أصول الإنشاء والخطابة"، و"موجز البلاغة"، وشروحات لدواوين الشعراء العرب مثل النابغة الذبياني وبشار بن برد، بالإضافة إلى تحقيقاته في الحديث الشريف مثل "كشف المغطى من المعاني والألفاظ الواقعة في الموطأ". ولم يقتصر نشاطه على التأليف، بل ساهم في تأسيس المجلات العلمية مثل "السعادة العظمى"، وكتب في مجلات "المنار" المصرية، و"الزيتونية"، وصحف مثل "النهضة" و"الزهرة"، وكان عضوًا فاعلًا في مجمع اللغة العربية بالقاهرة والمجمع العلمي العربي بدمشق.
وفاته:
اختتم الشيخ ابن عاشور حياته بموقف مبدئي صلب، حيث أُحيل إلى التقاعد من منصبه مفتيًا لتونس عام 1960م؛ بسبب رفضه الانخراط في الحملة الداعية للإفطار في رمضان والتي تزعمها الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة، مستمسكًا علانية بثوابت الدين متخليًا بموقفه القوي هذا عن بريق المناصب.
توفي رحمه الله في 13 رجب 1393هـ الموافق 12 أغسطس 1973م، ودُفن بمقبرة الجلاز، بعد عمر مديد ناهز المائة عام كرسه لخدمة العلم والدين، تاركًا إرثًا فكريًا وحضاريًا عظيمًا وصفه العلماء بأنه ذخيره لا تقدر بثمن؛ حيث قال عنه الشيخ محمد البشير الإبراهيمي: "إنه إمام في العلميات لا ينازع في إمامته أحد"، ووصفه الشيخ محمد الغزالي بأنه "رجل القرآن وإمام الثقافة الإسلامية".
المصدر:
- محمد الطاهر بن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية. تقديم: حاتم بوسمة. سلسلة في الفكر النهضوي الإسلامي. القاهرة: دار الكتاب المصري؛ بيروت: دار الكتاب اللبناني، 2011.