اللّقاءَ بين الفكرْ الإسلامي والفِكر الغرْبي

By أ. محمّد المبارك كانون2/يناير 28, 2024 1660 0

اللّقاءَ بين الفكرْ الإسلامي والفِكر الغرْبي*

أ. محمّد المبارك**

 

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

أما بعد فإن اللقاء بين الفكر الإسلامي والفكر الغربي قاعدة انطلاق لجميع القضايا التي نبحثها، سـواء في الاقتصاد الإسلامي، أم الدولة الإسلامية، أم الإسلام والعلم.

هناك تأثير متبادل بين الفكرين، ولكن هذا التبادل في الواقع هو غزو فكري من الفكر الغربي للفكر الإسلامي والنتائج التي تتولد عن هذا اللقاء، وهذا الغزو خطير جدًا، ونحن في حيرة. أين نفتش عن الحقيقة؟

هل نبحث عنها في الفكر الإسلامي المنطلق من الوحي أم في الفكر الغربي المنطلق من الواقع والتفكيـر العقـلي وبالتالي العلمي؟

المثقفون يضعون هذه المشكلة أمامهم، لذلك يجب أن نعرف بالنسبة للفكرين طريق كل منهما في التحري للوصول إلى الحقيقة حتى نستطيع أن نحكم بتجرد، ونقنع غيرنا ممن لا يدين بعقيدتنا الدينية.

بعض المفكرين يريدون إخضاع الفكر الإسلامي حتى في قسمه الموحى به، أعني القرآن الكريم لمقاييـس الفكر الغربي، واعتبار الطريق الغربي وحده طريق الوصول إلى الحقيقة.

نسأل هؤلاء المفكرين الذين يريدون أن يخضع القرآن والإسلام للمنهج الغربي، أي منهج غربي يعنون؟ فمنذ خمسين سنة كان فريق كبير من الناس يعتبرون ماركس والجدلية المادية أمرًا قاطعًا نهائيًا لا يقبل الجـدل، ويؤمنون به إیمان المسلمين بالقرآن الكريم، والنصارى بالإنجيل، والآن نرى أن هذه القاعدة اهتزت وتزعزعت، وصار الماركسيون يخضعون ماركس للنقد، ويضعونه في اطاره التاريخي، وكثير منهم يعتبر الإلحـاد عـنـد ماركس موجة عارضة.

والموقف العلمي الحديث قد تغير، فبأي مقياس يريد أبناء المسلمين الذين يريدون نقد الإسلام بالفكر الغربي أن يمتحنوه؟ أبمقيـاس القـرن الثامن عشـر، أم التاسع عشـر، أم العشرين؟ لقد تطور الفكر الغربي وتطورت معه مقاييسه، وتطورت أيضًا فلسفة المعرفة (ابستمولوجی) وتطورت الماركسية، وتطورت الليبرالية، وتطورت الديمقراطية، وهم لا ينقدون الفكر الغربي لا داخليًا ولا خارجيًا.

أما الفكر العربي فقد نقد نفسه وصار أهـل كـل مـذهب ينقدونه من داخله، ويضعونه تحت البحث، ولا شك أنكم رأيتم كتاب رئيس الجمهورية الفرنسية السيد جیسکار دیستان الذي عنوانه: "الديمقراطية الفرنسية"، وفيه ينتقد الديمقراطية، ورأيتم الاستاذ روجيه غارودي، ومن قبله السيد هنري دومان البلجيكي وهما ماركسيان، كيف ينتقدان أسس الماركسية، أما أبناء المسلمين فإنهم لا ينظرون إلى نقد الفكر الغربي لنفسه ويأخذونه كأمور مسلم بها كأنه تنزيل من عزيز رحيم.

والشيء الآخر هو أنه لا ينبغي لنا، ولو لم ينتقد الغربيون فكرهم من الداخل أن نقبله على علاته، بل يجب أن نقف نحن منهم موقف الناقد، ننقد مذاهبهم من الخارج، لا موقف التابع الخاضع كأنه يعبد الفكر الغربي ويصطبغ بصبغته تمامًا، ويريد -من هـذا المـوقف- وضع الإسلام والقرآن تحت النقد.

ما هي طريقة الإسلام في التفكير؟

لنفرق جميعًا بين الفكر المنبثق من القرآن والسنـة مباشرة، وبين فكر المسلمين كالغزالي وابن سينا وأبى حنيفة، هذا الفكر الإسلامي المتولد أو المتأثر بالإسـلام قرآنًا وسنة هو فكر المسلمين خلال العصور وهو فكر يتطور أيضًا، ونحن اليـوم نتقيـد بالإسلام، ولكننـا نستطيع أن نستنتج تفكيرًا يختلف عن الغزالي وابـن سينا والفارابي.

أما المنهج القرآني في التفكير، والسنة تابعة للقرآن، فهو ينطلق من أن القرآن الكريم كتاب موحي به، وينطلق من العقل لنثبت لأنفسنا ولأولادنا ولغيرنا أن القرآن من الله، من وحي الله، فنقطة الانطلاق هي العقل، حين نزلت الآيات على نبينا عليه الصلاة والسلام (وهـذا اعتقادنا نحن المسلمين ولا نلزم به غيرنا) دعاهم بالحجاج والمناقشة للإيمان: (أم خلقوا من غيـر شـيء أم هـم الخالقون؟) (أفرأيتم ما تحرثون؟ أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون)؟ طرح عليهم أسئلة، وناقشهم شخصيًا. فنقطة الانطلاق كانت العقل قبل الإيمان بنبوته، وبأن القرآن من وحى الله.

كان السلف يقولون: إيمان المقلد غير مقبول؛ أي لا بد من إیمان مبني على القناعة الشخصية، إذا ولدت من أب مسلم ونشأت وقلدت أباك فهذا لا يكفي، لا بد وأن يكون لديك دليل على صحة القرآن والإسلام ووجود الله، هذه النقطة هامة والبحث يستـحـق التكمـيـل والتوسيع من لدن الباحثين المسلمين.

فالنقطة الأولى هي العقل، وبالعقل وأدلته نثبت أن القرآن وحي، ونثبت بالتالي نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

وبعد أن نصل إلى أن القرآن كتاب منزل موحى به إلى محمد صلى الله عليه وسلم نبحث بعد ذلك عن الطريقة التي يدعونا إليها القرآن الكريم للوصول إلى الحقائق.

القرآن الكريم يقسم الوجود إلى عالمين: عالم الشهادة وعالم الغيب استعمل القرآن كلمة (الغيب) وكلمـة (الشهادة) ولم يستعمل (عالَم الغيب والشهادة) بل استعمل (عالِم الغيب والشهادة) صفة لله سبحانه الذي يعلم الغيب ويعلم الشهادة، ولنصطلح في طريقة تفكيرنا أن نسمي هذين العالمين بهذين الاسمين.

إن كلمة (الشهادة) رائعة جدًا؛ لأنها تجمع كل الحواس: السمع والبصر .. حتى ولو اكتشفت حاسة سادسة فإنها تدخل في هذه الكلمة، وعالم الشهادة يحتوي على العالم وعلى طريقة الوصول إلى معرفته، والإنسان حينئذ شاهد بمعنى (حاضر) وشاهـد بمعنى (يرى) وبمعنى (يحس).

أما عالم الغيب فهو عالم مغيب عنا لا نشهده.

ما موقف القرآن في الوصول إلى حقائـق عـالـم الشهادة؟ هل نستنبط من القرآن الكريم طريقة يـدل عليها؟

هل يقدم لنا القرآن حقائق الكيمياء والفيزياء والفلك ويعرضها علينا، أم يدلنا على طريقة نحـن نسلكهـا ونمارسها لنصل إلى حقائق عالم الشهادة؟

لقد حاولت مرارًا أن أجمع الآيات المتعلقة بالطبيـعـة والكون والوجود والشمس والقمر والأرض والجـبـال والرياح والسحاب والنبات والأنعام الدواب (الخيل والبغال والحمير...)، وكل ما يتصل بأجزاء الطبيعة أو بحوادثها. إن القرآن مليء بها بشكل عجيب لا نظير له في التوراة والإنجيل، وهذا بحث يحتاج إلى الدراسة الموسعة؛ لأن المفردات المتعلقة بالكون كثيرة جدًا ومتكررة تشـمـل الأشياء الصغيرة كالذرة والهباء، والكبيرة كالسماوات والأرض وما بينهما، والقرآن يلح عليهـا ويطلـب إلى الإنسان النظر إليها وملاحظتها، وأكثر الآيات في هذا الموضوع تبدأ أو تنتهي بالألفاظ التالية: (أفلا ينظرون؟) (أو لم ينظروا؟) (أو لم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز؟) (انظروا إلى ثمره إذا أثمر) فهو يستعمل كلمات تشير إلى السمع والبصر أي إلى الحواس وكلمات تشير إلى التفكير (يتفكرون، يعلمون، يعقلون، يفقهون، وأولو الألباب...)، وكلها دالة على العقل والعلم، فالقرآن بدلاً أن يعطينا حقائق الكيمياء والفيزياء يدلنا على الطريقة الموصلة لها بحواسنا وتفكيرنا.

غير صحيح إذن ما يقوله بعض العلماء والمشايخ أن الفيزياء والكيمياء والفلك تستنبط من القرآن مباشرة، فالقرآن أحالنا في ذلك على حواسنا وعلى عقولنا، وقد أيد هذا الحديث الشريف فالحديث يأتي دائمًا مبينًا للقرآن الكريم (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون).

والحديث فيه الحديث الصحيح وهو موجود في صحيح مسلم والبخاري وغيرهما.

وفي الحديث (أن الرسول صلى الله عليه وسلم مر على قوم يلقحون النخل فقال: ما تصنعون؟ فقالوا: نؤبر النخل حتى يثمر، فقال: لو تركتموه، فتركوه فـلـم يثمر، فرجعوا إليه فقالـوا: إنـه خرج شیصًا) (أي لا يؤكل) فقال: إنما هو ظن ظننته وليس وحيًا، وأن الظن يخطئ ويصيب) هذا الحديث اعتبره مغيرًا لاتجاه الإنسانية كلها. لم يسبق له دين من الأديان، فالله سبحانه حکیم خبير يراعي تطور البشر وهو خـالقنا، وبمجيء الإسلام بلغ العقل سن الرشد، لذلك أعـلـن مبدأ أعظم من مبادئ حقوق الإنسان، وهو أن معـرفة حقائق الكون حقائق عالم الشهادة راجعة إلى تفكير الإنسان وعقله وليس مرجعه الوحي والنبوة ولم يسبق في تاريخ الفلسفة وتاريخ العلوم أن أبرز هـذا الأمر هذا المبدأ الإسلامي إبرازًا كافيًا.

وهناك حديث آخر ورد في صحيح البخاري وصحيح مسلم معناه أن "الله أنزل لكل داء دواء فإذا أصاب الداء الدواء برأ بإذن الله"، فكأن هذا الحديث يخاطب الناس ويقول لهم: فتشوا أنتم عن الدواء، فإذا كـان هـنـاك مليون أو عشرة ملايين مرض فهناك مليون أو عـشـرة ملايين دواء، هذا من خلق الله وهذا من خلق الله.

والأحاديث كثيرة في هذا الموضوع منها حديث المكان الذي اختاره عليه الصلاة والسلام في غزوة بدر، فقال له أحد الصحابة (بعبارة مهذبة طبعًا): هذا وحي أم هذا رأيك؟ فقال: هذا ليس وحيًا، فقال له الصحابي: إذن أنا أقول رأيًا آخر في هذا الموضـوع الدنـيـوي العسكري. يفكر الرسول عليه الصلاة والسلام بصفته البشرية، وسمح لصحابته أن يتفكروا بصفتهم البشرية، ولو خالفوا رأيه، فلما أشار الصحابي إلى أن الموقع غير مناسب وافق الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك.

إذن: عالم الشهادة نصل إلى حقائقـه عـن طـريـق الحواس، وطريق التفكير، أما الفلسفة اليونانية فتعتمد التأمل.

الجانب الآخر هو عالم الغيب، هناك أمور أخرى غير عالم الشهادة جعل القرآن الكريم معرفتها عن طريق الوحي (الذي أثبتناه بالعقل).

إن الحياة الأخرى بعد هذه الحياة والروح من الأمور التي لا يمكن للعقل ولا للمخبر الكيمياوي ولا الفيزيائي ولا المرصد الفلكي تحليلها والوقوع على سرها، ويروى عن رئيس مخبر في الاتحاد السوفياتي أنه قال: بعد التجارب والبحوث الكثيرة أيقنا أن العلم لا يمكن له أن يصل إلى معرفة سبب الحياة.

هل هناك مخلوقات لا ترى ولا توضع تحت المجهـر (كالملائكة)؟ إن النفي غير ممكن هنا، والعلم لا يستطيع الإثبات، والأمر راجع للغيب.

هناك عنصر آخر قلما يذكره الناس في مجال البحث، وهو القيم المطلقة في الحياة والخير والشر، بعض علماء الاجتماع يقولون ليس هناك خير وشر، وبعضهم يقولون ليس هناك مقياس مطلق للخير والشر، وبعض الناس يقولون الزواج أفضل وبعضهم يقولون أن الزنى ليس شرًا، وقد درس هذا دورکهایم [عالم الاجتماع المعروف] محاولاً استخراج ما سماه: الظواهر السليمة الصحيحة والظواهر المرضية وبعضهم يقول: الاستبداد يولد النظام والديموقراطية المطلقة تولد الفوضى، وبعضهم يتساءل هل الأسرة الزوجية أفضل أم إلغاء الأسرة والزواج أفضل؟ إن العقول تتغير والأبحاث تتغير.

ما موقف الإسلام من كل هذا؟ جاء الإسلام بالثوابت؛ أي جاء ببعض الأمور في حياة الإنسان وثبتها وقـال: هذا خير بشكل نهائي، وهذا شر بشكل نهائي، فالزنى شر نهائيًا، وتكوين الأسرة خير نهائيًا، وقد ثبت الإسلام مبدأ الشورى (وأمرهم شورى بينهم) بشكل نهائي وأعلن أن الاستبداد لا يكون خيرًا أبدًا، كما ثبت أمورًا في حياة الفرد، فالخمر شر نهائيًا والخنزير شر نهائيًا.

قد يقال أن شرب الخمر وأكل لحم الخنزير من عالم الشهادة، والجواب أن هناك بعض نقاط وأجزاء من عالم الشهادة حكم عليها الوحي بأنها خير أو شر.

نستطيع أن نقول بعد كل هذا أن المنهج القـرآني بالنسبة إلى العالم الفيزيائي أو عالـم الشهادة هو: الإنسان - الكـون - الله. أي عـلى الإنسان أن يعـرف الكـون ويتفكر في خلقـه للـوصـول إلى معرفة الله. ونقطة انطلاق الإنسان هي الواقع لا التفكير الفلسفي المجرد. قال تعالى في كتابه العزيز: (وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون؟) وقال تعالى: (سنريهم آياتنا في الأفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق) وبهذه الطريقة وصل إبراهيم عليه السلام إلى اليقين بوجود الله: (وكذلك نرى إبراهيم ملكـوت السماوات والارض وليكون من الموقنين، فلما جن علـيـه الليل رأى كوكبًا قال هذا ربي فلما أفـل قـال لا أحب الآفلين فلما رأى القمر بازغًا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين فلمـا رأى الشمس بازغةً قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال یاقوم إني بريءٌ مما تشركون إني وجهت وجهي الذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين).

والتفكير بالكون ليس تفكيرًا عابرًا، بل يثير في ذهننا فكرة السببية داخل الكون: (الله الذي يـرسـل الرياح فتثير سحابًا فيبسطه في السماء كيف يشاء فيجعله كسفًا فترى الودق يخرج من خلاله). والمهم جـدًا هـو الفصل بين عالم الغيب والشهادة، فليس هناك تداخل.

وموقف الفكر الغربي من عالم الغيب (ميتافيزيقا) هو أن يحذفه مطلقًا، فهو عالم لا وجـود لـه. والنفي علميًا غير مقبول فلو قال «محتمل» بدلاً من "مستحيل" لكان أقرب للحقيقة. أن الميكروب والفيروس وأشباهها ما كان يراها أحد قبل مائة عام، وما كان يقبل بوجودها عقل العلماء وكان هذا الموقف غير صحيح. فالفكر الغربي يتطور ولا يقف عند حقيقة. أمـا الإسلام فعنده منهـج آخر، عنده عالم آخر، عالم القيم المطلقة، عالم الغيب يصل إليه عن طريق الوحي والنبوة. وقد وصلنا إلى الوحي والنبوة في الأصل عن طريق العقل. لكني ما استعرضت وسائل الإثبات العقلي لأن البحث يطول، لكني أرشدتكم إلى بعض المصادر.

يقول ماركس هناك جدلية، أي هناك قضية، وقضية مناقضة لها، وتركيب يجمع بينهما. ولكن من فرض على الكون قانون الجدلية؟ ومن فرض على الأجسام قانون الجاذبية؟ ليس للكون هو نفسه إرادة، فمـن فـرض عليه قوانینه؟ هل يمكن أن يكون الشيء نفسه فـاعـلاً ومنفعلاً في الوقت نفسه؟ (أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون)؟

(خلقوا من غیر شيء) مستحيل.

(هم الخالقون). عندما خلقوا أنفسهم أین کانوا. إذا كانوا معدومين فكيف يخلقون، وإذا كانوا موجودين فنحن نبحث عمن أوجدهم.

الإنسان وهو أعظم الموجودات، فهل استطاع حتى الآن أن يخلق ذرة تراب؟ الكيماوي يحلـل الأجسام ويعيـد تركيبها لكنه لا يخلق من العدم.

وإذا قلنا بأن قانون صراع الاضداد فرض على الكون، فهل فرض هذا القانون نفسه؟ هل القانون هو نفسـه إرادة وعقل؟ لا، هو علاقة والعلاقة لا تفرض نفسـهـا بنفسها. المشكلة مطروحة في القرآن الكريم كما سبق أن أشرنا إليه في فكرة السببية (الله الـذي يـرسـل الرياح فتثير سحابًا فيبسطه في السماء)... فالمشكلة تبدأ بالله سبحانه وتعالى وتنتهى بالله وبينهما سلسلة واقعية عقلية علمية طبيعية تمامًا.

أكتفى بهذا المقدار لأقول أن هذه الموضوعات في رأيي ينبغي أن تهتموا بها جدًا، وتثيروا بين إخوانكم ورفاقكم ضرورة البحث في هذه القضايا، حتى يكون هنالك صراع على مستوى عالٍ بين الفكر الإسلامي (أعني الفكر المستنبط من القرآن والسنة) في مقابل الفكر الغربي، وحينئذ يمكن أن تكون لنا مقاييس مستقلة. وأنا لا أمانع أبدًا في ضمن هذه الحدود التي قنعنا بها أن نستفيد مـن الفكر الغربي، لأن الفكر الغربي محدود وليس هو في سعة الفكر الإسلامي. ولا ينبغي أن نحكم الفكر الغربي في ثقافتنا وتفكيرنا. يقول بعض الأساتذة الشرقيين، الذين استهواهم الفكر الغربي، أن قمة الفلسفة ماركس ونيتشه وفرويد، ويريدون أن يحكموا فلسفـة هـؤلاء الثلاثة في القرآن الكريم، ويقولون أن هذا القرآن الموحى به یتهاوی تحت مطرقة الفلسفة التي يتزعم قممها هؤلاء الثلاثة. هذه سخافة فيجب أن نجابه هذا الفكر، ونبين ضيق أفقه، وضيق مقاييسه وأن له موقعه الخاص في التاريخ، وأنه هو الآن يتهاوى تحت مطرقة التطور الإلهي الرباني. أرجوكم أن تقرؤوا بـهـذه المناسـبـة كـتـاب "الاشتراكية البناءة" -مؤلفه ماركسي- وهو يقول أن ماركسي أراد الخير ولكنه زرع الدمار في نظريته. يقول ماركس حسـب المؤلف لطبقة البروليتـاريـا، يجب أن تنـدفـعـوا لمصلحتكـم ضـد طبقة الرأسماليين وتصلوا إلى السلطة. إذن المصلحـة ثـم السلطة هذا الدافع. فإذا كان الأمر على هذا النحـو فلماذا تنتقدون الرأسماليين؟ فالرأسماليون هم أيضًا يريدون المصلحة والسلطة، فما هو المرجح لأحد الفريقين على الآخر؟ يقول مؤلف "الاشتراكية البناءة" لا بد من مرجح أخلاقي: ظلم الطبقة البروليتاريا فهي طبقة مظلومة والطبقة الرأسمالية ظالمة ولكن ماركس لا يقبل مفهوم الظلم والعدل لأن هذا يدخل في موضوع الأخلاق والأخلاق خرافة لا مكان لها في منظومته. وعليه فلا بد أن ينحدر مذهبه إلى الانتهازية (Opportunisme). هذا ما قاله مؤلف "الاشتراكية البناءة" منذ 40 سنة تقريبًا وفي ما قاله: أنا سأصحح الماركسية. لا بد من معايير أخلاقية تجعل هذا ظالمًا وهذا مظلومًا، وتجب مناصـرة المظلـوم على الظالم، وهذه المعايير الأخلاقية من حق وباطل وخير وشر وعدل وظلم، وما هو مصدرها؟

العلم لا يعطينا معايير أخلاقية، فلا بد إذن من الايمان والايمان مصدره الإله، فالماركسية لا تصل إذن إلى الايمان بالله.

أرجوكم أن يتولى بعضكم دراسة تطور الماركسية في الإلحاد والايمان. درسها من قبـل هنري دومـان في "الاشتراكية البناءة" والآن يدرسها روجيـه غـارودي وربما تجدون غيرهما كثيرين.

فلنقف موقف المستعلي بحق في الفكر الإسلامي، ونتسلط على الفكر الغربي بالنقد، وأنتـم وأمثالكـم تعرفون الفكر الغربي، وقادرون على نقـده، وعلمـاء المسلمين في بلادنا لا يستطيعون أن ينقدوا الفكر الغربي لأنهم لم يدرسوه، وكذلك فإن الذين يتصدون لانتقـاد الإسلام لا يعرفون غالبًا الفكر الإسلامي. وصدقوني أن كبار المستشرقين من النصارى بدأوا يقدرون ويتأثرون بالفكر الإسلامي أكثر من أبناء المسلميـن الملحـديـن. بالأمس كنت عند الأستاذ روجه أرنالديز وانتقد هو نفسه هؤلاء المسلمين في باريس وسماهم بأسمائهـم وقـال: الإسلام فيه قيم عظيمة لا يمكن انكارها، فيه روحانية علوية لا يمكن تجاهلها وما أقوله هو الحق.

فلنحذر الذين يقفون من الإسلام موقفًا غير صحيـح وغير منصف ولنستعد لمجابهتهم بقوة وأشكركـم عـلى الاستماع والحمد لله رب العالمين.

 

* خلاصة محاضرة منشورة بمجلة الهداية، التي يصدرها المجلس الإسلامي الأعلى بدولة تونس، في المجلد الثامن، العدد الرابع، ذو الحجة 1400ه/أكتوبر 1980م، ص48-52 (بتصرف طفيف).

** الأستاذ محمد المبارك من علماء المسلمين الذين جمعوا إلى الثقافة الإسلامية المتينة الاطلاع الواسع على ثقافة الغرب. يحاضر اليوم في جامعة الملك عبد العزيز بالمملكة العربية السعودية وفي الجامعة الأردنية. وقد زار مكتب رابطة العالم الإسلامي في باريس في شوال 1399 سبتمبر 1979 وألقى فيه محاضرة ثمينة ننشر خلاصتها.

Rate this item
(0 votes)
Last modified on السبت, 08 آذار/مارس 2025 03:51

Leave a comment

Make sure you enter all the required information, indicated by an asterisk (*). HTML code is not allowed.