هل يمكن تعزيز الحق في المواطنة في ظل المادة الثانية من الدستور

By القس/ رفعت فكري سعيد كانون2/يناير 20, 2024 1034 0

نُشرت هذه الدراسة في مجلة رواق عربي التي تصدر عن مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان ضمن العدد 45 عام 2007م، للقس رفعت فكري السعيد (راعي الكنيسة الإنجيلية بأرض شريف- شبرا مصر).

وقدم الكاتب لهذه الدراسة بخلفية تاريخية موجزة، جاء فيها ما يلي:

 خلت الوثائق الدستورية التي عرفتها مصر في بداية إطلالها على التنظيم الدستوري من أية إشارة إلى دين الدولة أو إلى الشرائع الدينية كمصدر للتشريع، وهو ما يبدو واضحًا في لائحة تأسيس مجلس شورى النواب سنة 1866م، والأمر العالي للائحة مجلس النواب الصادر في فبراير سنة ١٨٨٢م، والقانون النظامي المصري الصادر في مايو ١٨٨٣م، والقانون النظامي رقم ٢٩ لسنة ١٩١٣ المختص بالجمعية التشريعية المصرية.

والواقع أن النص في الدستور على أن الإسلام دين الدولة لم تعرفه الدساتير والوثائق القانونية في مصر إلا مع صدور دستور ١٩٢۳م؛ إذ نص في المادة (١٤٩) منه على أن الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية ثم تبنت الدساتير اللاحقة هذا النص فورد بعباراته في المادة (۱۳۸) من دستور 1930م، والمادة الثالثة من دستور 1956م، وإن كان قد جرى إغفاله في دستور الجمهورية العربية المتحدة المؤقت لعام 1958م، وفي الإعلان الدستوري الصادر في سبتمبر ١٩٦٢م، ثم عاد مرة ثانية في المادة الخامسة من دستور ١٩٦٤م، إلا أن دستور ١٩٧١م خطا خطوة أكثر إيغالاً في الربط بين القانون والدين؛ لأن السادات عقب تسلمه السلطة كان يتودد ويتقرب للجماعات الإسلامية التي اغتالته في حادث المنصة الشهير في أكتوبر من عام ١٩٨١م، وكان يبحث عن شرعية جديدة تميز نظامه عن نظام يوليو ١٩٥٢م، وتمثلت هذه الشرعية في إكساب الدولة طابعًا دينيًا فيما عرف وقتئذ بدولة العلم والإيمان وفيما لقب به الرئيس المؤمن.

لم تكتف المادة الثانية من الدستور بأن الإسلام دين الدولة كما كان الحال في الدساتير السابقة، بل اعتبرت الشريعة الإسلامية مصدرًا رئيسًا للتشريع، وفي حقيقة الأمر كانت هذه أول مرة في التاريخ القانوني المصري الحديث يكتسب الربط بين النظام القانوني والشريعة طابعًا دستوريًا منذ العدول عن اعتبار فقه الشريعة هو النظام القانوني الحاكم والأخذ بنظام التقنيات الحديثة سنة 1883م بعد أن أُدخلت هذه المادة إلى الدستور المصري لأول مرة في دستور ١٩٧١م، وعُدلت في 22/5/١٩٨٠م لتصبح الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع بدلاً من كونها مجرد مصدر رئيس دون أداة التعريف، وجرى مع هذا التعديل في سلة واحدة تعديل آخر للمادة 77 من الدستور بإطلاق مدد ولاية رئيس الجمهورية دون حد أقصى بعد أن كانت مدتين على الأكثر، أي ١٢ عامًا.

كان الرئيس السادات قد قارب هذا الحد الأقصى (۱۱ عامًا)، أي أن المادة الثانية بنصها الحالي هي بمثابة صفقة أو رشوة تبادلية لتمرير مواد أخرى تخدم أغراض الحكام وليس مقاصد الشريعة، وهكذا صوت المصريون وقتئذ بالموافقة على أن تكون الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع مثلما صوتوا بالموافقة على أن يكون رئيسهم رئيسًا إلى الأبد.

وهذا النص الدستوري يحتاج منا إلى إعادة قراءة بروح متأنية وبمزيد من التعقل لخير الأجيال المقبلة من أبناء هذا الوطن، فمصر دولة متعددة الديانات والمذاهب والأعراق، فالعرق اليافثي - نسبة إلى يافث ابن نوح – موجود منذ فجر التاريخ، وكذلك العرق السامي - نسبة إلى سام ابن نوح - الذي جاء مع القادمين من بلاد العرب وقت دخول الإسلام، كما أن مصر تنتمي أساسًا إلى «مصرايم» بن حام بن نوح، وهكذا فأصل المصريين جميعًا يرجع إلى هذا العرق «الحامي».

وأما من ناحية الديانات فإن الديانات الثلاث الرئيسة قد احتضنت بعضها بعضًا وتعانقت على أرض الكنانة، بعد أن أفسحت الديانات الفرعونية القديمة المكان لها، وظلت الثقافات المنبعثة عن هذه الديانات متألقة، الأمر الذي يشاهد اليوم في عادات المصريين، والتي منها ما هو فرعوني الأصل، ومنها ما هو مسيحي، ومنها ما هو إسلامي الطبع، فقد عاشت الحضارة القبطية لما يزيد عن ألف ومائتي عام بعد دخول المسيحية كحضارة مصر الرئيسة، ثم ما لبثت أن امتزجت مع حضارة الإسلام، ومنذ القرن السادس الميلادي حتى اليوم.

أما عن المذاهب، ففي المسيحية يوجد اليوم الإنجيليون (بمذاهبهم المتعددة) والكاثوليك والأرثوذكس، وسجل التاريخ وجودًا للإسلام الشيعي على أرض مصر في عهد الدولة الفاطمية (التي أنشأت أصلاً الجامع الأزهر معقل الإسلام السني اليوم)، ثم الإسلام السني.

وفي القطب السني ذاته لا غضاضة أن تكون حنبليًا أو مالكيًا أو شافعيًا أو حنيفيًا، فكل من هذه المذاهب المتعددة تصب في نفس الرافد، رافد الإسلام السني، مما يعني أن الساحة الوحيدة التي لا يمكن مراقبتها أو الحجر عليها هي ساحة الفكر والدين والضمير، إذ إنها ساحة مطلقة السراح، كما أن توحيد ساحة الفكر والدين لو استطعنا إلى ذلك سبيلاً، ليس حلاً فلا يزال المؤرخون حتى اليوم لا يعرفون هل كان انضمام الإمبراطور قسطنطين للمسيحية وتوحيد الإمبراطورية كلها في هذا الاتجاه لعنة أم بركة!!

وحينما قرر الفرعون «أخناتون» توحيد العبادة المصرية وإغلاق كل معبد مخالف لمذهبه وتكفير كل الديانات المغايرة تمزقت إمبراطورتيه في حياته وانكمشت مصر داخل حدودها الإقليمية!!، وحين انتهى زمن الاجتهاد بعد الخليفة العباسي «المتوكل» وسيطر الدين الواحد والقطب الواحد (الإسلام السني) سجل التاريخ تراجعًا للحضارة العربية لصالح الأتراك والألبان وغيرهم، ودخلنا نفق التخلف المظلم خلال العصور الوسطى!! هذه الأمثلة غيض من فيض، إذن التعدد بركة، ولا يجوز نصرة دين أو ثقافة بالقوة على دين آخر، فكم بالأحرى حينما يكون ذلك دستوريًا وقانونيًا؟!!).

رابط مباشر لتحميل الدراسة

Rate this item
(0 votes)
Last modified on السبت, 08 آذار/مارس 2025 03:52

Leave a comment

Make sure you enter all the required information, indicated by an asterisk (*). HTML code is not allowed.