أستاذي الفاضل طارق البشرى، أساتذتي الأجلاء الحضور. إنه لشرف عظيم أن أقف متحدثا أمامكم في هذا الحفل الكبير الذي يجمع أحباء وتلامذة المستشار الفاضل طارق البشرى، ولا أخفى عليكم أن وقوفي اليوم للتحدث عن هذا الأستاذ الجليل هو تكريم شخصي لي، لا يعادله تكريم آخر، ومهمة سررت بها في البداية ولكن تهيبتها بعد ذلك وقلت في نفسي: إن العمالقة لا يتحدث عنهم إلا العمالقة، فهم القادرون على إبراز عظيم صفاتهم والحكم على مواقفهم، واستخلاص الدروس والعظات من مسيرتهم. وبهذا المفهوم ما كان لي أن أتحدث عن طارق البشرى قاضيًا، وكان ينبغي أن أترك هذه المهمة لغيري من شيوخ القضاة، فهم الجديرون بها والمستحقون لها.
ولكني قلت في نفسي بعد ذلك، إن أكثر ما يسعد المرء في حياته أن يرى من الأجيال التالية نفر كثير قد تأثروا بفكره ومنهاجه، ويسعون لأن يكونوا امتدادًا له. ومن هنا سعيت إلى هذا الاختيار لأقول من خلالكم: إن طارق البشرى قد ترك بصمته على كل عضو من أعضاء مجلس الدولة؛ بأخلاقه وعلمه وفكره، كما أنه سوف يترك بصمة على الأجيال المتعاقبة التي سوف تسلك سلك العمل القضائي. فمن يعاصره سيقرأ أحكامه وفتاواه ليدرك أنه كان في مصر قضاة عظام.
لا أقف اليوم بينكم لتقدير أعمال المستشار طارق البشرى كقاض، فلن أبلغ هذا المقام ولكني أتحدث اليوم إليكم كقاض لأقول لكم ماذا تعلمنا من شيخ القضاة طارق البشرى. وأُسارع بالقول إن طارق البشرى هو نموذج القاضي الإداري في مصر، بخلقه وعلمه وفكره وثقافته، وقد يقول قائل إن هذه صفات يلزم توافرها في كل قاض، وهذا صحيح ولكنه بالنسبة للقاضي الإداري ضرورة لا غنى عنها، والذي علمنا ذلك طارق البشرى، دون أن ينطق به صراحة. فالقاضي الإداري يتعين بطبيعته أن ينظر في المسائل التي تعرض عليه بعلم واسع، وأن يكون عالما بالأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ لأنه في كل النزاعات القضائية والمسائل المعروضة يوازن بين المصلحة العامة والمصلحة الفردية، ولا يقضى في حكم إلا إذا كان قادرًا بفكره وعلمه وخلفيته الثقافية على إجراء هذه الموازنة.
ماذا تعلمنا -نحن القضاة- من طارق البشرى؟
تعلمنا منه الأخلاقيات، ونهلنا من علمه ومنهاجه وأسلوبه في القضاء. أما أخلاقياته فسأختار منها اثنتين أساسيتين الكل يعرفها عنه، الأولى هي التواضع، والبعض لا فضل له في أن يكون متواضعا؛ فإمكاناته لا تسمح له إلا أن يكون متواضعا، فحينما يقال عن مصطفى حنفي أنه متواضع؛ فهذا أمر صحيح وبديهي، لأن إمكانياته لا تسمح له إلا بذلك، أما أن يكون متواضعا كطارق البشرى في خلقه وكرمه فهذا أمر آخر، فلم أسمع يوما أنه قد سفّه رأيًا أو نال من رأى، أو لم يستمع لرأى مهما كان تافهًا. وليس كل القضاء على هذه الشاكلة.
وأستطيع أن أقول من معاشرتي للقضاة إن كشف الأقدمية يجعل القاضي يستمع إلى كل من تحته -في الأقدمية- يستمع لرأيه بتحفظ شديد. أما الذين فوقه فيسمع لهم. المستشار طارق البشرى لم يكن كذلك، أصغر رأى كان يسمعه؛ بل بالعكس كان هذا الرأي الذي يبدو أنه مرجوح يستفيد منه في الحكم، يرد عليه ويطمئن صاحبه إلى أنه قرأ كل كلمة، ويرد على كل حكم.
الأمر الثاني هو شجاعته، ومهما قيل في هذا فلن نوفيه حقه، هذه الشجاعة تتمثل في أنه يقول رأيه في الوقت المناسب؛ بصرف النظر عن الظروف التي يقابلها، فهناك كثير من الناس ومن القضاة يحتجون بالظروف غير المناسبة والقول بالانحناء للعاصفة حتى تمر.
وكلها مبررات تعنى أنهم لا يريدون قول الحق بشجاعة، ولكن المستشار طارق البشري في أحلك الظروف قال كلمة الحق، وبعدها قال كلمات وكلمات وهي شجاعة البشرى الذي يقول كلمته. وهذا قاض ننظر إليه ونتخذه قدوة في مجلس الدولة.
القضاء عند طارق البشرى هو رسالة، وهذا الذي يميزه عن بقية القضاة؛ إنه رسالة يتهيأ لها بالعلم والفكر والقراءة والدراسة الموضوعية. هو لا يعتبر العمل وظيفة، أو وجاهة اجتماعية، فالرجل لم ينل من هذه الوظيفة أية وجاهة، وإنما نالها من علمه وقدره وأحكامه وآرائه. ولذلك قلما نجد المتقاضين والمحامين يطمئنون لرجل جلس على كرسي القضاء مثل اطمئنانهم لطارق البشرى، سواء حكم له أو عليه. كنا نشعر أن الناس تطمئن إلى حكمه، ولا أخفى عليكم القول أنني عملت في ذات الدائرة التي عمل بها طارق بك البشرى، ولم أعمل معه ولكني عملت في هذه الدائرة بعد أن تركها لرئاسة الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع، وكانت هناك خشية من المتقاضين والمحامين ألا نكون على ذات المستوى، كنت أشعر ذلك لديهم، وكانوا يحرصون على أن نثبت في مرافعتهم قولهم لنا كلكم طارق البشرى.
طارق البشرى ينظر للقضاء على أنه وسيلة لتغيير المجتمع لما هو أفضل، فهو صاحب فكر وصاحب منهاج، ويرى أن القضاء هو الوسيلة الشرعية لإحداث تغيير في المجتمع من الناحية السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ولذلك ولد طارق البشرى ليكون قاضيًا إداريًا، لأن هذا هو المجال الذي يمكنه أن يحدث فيه هذا التغيير ويؤتي فيه أكله وأثره وثماره.
بعد ذلك هناك أسلوب طارق البشرى، ولا أتكلم عن أسلوبه في أحكام فتمكّنه من اللغة العربية وجزالة عباراته ودقته كل هذا يستحق أن يفرض له بحث مستقل. الأمر الأخير هو عن تميز قضاء البشرى عن غيره "هو البشري في أحكامه"، فقد كنا كدارسي حقوق نتشدق بالرجوع للمراجع الفرنسية؛ خاصة في القضاء الإداري على أساس أن هذا يعطيك تميزًا، طارق البشري عدَّل هذا في نفوس الشباب، وشباب مجلس الدولة بصفة خاصة، وطالبهم -وطبق على نفسه- بالرجوع في كل قاعدة إلى قواعد الفقه، فكل قاعدة كان يرجعها لأصل فقهى، وهذه هي العظمة والقوة، وهذا العمل الجليل ستحفظه مصر لطارق البشرى وسيحفظه القضاء للبشرى.
والناس عندما تتحدث تقول إنها متفائلة ولا أعرف السبب، وأنا بطبعي متشائم، ومن هذا المنطلق التشاؤمي أقول إن القضاء في مصر بعد طارق البشرى لن يكون خيرًا مثلما كان أيام طارق البشرى، وشكرا لكم.
تعقيب المستشار/ سالم عبد الهادي
في اعتقادي أن المفروض أن نجلس ونسمع أستاذنا ومعلمنا طارق بك البشرى، فهو المعلم لحوارييه، ومهما تكلمنا عن علمه وخلقه وأدبه فلن نصل إلى نقطة في بحر، فقد زاده الله بسطة في العلم والجسم، فأنى لي أن أتحدث عنه، فأستاذنا طارق البشرى هو قاض بمعنى الكلمة؛ سواء في عمله في كتبه، في السياسة أو في غيرها، هو ينظر للمجتمع دائمًا بعين القاضي، وفي كل ما كتب عن مصر، وحينما تحدث عن الأقباط والمسلمين تحدث بعين القاضي، وحينما تحدث عن الشخصيات المصرية التي أثرت في تاريخ مصر، عن ثورة ١٩١٩، عن ثورة ١٩٥٢ لم يظلم أحدا أيا كان موقعه منه. طارق البشرى تعلمنا منه الكثير، وكما قال زميلي مصطفى فأعتقد أنه لا يمكن أن نوفيه من حقه نقطة.
وأنا لا أجرؤ أن أمتدح أو أقيم عمل أستاذ سوف يظل -للأبد- ننهل من علمه ونسير على منواله إن شاء الله. وإن ترك أستاذنا طارق البشرى القضاء فهو بعلمه منبع ومنهل تنهل منه جميعًا إن شاء الله. وكما قال زميلنا مصطفى إن لطارق البشرى أثره في أحكامه، فلأول مرة بعد أحكام الأربعينيات وجدنا أن أصول الفقه تظهر آثارها في أحكام مجلس الدولة في القضاء الإداري، وفي فتاوى الجمعية العمومية، وننوه في الوقت الحالي بالفتوى الخاصة بنقل الأعضاء، والذي يجب قراءة أصول الفقه حتى نتعلم من هذه الفتوى.
طارق البشرى أكبر من أن يتحدث عنه أحد، أو أن أجرؤ أن أقول ماذا علمنا، لقد تعلمنا الروح الخفيفة، والأصالة، والتواضع، وسعة الصدر، علمنا منه متى يقول كلمة الحق، وإلى من توجه. هذا الرجل صعب أن أوفّيه حقه.
لتحميل ملف الكلمة (هنا)
* كلمة ألقيت في الندوة العلمية الأهلية للاحتفاء بالمستشار طارق البشرى، بمناسبة انتهاء ولايته القضائية بمجلس الدولة المصري انتهاء ولايته القضائية بمجلس الدولة المصري، في ربيع الأول ١٤١٩هـ - ٣٠ من يونيو ۱۹۹۸م. وقد انعقدت هذه الندوة بالقاهرة في يوم الخميس ٦ من ربيع الثاني ١٤١٩هـ - ٣٠ من يونيو ۱۹۹۸م، ونشرت الكلمات والبحوث التي ألقيت في تلك الندوة في كتاب: طارق البشرى القاضي المفكر، تحرير وتقديم: د. إبراهيم البيومي غانم، (القاهرة: دار الشروق، 1420هـ/ 1999م)، ص218- 221.
** نائب رئيس مجلس الدولة.