نظرية الارتفاق عند شاه ولي الله الدهلوي

By أ. د. أحمد علي سالم* تشرين2/نوفمبر 16, 2025 799 0

عاش شاه ولي الله الدهلوي في الهند بين عامي 1704 و1763م، وتأثرت أفكاره بالظروف الاجتماعية والسياسية التي مررت بها إمبراطورية المغول في الهند في تلك الفترة. فحاول من خلال نظريته عن الارتفاق، أي التدابير النافعة، معالجة مشاكل الدولة والمجتمع. فكان مثالًا على استجابة المصلح المجدد لقضايا أمته بالجمع بين الوحي والعقل واستقراء الواقع.

 

ظروف الهند السياسية والاجتماعية والدينية في القرن الثامن عشر

بحلول منتصف القرن الثامن عشر، كانت إمبراطورية المغول في الهند قد تدهورت سياسيًا واجتماعيًا بسبب أعدائها وحكامها على حد سواء. فبعد أن بلغت الإمبراطورية أقصى اتساع لها وذروة مجدها في عهد الإمبراطور أورنجزيب (1069-1118ه/ 1659-1707م)،[1] فقدت معظم أراضيها بعد وفاته بفترة وجيزة، حين تقاتل أبناؤه فيما بينهم، مما أعطى أعداء الإمبراطورية في الداخل والخارج فرصة ذهبية لاحتلال أراضيها شيئًا فشيئًا. فهيمن المراثيون الهندوس على إقليم الدكن وأجبروا الإمبراطور محمد شاه (1131-1161ه/ 1719-1748م) على التخلي عن أقاليم مالوا وغوجارات وأوريسا. كما برز السيخ كقوة لا يستهان بها، وسعوا إلى بناء دولة مستقلة في البنجاب. وأنشأ الروهيلا قيادات مستقلة. ووقعت الحرب بين الإمبراطور ورئيس أركانه، نظام الملك، واشتركت فيها قوى غير مسلمة.[2]

وتعرضت الإمبراطورية لعدة هزائم من أعدائها في الخارج. فهُزمت عام 1151هـ/1738م أمام جيش نادر شاه الفارسي الذي نهب عاصمة الأمبراطورية دلهي لعدة أيام ارتكب خلالها فظائع بحق سكانها.[3] ثم هُزمت الإمبراطورية أمام جيش أحمد الداراني الأفغاني عام 1161هـ/1748م ثم عام 1170هـ/1757م. وخلال الغزو الأفغاني الثاني للهند احتُلت دلهي وضُم إقليم البنجاب إلى أفغانستان.[4] وفي العام نفسه (1170هـ/1757م) هُزمت الإمبراطورية أمام جيش شركة الهند الشرقية البريطانية الذي هزمها مرة أخرى عام 1178هـ/1764م. وبعد الهزيمة الثانية استسلم الإمبراطور لبريطانيا ووقع معها معاهدة أصبحت الشركة بموجبها وصيةً على المصالح البريطانية في الهند.[5]

ونتيجة التكلفة الباهظة لهذه الحروب المتعاقبة تضرر اقتصاد الهند تضررًا شديدًا، كما استولت بعض الفئات –لاسيما الجنود وبعض الحرفيين– على موارد الخزينة العامة، وثبطت عزيمة الناس عن العمل نتيجة الضرائب الثقيلة وغياب الاستقرار السياسي. ولما انقسم المسلمون فيما بينهم وعجزت الدولة عن توفير الأمن الداخلي، انتهزت العصابات الهندوسية المحلية الفرصة وفرضت إتاوات وصلت إلى ثلث الإيرادات في العديد من المدن والقرى البعيدة عن سلطة الحكومة المركزية.[6] ومهّد ضعف الإمبراطورية الطريق للأجانب، وخاصة البريطانيين، لاستغلال موارد الهند الغنية ثم احتكارها.[7] ونتيجة التوزيع غير العادل للثروة والسلطة، انقسم المجتمع على أسس اجتماعية واقتصادية إلى طبقتين، هما طبقة صغيرة لكنها قوية وثرية من عائلة الإمبراطور وكبار ضباط الجيش وملاك الأراضي، وطبقة كبيرة من العمال والفلاحين والتجار.

وتخلى حكام المغول في عهد شاه ولي الله عن تقاليد أورنجزيب في الالتزام الديني، فانغمسوا في الملذات الدنيوية وأهملوا احتياجات شعوبهم. وكذلك كان جنودهم الذين فقدوا روح الجهاد، فعاشوا حياة رغيدة وانغمسوا في ممارسة المحرمات، كشرب الخمر وظلم الناس. وانقسم علماء الهند إلى فريقين، هما الصوفية، وخاصة النقشبندية، وأهل الحديث والسنة النبوية. كما انقسموا من حيث المذاهب الفقهية إلى فريقين، هما الأحناف والظاهرية. لكن الغالبية العظمى من مسلمي الهند لم تنتم لأيٍّ من هاتين الفرقتين، بل غلب عليهم الجهل وتقليد الأئمة في مناطقهم، بغض النظر عن الجماعة التي ينتمون إليها.[8]

وقد نشأ شاه ولي الله متصوفًا على نهج والده النقشبندي، لكنه سرعان ما أدرك أن طريقة ممارسة التصوف في الهند في ذلك الزمان ساهمت في تراجع الحضارة الإسلامية فيها، إذ ثبطت الناس عن الانخراط في الأنشطة الإنتاجية والإبداعية. لذلك انضم إلى مذهب أهل الحديث، ودعا علماء المسلمين، على اختلاف مذاهبهم، إلى ممارسة الاجتهاد والتوقف عن التقليد الأعمى. وكان شاه ولي الله مقتنعًا بأن الصالحين وحدهم هم القادرون على بناء مجتمع صالح. لذلك حث المسلمين على الاستفادة من المزايا الأخلاقية والفضائل الاجتماعية التي أنعم الله بها عليهم.

 

نظرية شاه ولي الله في الارتفاق

تأثرت رؤية شاه ولي الله الإصلاحية بظروف الهند في القرن الثامن عشر، لكنه حاول أيضًا تجاوز هذه الظروف لتطوير نظرية عامة للمجتمع البشري. فطرح في كتابه الشهير (حجة الله البالغة) نظريةً في الارتفاق، أي التدابير النافعة في الحياة الأسرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعلاقات الدولية. واستنبط هذه التدابير من نصوص الوحي ومقتضيات العقل وعادات الناس عبر الزمان والمكان.[9] وتنطلق هذه النظرية من الطبيعة الاجتماعية للبشر، وتقسم التدابير النافعة لهم إلى أربعة. فميز شاه ولي الله بين التدابير الصالحة للمجتمعات الجبلية والبدوية عن تلك المناسبة لأهل الحضر والقرى العامرة التي تزدحم فيها الحاجات وتكثر التجارب، فيستنبط حكماؤها سُننًا وقواعد وقوانين يتمسك بها أتباعهم جيلًا بعد جيل. وتشمل هذه التدابير تعاليم الإسلام –التي أسماها شاه ولي الله حكمًا– في الإنتاج والاستهلاك والتجارة، وتدعو المسلمين للجمع بين الأخلاق والعقلانية في تصرفاتهم الاقتصادية. ونصح شاه ولي الله الحرفيين والعمال والفلاحين -الذين يعتمد ازدهار الأمة الاقتصادي على جهودهم– بالتفاني في العمل، وشجعهم على إنفاق أقل مما يكسبون. فالادخار يُمكّنهم من مواجهة النفقات غير المتوقعة أو الكوارث المفاجئة من جهة، ومساعدة المسافرين والمحتاجين من جهة أخرى.

واعتبر شاه ولي الله إقامة المُلك ضرورة لإقامة العدل والفصل في المنازعات بين الناس، فخص السياسة بالقسمين الثالث والرابع من الارتفاقات أو التدابير النافعة. فالسياسة نشاط اجتماعي متقدم لا يمكن ممارسته إلا بعد أن يتطور المجتمع إلى دولة، أو ما نطلق عليه اليوم مجتمعًا مدنيًا بكامل قواه، لذا تناول هذا الموضوع في الأجزاء الأخيرة من مبحث الارتفاق. فدعا في القسم الثالث إلى إصلاح سياسة الممالك باتباع التقاليد التي وضعها علماء المسلمين، وأكد على الشروط الأخلاقية والتربوية التي يجب أن تتوفر في الحكام والخلفاء، والتي لو طُبّقت لما وصل الفاسدون في عصره إلى سدة الحكم. ومع ذلك، كان شاه ولي الله واقعيًا بما يكفي للإدراك صعوبة تحقق الصورة المثالية التي رسمها للإمبراطورية في وقت قريب. لذلك، خاطب الحكام ذوي السلطان ناصحًا إياهم بتقوى الله وخدمة شعوبهم على الوجه الأمثل، وحثّ ضباط الجيش والعلماء على إسداء النصائح المخلصة لهؤلاء الحكام.

وعلى النقيض من تلك الواقعية، كانت رؤية شاه ولي الله للعلاقات بين الحكام المسلمين مثالية إلى حد كبير. إذ دعا في القسم الرابع من الارتفاقات أو التدابير النافعة إلى خضوع هؤلاء الحكام لخليفة المسلمين، معتبرًا ذلك مخرجًا وحيدًا من الفوضى السياسية في شبه القارة الهندية في عصره. فاستقلال الحكام المحليين في حكم مناطقهم لا يتعارض مع طاعتهم لخليفة المسلمين في الشؤون الخارجية. ويبدو هنا تأثر شاه ولي الله بالنظام السياسي في إمبراطورية المغول في الهند، حيث تولى أباطرتها الأقوياء القيام بدور الخلافة وإن لم يحملوا هذا اللقب. لكن حديثه عن هذا الدور في ظل ضعف الإمبراطورية في زمانه بدا إشارة إلى الدولة العثمانية التي كانت أقدر على القيام بهذا الدور في العالم الإسلامي بصفة عامة. ومن اللافت للنظر تجاهل شاه ولي الله لقوى الاستعمار الأوروبي، لاسيما البريطاني، التي كانت قد عادت للانقضاض على بلاد المسلمين، بما فيها الهند، قبيل وفاته.

 

لتحميل ملف المقال

_________________________

 *  أستاذ زائر وباحث أول في قسم الدراسات السياسية والدولية بجامعة رودس في جنوب أفريقيا. تشمل اهتماماته البحثية نظريات العلاقات الدولية، والدراسات الأفريقية والشرق أوسطية، والفكر السياسي الإسلامي. له عشرات الأعمال المحكمة والمنشورة باللغتين العربية والإنجليزية.

[1] لمزيد من التفاصيل عن حكم الإمبراطور أورنجزيب، انظر: أحمد محمود الساداتي، تاريخ المسلمين في شبه القارة الهندية وحضارتهم (القاهرة: مكتبة الآداب، 1959) الجزء الثاني، ص ص 213-249.

[2] ا المرجع السابق، ص ص 260-263.

[3] محمود شاكر، التاريخ الإسلامي (بيروت: المكتب الإسلامي، 1991) الجزء الثامن، ص 426.

[4] أحمد محمود الساداتي، مرجع سابق، ص ص 267-268.

[5] أحمد السيد سليمان، تاريخ الدول الإسلامية ومعجم الأسر الحاكمة (القاهرة: دار المعارف، 1972) الجزء الثاني، ص ص 644-645.

[6] أحمد محمود الساداتي، مرجع سابق، ص ص 258-259، 262-263.

[7] لمزيد من التفاصيل عن تدخل بريطانيا وهيمنتها على السياسة والاقتصاد في الهند، انظر: محمود شاكر، مرجع سابق، ص ص 431-433.

[8] لمزيد من التفاصيل عن الأحوال الدينية في الهند في تلك الفترة، انظر: محمد إسماعيل، حركة الانطلاق الفكري وجهود الشاه ولي الله في التجديد، ترجمة: مقتدي حسن الأزهري (بناريس، الهند: الجامعة السلفية، 1977).

[9] أحمد عبد الرحيم المعروف بشاه ولي الله الدهلوي، حجة الله البالغة، تحقيق ومراجعة: السيد سابق (بيروت: دار الجيل، 2005) ص ص 82-100.

 
Rate this item
(0 votes)
Last modified on الجمعة, 28 تشرين2/نوفمبر 2025 11:43

Leave a comment

Make sure you enter all the required information, indicated by an asterisk (*). HTML code is not allowed.