موقع حوارات

موقع حوارات

من الصعب أن تكتب عن إنسان عايشته وتأثرت به فصار لك قدوة معاصرة تخللت كيانك وسكنت عقلك حتى شعرت أنه معك دائمًا حتى لو تباعدت بينكم المسافات، فرغم سفري إلى خارج مصر فإنني لم أنقطع عن الاتصال به أبدًا، ولم أزر مصر إلا وزرته في بيته أستمد منه السكينة والاطمئنان وأعرض عليه ما استجد في حياتي العلمية والعملية، فينصح بهدوئه المعتاد وبكلماته القليلة ذات المعاني الكبيرة.

بدأت علاقتي بأستاذي الدكتور جمال الدين عطية منذ ما يزيد على عشرين عامًا تقريبًا، وكان أول لقاء معه في يوم لا يمكن أن أنساه، إذ كنت أطالع جريدة (الأخبار) المصرية التي نشرت أسماء المعينين من دفعتي في مجلس الدولة المصري، حيث كان التعيين فيه هو حلمي الوظيفي الأول، ولما أفقت من صدمة عدم تعييني وفرغت من الاتصال بأصدقائي المعينين لأهنئهم، وجدت خبرًا صغيرًا في الصفحة الثانية من الجريدة عن عقد حلقة نقاشية مساء ذلك اليوم حول “تجديد الفقه الإسلامي” يحضره عدد من المفكرين والعلماء، ولم تذكر الجريدة حينها إلا اسم الجمعية التي تنظم الحلقة التي سأكتشف فيما بعد أن علمي بها وحضوري إياها كأنه إشارة من المولى لي بأن مستقبلي يبدأ من هنا وليس هناك (في مجلس الدولة).

ذهبت إلى مكان انعقاد الحلقة النقاشية فوجدت أستاذا هادئًا لم أره من قبل يتحدث حول تجديد الفقه الإسلامي، بينما فوجئت أن الحضور يكاد يقتصر على أساتذة بحجم: الدكتور توفيق الشاوي –رحمه الله، والدكتور محمد عمارة، والمستشار طارق البشري، والدكتور محمد كمال الدين إمام، والدكتور علي جمعة، والشيخ جمال قطب وغيرهم من النظراء، إلا أنا، كنت مجرد شاب صغير يشعر بالحرج لوجوده فجأة وسط هذه الكوكبة على حين غرة، بينما هم يلمحونه وكأنهم يتساءلون باستغراب: من هذا؟!

بعد نهاية اللقاء وجدتني أذهب إلى المتحدث الذي علمت أنه الدكتور جمال الدين عطية رئيس تحرير مجلة المسلم المعاصر، فجلست بين يديه أعرفه بنفسي وباهتمامي بالقضية محل النقاش، ومن حينها لم أستطع أن أفارقه أبدًا، حتى أنني تركت وظيفتي المؤقتة لأعمل معه باحثًا مساعدًا إلى أن سافر إلى مدينة “جدة” في المملكة العربية السعودية ليُشرف على معلمة زايد للقواعد الفقهية والأصولية هناك، فاكتفيت بلقائه حين يزور مصر، ثم حين أزورها بعد سفري خارجها وعودته إليها.

لماذا جمال الدين عطية؟

تأملت في هذا السؤال مليًا لأعرف بالضبط ما الذي جعل هذا العالم (بكسر اللام الثانية وبفتحها كذلك) هو محور اهتمامي واهتمام الكثيرين غيري ممن هم مشغولين بالهمِّ الإسلامي -إذا صح التعبير- فكانت الإجابة عندي هي أنه –رحمه الله- كان نموذجًا لما ينبغي أن يكون عليه “المسلم المعاصر”، إنه بالضبط “المسلم” الذي تمناه (مالك بن نبي) ليقيم الحضارة الإسلامية من جديد، إذ إن الرجل قد توافرت فيه –من وجهة نظري- غالبية الصفات الإيجابية التي ينبغي أن يتحلى بها أفراد الأمة الإسلامية في عالمنا المعاصر ليعيدوا إلى الحضارة الإسلامية ريادتها، بحسب ما انتهى إليها مالك بن نبي في كتاباته المختلفة، مثل: فاعلية العقيدة الدينية وتوهجها لتكون ذات تأثير اجتماعي متدفق، والاستثمار الأقصى للعناصر الثلاث اللازمة للنهوض الحضاري، وهي: “الإنسان والوقت والتراب”، وتقديم الاهتمام بالأفكار على حساب الأشخاص والأشياء، والتزام الصمت الإيجابي قدر الإمكان للتفرغ للعمل الجاد المنظم تنظيمًا دقيقًا، والحرص على إقامة شبكة قوية للعلاقات الاجتماعية تربط بين الحاملين للهم الحضاري الإسلامي، والعمل الحكيم على الاستفادة من الحضارة الغربية الحديثة والموروث الثقافي الإسلامي على حد سواء، وتشجيع الشباب على الإبداع والتألق.

وسأعرض الآن لبعض ما لمسته من تلك الصفات في أستاذي الدكتور جمال الدين عطية ومواقفه المختلفة التي لمست بعضها بنفسي، ولمسها من أهم أفضل مني ممن تعاملوا معه من قديم:

1) فاعلية العقيدة في الحياة العلمية والعملية:

إذا كان المسلم في عصر التخلف الحضاري يؤخذ عليه إجمالاً الانفصام بين الروح والعمل، وبين ما يؤمن به وما يتغنى، وبين ما يقول وما يفعله في الواقع، على النحو الذي أشار إليه مالك بن نبي مرارًا “انظر على سبيل المثال كتابيه مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، ووجهة العالم الإسلامي” فإن الراحل د. جمال الدين عطية -رحمه الله- كان فيه اتساق عجيب بين ما يعتقد وما يفعل، وكان الدافع الرئيس لديه للعمل هو العقيدة الإسلامية التي كان توهجها في فؤاده يدفعه دائمًا –بحسب ظني- للالتزام بالعمل لخدمة الإسلام حتى آخر لحظة في عمره.

روى لي أ. عبد العزيز طاهر (المحامي الكويتي الذي عمل مع د. جمال في الكويت في الفترة من 1969 حتى مغادرته لها بعدها بسنوات والذي حرص على تواصله مع الدكتور وزيارته حتى وافته المنية رحمه الله، ويعتبر نفسه تلميذًا له، حيث كان الدكتور جمال قد بدأ العمل في المحاماة سنة 1955 تحديدًا)، أن الدكتور جمال الدين عطية لم يكن فقط يتجنب ما يغضب الله في عمله في المحاماة، بل كان يتحاشى كل ما قد يؤدى إلى المعصية ولو كان مباحًا في ذاته، سدًا للذريعة، حتى إنه كان يوجه العملاء إلى ما يحقق مصالحهم ولو كان ذلك سيؤدي إلى عدم حصوله على أتعابه، فقد جاءه عميل -على سبيل المثال لا الحصر- طالبًا منه أن يرفع له قضية اكتشف د. جمال أنه قد فات ميعاد رفعها المحدد قانونًا على سبيل الوجوب، فإذا بالدكتور جمال يصارحه بالحقيقة وينصحه بعدم رفع القضية من البداية وعدم الذهاب لمحام غيره، طالبًا منه –عوضًا عن ذلك- الصلح مع خصمه وتسديد الالتزامات التي عليه.

ويعد الإيمان القوي هو النموذج التفسيري عندي لهذا التوهج المستمر للدكتور جمال، وهذه الهمة العالية للعمل في خدمة الدين منذ أن كان شابًا ينضم إلى جماعة الإخوان المسلمين لما رأى أنه الطريق الأفضل حينها لعودة الإسلام، مرورًا بهجره للجماعة تفرغًا لدراسة تجديد الإطار الفكري والفقهي للعمل الإسلامي، ثم في طرحه لأفكار موسوعية لتجديد الفقه الإسلامي في مجالات مختلفة ومتنوعة، وفي إنشائه لمجلة المسلم المعاصر والتزامه حتى وفاته بسياسة تحريرية للمجلة تعمل على المواءمة بين الإسلام والعصر بحيث تنضبط مستجداته بالدين فلا تنفلت منه.

ويلاحظ أن مجلة المسلم المعاصر تكاد تكون هي المجلة الإسلامية الوحيدة المستمرة طوال ما يزيد على أربعين عامًا (من عام 1974 ولاتزال مستمرة بفضل الله) دون توقف تقريبًا، وكان استمرارها نتيجة دأب الرجل وحرصه الدائم على أن يؤدي رسالته من خلالها حتى النهاية.

ومن الطريف أن د. جمال الدين عطية قد كتب بنفسه في كلمة التحرير لمجلة المسلم المعاصر (السنة العاشرة، العدد 40) متعجبًا من استمرار المجلة في الصدور المنتظم لعشر سنوات رغم أنها لا يوجد بها موظفون، ولا تحقق ربحًا ماديًا، خاصة وأنها لا تحصل على دعم من حكومة من الحكومات أو من شخصية موسرة من الشخصيات، ولكن أسرة تحرير المجلة أفصحت بعد ذلك، في الذكرى الأربعين لصدورها (في العدد 151 تحديدًا)، عن دور د. جمال نفسه “في تجاوز العديد من المشكلات المادية ومشكلات التحرير والتوزيع والمشكلات القانونية”.

ويلاحظ أن أثر العقيدة لا يظهر فقط في تدفق عطاء د. جمال الدين عطية واستمراريته، بل في البركة والنماء الذي تميزت به أفكاره الإبداعية، ومن ذلك مثلاً أن جهده لأجل إنشاء البنوك الإسلامية نما ولا يزال حتى لا تكاد تخلو دولة من إنشاء بنك إسلامي بها على الأقل، كما أن فكرته بإنشاء موسوعة فقهية أثمرت ونمت حتى صدرت هذه الموسوعة في خمسة وأربعين مجلدًا، أما فكرته في إعداد موسوعة القواعد الفقهية والأصولية فقد اكتملت إلى نهايتها وصدرت في 40 مجلدًا!

وذكر لي الأستاذ عبد العزيز طاهر واقعة بالغة الدلالة على مدى إخلاص دكتور جمال الدين عطية وتجرده في عطائه، مؤداها أنه اكتشف أن هناك كتابًا تذكاريًا صدر عن الموسوعة الفقهية الكويتية، ولم يرد فيه اسم الدكتور جمال رغم كونه صاحب فكرتها والأمين العام الأول لها، فطلب من د. جمال أن يخطرهم لإصلاح الخطأ متعهدًا أن يتابع الموضوع، فإذا بالدكتور جمال يرفض إثارة الأمر من الأساس أصلاً مكتفيًا بأن الله وحده يعلم وهذا فيه الكفاية!

2) استثمار العناصر الثلاثة المكونة للحضارة:

تقوم الحضارة – بحسب مالك بن نبي- على عناصر ثلاثة ينبغي استثمارها معًا: الإنسان، والوقت، والتراب (أي الإمكانات المادية والموارد الطبيعية)، وتحتاج دومًا إلى عقيدة دينية دافعة ورافعة (انظر كتبه: مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، ووجهة العالم الإسلامي، وشروط النهضة)، وقد أشرت في العنصر السابق إلى مدى فاعلية العقيدة الدينية لدى الدكتور جمال الدين عطية، ولذا فمن الطبيعي أن تكون لذلك ثمار واضحة في تكوين إنسان حضاري مثله يستثمر طاقاته وإمكاناته وأوقاته كلها في خدمة حضارته الإسلامية، وهناك أمثلة كثيرة تبرز هذه الحقيقة وتؤكدها.

روى لي -على سبيل المثال- أ. عبد العزيز طاهر أن مكتب المحاماة الخاص به هو والدكتور جمال الدين عطية كان عبارة عن خلية نحل لا تنقطع عنها الزيارات والاجتماعات لأجل تحقيق أهداف شتى، مثل سَنّ التشريعات الكويتية وتطويرها (ذكر أن د. جمال هو من صاغ تشريع يمنع المجاهرة بالإفطار في نهار رمضان)، وإجراء الدراسات عن إنشاء البنوك الإسلامية بمعية نخبة من الأكاديميين، وأيضًا التخطيط للموسوعة الفقهية الكويتية، وكان يزور د. جمال الأكاديميين ورجال العلم والمثقفين في أواخر الستينات وأوائل السبعينات، وكان بعض رجال القضاء يستعينون بمكتبته الكبيرة المتنوعة المتضمنة الكثير من المراجع. وكان مكتبه للمحاماة من المكاتب المعروفة والهامة في دولة الكويت لكفاءة الدكتور جمال العلمية من ناحية، ولكونه من المكاتب القليلة التي كانت تشتغل بالمهنة في الكويت حينذاك من ناحية أخرى. (كان الدكتور جمال مقيدًا منذ سنة 1955م في الجدول المؤقت الذي وضع في بدايات العمل بمهنة المحاماة بالكويت رغم أنه لم يكن يحمل الجنسية الكويتية، بينما حمل تلميذه أ. طاهر رقم (17) في جدول المحامين الكويتيين، أي أن عدد المحامين الكويتيين قبل قيده كان 16 محاميًا فقط).

وعلى الرغم من النجاح الكبير للدكتور جمال في مهنة المحاماة (كما يشهد أ. عبد العزيز طاهر) إلا أنه قرر أن يعتزل المهنة ليتفرغ لرسالته الأكبر في خدمة الإسلام في المجالين الفكري والفقهي تحديدًا، فإذا بالرجل يستثمر كل وقته وإمكاناته في الإبداع الحضاري، حتى لا تكاد تتصور أنك قد ألممت بكل إنتاجه العلمي ومساهماته المختلفة في تطوير المؤسسات والمراكز الإسلامية فإذا بك تكتشف أن له إبداعات أخرى!

والعجيب أن الرجل ظل محافظًا على عاداته في العمل حتى أجبره المرض في نهاية حياته على تغييرها، فقد كان يستيقظ دائمًا قبل شروق الشمس ويبدأ عمله بعد الصلاة حتى لو لم يكن يلتزم بدوام معين، ثم يعمل حتى يتناول غذائه ويرتاح قليلا وقت القيلولة، ثم يستأنف عمله من جديد، ولقد اعتدت على ذلك حتى أنني كنت أتصل به أحيانًا في السابعة صباحًا، وقبل وفاته بفترة ليست كبيرة اتصلت عليه في التاسعة فوجدته نائمًا فلما كلمته ظهرًا علقت عفويا بأنني لم أعتد معه على ذلك، فإذا به يعتذر ضاحكًا ويفسر ذلك بالمرض وحده، رحمه الله.

وإذا ما أخذنا استثماره للوقت بمفهوم أشمل سنجد أن الدكتور جمال قد استفاد من حياته كلها في العمل الجاد المبدع، ففضلا عما أشرت إليه من كيفية الاستفادة من وقته في عمله في المحاماة ومشاركاته العديدة في أعمال موسوعية ومبتكرة، فإنني في زيارتي الأخيرة له (التي أصر فيها على أن أَشرُف بزيارته حينها وكأنه يشعر بدنو أجله، حيث توفي بعدها بثلاثة أشهر فقط) وجدته يواصل عمله رغم اقترابه من بلوغ التسعين من عمره، واعتلال صحته إلى درجة أنه لم يكن يستطيع أن يتنقل داخل سكنه، وقد أمسك القلم ليشرح لي كيف أنه استنبط بعض الأفكار من رسالتي للدكتوراه ويريد أن نتشارك في تطويرها! 

بل والأعجب من ذلك ما رواه لي أحد تلاميذه، وهو الأستاذ أشرف عبد الله الذي عمل تحت إدارته في مشروعين كبيرين، هما: مشروع “معلمة زايد للقواعد الفقهية والأصولية” ومشروع “مدونة الأسرة وفق المعمول به في المملكة العربية السعودية” بخلاف أعمال أخرى كان يسترشد برأي الدكتور فيها، حيث ذكر لي واقعة تثبت مدى استثمار هذا العالم لأقصى قدر من إمكانياته الإنسانية والصحية والعمرية، أُفضِّل أن أرويها على لسانه شخصيًا:

“هذا وما كنت أعجب من شيء من صفات هذا العلم الراحل فترة عايشته عجبي من نظامه والتزامه وتفانيه في العمل، ومن أعجب المواقف التي وقعت لنا أثناء عملنا في مشروع معلمة زايد للقواعد الفقهية والأصولية، عندما أصيب بمرض خطير، وكان قرار الأطباء هو حتمية إجراء جراحة عادلة، وبعد مداولات وإقدام وإحجام خوفًا عليه لخطورة الوضع لتقدم سنه، تقرر إجراؤها، فكان – رحمه الله تعالى- يأمرني أن آتيه يوميًا في المستشفى رغم حالته الصحية المتأخرة، فنراجع الأعمال ويعمل بكل جد وجهد، ويأخذ مني كمية من الملفات عند رحيلي ليعمل عليها وحده مساء، وأرجع في الصباح فأجده قد أتمها ووضع ملاحظات العمل عليها، وإن تعجب فعجب أنه في صباح اليوم الذي دخل فيه غرفة العمليات طلب مني بإلحاح أن أجلب له ملفات معينة من العمل، وراح يشتغل عليها معي وكأنه سليم معافى، وكأنه ليس الرجل الذي تعد له الآن المقصات والمشارط لفتح جمجمته وإمرار هذه الأسلحة عليها، وكأن هذه المشارط والمقصات تُعد لشخص آخر، وظل على هذه الحالة معي، وأنا أحاول أن أثنيه عن هذا ليستريح، فيقول لي: دعنا نموت على عمل صالح، ولم يترك العمل معي حتى حضر الأطباء والممرضات فأخذوه مني لتخديره”!

يا الله… ما هذا؟!

ترى لو عاد مالك بن نبي ورأى مثل هذا “المزج العقيدي” لعناصر الحضارة الثلاثة في أصعب اللحظات التي يمكن أن تمر على الإنسان في حياته قاطبة، ماذا كان يقول؟!

3) تقديم الأفكار على الأشخاص والأشياء:

تستطيع أن تقول أن الدكتور جمال لم يكتف بتقديم الأفكار على الأشخاص والأشياء فقط، بل استطاع أن يسخر الأشخاص والأشياء لخدمة الأفكار، فتجده يستخدم علاقاته الاجتماعية الكبيرة دومًا لخدمة فكره، حتى أنه كان يكره الواسطة والمحسوبية، كما أنني لم أشعر مرة واحدة أنه يقدس شخصًا ما على حساب فكرة يؤمن بها، ولذا فقد كانت أفكاره دائمًا مرتبطة برسالته في الحياة لا بشخص بعينه حتى لو اعتز ببعض الشخصيات على أسس موضوعية دائمًا.

هذا التقديم للأفكار عند الدكتور جمال لا يحتاج للتدليل أكثر من استعراض إنتاجه الفكري الغزير، ومن كونه لم يسع وراء المال، وإلا لكان استقر في مكتبه في المحاماة في الكويت مثلاً، أو توقف عن حمل هَمّ مجلة فكرية رائدة واستفاد من وقته وجهده الذي بذله في إدارتها والمسئولية عن شأنها، كي يجني الأموال، وقد كان ذلك في استطاعته لا ريب.

وأذكر في هذا المقام أن د. جمال -رحمه الله- روى لي أن أحد أثرياء العرب المشهورين دعاه يومًا للركوب معه في سيارته الفخمة وعرض عليه إدارة مركز مرموق للاقتصاد الإسلامي، ولكن د. جمال رفض طلبه لإدراكه أنه لا يصلح لدور المدير الذي لا هم له سوى إرضاء الكفيل، ولو على حساب ما يؤمن به من قيم ومبادئ، وما يقتنع به من أفكار حرة.

4) تكوين شبكة علاقات اجتماعية قوية:

كان لي شرف تحرير بعض (سيمنارات) الدكتور جمال الدين عطية لنشرها في مجلة المسلم المعاصر، وكنت أستمع (وأستمتع) لها بعناية، ورأيت من خلال المتحدثين كيف كان –رحمه الله- يقيم شبكة علاقات قوية من المفكرين والفقهاء والباحثين، تخدم رسالته في الحياة، وأنه كان غالبًا ما يجمع هؤلاء للحوار والنقاش حول قضية أو مسألة ما ويقدم هو ورقة العمل اللازمة.

ويبدو أن د. جمال الدين عطية كان ناجحًا اجتماعيًا في كافة مراحل عمله، وقد سلفت الإشارة إلى ما ذكره تلميذه في دولة الكويت (أ. عبد العزيز طاهر) كيف كانت علاقاته متشعبة حين كان هناك، وكذلك أخبرني ببعض علاقاته التي كونها في قطر، وفي لوكسمبورج، وفي جنيف، وفي لبنان. وأذكر أنني التقيت مؤخرًا في الكويت أحد رواد الاقتصاد الإسلامي، وهو الأستاذ الدكتور عبد الحميد البعلي، وذكرت له عَرضًا اسم الدكتور جمال الدين عطية، فإذا بالرجل ينظر إليّ مهتمًا ويقول أنه من أعز أصدقائه، ولما عرف بوفاته، حزن، وأخبرني أنه تعرف عليه مذ كان الدكتور جمال يعمل في المعهد العالمي للفكر الإسلامي.

أليس ذلك يصدق بالضبط ما قرره مالك من ضرورة وجود شبكة علاقات اجتماعية من شأنها أن تقوم بتركيب العوالم الثلاثة المكونة للحضارة: عالم الأفكار، وعالم الأشخاص، وعالم الأشياء (انظر كتابه الذي شرح فيه هذه الفكرة بالتفصيل: “ميلاد مجتمع”)، فالرجل أوجد رابطة اجتماعية وعلمية متناغمة تربط بينه وبين كثير من العلماء والباحثين تتوجه لتحديد أهداف حضارية مشتركة، حيث أحسب أنه استثمر هذه الشبكة في تحقيق الكثير من الإسهامات الكبرى في خدمة الحضارة الإسلامية.

5) الصمت الفعال:

كتب مالك بن نبي يقول: «إن من الصعب أن يسمع شعب ثرثار الصوت الصامت لخطى الوقت الهـارب» (شــروط النهضة، دار الفكر- دمشق، 1986، ص 141)، وذكر أن المسلم المعاصر ينقصه المنطق العملي في التفكير، بل إنه أحيانًا “يبغض أولئك الذين يفكرون تفكيرًا مؤثرًا، ويقولون كلامًا منطقيًا من شأنه أن يتحول في الحال إلى عمل ونشاط (المرجع نفسه، ص 96).

وكل من يعرف د. جمال الدين عطية جيدًا يدرك إلى أي مدى كان الرجل استثناءً من حال المسلم المعاصر الذي يكره المنطق العملي، فقد كان يفضل الصمت على الكلام، وكنت إذا حدثته في أمر أجده صامتًا حتى إذا هممت بتغيير الموضوع ظنًا مني أن صمته دلالة على رفضه التعليق، وجدته يعلق بحكمة وإيجاز.

وكان صمت الدكتور جمال من النوع الإيجابي الذي يعني أن صاحبه يهتم بالعمل الجاد على حساب لغو الكلام، وليس هناك دليل على ذلك أهم من غزارة إنتاجه العلمي وتنوعه بين مجالات مختلفة، وهذا بالضبط ما نحتاجه في المسلم المعاصر، ألا يكون ثرثارًا يكثر من الحكي والكلام على حساب العمل.

وقد روى لي أستاذي الدكتور أحمد كمال أبو المجد كيف لاحظ من قديم “صمت د. جمال الحكيم وهدوئه الذي يجعله منظم الفكر، غير فوضوي، ولا ينفعل بسهولة”، حيث قرر أنه “كان في جولة في البحر مع د. جمال وآخرين، وإذا بالأمواج تعلو والمركب يهتز بشدة، فاشتد قلقنا وجزعنا بينما ظل الدكتور جمال هادئًا يدعو ربه، حتى انزاحت الغمة وعادوا سالمين بفضل الله”!

6) التفاعل الإيجابي الحكيم مع الحضارة الغربية الحديثة والموروث الثقافي الإسلامي

كان مالك بن نبي يحرص دائمًا على التأكيد على ضرورة التركيز على البناء الذاتي للحضارة الإسلامية، غير أنه لم يدع أبدًا (المسلم المعاصر) إلى عدم الاستفادة من التقدم الغربي، أو من الموروث الثقافي الإسلامي بالطبع، غير أنه أكد على تجنب الاعتماد على تكديس منتجات الحضارة الغربية والتعويل عليها في عملية البناء الحضاري، خاصة وأن كثيرًا من أفكارها قد تعد بنَّاءة في بلادها، فإذا نقلناها إلى بلادنا فستتحول إلى أفكار قاتلة (مميتة) تعيق النهوض، وهو ما حذر منه كذلك بشأن استدعاء أفكار من الموروث الثقافي للحضارة الإسلامية ربما كانت صالحة (أو مبررة) في زمانها ولكنها لم تعد كذلك في زماننا، بل باتت أفكارًا “ميتة” لا نفع فيها، ولذا فقد دعا إلى الأخذ عن الاثنين ما يساعد فقط في عملية تشييد الحضارة الإسلامية من جديد (انظر كتاباته في هذا الشأن في غالبية كتبه، وخاصة: مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، وشروط النهضة، ووجهة العالم الإسلامي…).

هذا الفكر – في ظني- يجد ضالته عند د. جمال الدين عطية –رحمه الله- الذي كان طوال حياته نموذجًا لكيفية إحداث التفاعل البنَّاء بين ما سمي بالأصالة والمعاصرة، أو بالقديم والجديد، بحيث يخدم المزج بينهما الساعين إلى النهوض الحضاري الإسلامي من جديد.

وأظن أن البداية كانت عن طريق إبداعه فكرة البنوك الإسلامية وإسهامه الفكري الجاد في إنشاء “بنك فيصل الإسلامي”، وكذلك بإسهاماته الجادة والعميقة في مشروع “إسلامية المعرفة” وخاصة في مجالي الشريعة والقانون، حيث أبدع كتابيه: “النظرية العامة للشريعة الإسلامية”، و”التنظير الفقهي”، وبعض أبحاثه الأخرى التي كان له السبق في طرحها، مثل بحثه المنشور في العدد الأول لمجلة “أوقاف” التي تصدرها الأمانة العامة للأوقاف بدولة الكويت (المنشور في نوفمبر 2001م)، وعنوانه: “الوقف والنظم الشرعية والحديثة ذات العلاقة- محاولة للتصنيف ومقترحات للتفعيل والتعاون”.

والدكتور جمال الدين عطية رغم إتقانه لأكثر من لغة أجنبية، وحصوله على الدكتوراه من جنيف (سويسرا) إلا أنه لم يقع في فخ الذوبان في عشق الحضارة الغربية أو في أسر محاولة تقليدها، بل نجح فيما نجح فيه مالك بن نبي من قبل، أن يوظف ما استفاده من إيجابياتها في خدمة دينه ووطنه وليس العكس، كما حدث لكثيرين حيث عادوا من هناك أسرى للفكر الغربي يريدون أن يفرضوه بحذافيره على واقعنا المعاصر.

أما على الجانب الآخر –جانب التراث الإسلامي- فإن د. جمال -رحمه الله- لم يدع يومًا إلى الاستعانة بالأفكار الميتة من هذا التراث، بل على العكس من ذلك، كان يتجنب تلك الأفكار في صمته الإيجابي المشار إليه من قبل، فهو مثلاً تجنب فكرة “الطائفية” والاستقطاب المذهبي، خاصة بين السنة والشيعة، فتجد أنه كان صاحب فكرة أن تقوم الموسوعة الفقهية الكويتية على المذاهب الثمانية (أي لا تكتفي فقط بالمذاهب السُنية الأربعة)، وهو الاقتراح الذي طبقه القائمون على الموسوعة من قبل حين كان أمينًا عامًا لها، غير أنه جرى التراجع عنها فيما بعد واقتصرت على المذاهب الأربعة فقط.

وقد لمست عن قرب أن هذا النهج الذي يرفض الأفكار الميتة التي تقسم الأمة الإسلامية تقسيمًا صراعيًا لا تعاونيًا تعدديًا، لم يقتصر على الجانب الفكري فقط عند د. جمال الدين عطية، بل كان منهج حياة، ويكفي أن أذكر الآن أن تلميذه الكويتي الذي رويت عنه من قبل –وهو المحامي عبد العزيز طاهر- (شيعي). كما كانت له مجالات تعاون ومراسلات كثيرة بينه وبين الأستاذ عبد الجبار الرفاعي (الشيعي كذلك) رئيس تحرير مجلة “قضايا إسلامية معاصرة” كما روى لي شخصيًا د. جمال.

7) تشجيع الشباب وتبنيهم علميًا:

إن من سمات أصحاب الرسالات أن يكونوا حريصين على نقل خبراتهم – متجردين- إلى الشباب عسى أن يستكملوا المسيرة، ولذلك تجدهم يشعرون بسعادة عجيبة حين يبزغ نجم شاب جديد في مجاله، وكان مالك بن نبي من هؤلاء الذين كانوا يضعون آمالهم في شباب العالم الإسلامي وكان يقيم لهم “مجالس علمية” أو “صالون ثقافي” كل أسبوع تقريبًا سواء في وطنه أم في دمشق أو الجزائر أو في مصر، ولولا أنه يثق في أنهم هم أمل الأمة ما ضيع وقته معهم وتبناهم فكريًا وثقافيًا.

أما دكتور جمال الدين عطية فإنه لم يكن من هواة تنظيم الصالونات الثقافية، بل كان تأثيره على الشباب من خلال اللقاءات المباشرة والنصح غالبًا، فضلاً عن كتاباته ومجلته المرموقة بالطبع.

وسأضرب مثلين فقط الآن لتبين مدى كان حرص الدكتور جمال على تقديم النصح للشباب وتشجيعهم على المبادرة والانطلاق:

أما المثال الأول فهو تلميذه الكويتي الأستاذ عبد العزيز طاهر الذي أكد فخره بأن الدكتور جمال أستاذه وقدوته منذ أن تعرف عليه سنة 1969 حتى وفاته، وذكر أنه تعلم منه كيف يكون الإنسان محاميًا ناجحًا دون أن يقترب من المعصية، ورأى بعينه كيف يعمل الإنسان لخدمة دينه حتى تكون حياته كلها تقريبًا لله، وشاهد كيف كان د. جمال يدرس القضايا المعروضة عليه مع أسرة المكتب على شكل حوار مفتوح يعقده في أحد المطاعم مثلاً، مما ينتج تلاقحًا للأفكار ويوطد العلاقات الإنسانية كذلك بين العاملين، وذكر أ. عبد العزيز أنه تعلم من الدكتور جمال كذلك كيف يكون منظمًا في عمله ودقيقًا، فقد كان يكلفه بجمع كافة التشريعات وتحديثها دائمًا حتى كان القضاة أنفسهم يأتون للاطلاع على التشريعات التي لا يعثرون عليها خارج المكتب.

وتعلم الأستاذ عبد العزيز كذلك من الدكتور جمال المنطق العملي في التفكير، فأخذ بنصيحته بالتركيز الكامل في عمله والتفرغ له، ولذا نجح الرجل في مهنته وقام بتأسيس “مجموعة طاهر” مع أخيه والتي تعتبر من أقدم مكاتب المحاماة في الكويت، كما حاول أن يكون امتدادًا لمسيرة الدكتور جمال فاتجه إلى التأليف العلمي والقانوني، حيث ألف كتابين في مهنة المحاماة، أحدهما سفر كبير يقترب من ألف وثلاثمائة صفحة من القطع الكبير.

وأما المثال الثاني فهو كاتب هذه السطور الذي لا يستطيع أن يحصي هنا أفضال الدكتور جمال عليه، ويكفي الآن أن أذكر أن الدكتور جمال هو الذي حول حياتي كلها لأتفرغ للبحث العلمي في مجال الدراسات الإسلامية والقانونية معًا، وذلك حين شرفني بطلب العمل معه باحثًا مساعدًا له، فوافقت على الفور تاركًا وظيفتي الحكومية، وبدأت معه بجمع المادة العلمية لبحثه “نحو فقه جديد للأقليات” الذي صدر أولا ضمن حولية “أمتي في عام” الصادرة عن مركز الحضارة للدراسات السياسية، ثم إذا به يكلفني مشكورًا بالمشاركة معه -هو والأستاذة الفاضلة مهجة مشهور- في الكتابة معه في كتابه الذي صدر بعد ذلك تحت عنوان “إسلامية المعرفة- الخبرة والمسيرة”، وأذكر حينها أنني تهيبت في البداية ولكنه شجعني بقوة وأصر على أن أكتب الجزء التاريخي كله، ثم عقد سيمنارًا لمناقشة مسودة الكتاب حضره عدد كبير من المفكرين والباحثين على رأسهم الدكتور عبدالوهاب المسيري والدكتور محمد عمارة والدكتور محمد كمال الدين إمام والشيخ علي جمعة والدكتور محمد أحمد سراج، فكان من حسن حظي أن تُعرض أول كتاباتي على هؤلاء الكبار مما أفادني كثيرًا فيما بعد وكان الفضل في ذلك بعد الله عز وجل للدكتور جمال – رحمه الله-.

ولقد استمرت بعد ذلك أفضال أستاذي الدكتور جمال علي، فإذا به يفاجئني بنشر أول بحث أكتبه في حياتي في مجلة رائدة وهي “المسلم المعاصر”، وكان عن “مالك بن نبي”. وقد استمر دعم الدكتور جمال وتشجيعه لي حتى إنني حين أرسلت له خاتمة رسالتي للدكتوراه راجعها واقترح بعض التعديلات التي أدخلتها فعلا، وقد أصر على حضور المناقشة بنفسه وهو من لا يغادر كرسيه إلا لضرورة قصوى لولا أن اشتد عليه المرض يومها!

هذان مثالان فقط على مدى عناية الرجل بالشباب منذ بداية حياته المهنية حتى وفاته، ولا أظن أن المسلم المعاصر مطلوبًا منه أكثر من ذلك فيما يخص حرصه على إعداد الشباب للقيام بدورهم الحضاري المنشود. 

وختامًا فإن الحديث عن الدكتور جمال الدين عطية لا يمكن أن يستوفيه مجرد مقال أو بحث أو حتى كتاب، بل ينبغي أن تعد عنه وعن فكره ودوره الثقافي الفعال رسائل للماجستير والدكتوراة، ولكن كانت هذه فقط بعض الملامح من كون هذا العالم الجليل نموذجًا للمسلم المعاصر الذي إذا ساد عالمنا الإسلامي فإنه سيتمكن يقينًا إلى العودة مجددًا إلى الريادة الحضارية في العالم أجمع وقيادة الإنسانية نحو ما يرقيها ويضبط سلوكها ويرشد حركتها في التاريخ.

دراسة بعنوان “قوانين التأمين التكافلي- الأسس الشرعية والمعايير الاقتصادية” للدكتور رياض الخليفي، نُشرت في مجلة الحقوق التي تصدر عن جامعة الكويت، في العدد رقم (2) للسنة (13)، عام 2007.
يصف الدكتور رياض الخليفي دراسته بأنها “معيارية” لأبرز الأسس والضوابط والمعايير الفنية التي يجب على واضعي قوانين التأمين التكافلي مراعاتها وتضمينها مواد القانون وبنوده، إذ إن تحصيل هذه المعايير مما يعز غالبا على غير المتخصصين في الشريعة والتأمين التكافلي، وقد سعى في بحثه إلى التعرف على حيثيات الواقع العملي وتفاصيل التطبيق الميداني.
وقد كان الباعث على إعداد هذه الدراسة مجموعة من الأسباب؛ من أبرزها: الحاجة الملحة لدى المسؤولين في العالم الإسلامي الذين يتطلعون إلى إقرار قوانين خاصة تنظم أعمال شركات التأمين التكافلي، وذلك أسوة بإقرار قوانين البنوك الإسلامية في عدد من دول العالم الإسلامي.
وتتلخص مشكلة هذه الدراسة في عدم وضوح المنهجية العلمية المتكاملة في إعداد وصياغة القوانين المنظمة لأعمال الشركات التأمين التكافلي، لاسيما في جانبيها الشرعي والفني، ذلك أن إعداد قوانين التأمين التكافلي يتطلب رعاية ثلاثة علوم مختلفة؛ أحكام الشريعة الإسلامية وقواعدها ومقاصدها، وفنون الصناعة التأمينية بأنواعها ومجالاتها وصيغها، وأخيرًا علم القانون.

أما عن أهداف الدراسة، فيمكن تلخيصها في النقاط الآتية:
أولًا: التعريف بالمعايير الفنية لنظام التأمين التكافلي، وتقريب واقعه العملي من حيث بيان طبيعتها وتوصيفها الفني؛ عملا بقاعدة “الحكم على الشيء فرع عن تصوره”.
ثانيًا: التعريف بالأسس الشرعية التي يقوم عليها نظام التأمين التكافلي المستمد من أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية الغراء ومقاصدها الكلية وقواعدها الفقهية.
ثالثًا: الإسهام بتحديد جملة من المعايير الموضوعية التي يلزم مراعاتها من قبل المختصين بعلم القانون عن إعداد وصياغة قانون التأمين التكافلي ، وهي معايير تبنى على أساس المزاوجة بين الجوانب الفقهية والجوانب الفنية.
رابعًا: إثراء وتعميق الفكر الفقهي المعاصر بجوانب تطبيقية تتصل بقطاع التأمين التكافلي، الذي يعد ضرورة حتمية ضمن هيكل النظام الاقتصادي الحديث، وأحد أبرز الصناعات المالية المعاصرة.

رابط مباشر لتحميل الدراسة

صدرت هذه الدراسة عن مركز بحوث الدراسات الإسلامية التابع لمعهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي التابع لجامعة أم القرى، مكة المكرمة، الممكة العربية السعودية، سلسلة بحوث الدراسات الإسلامية (سلسلة رقم 13)، 1991م، ومما جاء في مقدمة هذه الدراسة:

أدت سيطرة المفاهيم الغربية على الواقع السياسي المعاصر في العالم إلى بروز أفكار ونظريات جديدة كان من أبرزها نظرية السيادة التي أصبحت الركيزة الأساسية لتحديد مصدرا السلطة السياسية في الدول الحديثة. ولما كان الفكر الغربي يرتكز على مبدأ فصل الدين عن الدولة، فقد نجم عن ذلك إقرار سيادة الأمة أو السيادة الشعبية وخضوع الممارسات السياسية والقوانين التشريعية، تبعًا لذلك، لأراء وأهواء ممثلي الأمة التي أصبحت مصدرًا للسلطات.

ومنذ أوائل القرن الحالي سعى الاستعمار الغربي إلى نشر مفاهيمه عن السيادة في بلاد المسلمين بهدف بسط الهيمنة والقوانين الغربيين فيها، وتأصيل النزعة اللادينية لإقصاء الإسلام عن واقع الحياة والتشريع، مما جعل أغلب الدول المستعمرة والتابعة تسارع إلى إقرار مبدأ السيادة الشعبية لإظهار وتأكيد توافق أنظمتها مع الأنظمة الغربية، بالإضافة إلى تعطيل الأحكام الشرعية الكلية والجزئية بحجة تغير الأحكام بتغير الزمان والظروف المحيطة بالدولة. وقد ارتبط تغيير الأحكام، نتيجة لذلك، بالدوافع السياسية والاقتصادية والاجتماعية فنشأت العديد من التحالفات والتكتلات السياسية المضادة لوحدة الأمة الإسلامية بحجة المصلحة، وأُقيمت المؤسسات الرأسمالية الاقتصادية بحجة الضرورة، وحُدد النسل ومُنع تعدد الزوجات بحجة معالجة الانفجار السكاني، ونودي بحرية المرأة بحجة منحها حقوقها .. وهكذا.

وانطلاقًا من الجزم بسمو ورقي الشريعة الإسلامية وتفوقها على ما تقوم عليه المجتمعات المعاصرة من مباديء وأنظمة وضعية، يعالج هذا البحث قضيتين أساسيتين: أولاهما، البحث في مصدر السيادة ونقض مفهوم انحصار السيادة في الأمة، حيث يؤكد البحث بالأدلة الشرعية أن السيادة والحاكمية للشرع الإسلامي، ويقرر ما يترتب على سيادة الشرع من بطلان كافة ما يخالفه، ووجوب إرجاع كل أمر مختلف فيه إلى الشرع.

أما القضية الثانية فمترتبة على سيادة الشرع وهي عدم جواز تغيير الأحكام الشرعية لا من قبل الأمة ولا من قبل الدولة. فالدولة في الإسلام تهدف إلى إقامة الشرع المتمثل في “حراسة الدين” التي أشار إليها الفقهاء، ولذلك وجب عليها الالتزام بأحكام الإسلام في كافة الأمور.

ولتأكيد سيادة الشرع وما يترتب عليها من أحكام، سنمهد للبحث بنظرية السيادة في الفكر الغربي لبيان تناقضها مع النظرية الإسلامية في السيادة التي تؤكد سيادة الشرع وترتب على ذلك عدم جواز تغيير الأحكام الشرعية، كما سنبين الرد على عدد من الشبهات التي يرى المنادون بها تغيير الأحكام الشرعية مسايرة للمصلحة والواقع الإجتماعي.

ومع تقرير سيادة الشرع وعدم تغيير الأحكام يستعرض البحث الحالات التي أذن الشرع للدولة بالتدخل فيها بالمنع والإلزام لتنظيم المباحات. ويبرهن البحث على أن هذه الحالات تقتصر على دفع الضرر ومنع ما يوصل إلى المحرم، وتنظيم أجهزة الدولة، والملكية العامة والمرافق العامة، وإقامة فروض الكفاية المنوطة بالدولة مع التأكيد على أن ذلك لا يعد تغييرًا لأحكام الشرع وإنما يُعد في حقيقة الأمر تطبيقًا لأحكام شرعية قائمة بذاتها لمعالجة هذه الحالات في المجتمع الإسلامي.

تقسيم الدراسة:

وتم تقسيم الدراسة على النحو التالي:

  • مقدمة.
  • تحديد مصدر السيادة في الفكر الإسلامي.
  • سيادة الشرع ومباشرة السلطان.
  • بطلان مخالفة الشرع ووجوب رد التنازع إليه.
  • القواعد العملية لسيادة الشرع.
  • الإطار الشرعي لتدخل الدولة بالمنع والإلزام لتنظيم المباحات.
  • الخاتمة.

رابط مباشر لتحميل الدراسة

بحث للشيخ الدكتور محمد مصطفى المراغي أعادت مجلة المسلم المعاصر نشره عام 1995، على جزئين، الأول في المجلد رقم (19) العدد (74-75)، والثاني في المجلد رقم (19) العدد (75-76).
كتب الشيخ المراغي شيخ الأزهر الأسبق هذا البحث في سياق الجدل الذي أثير حول مشروع قانون حول الزواج والطلاق، وقد اغتبط الشيخ على حد تعبيره بهذا الجدل، فقد تسبب في نشاط العلماء في بحث المشروع والرجوع إلى كتب الشريعة المطهرة وتطبيقها على القانون، ونشط آخرون لبحثه من الوجهة الاجتماعية، وتقدير ما فيه من مصالح ومضار.
وقد عبر الشيخ المراغي رحمه الله عن أمله في يستمر هذا الحراك و”يتجدد نشاط الفقه الإسلامي بعد ركوده في المتون والشروح، وتتجه إليه الأنظار، وتتولد فكرة تهذيبه باختيار ما صح دليله، وما قام البرهان على أن فيه مصلحة للناس من أقوال أئمة الهدى وفقهاء الإسلام. وقد يقضى على تلك الفكرة الخاطئة فكرة وجوب تقليد الأئمة الأربعة دون سواهم، سواء أوافقت مذاهبهم مصلحة المجتمع أم خالفتها. وفكرة أن الدين الإسلامي بمذاهبه المتعددة عاجز عن سد حاجات الناس”.
سعى الشيخ في بحثه أن يبين مراجع القانون من نصوص العلماء، وطريقة استنباطه من هذه النصوص فيما يتعلق بالمواد التي أثارت الخلاف آنذاك.
جاء ترتيب البحث كما يلي:
1- مقدمة.
2- التكفير والتأثيم في الأحكام الفقهية.
3- الاجتهاد.
4- المجتهد المطلق.
5- الاجتهاد الخاص.
6- التقليد.
7- إمكانية الوثوق بالنسبة لآراء أئمة غير الأئمة الأربعة.
8- التقليد بغير دليل.
9- قضاء القاضي وفتواه بخلاف مذهبه.
10- قضاء القاضي وفتواه بالضعيف من مذهبه.
11- تغير الأحكام بتغير الأزمنة والأمكنة والعرف.
12- الاجتهاد في المذهب.
13- سوابق التشريع في مصر في العمل بالأقوال الضعيفة من مذهب أبي حنيفة وبغير مذهب أبي حنيفة.
14- السياسة الشرعية.
15- طاعة ولي الأمر.

رابط مباشر لتحميل البحث بجزئيه


فصل بعنوان “كيف يُعثر على الفقه الإسلامي ” مجتزأ من كتاب”مدخل إلى الشريعة الإسلامية” للبروفيسور وائل حلّاق، وترجمة طاهرة عامر، وقد صدر عن مركز نماء للبحوث والدراسات عام 2017.
سعى المؤلف في هذا الفصل إلى طرح سؤال مفاده “كيف استقى المفتون والفقهاء المدنون التشريع من مصادره واستنبطوها؟ أو بعبارة أخرى، ما الوسائل التفسيرية وطرق التفكير والاستنتاج التي من خلالها استُنبط الفقه وقواعده؟”.

رابط مباشر لتحميل الفصل

تنبع أهمية هذه الدراسة من أهمية موضوعها المتعلق بقوانين البنوك الإسلامية، ومن أن المؤلف يعد خبيرًا في الاقتصاد والمالية الإسلاميين، حيث تولى رئاسة منظمة الزكاة العالمية، وأسس بنك الإنتاج الفلسطيني وترأس مجلس إدارته، وهو مستشار شرعي وعضو هيئة الفتوى لدى عدد من المؤسسات المالية الإسلامية داخل وخارج الكويت، عضو مؤسس الهيئة الإسلامية العالمية للاقتصاد والتمويل التابعة لرابطة العالم الإسلامي ، الرياض، ومُحَكَّم دولي معتمد في التحكيم التجاري مركز التحكيم التجاري لدول مجلس التعاون الخليجي، بالإضافة إلى خبرات متعددة أخرى ذات صلة بموضوع الدراسة.

وقد جاء في مقدمة هذه الدراسة ما يلي:

تستهدف هذه الدراسة الإسهام في وضع الأسس الشرعية والمعايير الاقتصادية اللازمة لإعداد قوانين البنوك الإسلامية، وتتلخص مشكلة الدراسة في عدم وضوح المنهجية العلمية المتكاملة في إعداد القوانين المنظمة لأعمال البنوك الإسلامية وصياغتها، ولاسيما في جانبيها الشرعي والاقتصادي؛ ذلك أن إعداد قوانين البنوك الإسلامية يتطلب رعاية ثلاثة علوم مختلفة، وهي:

  1.  أحكام الشريعة الإسلامية وقواعدها ومقاصدها.
  2. العلوم المصرفية والمالية.
  3. علم القانون.

ولا شك أن الإخلال بواحد من هذه العلوم سينعكس أثره سلبًا على الصياغة العامة للقانون وسيلحق النقص والخلل بجودة القانون بحسب النقص في الإحاطة بالأركان المذكورة.

ونظرًا لأن مهمة إعداد قوانين البنوك الإسلامية وصياغتها إنما توكل –عادة- إلى المتخصصين في علم القانون، وهو أساس معتبر في صياغة القوانين، فإن المنهجية العلمية تستدعي وجود مشاركات جوهرية فاعلة من قبل متخصصين في الجانبين الشرعي والاقتصادي، الأمر الذي لا يتيسر غالبًا إلا بجهد ووقت كبيرين؛ فقد رأينا ضرورة المبادرة إلى إيضاح الملامح العامة للمنهجية العلمية في قوانين البنوك الإسلامية وذلك بتقريب هذه المطالب وتقييمها بصورة منهجية واضحة، بحيث تعبر عن أبرز الأسس والمعايير التي ينبغي على واضعي “قوانين البنوك الإسلامية” مراعاتها في مجالي العلوم الشرعية والعلوم الاقتصادية.

ولما كانت مسؤولية ذلك تقع بالدرجة الأولى على المتخصصين والباحثين في مجالي الشريعة والاقتصاد الإسلامي والمهتمين بقضايا البنوك الإسلامية ومستقبلها، ولما كان صدور القانون الخاص بالبنوك الإسلامية في عدد من الدول الإسلامية يُعد خطوة إيجابية ورائدة، ودعما مباشرًا لمسيرة العمل المالي الإسلامي عامة، فقد رأينا أن من واجبنا الإسهام بدراسة نماذج من هذه القوانين، مشيدين بالجوانب الإيجابية فيها، مع إبداء الرأي فيما اتضح لنا من أوجه القصور والنقص، وتقديم البدائل والحلول والتوصيات التي نراها جديرة بالأخذ في ضوء أسس ومبادئ فقه الشريعة الإسلامية من جهة وأسس ومبادئ الاقتصاد الإسلامي والبنوك الإسلامية من جهة أخرى.

كما نؤكد أن بعض المؤاخذات الواردة يمكن أن تهدد مستقبل العمل المصرفي الإسلامي على المدى الطويل، مما يستلزم ضرورة الوقوف عند هذه الجوانب وتحليلها، ومن ثم تحويرها أو تعديلها بما يتلاءم وطبيعة نشاط البنوك الإسلامية، وما يجب أن تقوم به من دور ريادي في تحقيق التنمية الاقتصادية الشاملة وبلوغ الأهداف السامية التي وضع القانون من أجلها.

وليست دراستنا هذه تأتي طرفًا في محل نزاع بقدر كونها دراسة تأصيلية موضوعية متخصصة ومحايدة، تهدف إلى بناء منهجية علمية في ركنين رئيسين ضمن عملية إعداد قوانين البنوك الإسلامي، ورجاؤنا أن تسهم في ترشيد وتعزيز المسيرة المباركة للاقتصاد الواعد بصفة عامة والبنوك الإسلامية بصفة خاصة.

وقد تم تقسيم الدراسة إلى مقدمة وتمهيد وثلاثة فصول وخاتمة؛ حيث اشتمل التمهيد على مقدمات مهمة ذات صلة بموضوع الدراسة، وتم تخصيص الفصل الأول لبيان الأسس الشرعية والمعايير الاقتصادية التي يلزم مراعاتها عند تصميم قوانين البنوك الإسلامية،  وتناول الفصل الثاني دراسة القانون الخاص بالبنوك الإسلامية بالمملكة الأردنية الهاشمية الصادر في عام ۲۰۰۰م، في حين تناول الفصل الثالث دراسة قانون البنوك الإسلامية بدولة الكويت، الصادر في عام ٢٠٠٣م.

رابط مباشر لتحميل البحث:

تنبع أهمية هذه الدراسة من أهمية موضوعها المتعلق بقوانين البنوك الإسلامية، ومن أن المؤلف يعد خبيرًا في الاقتصاد والمالية الإسلاميين، حيث تولى رئاسة منظمة الزكاة العالمية، وأسس بنك الإنتاج الفلسطيني وترأس مجلس إدارته، وهو مستشار شرعي وعضو هيئة الفتوى لدى عدد من المؤسسات المالية الإسلامية داخل وخارج الكويت، عضو مؤسس الهيئة الإسلامية العالمية للاقتصاد والتمويل التابعة لرابطة العالم الإسلامي ، الرياض، ومُحَكَّم دولي معتمد في التحكيم التجاري مركز التحكيم التجاري لدول مجلس التعاون الخليجي، بالإضافة إلى خبرات متعددة أخرى ذات صلة بموضوع الدراسة.

وقد جاء في مقدمة هذه الدراسة ما يلي:

تستهدف هذه الدراسة الإسهام في وضع الأسس الشرعية والمعايير الاقتصادية اللازمة لإعداد قوانين البنوك الإسلامية، وتتلخص مشكلة الدراسة في عدم وضوح المنهجية العلمية المتكاملة في إعداد القوانين المنظمة لأعمال البنوك الإسلامية وصياغتها، ولاسيما في جانبيها الشرعي والاقتصادي؛ ذلك أن إعداد قوانين البنوك الإسلامية يتطلب رعاية ثلاثة علوم مختلفة، وهي:

  1.  أحكام الشريعة الإسلامية وقواعدها ومقاصدها.
  2. العلوم المصرفية والمالية.
  3. علم القانون.

ولا شك أن الإخلال بواحد من هذه العلوم سينعكس أثره سلبًا على الصياغة العامة للقانون وسيلحق النقص والخلل بجودة القانون بحسب النقص في الإحاطة بالأركان المذكورة.

ونظرًا لأن مهمة إعداد قوانين البنوك الإسلامية وصياغتها إنما توكل –عادة- إلى المتخصصين في علم القانون، وهو أساس معتبر في صياغة القوانين، فإن المنهجية العلمية تستدعي وجود مشاركات جوهرية فاعلة من قبل متخصصين في الجانبين الشرعي والاقتصادي، الأمر الذي لا يتيسر غالبًا إلا بجهد ووقت كبيرين؛ فقد رأينا ضرورة المبادرة إلى إيضاح الملامح العامة للمنهجية العلمية في قوانين البنوك الإسلامية وذلك بتقريب هذه المطالب وتقييمها بصورة منهجية واضحة، بحيث تعبر عن أبرز الأسس والمعايير التي ينبغي على واضعي “قوانين البنوك الإسلامية” مراعاتها في مجالي العلوم الشرعية والعلوم الاقتصادية.

ولما كانت مسؤولية ذلك تقع بالدرجة الأولى على المتخصصين والباحثين في مجالي الشريعة والاقتصاد الإسلامي والمهتمين بقضايا البنوك الإسلامية ومستقبلها، ولما كان صدور القانون الخاص بالبنوك الإسلامية في عدد من الدول الإسلامية يُعد خطوة إيجابية ورائدة، ودعما مباشرًا لمسيرة العمل المالي الإسلامي عامة، فقد رأينا أن من واجبنا الإسهام بدراسة نماذج من هذه القوانين، مشيدين بالجوانب الإيجابية فيها، مع إبداء الرأي فيما اتضح لنا من أوجه القصور والنقص، وتقديم البدائل والحلول والتوصيات التي نراها جديرة بالأخذ في ضوء أسس ومبادئ فقه الشريعة الإسلامية من جهة وأسس ومبادئ الاقتصاد الإسلامي والبنوك الإسلامية من جهة أخرى.

كما نؤكد أن بعض المؤاخذات الواردة يمكن أن تهدد مستقبل العمل المصرفي الإسلامي على المدى الطويل، مما يستلزم ضرورة الوقوف عند هذه الجوانب وتحليلها، ومن ثم تحويرها أو تعديلها بما يتلاءم وطبيعة نشاط البنوك الإسلامية، وما يجب أن تقوم به من دور ريادي في تحقيق التنمية الاقتصادية الشاملة وبلوغ الأهداف السامية التي وضع القانون من أجلها.

وليست دراستنا هذه تأتي طرفًا في محل نزاع بقدر كونها دراسة تأصيلية موضوعية متخصصة ومحايدة، تهدف إلى بناء منهجية علمية في ركنين رئيسين ضمن عملية إعداد قوانين البنوك الإسلامي، ورجاؤنا أن تسهم في ترشيد وتعزيز المسيرة المباركة للاقتصاد الواعد بصفة عامة والبنوك الإسلامية بصفة خاصة.

وقد تم تقسيم الدراسة إلى مقدمة وتمهيد وثلاثة فصول وخاتمة؛ حيث اشتمل التمهيد على مقدمات مهمة ذات صلة بموضوع الدراسة، وتم تخصيص الفصل الأول لبيان الأسس الشرعية والمعايير الاقتصادية التي يلزم مراعاتها عند تصميم قوانين البنوك الإسلامية،  وتناول الفصل الثاني دراسة القانون الخاص بالبنوك الإسلامية بالمملكة الأردنية الهاشمية الصادر في عام ۲۰۰۰م، في حين تناول الفصل الثالث دراسة قانون البنوك الإسلامية بدولة الكويت، الصادر في عام ٢٠٠٣م.

رابط مباشر لتحميل البحث

إن دور الفقه في المنظومة الإسلامية يتمثل في مهمتين جليلتين: أولاهما: هداية واقع البشرية، وترشيد الحركة الإنسانية، وثانيتهما: إخراج البشر من دواعي أهوائهم وأغراضهم، وضبطها بالأحكام الشرعية المستنبطة من الكتاب والسنة استنباطًا صحيحًا موثقًا.

الفقه إذًا في المنظومة الإسلامية هو السابق الهادي، والواقع هو المسترشد المهتدي. لكن هذا التصور الشديد الوضوح والجلاء ينقلب لدى البعض إلى نقيضه، فيصبح “الواقع” في هذا التصور المقلوب هو الطرف المهيمن الذي يفرض نفسه على الفقه، بل يصبح الواقع بكل ما يضطرب فيه من أهواء وأغراض وانكسارات وتراجعات- هو الذي يحكم الفقه، ويهيمن عليه، ويُحدد له ما يجب وما لا يجب، وما يجوز وما لا يجوز، ولو تجاوز في سبيل ذلك قطعيات الشريعة وأصولها الثابتات، وتصبح مهمة الفقه في هذا التصور المعوج محصورةً في العثور على المخارج المصطنعة والحيل الزائفة التي تحلل ما يحتاج الواقع إلى تحليله، أو تحرم ما يحتاج إلى تحريمه، أو تبرر ما يحتاج من أحداثه إلى تبرير.

وبذلك يفقد الفقه فعاليته المنشودة في إصلاح مسيرة الواقع، وضبط اعوجاجه، وتقويم انحرافه على هدى من كتاب الله تعالى وسنة رسوله، بل يصير حينئذ فقهًا بلا هوية أو ذاتية، هذا إن كان جديرًا باسم الفقه أصلًا وابتداءً!!

 وإذا كنا في أمورنا الحياتية نضع الخطط قبل التنفيذ، ونجعل الفكر سابقًا على الواقع، فلماذا تنقلب هذه البدهية في قضيتنا هذه رأسًا على عقب؟

لماذا يصبح الواقع هو الأساس، ويصبح الفقه هو الظل والانعكاس؟ أليس في هذا ضياع للفقه وللواقع جميعًا؟! ثم أليست هذه أثارة ما زالت باقية من أثارات منهج الديالكتيك الجدلي الذي يقوم على “أسبقية الواقع على الفكر” سواء في الوجود أو في المعرفة، أو في التاريخ، أو في الأخلاق؟ وإذا كان المنهج الأفل قد انقض بنيانه من القواعد، فكيف بنا نحيي مواته في مسار حياة المسلمين التي يضبطها الفقه، وتشيد أركانها في أصوله ؟!

الفقه والمصلحة

(حيثما وجدت المصلحة فثم شرع الله) هكذا تقول العبارة التي تتردد على الألسنة، وهكذا تهتف حروفها بالناس -حين تُفهم حق الفهم- قائلة: إذا تحققت مصالح العباد على أتم الوجوه، وبلا نقص أو اختلال فأيقنوا أن شرع الله تعالى قد تحقق على الدرجة نفسها من التمام، فمصالح العباد مرتبطة بتنفيذ تكاليف الشرع، وجودًا وعدمًا، وكمالًا ونقصانًا.

ولست أدري كيف انقلب مفهوم هذه العبارة لدى البعض إلى الطرف المغلوط، فأصبح معناها لديهم أن الشرع ليس سوى تابع للمصلحة، يلهث خلفها، ويتبع خطاها؟ لست أدري .. ماذا يتبقى من الشرع إن كانت المصالح هي الهادي، وهي الفيصل بين ما هو مشروع وبين ما هو غير مشروع؟ 

أما يكفي -لو كان الأمر كذلك- أن يقول الوحي للناس بكلمة واحدة مجملة تتبعوا المصلحة في كل ما تأتون وتذرون؟ ثم أي دور يبقى للشرع نفسه بعدئذٍ؟ بل لماذا وردت التشريعات أصلا إذا كانت المصلحة هي رائد الشرع ومعياره وميزانه؟

لقد كان حريًا بأولئك الذين يريدون من الشرع أن يكون تابعًا للمصلحة أن يسألوا أنفسهم أليست المصالح بطبيعتها متغيرة متبدلة، بل متعارضة متناقضة؟ أليست المصالح متعددة بتعدد البيئات والأزمنة والأمكنة والأشخاص؟ فأي هذه المصالح يكون الشرع رهنا بها وتبعًا لها؟

أليس معنى تبعية الشرع للمصلحة أن الشرع قد قدم استقالته من دوره المنوط به في هداية المجتمع، وإمساك دفة التوجيه والإصلاح فيه، ثم ترك تلك الدفة تقودها المصالح، وتُسيّرها المنافع التي سرعان ما يتوهم المنتفعون بها أنها من قبيل الضرورات ثم يتذرعون بها إلى استباحة المحظورات؟!

إن ثمة فرقًا هائلا قد يغفل عنه الغافلون بين المصالح الحقيقية التي لا مفسدة فيها عاجلًا أو آجلًا للنفس أو للغير، وبين المصالح الموقوتة الزائفة التي تختلط بالمفسدة على أي نحو من الأنحاء، فما يقترن بالشرع ويرتبط به هو المصالح الحقيقية، أما ما يخرج عن إطاره فهو ما يُظن مصلحة، وليس هو كذلك، وإنما هو الهوى والغرض، وكم انخدع الناس بتجارب وممارسات هللوا لها، وتوهموا أنها المصلحة، وإذا بمفاسدها تتوالى، وإذا بهم يشقون بها أشد الشقاء، ولو أنهم ربطوا مصالحهم بالشرع، وجعلوها تابعة لأوامره ونواهيه لتحققت تلك المصالح على وجهها المستقيم، ولكان ذلك خيرًا وأحسن توفيقًا.

الفقه ومقاصد الشريعة

عندما بحث الفقهاء في (مقاصد الشريعة) كانوا يهدفون من وراء ذلك إلى الكشف عن محاسنها وحكمها وغاياتها الرفيعة، لكنهم -بثاقب فطنتهم- لم يكونوا غافلين عن أن بعض الأفهام الخاطئة قد تنحرف في تصورها لهذه المقاصد بسوء فهم أو بسوء نية.

إن مقاصد الشرع أو غاياته وحِكَمه مشتقة من نسيج الأحكام الشرعية والتكاليف الإلهية، ومستنبطة من مجمل أدلتها المستقاة من الكتاب والسنة، فلا يتصور إذًا أن تتحقق مقاصد الشريعة بطريق غير طريق تلك التكاليف الشرعية، ولا يتصور أن تكون مقاصد الشريعة مقحمة على الأحكام الشرعية التي أدت إليها وأثمرتها، فضلا عن أن تكون غريبة عنها أو مناقضة لها.

فإذا قلنا: إن الحكمة من فريضة الصوم مثلا تتمثل في تأديب النفس، وتربية الضمير، وسلامة البدن، فلا يتصور عاقل أنه حين تتحقق تلك الأمور -بأية وسيلة أخرى غير الصوم- فقد أُنجِز “المقصد” من تلك الفريضة، وانتفت تبعًا لذلك الحاجة إليها، بل إن فريضة الصوم – كانت ولا تزال وستظل- فريضة مكتوبة على المسلم حتى وإن تحققت تلك الأمور على أيّ نحو من الأنحاء!

لكن بعض الأفهام الخاطئة قد تحيد عن هذا التصور المستقيم، فتجعل (المقاصد الشرعية) بديلًا عن الأحكام التكليفية ذاتها، ويصبح المطلوب – كل المطلوب عند أصحاب هذه الأفهام- هو تحقيق “المقصد” بأي سبيل وبأي طريق، سواء كان هذا الطريق متفقًا مع الأحكام التكليفية المستنبطة من النصوص الشرعية أم غير متفق، بل وحتى لو تحقق هذا المقصد بالتغاضي عن الأحكام التكليفية حينًا، أو بإهمال النصوص التي استقيت منها حينًا آخر.

لقد فات على أصحاب هذه الأفهام أن المقصد الشرعي كالثمرة، وأن الأوامر الشرعية كالشجرة التي أثمرتها، فهل يُعقل أن تنبت ثمرة بلا شجرة؟ أو ينهض بناء على غير أساس؟

إن ثمة محاذير تلوح في الأفق من جرَّاء شيوع استخدام قضية المقاصد الشرعية على غير وجهها، وذلك تحت لافتات براقة خداعة؛ كالدعوة إلى استلهام (روح الشريعة) حتى وإن تم ذلك على حساب النصوص الشرعية والأحكام التكليفية، وما هذه الدعوة وأشباهها إلا محاولة للالتفاف حول النصوص ثم التنصل منها، وهيهات أن تنفصل (روح الشريعة) عن نصوصها وتكاليفها إلا حين تزيغ الأبصار، وتنطمس البصائر !!

 


* نُشر هذا المقال في مجلة الأزهر (عدد شهر ذي القعدة لعام 1444).

إن دور رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في إرساء معالم النظام الجنائي الإسلامي هو دور بارز، عميق الأثر، بحيث تستطيع القول بأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- هو الذي أعطي النظام الجنائي الإسلامي -في حدود ما ورد في كتاب الله تعالى- معالمه وأسسه، وحدد المبادئ والقيم التي سيطرت عليه، وبيّن المصالح التي استهدف حمايتها.

ولم يكن دور الرسول في هذا المجال مقتصرًا على الجانب التشريعي، بما أرساه من مبادئ وما وضعه من قواعد. وإنما كان له الدور القضائي البارز، بتطبيقه هذه المبادئ والقواعد على الأقضية التي عرضت عليه. وكان له -صلى الله عليه وسلم- الدور الفقهي كذلك بشرحه وتفصيله ما أجمله القرآن الكريم.

إن دور الرسول الكريم في إرساء معالم النظام الجنائي الإسلامي دور ضخم والحديث فيه يتشعب ويطول. ونرى في هذه الدراسة أن نسرد الأحاديث النبوية الشريفة التي تناولت أسس النظام الجنائي الإسلامي وأرستها.

ونرى تقسيم هذه الدراسة إلى فصول ثلاثة:

الفصل الأول: نعرض فيه المبادئ التي أرساها الرسول -صلى الله عليه وسلم- في مجال القسم العام من النظام الجنائي الموضوعي، أي المبادئ العامة في التجريم والعقاب.

الفصل الثاني: نتناول فيه المبادئ التي أرساها الرسول -صلى الله عليه وسلم- في مجال القسم الخاص من النظام الجنائي الموضوعي، أي تحديد الأفعال التي تُعد جرائم، والعقوبات المقررة لها.

الفصل الثالث: نتناول فيه المبادئ التي أرساها الرسول -صلى الله عليه وسلم- في مجال النظام الجنائي الإجرائي.

الفصل الأول

القسم العام

من النظام الجنائي الموضوعي

أرسى الرسول -صلى الله عليه وسلم- في مجال المبادئ العامة في التجريم والعقاب المبادئ التالية:

أولاً: مبدأ عدم رجعية قواعد التجريم والعقاب:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعمرو بن العاص حين أسلم: “إن الإسلام يَجُبُّ ما قبله”. ويعني هذا الحديث أنه لا عقاب على ما اقترف في الجاهلية من أفعال صار الإسلام بعد ذلك يجرمها. وتطبيقًا لهذا المبدأ، فإن الرسول لم يحاسب أحدا على فعل كان قد اقترفه في الجاهلية.

بل إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد توسع في تطبيق مبدأ عدم رجعية قواعد التجريم والعقاب، فلم يحاسب أحدًا على معصية اقترفها قبل دخوله الإسلام ولو كان ذلك بعد بدء الرسالة. وبناءً على ذلك، فإنه لم يحاسب أبا سفيان وزوجته على إيذائهما البالغ له وكيدهما للدعوة الإسلامية، ولم يقتص عليه الصلاة والسلام من قاتل عمه حمزة بن عبد المطلب، على الرغم من أن هذا القتل قد آلمه أشد الإيلام.

ثانيًا: المساواة بين الناس في المسئولية:

أقر الرسول -صلى الله عليه وسلم- هذه المساواة التي تكاد تكون مطلقة بين مرتكبي الجريمة، أيا كانت أنسابهم وأحسابهم، في قوله “إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطع محمد يدها”.

وقال كذلك “كلكم لأدم، وآدم من تراب، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى”. وقال أيضًا “الناس سواسية كأسنان المشط”.

وقد أطلق الرسول -صلى الله عليه وسلم- مبدأ المساواة، إلى حد إنكاره أية حصانة يتمتع بها رئيس الدولة إذا ما اقترف فعلاً تؤثمه قواعد الشريعة الإسلامية.

وطبق ذلك على نفسه، باعتباره أول رئيس للدولة الإسلامية، فقال -صلى الله عليه وسلم-: “أيها الناس من كنت جلدت له ظهرًا، فهذا ظهري فليستقد منه، ومن كنت شتمت له عرضًا، فهذا عرضي فليستقد منه، ومن كنت أخذت له مالاً، فهذا مالي، فليأخذ منه، ولا يخشى الشحناء، فإنها ليست من شأني، ألا وأن أحبكم إلى من أخذ مني حقًا إن كان له، أو حللني فلقيت ربي، وأنا طيب النفس”.

ثالثا: مبدأ شخصية المسئولية، أي عدم جواز مساءلة شخص عن فعل غيره:

أرسى الرسول -صلى الله عليه وسلم- هذا المبدأ في قوله: “لا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه، ولا بجريرة أخيه، ولا يجني عليك، ولا تجني عليه”.

رابعا: تَطَلُّب ماديات لقيام الجريمة، أي تطلب ركن مادي للجريمة:

أرسى الرسول -صلى الله عليه وسلم- هذا المبدأ فقال: “إن الله تعالى تجاوز لأمتي عما وسوست به أنفسها، ما لم تعمل به أو تتكلم”. وقال كذلك: “من همَ بحسنة فلم يفعلها كتبت له حسنة، ومن هم بسيئة فلم يفعلها لم يكتب له شيء”.

ويتصل بالركن المادي للجريمة تقرير الرسول -صلى الله عليه وسلم- مبدأ صلاحية “الامتناع” أو “الترك” لتقوم به الجريمة، فقال: “من كان عنده فضل ظهر، فليعد به على من لا ظهر عنده، ومن كان عنده فضل زاد فليعد به على من لا زاد عنده”. ومن هذا الحديث استخلص الفقهاء تجريم الامتناع.

خامسًا: اشتراط معنويات لقيام الجريمة، أي تطلب ركن معنوي للجريمة:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في تقرير هذا المبدأ: “إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى”. ويعني هذا الحديث أن النية التي تصحب الفعل هي التي تحدد قيمته الدينية والاجتماعية الايجابية أو السلبية. ومؤدى ذلك أن “النية” هي التي تحدد ما إذا كانت تقوم بالفعل جريمة أو لا يقوم به شيء من ذلك. والنية ظاهرة نفسية معنوية، وتطلبها لقيام الجريمة، يعني تطلب ركن معنوي لها.

سادسًا: الاعتراف بموانع المسئولية الجنائية:

أقر الرسول -صلى الله عليه وسلم- مبدأ الاعتراف بوجود أسباب تحول دون المسئولية الجنائية، على الرغم من ارتكاب الفعل الذي تقوم به الجريمة، فقال عليه الصلاة والسلام: “رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق”، وقال كذلك “رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه”.

ويخلص من الجمع بين الحديثين أن موانع المسئولية الجنائية التي أقرها الرسول -صلى الله عليه وسلم- هي: صغر السن، والنوم، والجنون، والخطأ، والنسيان والإكراه.

سابعًا: الاعتراف بالدفاع الشرعي كسبب للإباحة:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في شأن الاعتراف للدفاع الشرعي بدوره كسبب للإباحة “من مات دون ماله فهو شهيد”، ويستخلص من هذا الحديث أن من مات دفاعًا عن نفسه أو عرضه فهو من باب أولى شهيد. وإذا كان المدافع يعتبر شهيدًا إذا مات دفاعًا عن حقه، فهو بالضرورة إذا لم يمت لا يكون عليه تثريب أو عقاب، بل إن دفاعه يعد فعلاً يحمد له إقدامه عليه.

بل إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد ارتقى بالدفاع الشرعي من مرتبة الحق إلى مرتبة الواجب.

ولم يقصر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- واجب الدفاع عن نفس أو مال من صدر عنه فعل الدفاع، بل لقد مد نطاقه إلى الدفاع عن نفس أو مال الغير، فقال عليه الصلاة والسلام: “من كشف عن مسلم كربة من كرب الدنيا كشف الله عنه كربة من كرب يوم القيامة”. وقال كذلك “ما من امرئ مسلم يخذل امرءًا مسلمًا في موضع تنتهك فيه حرمته ويقتص فيه من عرضه إلا خذله الله تعالى في موطن يحب فيه نصرته”.

ثامنًا: الاعتراف باستعمال السلطة كسبب للإباحة، ووضع الحدود له:

قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- في شأن الاعتراف باستعمال السلطة كسبب للإباحة “على المرء السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة”. وقال كذلك “لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق”. وقال أيضًا “إنما الطاعة في المعروف”.

وتعني هذه الأحاديث أنه يتعين على المرء أن يطيع الحاكم فيما يأمره به، ويطيع كذلك ممثلي الحاكم، وهم عماله وموظفوه. ولكن لهذه الطاعة حدودها: فإذا كان أمر الحاكم أو ممثليه بمعصية، فلا تجوز الطاعة.

تاسعًا: المبادئ التي تحدد معالم النظام العقابي الإسلامي:

النظام العقابي -بصفة عامة- يتضمن مجموعة القواعد التي تحدد أساليب تنفيذ العقوبات في ضوء أغراض اجتماعية معينة.

وقد أرسى الرسول -صلى الله عليه وسلم- مجموعة من المبادئ الأساسية حددت معالم النظام الإسلامي، وأهم ما يتضمنه من قواعد، وذلك على الوجه التالي:

  1. عدم جواز تعدي العقوبة حدها الأقصى المقرر لها، وعدم جواز أن تقرر لجريمة العقوبة المقررة لجريمة أشد منها:

قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- في ذلك: “من بلغ حدًا في غير حد، فهو من المعتدين”. ويعني هذا الحديث أنه لا يجوز أن يوقع الحد من أجل جريمة من جنس الجريمة المقرر لها الحد، ولكنها أقل منها جسامة. وعلى سبيل المثال، لا يجوز أن يوقع حد الزنا من أجل جريمة ماسة بالعرض ولكنها دون الزنا جسامة، ولا يجوز أن يوقع حد السرقة من أجل جريمة اعتداء على المال دون السرقة.

  • عدم جواز تعيير المجرم بجريمته:

أوصى الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعدم تعيير المجرم بجريمته.

ويستخلص من ذلك مبدأ عام يقرر الاعتراف للمجرم -على الرغم من إجرامه- بإنسانيته وكرامته، فقد يكون من شأن ذلك أن يعود إلى الصواب. وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمن عيروا مجرمًا بجريمته: “لا تعينوا عليه الشيطان”.

  • العفو عن القصاص:

أوصى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالعفو عن القصاص حتى يسود الوفاق والمحبة بين الجاني وعائلته وبين المجني عليه وعائلته. فقال “ما زاد عبد بعفو إلا عزًا” وقال أنس بن مالك رضي الله عنه: “ما رفع إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمر فيه قصاص إلا طلب فيه العفو”.

  • دور التوبة في النظام العقابي الإسلامي:

عظَّم الرسول -صلى الله عليه وسلم- من شأن التوبة، وجعلها مطهرة نفس المؤمن من إثمه وماحية عنه وزر جريمته، فقال عليه الصلاة والسلام “إن السارق إذا تاب سبقته يده إلى الجنة، وإن لم يتب سبقته يده إلى النار”.

  • الترفق بالمجرم أثناء تنفيذ العقوبة فيه:

أوصى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالترفق بالمجرم أثناء تنفيذ العقوبة فيه، وعدم تجاوز القدر من الشدة الذي وضعه الشارع فيها، فقال عليه الصلاة والسلام “اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه”. ويعد المنوط به تنفيذ العقوبة متوليًا أمر المسلمين في هذا الجانب من جوانب حياة المجتمع الإسلامي.

الفصل الثاني

القسم الخاص

 من النظام الجنائي الموضوعي

تمهيد:

نفصل في هذا القسم القواعد التي أسبغ بها الرسول -صلى الله عليه وسلم- صفة الجريمة على الأفعال التي ارتأى أنها ضارة بالمجتمع أو خطرة عليه.

وهذه القواعد ذات أهمية كبيرة في مجال “التعزير”. والمراد بجرائم التعزير جرائم لم يرد في شأنها حد أو قصاص، وإنما ترك أمر تجريمها لولي الأمر، أي السلطة العامة في المجتمع. ولكن شرط تجريم السلطة العامة لها أن توصف بأنها “معصية”. وكل ما نهى عنه الرسول -صلى الله عليه وسلم- فهو معصية، ويتعين أن يكون -بناء على ذلك- موضعًا للتعزير.

ونجمل فيما يلي أهم هذه المبادئ:-

أولاً: مصالح الأفراد التي يحميها الشارع الإسلامي بالتجريم والعقاب:

أبرز الرسول -صلى الله عليه وسلم- أهم حقوق الأفراد التي يحميها الشارع الإسلامي بالعقاب، فقال: “كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه”. وأبرز بعد ذلك تفوق الحق في الحياة على ما عداه من الحقوق من حيث الجدارة بالحماية الجنائية، فقال: “أول ما يقضى به بين الناس يوم القيامة في الدماء”.

ثانيًا: تجريم المبارزة، وتجريم القتل بالرضاء:

وضع الرسول -صلى الله عليه وسلم- مبدأ تجريم المبارزة، فقال “إذا التقي المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار. قالوا، يا رسول الله هذا القاتل، فما شأن المقتول، قال، فإنه كان حريصًا على قتل صاحبه”.

ومن هذا الحديث يستخلص تجريم القتل بالرضاء، إذ أن القتل الذي يقع أثناء المبارزة هو في حقيقته قتل بالرضاء.

ثالثًا: تجريم شرب الخمر:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في ذلك “من شرب الحمر فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب الرابعة فاقتلوه”.

رابعًا: تجريم الفتنة:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في هذا الشأن “ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع، فاضربوه بالسيف كائنًا من كان”.

خامسًا: تجريم الرشوة:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في شأن هذا التجريم: “لعن الله الراشي والمرتشي والرائش الذي يمشي بينهما”. وقال كذلك “هدايا الأمراء غلول، وهدايا الأمراء سحت”. وقال أيضًا “ما بال أقوام نستعملهم على ما ولانا الله، فيقول هذا لكم، وهذا أهدي إلي، فهلا جلس في بيت أبيه، فنظر أيهدى له أم لا.

سادسًا: تجريم السب:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في شأن تجريم السب: “المسلم أخو المسل لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره”. وقال أيضًا “سباب المسلم فسوق وقتاله كفر”. وقال كذلك “إن من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق”.

سابعًا: تجريم شهادة الزور:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في شأن تجريم شهادة الزور “ألا أنبئكم بأكبر الكبائر”، قلنا بلى يا رسول الله، قال “الاشراك بالله وعقوق الوالدين، ألا وقول الزور، وشهادة الزور”.

ثامنًا: تحديد الجرائم المعاقب عليها بالإعدام:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بيان الجرائم المعاقب عليها بالإعدام “لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك للجماعة”.

الفصل الثالث

النظام الجنائي الاجرائي الإسلامي

تمهيد:

أرسى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مجال النظام الجنائي الاجرائي الإسلامي، مجموعة من المبادئ الأساسية. وهذه المبادئ تعد ركائز هذا النظام. وتعتبر في النظام الإجرائي المعاصر أهم المبادئ التي يستند إليها، وأهم ضمانات الحقيقة والعدالة والحيدة في إجراءات التحقيق والمحاكمة والتنفيذ العقابي.

وفيما يلي أهم هذه المبادئ:

أولاً: درء الحدود بالشبهات:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- “إدرؤا الحدود بالشبهات، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة”.

ونستخلص من هذا الحديث مجموعة من المبادئ التي تتفرع عن أصل “درء الحدود بالشبهات”، وهذه المبادئ هي:

  1.  تفسير الشك لمصلحة المتهم.
  2.  تقرير أن الأصل في الإنسان البراءة.
  3.  وجوب استناد الإدانة إلى اليقين.
  4.  جواز استناد البراءة إلى الشك.

إن هذه المبادئ الجوهرية التي تعتبر الآن من أبرز معالم النظام الإجرائي الحديث، وأهم ضمانات الحرية والعدالة فيه، قد أوجزها هذا الحديث الشريف في العبارة السابقة التي بلغت صياغتها غاية في الدقة والبلاغة والإعجاز.

ثانيًا: مبدأ التزام القاضي بتحقيق وقائع الدعوى قبل الحكم فيها:

ضرب الرسول -صلى الله عليه وسلم- المثل الأعلى في وجوب أن يحقق القاضي الدعوى تحقيقًا دقيقًا ويتعرف على تفاصيلها قبل الحكم فيها، ووجوب أن يتيح للمتهم كل فرص الدفاع، بل وأن ينبهه إلى وسائل الدفاع التي يمكنه أن يتذرع بها، وأدلة البراءة التي يسعه الاحتجاج بها.

يتجلى ذلك في وضوح حين جاء “ماعز بن مالك” الرسول -صلى الله عليه وسلم- مقرًا بالزنا ومصرًا على إقراره، فلم يسارع الرسول إلى إنزال الحد به، بل قال له “لعلك قبلت لعلك لامست” وأخذ الرسول -صلى الله عليه وسلم- يستفسر منه عن حقيقة فعله، ويسأله عن ظروفه، ويفتح له سبيل الرجوع عن اعترافه.

إن هذا المبدأ الذي أرساه الرسول -صلى الله عليه وسلم- يتضمن توجيهًا وأمرًا إلى جميع القضاة أن يتحروا الحقيقة قبل الحكم في الدعوى، وأن يحققوا وقائع الدعوى تحقيقًا كاملًا. وألا يقبلوا اعترافًا على علاته، وأن ينبذوا مبدأ “الاعتراف سيد الأدلة”، وأن يمحصوا كل جوانب الدعوى، ويفسحوا للمتهم كل أساليب الدفاع، بل وأن يوحوا إليه بوسائل الدفاع وأدلة البراءة.

ثالثًا: مشروعية الدليل:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- “إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا يغتب بعضكم بعضًا، وكونوا عباد الله إخوانا”. وقال كذلك “إن الخطيئة إذا أخفيت لم تضر إلا صاحبها، ولكن إذا ظهرت فلم تنكر ضرت العامة”. وقال أيضًا “أيها الناس من ارتكب شيئًا من هذه القاذورات فاستتر، فهو في ستر الله، ومن أبدى صفحته أقمنا عليه الحد”.

هذه الأحاديث تتضمن نهيًا صريحًا حازمًا عن التجسس، فهو هي ذاته معصية، وتتضمن كذلك نهيًا عن الحصول على الدليل بالتجسس، أو -قياسًا- بأي أسلوب يتضمن انتهاكًا للحرمات أو هتكًا للحياة الخاصة للمتهم.

ويمكن أن يستخلص من ذلك مبدأ أساسي، مؤداه وجوب أن يبني الدليل على إجراءات مشروعة، وأن يستخلص من مصدر مشروع، وإلا عوقب من حصل عليه بهذا الأسلوب، وكان الدليل في ذاته غير صالح لأن يعتد به.

رابعًا: تطلب شروط في الشاهد تضمن نزاهته وحياده:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في تحديد الشروط العامة المطلوبة في الشاهد کي تقبل شهادته “لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين”.

وهذا الحديث نستخلص منه نظرية عامة، مضمونها أنه لا يجوز للقاضي أن يقبل شهادة أي شخص، بل إن عليه أن يتحرى فيه صفات خاصة تكفل عدله ونزاهته وحياده وموضوعيته.

خامسًا: عدم جواز انتزاع الدعوى من حوزة السلطات العامة، وبصفة خاصة القضاء، بعد أن دخلت فيها:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- “إذا بلغت الحدود السلطان فلعن الله الشافع والمشفع”.

هذا الحديث الذي ورد في الحدود، ويقاس عليها التعزير، يقرر أنه إذا بلغ أمر الجريمة السلطات العامة، ويدخل فيها القضاء بالضرورة، فإن هذه السلطات تصير ملتزمة بأن تنظر فيها وتصدر الحكم الذي تقضي به قواعد الشريعة، وتلتزم بتنفيذ هذا الحكم على من صدر عليه. ويفرض هذا الحديث على الناس جميعًا احترام هذا الالتزام الذي غدت السلطات العامة تحمله، وما يتفرع عن هذا الالتزام من ولاية واختصاص: فمن حاول الافتئات عليه، وانتزاع الدعوى من حوزة السلطات، فقد أثم إلى درجة أنه يستحق لعنة الله كائنًا من كانت منزلته، وأيًا كان قدره.

خاتمة

هذه لمحات من الدور الكبير الذي اضطلع به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في إرساء قواعد النظام الجنائي الإسلامي وتحديد معالمه واستكمال بنيانه. وإنه لدور عظيم خالد خلود رسالته التي صنعت حضارة إنسانية، هي أعظم الحضارات التي عرفتها البشرية على مدى تاريخها الطويل، ولن تعرف حضارة تفضلها، سواء من حيث القيم الأخلاقية التي قامت عليها، أو من حيث المصالح الاجتماعية التي استهدفت تحقيقها.

وإن هذا التراث العظيم الذي خلفه لنا الرسول جدير منا -نحن أمة الرسول- أن نحله حيث ينبغي أن يكون: تقديرًا واحترامًا، ودراسة وبحثًا، وتطبيقًا لأصوله وقواعده.

جزى الله تعالى رسوله الكريم خير ما يُجزى به نبي عن أمته، ورسول عن قومه، وجعل رسالته نورًا ورحمة، وهدى وخيرًا لأبناء البشر جميعًا.

————————————————————–

* كُتيب نشرته دار النهضة العربية (القاهرة)، عام 1984م.

يتعامل رجل القانون دائما مع نصوص، سواء بالنسبة لعمله النظري والتفسيري، وبالنسبة لممارسته التطبيقية في القضاء والإفتاء؛ لأنه دائما يتعامل مع مبادئ وقواعد مصوغة في عبارات عامة، كما أنه يتعامل مع وقائع وأحداث جرت وتمت ويتلقاها هو في صياغات خبرية، فهو في الأغلب الأعم لا يتعامل مع الحدث إبان حدوثه ولا مع الواقعة في حال جريانها، ولكنه يتعامل معها عند الإخبار عنها بعد تمامها، ويكون التحقق من صواب الإخبار عنها جزءا من عمله، وذلك في مجال عمله التطبيقي وتكون غاية عمله التطبيقي هي إنزال أحكام النصوص المصوغة في مبادئ وقواعد عامة على ما أخبر به الواقع من أحداث ونوازل معينة، وذلك لتقرير المركز القانوني الشرعي لمن تلحقهم آثار الحدث بعد تمامه.

فثمة قاعدة عامة ومبدأ عام مصوغ في نصوص وهو ما نسميه التشريع أو القاعدة القانونية، وثمة إخبار بواقع حادث صيغ في نصوص أيضا، وهو ما نسميه الدليل الذي تحكمه قواعد الإثبات، ولكن شتان ما بين النوعين من النصوص من حيث الطبيعة ومن حيث طرائق التعامل مع كل منهما، وإن منهج التعامل مع النص يختلف حسب طبيعته وما أعد من أجله، تشريعيا كان هذا النص أو إخباريا يتعلق بوزن الدليل على ثبوت الوقائع.

والنص عامة هو عبارات محددة بألفاظها يراد بها معنى من المعاني، وهو عبارات مكتوبة أو مروية تثبت برسمها ويتناقلها الناس بحرفها، وإن المتلقي لها يستخلص منها دلالات فكرية حول معنى من المعاني ويرتب عليها النتائج، بمعنى أنها تشكل صيغة من العبارات المحددة بكلمات وألفاظ تفيد معاني وتنتقل إلى الناس بالقراءة أو بالسماع، وهم يتعاملون معها ويتفاعلون معها، وهنا يرد الفارق الأساسي في النصوص، بين ما يمكن أن نسميه “النص التشريعي” الذي يتعلق بمبادئ وقواعد عامة، وبين ما نسميه هنا “النص الإخباري” أو النص التاريخي الذي يتعلق بذكر واقعة أو حادث، ويقوم به دليل على ثبوتها أو نفيها.

النص التشريعي يتشكل في صورة نموذج قابل للتكرار بموجب طبيعته وبمقتضى أصل وظيفته المؤداة أو المقصود تأديتها، وهو آمر بشيء أو ناه عن شيء أو مرتب لأثر ونتيجة على فعل أو مقدمة. والنص الإخباري أو التاريخي يتشكل في صورة إخبار عن واقعة أو حادثة نزلت من وقائع الزمان الماضي أو الحاضر أو يمثل قولا عنها أو تعليقا عليها فهو مثبت لوجوه ممارسة، وهو ذكر نازلة أو بيان موقف عيني أو فعل لبشر أو قول لبشر. ولكل من هذين النوعين أساليب مختلفة ومناهج متباينة في التعامل.

وجوه تفهم النص التشريعي

النص التشريعي نص معد لكي يحكم تصرفات الناس بعد صدوره، سواء أكانت معاملات كبيع وزواج أو سلوكيات كصلاة وصوم أو عقوبات، وهو بأصل وجوده نص “متعد” وليس مجرد نص “لازم” بالمعنى اللغوي لهذين المفهومين، أي أنه نص لا ينفذ على مصدره فقط ولا تقتصر دلالته في شأن من أصدره ولا تنحصر دلالته في محتوى عيني له، إنما هو دائما يتعدى إلى الغير، بل إن المقصود من إصداره هو أن يتعدى إلى الغير ويحكم أنشطتهم.

والنص التشريعي يصدر في الحاضر، أي في الزمان الذي يصدر فيه، فلا ترد دلالته ولا أثره على الماضي الذي تم وجرى قبله، وذلك سواء أكان نصا تشريعيا إلهيا ورد بالقرآن الكريم “وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا”، وكذلك: “… إلا ما قد سلف”، بمعنى أن النص المحرم لزواج معين لا يسري على ما سلف من زيجات مخالفة له، سواء أكان كذلك أو كان نصا تشريعيا وضعيا ورد في قوانين الدولة “مبدأ عدم رجعية القوانين”. فهو دائما نص “قبلي”، أي يصدر قبل ما يتعامل معه من أحداث، من حيث استخلاص مفاده مما هو تال لصدروه وخاضع لمجاله، ومن حيث تطبيق دلالته على ما يعقبه.

بينما النص الإخباري هو نص تاريخي، أي أنه ابن زمن حدوثه، فهو نص لازم يتعلق بما أورد من وقائع وأحداث، لا يتعدى إلى وقائع وأحداث غير ما ورد به، ولا يحكم أحداثا أو أشخاصا غير من اشتملهم ببيانه، وهو من جهة أخرى يصدر في الحاضر الذي صيغ فيه، وتنصرف آثاره ودلالته إلى الماضي الذي سجله، والذي يكون تم من قبل، فهو نص عيني تنحصر دلالته ومفاداته على ما شمله من واقعه ومن شملهم من أشخاص، وهو نص “بعدي”، أي أنه نتج وصدر بعد الحدث الذي يدل عليه، وليس شأنه في ذلك شأن النص التشريعي الذي يصدر قبل الحدث الذي يدل عليه.

وهذه الفروق في طبيعة كل من النصين أنتجت فروقا كبيرة فيما يتعلق بمنهج تناول أي منهما وطريقة التعامل معه، ونحن في عملنا القانوني التطبيقي ننزل حكما واردا بنص تشريعي على واقعة أو تصرف وارد بنص إخباري.

النص التشريعي هو نص نموذج، ودلالته معدة لكي تكون قابلة للتكرار، وآثاره معدة لتكون عابرة للزمن، لذلك يتضمن القدر اللازم من التعميم والتجريد، وأن يصدق على الأفعال المشار إليها فيه بأوصافها لا بأعيانها، وأن يصدق على الأفراد الذين يلحقهم حكمه بأوصافهم لا بذواتهم، ومن هنا كان أول درس يتلقاه طالب الحقوق عن نظرية القانون هو أن القاعدة القانونية لا بد أن تكون عامة ومجردة، بمعنى أنه يتعين أن تعالج بطريقة تجعلها تسري على الأحداث والأشخاص بموجب ما يتوافر في أي من ذلك من وصف موضوعي، والنص هنا هو حكم يتعلق بأمر أو نهي أو بوضع مثل “كلما جرى كذا وجب أن يحدث كذا”، فهو يضع شرطا لتصرف أو يرتب نتيجة على تصرف، بغض النظر عن ذوات الأفراد وعينيات الأفعال.

والنص التشريعي بذلك يصوغ نموذجا قابلا للتكرار، وإن لم تكن فيه هذه القابلية فهو لن يكون نصا تشريعيا، وهو لن يكون كذلك إلا باشتماله على عنصر يتوافر مع توالي الزمن وتكراره، وأن يكون عنصرا حاضرا في الأزمان التالية، يؤثر في غيره ويتأثر به، مثل “إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه”، “إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير”، ومثل ما يرد بالقانون الوضعي “كل من اختلس منقولا مملوكا لغيره فهو سارق”، “يعاقب بالحبس مع الشغل على السرقات التي تحصل في مكان مسكون”، “لا يجوز أن تزيد ملكية الشخص من الأراضي الزراعية على خمسين فدانا”، “كل عقد يترتب عليه مخالفة هذا الحكم يعتبر باطلا”، “كل خطأ سبب ضررا للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض، عن الضرر الذي لحق بالمضرور”.

النص هنا صيغ صياغة تجعله نموذجا لحالة وليس حالة بعينها، وهو بحسبانه نموذجا يكون قابلا للتكرار على كل ما يحدث من وقائع وتكون اتصفت بالأوصاف والأوضاع الواردة بالنص، ونحن عندما نتعامل مع مثل هذه النصوص يقابلنا نوعان من الأسئلة، نوع ينظر إلى عبارات النص وألفاظه أي إلى هيكل النموذج المعد وسمته ورسمه، ونوع آخر ينظر إلى الوقائع أو التصرفات أو الحالات التي تعرض على النص، أي إلى المادة التي سيتعامل معها النموذج.

ففي النوع الأول من الأسئلة، عن تحريم القرآن الكريم للخمر، يقابلنا السؤال عما هو الخمر وما هو الميسر وما هو الرجس وما هو الاجتناب، وفي قانون العقوبات يقابلنا السؤال عما هو الاختلاس، ما هو المنقول وما هو المملوك ومن هو الغير، وفي قانون الإصلاح الزراعي يقابلنا السؤال عمن هو الشخص وما هي الملكية وما هي الأرض الزراعية، وكلها من أسئلة النوع الأول التي تتعلق بدلالات ألفاظ النص وعباراته، وباستنباط ذلك من المعاني اللغوية ومن المعاني الاصطلاحية التي يعبر بها أهل كل علم أو حرفة، وكذلك مما جرت به أعراف التعامل والتفاهم بين الناس في كل صقع أو زمان، ونحن في إدراك هذه المعاني نكون ما زلنا نقف عند حدود نص جامد نتفهم دلالته في ذاته فقط، سواء باستنباط المعاني من مقتضياتها أو باستقراء دلالتها من سوابق ما اشتملت عليه من حالات.

أما النوع الثاني فهو ينظر إلى الواقع الحادث، أي الواقع الذي جد وحدث بعد صدور النص التشريعي وينظر إلى ما يعتمل في هذا الواقع وليس إلى العبارات في ذاتها، لذلك تكون أسئلته أسئلة عينية تتعلق بالحالات التي يراد إنزال حكم النص عليها، وهي حالات مفردة أو ظواهر مخصوصة طرأت من بعد، وأسئلته هي من نوع: هل المادة السائلة التي أمامنا هي خمر، وهل الذبيحة التي نشاهدها كانت ميتة قبل حز السكين أم أثناء ذلك أم بعده، وهل الأرض المشار إليها مملوكة وهل هي زراعية وما مساحتها ومن مالكها، إلى آخر هذه الأوصاف التي نستخلصها من الواقع المحسوس المحدد في كل حالة على حدة، أو من خلال ظواهر مخصوصة جدت ونريد أن نعرف في أي مركز شرعي أو قانوني يتعين أن نضعها.

وجه الثبات في النص

هذان النوعان من الأسئلة ومن وجوه النظر هما طرفا عملية تفهم النص التشريعي، وهذان الموضوعان ليسا منفصلين أحدهما عن الآخر، إنما هما متفاعلان يشكلان منهجا واحدا في فهم النص واستدعاء معناه مطبقا على حالة معينة أو حالات مخصوصة، وإن ما نسميه تفسيرا للنص التشريعي أو اجتهادا في فهم دلالته أو فقه أحكامه، إنما يتعلق بهذه العملية مطبقة على حالة أو حالات معينة، أو أنه استخراج لمعاني النص التشريعي منظورا في فهمه إلى سوابق أعماله على الحالات التي طبق بشأنها، وفي كلمة: فإن التفسير هو تحريك النص الثابت على الواقع المتنوع والمتعدد الحالات، وهو ما يصل بين ما تتناهى ألفاظه وعباراته في ذاتها، بما لا تتناهى حالاته في تنوعها وتعددها وإحداثها وتغيرها.

والنص التشريعي بذاته، أو بألفاظه وعباراته، هو دائما نص محافظ، وسواء أكان نصا قديما أو جديدا، وسواء أكان نصا ورد في كتاب سماوي لا يلحقه التغيير والتبديل لوروده من خارج الزمان والمكان، أو كان وضعيا يضعه الناس في كل حين ليحكم ما يتراءى لهم من شئون دنياهم في كل زمان ومكان، هو نص محافظ لأن وظيفته التشريعية أن يحكم واقعا يطرأ بعده، وأن يلزم حركة الواقع من بعد صدوره لكي تكون محكومة به غير خارجة عن ضوابطه ولو لم يرد به حاكموه الواقع التالي عليه ما كان يصدر أصلا، وحتى النص الوضعي الذي يصدره الناس لتغيير أوضاع في نظم حياتهم ومعاملاتهم حتى هذا النص الذي قصد به تغيير البيئة الاجتماعية القائمة عند صدوره، فهو أيضا له وجهة محافظة ترد إليه مما يحمل من أحكام ثابتة وما يفرضه من ذلك على واقع تال، بأشخاصه وعلاقاته.

وإذا كان ذوو الفكر الوضعي الفلسفي يستكثرون أن يحكموا بمبادئ الشريعة الإسلامية، لأنها تشمل نصوصا وردت في مصادر تشريعية أبلغت للناس من ألف وخمسمائة سنة، أو من قبل ذلك كما في أديان سابقة أخرى، فإن من النصوص الوضعية في البلاد الغربية والتي تبنت الفلسفة الوضعية في التشريع، إن منها ما يعود إلى مائتي سنة مثل القانون المدني الفرنسي الذي صدر أيام حكم نابليون فرنسا، ومنها سوابق تشريعية قضائية عرفتها بريطانيا مثلا من مئات السنين، ومجموعات القوانين التي صدرت في مصر سنة 1883 بعضها ظل يعمل لسبعين سنة تقريبا، مثل القانون المدني القديم الآخذ من القانون المختلط الصادر في 1875، وهو الآخذ من القانون الفرنسي وبعضها بهذه المصادر ذاتها ظل يعمل من بعد عشرات السنين في مصر مثل القانون التجاري والقانون البحري. وعاصر كل ذلك – سواء في فرنسا وإيطاليا أو في مصر – نظما سياسية ودستورية واقتصادية ومستويات تطور في الأساليب التقنية ومذاهب فكرية وثقافية وعادات عيش ونظم عمل، عاصر في كل ذلك من التغييرات ما لا يقل حجمه ولا وزنه وأثره ما حدث في العالم على مدى القرون السابقة، وعرف في بلادنا نظم احتلال أجنبي ونظم استبداد وديمقراطية ونظما رأسمالية واشتراكية، عاصر كل ما يعرفه القارئ من تطور وتغير في عشرات من السنين كثيفة الأحداث مزدحمة الوقائع متغيرة العلاقات متنوعة الثقافات.

النص والواقع المتغير

هذا عن وجه الثبات في النص التشريعي، وأما ما يتعلق بتعامله مع الواقع المتغير فإن هذا الوجه من وجوه منهج التفسير هو ما يكسب النص الثابت حركيته وفاعليته، وذلك بالخاصية الأولى التي ذكرتها، وهي أن النص معد في صياغته لأن يتجاوز زمن صدوره بما يلاحق ما يستجد من حالات، وهو معد لأن يتجاوز حدود ألفاظه لكي ينسحب على حالات ذات تنوع، وكل ذلك يجري بمناهج عقلية اجتهد رجال المنطق وعلماء أصول الفقه وفقهاء التفسير لأن يضعوا لها الضوابط والحدود.

لقد وضعت مناهج لتفسير النص التشريعي بما يمكن من تطبيقه على الواقع المتغير وعلى الحالات المتنوعة، ولهذا الأمر مناهجه في الفقه الغربي، مما ينقسم إلى مدارس ومذاهب، فيقال مدرسة الشرح على المتون والمدرسة التاريخية والمدرسة الاجتماعية وغير ذلك، وأساس الخلاف بينها في ضبط المنهج يتعلق بثبات النص ومحدودية معانيه الواردة بألفاظه وعباراته وبتغير وقائع الزمان والمكان وتنوع الحالات.. وفي فقه الشريعة الإسلامية وضعت مصادر لاستخراج الأحكام مثل القياس وضوابطه الذي يضيف إلى الحالات المنصوص عليها حالات أخرى وكذلك المصالح المرسلة التي تشغل من المجالات ما يقع بين المأمور به والمنهي عنه وما يقارب كلا منهما، وكذلك الاستصحاب والاستحسان لمن يقول به وغير ذلك، كما وضعوا مذاهب في تخريج الأحكام من خلال عباراتها ولاستقراء القواعد الشرعية العامة من الأحكام التفصيلية إدراكا للمقاصد العامة الهادية في التفسير وغير ذلك، ولا أريد أن أزيد في أمر يدخل بنا إلى ما يخرجنا عن السياق العام الذي نحاول رسم خطوطه العامة.

والذي أريد أن أشير إليه في هذا الحديث أن النص التشريعي له اتصال مباشر بزمان التطبيق، وليس بزمان الإصدار فقط، بل إن اتصاله بزمان التطبيق أكثر وثوقا من اتصاله بزمان الإصدار، ونحن كلما أعملنا حكمه في حالة عرضت في لحظة زمانية ما.. كان هذا النص ليس ابن الزمن الذي صدر فيه بقدر ما يكون ابن الزمن الذي أعمل فيه؛ لأنه ليس ماضيا ولى، ولكنه حاضر في هذا الزمن الذي نزلت فيه النازلة التي استدعت تطبيقه عليها، وإن أي واقعة تحدث في تاريخ معين يمكن أن تتجمع في حكمها مجموعة من النصوص وليس نصا واحدا فقط، فواقعة قتل شخص مثلا في سنة 2007 يحكمها قانون العقوبات الصادر في 1937 بالنسبة للجريمة وقانون الميراث الصادر في 1943 بالنسبة لواقعة الإرث واقتسام المال الموروث، وقوانين المعاشات والتأمينات الصادرة في 1975 مثلا أو ما بعدها بالنسبة لما يصرف لأولاده القصر وزوجته من معاش.

وهكذا، وكل من هذه القوانين صدر في وقت مختلف عن وقت صدور الآخر، ولكنها تجتمع في حكم الواقعة بصرف النظر عن تاريخ صدور كل منها، وهي تجتمع على ذات المستوى من الفاعلية بحسبانها كلها قوانين الحاضر بالنسبة للواقعة التي حدثت في 2007 مثلا، وأن أحكامها بحسبانها من “حاضر الواقعة” تتداخل في التفسير وتبين الدلالات.

وهذا النص التشريعي يتجدد تطبيقه وتتجدد دلالاته، وهو بتنوع الحالات التي تعرض له في التطبيق تغتني معانيه وما يستفاد منه من أحكام، وإنه مثل الكائن الحي الذي تكسبه الحركة والتعامل خصوبة وخبرة وثراء في الأثر والدلالات، وفي العمل القانوني التطبيقي نلحظ نصوصا تصير ثرية جدا وخصبة جدا في معانيها، ويمكن أن يوضع في تفسيرها ما لا يكاد يحصى من الشروح، نلحظ ذلك مع طول المعايشة في العمل التطبيقي حتى في داخل القانون الواحد، وذلك بسبب كثرة تعامل الناس بما يخضع لها من أحكام، نتيجة أوضاع اجتماعية أو ثقافية أو اقتصادية، والكثرة تفيد التنوع وكثرة التداخل بين الأنشطة وتستثير الالتباس والعمل على إعادة الضبط والتحديد، وتستثير الأذهان لتبيين الضوابط والفروق وتحديد الآثار المترتبة على الوقائع والتصرفات.

وعلى سبيل المثال، فإن الدستور المصري الذي صدر في سنة 1923 فيه مواد استغرقت جهودا هائلة في تفسيرها، وكان ذلك يعود إلى الصراع السياسي المحتدم إبان سريان الدستور بين أنصار التوسعة في الحركة الشعبية وبين أنصار التوسعة في سلطات الدولة والملك مثل المادة 15 الخاصة بحرية الصحافة، والمادة الخاصة بتنظيم الاجتماعات، وثمة نصوص ترد في كتب الشرح والمجموعات القانونية تسرد سردا مجردا، فلا يكاد يلتفت إليها، مثل المادتين 16 و17 الخاصتين بالتعليم في الدستور ذاته، وعلى سبيل المثال أيضا، أذكر منذ سنوات بداية عملي في مجلس الدولة في شبابي في النصف الثاني من القرن العشرين، كانت ترد إلينا في إدارة الفتوى بالمجلس المشاكل القانونية الخاصة بتطبيق قانون الإصلاح الزراعي وتحديد ما يستولى عليه لدى كبار الملاك، فكانت هناك نصوص تخضع لضغط كثيف في التطبيق من كثرة المشاكل وتنوع الحالات التي تعرض وهي النصوص الخاصة بما تستولي عليه الحكومة من الأرض وما تسمح للمالك باستبقائه وما يعتبر مملوكا للمالك وما لا يعتبر مملوكا، مثل المادتين 3 و4 من القانون 178 لسنة 1952 وما يليه، وكان ثمة مادتان لا يكاد يفطن إليهما قارئ القانون وهما المادتان 22 و23 منه الخاصتان بالحد الأدنى للملكية الزراعية وعدم جواز تفتيتها لأقل من فدانين وعدم جواز التجزئة لأن المتعاملين جميعا ابتعدوا عنها ولم يلتفتوا إليها ويكاد ألا يكون أحد طلب تطبيقها.

أردت بذلك كله أن أشير إلى أن النص التشريعي لا يتصل بزمان صدوره فقط، ولكنه يكاد يولد يوميا مع كل حادث أو تصرف يقتضي استدعاء حكم هذا النص، ويعتبر عنصرا من عناصر الحاضر، حاضر الواقعة الحادثة أو التصرف الصادر مما يخضع لمجال انطباق النص التشريعي.

النص الإخباري وحقيقته

أما النص الإخباري فهو يثبت حدثا أو ينبئ به، سواء أكان الحدث واقعة مادية أو كلاما قيل أو كتبا أو علاقة ظهرت أو أمرا تنظيميا جرى، أو كان شيئا من ذلك تغير وتعدل، هو واقعة أو فعل لبشر أو قول لبشر، على أن يتعين أن نلحظ أن النص الإخباري المعني هذا ليس هو فقط الواقعة التي نزلت وليس فقط العمل الذي مورس، ولكنه أيضا “الإخبار” بأي من ذلك بالكتابة أو بالرواية أو بأي صورة من صور التناقل أو التداول لما حدث.

فنحن هنا إزاء واقعة حدثت وحفظها بعد حدوثها ذكرها أو الإخبار عنها، ويتعين أن نتأمل في هذا الشأن، فإن الواقعة في بذاتها كان من شأن حدوثها أن تستوعب وتمتص فيما حولها من وقائع وأحداث وأن يذهب بها ويطمسها من بعد ما يتلوها من وقائع وأحداث تتلوها وتزيلها أو تغيرها أو تتراكم عليها بما يطمس تفردها وتبينها بحسبانها حدثا متميزا منظورا إليه في ذاته. ولكن ذكر الواقعة أو الإخبار عنها ثبتها أولا، فصار هذا الذكر لها أو الإخبار بها مما يبقي النبأ عنها حتى بعد زوالها أو استيعابها في غيرها مما يجري حولها أو يتلوها. ثم إن هذا الذكر لها أو الإخبار بها يحملها بالتناقل خارج محيط حدوثها، سواء في داخل الزمان الذي وقعت فيه إلى غير من تعاملوا مع وقوعها تأثيرا فيها وتأثرا بها، أو إلى خارج زمان حدوثها كله.

ونحن يتعين أن نتنبه هنا إلى أن ما تنوقل، أي ما تجاوز محيط حدوثه مكانيا أو زمانيا، ليس الحدث ذاته واقعة أو تصرفا، ولكن الإخبار عنه هو ما تنوقل وتجاوز محيطه الزماني أو المكاني، وهذا الفارق فارق جوهري، وهذا الفارق وضعنا مباشرة في صميم “نظرية المعرفة” التي تعتبر بابا من أبواب الفلسفة وعلومها، وهي ببساطة تتعرض للمسألة الفلسفية الخاصة بطبيعة المعرفة البشرية للموجودات الكائنة خارج الإدراك البشري وحدود هذه المعرفة ومدى مصداقيتها، ولكننا لا نتكلم في هذا المجال الفلسفي، وإنما نعرض لفكرة التمييز بين الواقعة أو الفعل كما حدث في ذاته وفي سياق ما أحاط به من أحداث سابقة ولاحقة ومواكبة، وبين إدراك الواقعة أو الفعل لدى من أثبتها ونقلها، أي لدى المخبر عنها حسبما صيغت لديه في نص كلام مكتوب أو مروي، وهنا ندخل في مجال نظرية الإثبات في القانون فيما يتعلق بالشهادة والإقرار وتبيين القرائن وغير ذلك، ولكنني هنا لا أتكلم في هذا المجال المتسع الأرجاء المتعدد الوجوه، إنما أتكلم فقط فيما يخص الفرق الأساسي بين ما يشكل نصا إخباريا وبين النص التشريعي، أتكلم عما يخص هذا الفرق من زاوية واحدة تتعلق بمناحي استخراج الدلالات وما يفيد في ذلك.

والأصل في الإخبار عن الحدث أن يكون لصيقا به ولا يجاوزه، وإن كان الحاصل أيضا أنه يتضمن أثرا أسبغه عليه من تحول على يديه الحدث إلى الخبر بالإدراك له وبالنقل، وهو أثر يرد من إنشاء الخبر وذكره، وهو أثر يحتمل قدرا من التحوير والتغيير، بالإضافة إليه أو بالاجتزاء منه أو بالتبعيض له بذكر بعض مظاهره دون بعض، فما لا يعتبر لدى كثيرين مما يكمل الحدث، قد يعتبر لدى آخرين أجزاء متممة ومكلمة له وأن تكون من مقتضاه، كانتقال مال من يد شخص إلى يد شخص، يخبر بها معزولة عما يكملها من اتفاق أو أفعال غصب أو غير ذلك، والأمر أحيانا يدق فلا تكون الزيادة أو النقصان أو الاجتزاء مقصودة ممن أخبر بالحادث ولكنها تكون بسبب عدم تبين المخبر أو بسبب أن تكوينه العقلي المسبق وتجاربه السابقة لم تمكنه من استيعاب جملة ما يعتبر من أجزاء الحدث أو متمماته، مصداق ذلك ما ورد بالقرآن الكريم “أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى” (البقرة الآية 282).

ثم هناك التشكل العقلي والثقافي وما يولده نوع الخبرات المتراكمة لدى من ينشئ الخبر أو ينقله بما يجعل المخبر يسبغ على الحدث من أحكامه أو تقاريره أو أوصافه التعبيرية ما يتحول به الحدث على يديه إلى الإخبار عنه وصياغته في نص. فمثلا واقعة أن جماعة من الناس تجمعت في الطرق وصارت تهتف هتافا ما، فهذا حدث، ولكن الإخبار عنه قد يورد له وصفا، فهو انتفاضة أو ثورة أو فتنة أو تمرد شعب أو غير ذلك، وهذا الوصف هو ما أضافه الخبر إلى الحدث عندما صار نصا، وهو يحمل أثرا واضحا لمن نقل الحدث وحوله إلى خبر.

النص الإخباري وخصائصه

إن النص في هذه الحالة يكون وسيلة للإخبار بحدث، هو إدخال للحدث في صيغة كلامية من صيغ التعبير بالكتابة أو المشافهة، وهو في ذلك يحمل وصفا للحدث، وصفا ممن تولى صياغة الإخبار به، حسبما ذكر في الفقرة السابقة، فثمة عدد من الخصائص للنص الإخباري (أو النص التاريخي) وهي خصائص لصيقة به لا تكاد تنفك عنه، ومنها:

أولا: أنه نص يتعلق بحدث سابق عليه، أي أنه نص يكون معبرا ومخبرا عن حدث سابق، ومن ثم يكون نصا تاريخيا لأن وجود الخبر يقيد دائما وقوع المخبر عنه وأنه قد مضى.

والأحداث نوعان من حيث الزمان: نوع فوري الحدوث، أي يحدث بدءا وتماما في ذات اللحظة بما يصعب معه في تعاملات الناس الفصل الزمني بين البدء والتمام، مثل الصور المعروفة عن تعبير الشخص الطبيعي عن إرادته القانونية أو أي قول يصدر من شخص معين أو قتل إنسان أو ضربه، ونوع ممتد يستغرق زمانا يدركه الناس في معاملاتهم العادية، مثل القرار الإداري المركب الذي يتشارك في إصداره عدد من الجهات أو المجالس أو المؤسسات، ومثل أحداث التاريخ عامة كحرب مثلا أو عملية انتخابات لمجلس تشريعي تستغرق شهرا أو شهرين، فالغالب فيها أنها أحداث ممتدة زمانيا وليست من نوع ما يبدأ وينتهي في لحظته، إنما هي تبدأ وتستمر في التشابك وسط صراعات ومجادلات بين قوى عديدة، متعارضة أو متخالفة أو تتخلق في مراحل التشكل حتى يكون تمام اكتمالها هو تمام انتهائها وبداية ما ولدت من آثار، ويكفي أن نضرب مثالا على ذلك بحادث حرب أو حادث ثورة أو حادث بناء نظام سياسي.

وأن النص أو النصوص التي تخبر عن أي من الأحداث سواء أكانت أحداثا فورية أو ممتدة إنما تكون مما يخبر عن ماض تنبئ به وتصفه، ووصف الحدث عند ذكره يبدو في الغالب الأعم من الحالات لا مندوحة عنه، لأن الوصف يلتبس بالتعبير عن الحدوث، فأخذ المال من شخص إلى شخص لا يعبر عنه بهذا اللفظ إلا في النزر اليسير من الحالات، إنما يقال أعطى أو استولى أو استرد أو تقاضى أو منح أو استلم، والغالب من هذه الألفاظ أنها تحمل ظلالا من معان تعبر عن رضاء أو كره فضلا عن لفظ اقتحم أو اغتصب أو غير ذلك، والمهم هنا أننا نتعرض لحدث مفرد، ومهما كان له أو صار له من متشابهات فإنه معين بذاته وليس نمطا متكررا، أو بمعنى أدق ليس المقصود عند الإخبار عنه ذكر جنس له أو نوع، إنما المقصود إفراده بذاته بما ينبئ عنه ويبينه، ولذلك فإن من يتكلم عنه أو يبحثه أو يتعامل معه بأي من وجوه التعامل إنما يتعين أن يدخل إليه في ماضيه وينظر إليه ويستبينه في بيئته وفي سياقه الذي حدث فيه وتفاعل معه.

وهذا ما يفترق به تماما النص التشريعي عن النص الإخباري أو التاريخي من حيث الطبيعة والخصائص ومناهج التعامل معه، النص التشريعي نتفهمه في سياق ما يتلوه من وقائع، والنص الإخباري نتفهمه في سياق ماضيه وما واكب نزوله.

ثانيا: النص الإخباري بوصفه صيغة لإثبات حدث مضى أو تبيينه، يرتكز في مصداقيته على وسائل التحقيق لأدلة الإثبات للوقائع والتصرفات، أو لمنهاج التحقيق التاريخي للأحداث، ووسائل التحقيق والإثبات في مجال الحقوق والقانون معروفة للوالجين في مجال هذا العلم بفروعه المدنية والإدارية والجنائية، كما أن مناهج تحقيق الأحداث العامة والتاريخية معروفة لذويها، وفيها نقد الرواة الذين تناقلوا ذكر الحدث ونقد الوثائق والمستندات التي دلت عليه واشتملت على ذكره في مدوناتها.

ودلائل الثبوت هنا تتراوح في القوة والضعف، كما تتراوح في نسبية الدليل ومدى حجيته، وفي مجال الحقوق فإن الفروق معروفة في الحجية وطبقا لمداها بين الإقرار على النفس أو الشهادة على الغير أو القرائن بدرجاتها المتباينة، وفي مجال علوم الاجتماع والتاريخ فإن ذكر الوقائع والأحداث يتوافر لها كذلك في الحجية ما يتراءى من مدى حياد المصدر أو انحيازه ومدى مصداقيته، فيما عرف عنه ومدى ضبطه في التثبت، وتتقوى دلالة الثبوت وتضعف وفق ما يتبين في هذا الصدد.

ومن ناحية أخرى أهم، فإنه متى ثبت حدوث الفعل، فيستحيل بعد ذلك إلغاؤه أو نفيه، لأنه فعل مضى وانتهى، ويستحيل إلغاء الماضي كما يستحيل تغيير وقائعه وأحداثه أو تعديل ما وقع.

والنص التشريعي يخالف النص الإخباري (أو النص التاريخي) في هذا المجال من طرفيه، فالنص التشريعي يحتاج للإقرار بقيامه ووجوده إلى درجة أو حد أدنى من اليقين في ثبوت لا يمكن النزول عنها، وإلا انتفى النص التشريعي، لأنه لا يمكن أن يتحاكم الناس في حاضرهم ومستقبلهم إلى ما لم يثبت لوجوده درجة عالية جدا من درجات اليقين المعتبر، سواء أكان قانونا أم عرفا، كما أن النص التشريعي بخلاف النص الإخباري له حجية مطلقة على ما ينتفع به أو يضار به، أما النص الإخباري فحجيته نسبية لأنه ابن واقع محدد ولد في سياقه واكتسب مضامينه من هذا السياق المحيط به، وتحدث دلالته العينية في إطاره دلالة غير قابلة للتكرار، فهو ليس نموذجا يتوالد مع الزمن.

وكذلك فإن النص التشريعي يمكن أن ينسخ إذا ثبت صدور تشريع تال له ألغاه صراحة أو تضمن أحكاما مخالفة له، ويكون نسخه أو إلغاؤه من تاريخ صدور التشريع التالي المخالف حسبما هو معروف، وبسبب قيام هذا التصور فإن النص التشريعي كان إبان سريانه ممتد الأثر على ما يليه من أحداث وهو يحكم ما تلا صدوره من وقائع، أما النص الإخباري أو التاريخي فهو حدث مضى وانتهى وليس له حاكمية وليس له أثر مباشر يمتد في المستقبل، بما يجعله نموذجا قابلا للتكرار، يمكن أن تكون له آثار واقعية ترتبت عليه، ولكن هذه الآثار تلحق به التحاق نتيجة بسبب أو نتيجة عينية ملموسة مفردة بسبب هو عيني وملموس ومفرد كذلك، دون أن يكون النص في ذاته متجدد التطبيق على حالات لم تنجم عنه وإنما لاحقها بحسبانه تشريعيا متجدد الحضور معها ومع كل حالة ممتدة تولد.

سبل تفهم النص الإخباري

وقد سبقت الإشارة إلى أن النص الإخباري هو بوصفه صيغة ذكر لحدث ماض، إنما يحمل غالبا وصفا لهذا الحدث، وفقا للدلالة أو الفحوى التي وقرت لدى من صاغ الحدث في خبر مكتوب أو مروي، وأن الوصف أو التعبير الذي صيغ به الخبر، الغالب أن تختلف أو تتنوع عليه وجوه النظر من كتاب أو رواة أو باحثين، ناهيك عن أن يكونوا أطرافا في خصومة أو أن يكونوا من ذوي المصالح المتعارضة، وهنا يتفاوت ما تفضي إليه الدلالات التي يمكن استفادتها أو استخلاصها من الحدث؛ لأن النص هنا إنما يكون صنعه من أعد الحدث أو شارك في صنعه أو عاصره، أو يكون هو من أثبته من بعد أو علق عليه، فهو من ثم يحمل أثرا لوجهة النظر الحكمية لمن قام بصياغته.

ولكن مع ذلك كله سيبقى الحدث دائما منسوبا إلى زمان وقوعه، وسيبقى محل تقديره وفهمه واستخلاص دلالته هو موقف الحدث مما واكبه وأحاطه من ظروف في السياق الزماني والمكاني له، وسيبقى صحيحا القول بأننا إذا نزعناه من سياقه هذا فسيفقد دلالته ومعناه، ونحن لكي نفهم دلالة حدث ما (تصرفا كان أو واقعة) يتعين أن نحيط بأوضاع نشأته وظروف تكونه وما تجمع على تشكيله من أوضاع وما ترتب على قيامه من آثار، ونحن نكون أقرب لفهم هذا النص وأصوب في استخلاص دلالته كلما اقتربنا من طريق نشأته وتكونه، وكلما وصلناه بالأوضاع والأحداث التي صدر فيها، وهذا الوصل بأوضاع النشأة يكون هو ما يجلي الحقيقة بقدر الإمكان بما يكون علق به من شوائب الأوصاف غير الدقيقة، أو المنحازة لطرف ضد طرف.

ومن هنا يتعين ملاحظة عدد من الأمور لاستكمال فهم دلالة النص الإخباري، من ذلك سياق الحدث المنصوص عليه في المجال الثقافي، أي مجال إدراك المتعاملين له معناه لغة ومصطلحا وتعارفا، وكذلك سياقه في المجال الاجتماعي والسياسي إن كان حدثا ينتمي إلى هذه المجالات، وسياق النص المصاغ به الخبر في إطار ما كان يجري به الخطاب بين من يوجه الخطاب ومن يتوجه له الخطاب، لأن وجوه التركيز في الكلام ووجوه التفصيل والإجمال فيه تكشف عن طبيعة الجدل والحوار العام الدائر عند وضع النص الإخباري وصوغ الخبر عن الحدث.

والخلاصة أننا نقترب من النص التشريعي أكثر من فهم دلالته وإدراك معانيه كلما استطعنا أن ننقله أكثر إلى حاضرنا، وكلما أعملناه في سياق هذا الحاضر، ولا شك أن أوضاع إصدار النص التشريعي في زمانه وتتبع تعامل الأجيال السابقة معه في أزمانهم المتوالية هي مما يساعدنا في إيضاح دلالات هذا النص وقدراته في توليد الأحكام منه، مما يسمى “اختلاف الفتوى باختلاف الزمان والمكان”، إلا أنه يبقى أمر مهم وهو أن ثمة علاقة مباشرة بين النص التشريعي وبين الواقع المستقبل في تطبيقه على الوقائع الحاصلة.

وبالمغايرة لهذا الوضع بالنسبة للنص الإخباري فنحن نقترب منه أكثر في فهم دلالته وإدراك معانيه كلما استطعنا أن ننتقل نحن إليه في زمان حدوثه وصياغاته، واستحضرنا بهذا الانتقال أكثر ما يمكن استحضاره من وقائع ماضيه وأحداثه المحيطة به على المستويات الإدراكية الثقافية والاجتماعية، والحادث أنه في النص التاريخي الذي يتعلق بأوضاع عامة سياسية واجتماعية، فكثيرا ما يجري فيه إسقاط ثقافي من أوضاع الحاضر المعاش على الماضي الذي ينتمي إليه الحدث وتشكل في ثناياه وصيغ الخبر فيه، وكذلك بالنسبة للنص الإخباري الذي يجري بين أفراد الناس في تعاملاتهم الحقوقية يمكن أن يطغي فكرنا الحاضر على تفهم صياغات جرت في الماضي عن أحداث جرت في هذا الماضي، وفقا لدلالات تعدلت، وهذه عيوب وشوائب يتعين الحذر منها، وسيبقى الأمر الجوهري هو أننا لن نقترب من فهم النص الإخباري اقترابا أكثر إدراكا للصواب إلا إذا انتقلنا إلى زمانه واستوضحنا معانيه في ذلك السياق، وبالعكس لن نقترب من النص التشريعي اقترابا أكثر إدراكا للصواب إلا إذا نقلناه إلى زماننا الذي يطبق فيه بحسبانه من عناصر هذا الزمان المتجدد.

__________________________________________
*نُشر هذا المقال في مجلة وجهات نظر العدد رقم “106” الصادر في شهر نوفمبر عام 2007.

© 2018 Your Company. All Rights Reserved. Designed By Tripples