موقع حوارات

موقع حوارات

قبل تقنين أحكام الشريعة كأساس لتطبيقها
لا بد من حوار علمي بين أهل الاختصاص في مناخ ديمقراطي صحيح
بعض المتحمسين لتطبيق الشريعة الإسلامية يلحون على أن تتضمن دساتير بلادهم النص على أن الشريعة هي مصدر التشريع.

وقد يحدث أن يوضع مثل هذا النص بصيغة من الصيغ التي قلد تلقى الرضا المطلق من هؤلاء المتحمسين أو تلقى بعض التحفظات. ثم تجد الدولة التي وضعت في دستورها مثل هذا النص مصاعب شتى في سبيل إعمال النص تشريعيا. فهناك أكداس من القوانين التي صدرت لا بد من مراجعتها في ضوء أحكام الشريعة، ثم هناك قوانين تبدو الحاجة المتجددة إلى إصدارها ولا بد من مراعاة أحكام الشريعة فيها. وأمام الصعوبات الواقعية التي تصحب عادة فترات الانفصال، قد ترى السلطة التنفيذية التي تقترح مشروعات القوانين، أو السلطة التشريعية التي تقرر إصدار هذه القوانين –في حدود صلاحياتها المقيدة بأحكام الشريعة طبعا- التراخي “عمليا” في إعمال النص الدستوري الذي يقرر أن الشريعة مصدر التشريع!!
يضاف إلى هذا صعوبات عملية إجرائية، في تحديد جهة الاختصاص من علماء الشريعة التي تقرر موافقة أي تشريع مقترح لأحكام الشريعة والتي يكون لرأيها وزنه الفقهي إذ لا بد من تحديد جهة استشارية فقهية ثابتة تتبع مجلس الدولة إذا وجد، أو تتبع وزارة العدل، أو تتبع السلطة التشريعية نفسها. ولا يكتفي بما ينتج عرضا عن المصادفة وحدها من أن يكون بين أعضاء السلطة التنفيذية أو التشريعية بعض علماء الشريعة، وإن كان من الأفضل، أو من اللازم أن يكون بعض هؤلاء الأعضاء من العلماء بل من المجتهدين، حتى يتحقق شرط “الاجتهاد” في الهيئات القائمة بمسئوليات الحكم “كجماعة”، ما دام يتعذر أن يتحقق في كل فرد أو عضو من أعضائها على حدة.

محمد فتحي عثمان

لكن تبقى الصعوبة الكبرى الأهم أمام تقنين أحكام الشريعة وهي “الصعوبة الموضوعية” التي تمس بعض القضايا الأساسية المتعلقة بالحريات العامة وكيفية ممارستها والحدود القانونية لهذه الممارسة، أو المتعلقة بالحقوق العامة لبعض فئات المواطنين، إلى غير ذلك من القضايا التي تتصل بأسس النظام السياسي أو النظام الاجتماعي أو النظام الاقتصادي للدولة.

فلقد قطعت بعض الدول الإسلامية –مثلا- شوطا في “تأميم” وسائل الإنتاج، وفي تحديد الملكية الفردية، وفي توسيع نطاق الملكية العامة الاقتصادية بما تتطلبه من تحديد علاقات التعايش؛ أو التنافس، أو التعاون بين القطاعين: العام والخاص، بينما لم ترتض دول مسلمة أخرى أن تمضي في هذا الشوط، واكتفت بتأمين بعض “الخدمات” الضرورية عن طريق الدولة. مثل التعليم، أو العلاج، أو المواصلات، مع السماح للجهود الفردية بالنشاط في هذه المجالات نفسها، إلى جانب تملك الدولة للمؤسسات العاملة في موارد محددة –على سبيل الحصر- مثل البترول والثروة المعدنية، أو لنسبة كبيرة من رؤوس أموال هذه المؤسسات بما يحقق إشراف الدولة عليها وإخضاعها لسياستها وإدارتها.

وقد يستثير مسلك هذه الدول أو تلك المناقشات حول مدى “إسلامية” سياسة التأميم، وممارسة الدولة للنشاط الاقتصادي، وتوسيع نطاق الملكية العامة الاقتصادية أو مدى “إسلامية” سياسة ابتعاد الدولة عن هذا كله وانحصارها في المهام التقليدية للدولة في مجال الخدمات. فليست الصعوبات التي تقابل تطبيق أحكام الشريعة مقصورة على نطاق قواعد قانونية جزئية تحكم بعض المعاملات أو تشرع بعض العقوبات، فإن مثل هذه الصعوبات “الفنية” قد تثير جدلا أقل بكثير من الصعوبات “السياسية” التي تتعلق بفلسفة الدولة وسياستها العامة في الحكم. والحوار في قضية تتعلق بالفلسفة السياسية للدولة، أو بالأيدولوجية العامة للحكم لا يمكن حصره في نطاق محدود من أهل الذكر والاختصاص، فهو يمس عقيدة كل مسلم من مواطني الدولة، ويمس حقوق غير المسلمين ومصالحهم، كما يتعلق “بسياسة” لها جذورها وكيانها وآثارها من نواحٍ متعددة: نفسية، واجتماعية، واقتصادية، ولا بد من تقرير آراء الخبراء المتمرسين بهذه النواحي والمتابعين لها.

لذلك لا بد أن يتجاوب الخبراء “الأيدولوجيون” والخبراء “التكنولوجيون” في مناخ ديمقراطي صحيح، يتابعه الجمهور في يقظة ووعي وايجابية، على ألا تعني “الايجابية” ممارسة لضغوط مادية أو معنوية على المتحاورين، بل مشاركة بالكلمة الصادقة المخلصة، حين يحس أي فرد الحاجة لذلك، والقدرة عليه. ومثل هذه التجربة الفذة في تاريخ المسلمين الحديث، يفسدها أي إرهاب أو إغراء للمتحاورين، سواء أكان ذلك مقصودا بصورة مباشرة أو لم يكن كذلك، وسواء أصدر ذلك بحسن نية، أو بسوء نية، فإن الجناية على هذا “الحوار” -البناء الجليل- واقعة في جميع الأحوال، أيا كان حجم الضرر أو صورته.

ولندع أمور السياسة الاقتصادية جانبا في هذا المقال، مع التأكيد على أهميتها والضرورة الملحة على مناقشتها والتماس الرؤية الواضحة من جانب المتحمسين لتطبيق الشريعة الغراء. ولنتناول ما قد يبدو للغالبية أهم وأخطر، أو ما قد يظن أن الاتفاق في شأنه أيسر وأعم.

إنه من الواضح أن إطلاق “الحريات العامة” بدون أي قيد من القانون الذي ترعى تنفيذه السلطة المختصة، قد صار شيئا “تاريخيا” قررته الليبرالية الكلاسيكية وعدله التطور المعاصر في الديمقراطيات الغربية القائمة، وهي المثل الأعلى التطبيقي للديمقراطية في عالمنا. فكل الديمقراطيات التي نعرفها تقرر تدخل الدولة –بصورة من الصور- في تلك الأنشطة والعلاقات المتشابكة الخاصة التي لا يمكن للدولة أن تقف إزاءها متفرجة أو محايدة، وبخاصة أن النشاط “الخاص” في عصرنا: لا يعني النشاط “الفردي” لأن أي نشاط خاص لا يضمن لنفسه الاستقرار والفعالية، إلا إن ارتكز إلى “جماعة” تتآزر طاقاتها الرأسمالية على العمل، وقد تصل هذه “المؤسسة الجماعية الخاصة” إلى قوة تهدد الحرية الحقيقية للفرد.

ومن هنا كان ضمان ممارسة الحريات العامة بصورة حقيقية فعالة، قد يتطلب تدخل الدولة لحماية الأفراد والمجتمع، لا حيادها أو سلبيتها. فليس الخلاف إذن حول الحاجة لوضع “حدود” قانونية لممارسة الحرية، وإنما منشأ الخلاف حول ما يمكن أن تكون عليه هذه الحدود. وللإسلام أحكامه وآدابه –مثلا- في اختلاف الرأي حتى لا تتمزق وحدة الأمة.

وإذن: فهل يجوز قيام الأحزاب في دولة تتحاكم إلى الإسلام؟ وللإسلام أحكامه وآراؤه في ممارسة “النقد”، وفي التفرقة بين ما يجوز إعلانه على الملأ وما لا يجوز، وما يجوز ممارسته في نقد “الشخص العام” أو من يتولى مسئولية عامة للمسلمين وفي نقد أي فرد آخر من الأفراد لا ينبغي أن تقتحم خصوصياتها أو أن تشاع على الملأ. ولكن هذا كله قد لا يكون جليا بالصورة الكافية. ومن شأن الحوار: أن يزيد الصورة وضوحا ويزيد الموضوع ثراء، حتى لا يتجه فريق من المسلمين، أو من علماء شريعة إلى الإسراف في وضع القيود على ممارسة بعض الحريات مما يضيق على الناس الخناق ويفتح الطريق إلى استبداد مقنع –بتشديد النون المفتوحة- بالدين وهذا كله مسيء إلى الإسلام أمام المسلمين، وأمام العالم أجمع. والحوار ضروري لتحديد اتجاهات الإسلام –مثلا- في حرية الرأي والاعتقاد وحرية الاجتماع، وحق التظاهر وحق الإضراب…الخ.

ولا بد أن نسلم: أن تمرس فقهائنا بالقانون العام محدود. إذ أن تميز أحكام القانون العام عن أحكام القانون الخاص –بحكم طبيعة المجال الذي يحكمه كلا الفرعين- ظاهرة حديثة في مجال التطور القانوني بوجه عام. على أن لفقهاء الشريعة نظرات جزئية متفرقة صائبة في هذا التمييز، وإن لم تتحول إلى قاعدة عامة مطردة.

وتستطيع أن تتابع بعض هذه الجزئيات فيما تناوله به الماوردي، وأبو يعلي، وابن تيمية، وغيرهم، مركز “الدولة” القانوني في العلاقات التي تكون طرفا فيها. ولكن هذا لا ينفي الحاجة إلى نظرة كلية شاملة تترتب عليها تطبيقات مطردة متسقة في مختلف الحالات. أو مجالات “النشر” أو “الإعلام” في عصرنا –مثلا- قد تطورت وتقدمت واتسع نطاقها ومجالها حتى ترتبت عليها آثار لم تكن في تقدير فقهائنا السابقين –بطبيعة الحال- وأصبح لا بد من نصب ميزان العدل بين ضمان “الحرية” التي تمثل هذه الوسائل (رئتها) الضرورية، وبين توقي الحيف على بعض القيم الأخلاقية والنظم الاجتماعية، ثم لا بد من نصب ميزان العدل لضمان حرية الاعتقاد وحرية الرأي بين أصحاب العقائد والآراء المتباينة بتقرير واضح للحقوق والواجبات بالنسبة لصاحب العقيدة أو الرأي، فردا كان أو جماعة.

ويحتاج تناول هذه القضايا الحساسة والعلاقات المتشابكة والاجتهاد في تقرير ما يبدو أنه وجه الحق فيها على هدي أحكام الإسلام، إلى حوار علمي بين الفقهاء المسلمين المعاصرين، يستهدف تقرير أحكام مفصلة محددة لا سرد عموميات، ومطلقات، قد فرغ من تقريرها تراثنا الفقهي من قديم، أو إزجاء خطب وأحاديث لا تقطع بحكم بات في أية قضية مفصلة بعينها من القضايا التي تثار في صدد الموضوع. وبدون هذا التحديد: قد تغلب على اجتهاداتنا في قضايا النشر أو الإعلام طابع “الحظر” والإسراف في النهي والتحريم، أو قد تواجه وسائل النشر والإعلام تراخيا وسلبية من جانب أولي الأمر والتوجيه، بما يجعل نشاطها مجرد استمرار ومواصلة لما كانت عليه قبل تطبيق أحكام الشريعة، مع بعض الحرص “الشكلي” على إعلان مواقيت الصلاة والصوم، أو الاحتفال بالمناسبات الدينية المعدودة، في حين أن حقيقة الدين أن ينبث في كل الثنايا والحنايا بأسلوب موفق كثيرا ما يأتي بصورة غير مباشرة.

وقد يرتبط بمجالات النشر أو الإعلام كثير من مسائل “الفن” التشكيلي أو التعبيري، وما يجوز منه –في حكم الإسلام- وما لا يجوز. فمثلا: هل النهي عن “النحت” –وربما اقترن به التصوير أيضا- عام شامل أو مقصور على ما يتخذ فقط للعبادة أو التقديس، أو ما قد تثور حوله هذه الشبهات؟ وهل هذا النهي مؤبد أو موقوت بزمن كان فيه العرب المسلمون “حديثي عهد بكفر” أو وثنية؟. هل الموسيقى فن يبيحه الدين أو هو من مزامير الشيطان، أو أن من الموسيقى ما هو رفيع مباح، ومنها ما هو خسيس مبتذل مرفوض؟؟ وما حكم الغناء من الرجل أو المرأة، في الحب وغيره؟ هل يجوز اشتراك المرأة مع الرجل في المسرح والسينما؟؟ وهل يجوز أن يدور الأدب والفن حول ذلك المحور الذي طالما دار في فلكه التعبير الأدبي والفني منذ أقدم القدم، وأعني الحب بين الرجل والمرأة. وما هي الحدود المشروعة للتعبير في هذا المجال؟؟ كل هذه الأسئلة تحتاج إلى أجوبة مفصلة تكون حاضرة عند إعداد قوانين جديدة للنشر والإعلام بمختلف الوسائل والأساليب، أو عند مراجعة القديم منها ليبدو متوافقا مع أحكام الإسلام. وهذه الأجوبة لازمة لتحديد مهمة “الفن” ووسائل الإعلام في التثقيف والتسلية.

ويسوقنا هذا إلى الحديث عن “المرأة” ووضعها القانوني في مجتمع يحتكم إلى شريعة الإسلام. وما يجوز لها وما لا يجوز. فإن تحديد هذا الوضع لازم لمجالات متعددة من مجالات التشريع.

فما هو زي المرأة المشروع، وماذا يجوز أن يبدو من جسمها؟ وهل تشرع عقوبة –من باب التعزير- على تجاوز المرأة حدود الزي المباح؟؟… وهل تقتصر عليها شخصيا أم تشمل وليها أيضا؟.

وما هو نشاط المرأة المشروع في المجتمع الإسلامي: سواء في مجال طلب العلم، أو في مجال العمل، أو في مجال الخدمة الاجتماعية، أو في المجال السياسي؟؟… هل هو مباح بإطلاق أم أن هناك حدودا وضوابط، وماذا عسى أن تكون تلك الحدود والضوابط؟؟ هل ينبغي أن يكون تكافؤ الفرص هو القاعدة لكل رجل وامرأة في مجال طلب العلم وفي مجال العمل، بحيث تغدو كل تفرقة إخلالا بالمساواة. مثلا هل يجوز للمرأة أن تكون قاضية وجيولوجية ومهندسة مناجم؟ هل يجوز أو تستثنى دراسات أو وظائف معينة لا تباح لغير الرجال، أو يتجه التشريع لإيثار تفرغ المرأة للواجبات الأسرية وتشجيعها على ذلك؟؟ هل يجوز للمرأة أن تكلف بواجبات الخدمة العسكرية؟؟ وفيما يتاح للمرأة من تعلم وعمل هل يجوز اختلاطها بالرجال أو يكون الفصل بين الجنسين هو الأصل والقاعدة؟ وما هي حدود الاختلاط المباح؟؟.. وكيف يحارب الاختلاط غير المباح؟ هل يكون من وسائله التشريع العقابي أم يقتصر الأمر على التربية والتوعية ورقابة الأسرة وسلطان التقاليد؟؟… وهل يعمل الطبيب والطبيبة والمدرس والمدرسة وغيرهم بين الرجال والنساء معا؟؟ وهل ثمة قواعد تنظيمية في مثل هذه الحالات؟.

والحقوق السياسية هي الأخرى قضية –أي قضية- عند علماء الشريعة. هل يجوز للمرأة المسلمة أن تكون ناخبة؟ وهل يجوز أن تكون ذات نشاط ومسئولية قيادية في حزب سياسي إذا أجيز قيام الأحزاب؟؟ وهل يجوز أن تكون نائبة عن الرجال والنساء معا بطبيعة الحال؟ وهل يجوز أن تكون وزيرة، ولا نقول رئيسة وزراء؟ وهل يجوز أن تكون رئيسة على مجموعة كبيرة من الرجال؟ أم هناك قيد عام في الحديث “ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة”؟؟ وما هي الحدود بين ما يجوز وما لا يجوز؟؟ هل يجوز أن تشترك المرأة في مظاهرة –إذا أبيح حق التظاهر- وفي الإضراب والاعتصام بمكان ما –إذا كان ذلك من الحقوق المباحة للرجال؟؟.. إن التشريعات الخاصة بتنظيم ممارسة الحقوق السياسية وتشريعات الجمعيات والأحزاب والتظاهر والإضراب تنتظر كثيرا من ثمار الحوار البناء في هذه الموضوعات.

وهل تظل شهادة المرأة هي نصف شهادة الرجل أيا كان مستوى التعليم والخبرة لكل منهما، باعتبار وجود فارق فسيولوجي وظيفي بين الرجل والمرأة يبرر هذا الفارق على وجه التأييد، أو أن العلة التي ذكرها القرآن هي شرط الحكم “أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى- البقرة 283″، وهي علة موقوتة مرهونة بالظروف الاجتماعية المتغيرة، ويدور معها الحكم وجودا وعدما؟.

ثم تأتي مشكلة أخرى ينبغي أن تعالج بصراحة وفي نقاش مثمر: هي مشكلة وضع المواطن غير المسلم –أو ما اصطلح على تسميته بالذمي- في الدولة التي تطبق شريعة الإسلام.

هل يكون الأصل هو المساواة التامة بين جميع المواطنين في جميع الحقوق والواجبات؟؟ هل يجوز أن يكون المواطن غير المسلم نائبا ووزيرا، وقاضيا، ومسئولا في الجيش، هل شهادته مقبولة في حق المسلم، ودمه سواء هو ودم المسلم، ولو قتله مسلم عمدا قتل به المسلم؟؟ هل “الجزية” حكم لازم مؤبد، وما هو تكييفها القانوني المقبول؟ وقد اختلفت فيه الفقهاء قديما وحديثا؟ هل يستمر القول بأنها “عوض عن حق الدم” أو يؤخذ بأنها “أجر لسكنى الدار” أو يقبل التكييف الذي قدمه فقهاء معاصرون استنادا لوقائع تاريخية رواها مؤرخون ثقات كالطبري والبلاذري: أنها “بدل عن الخدمة العسكرية الواجبة”؟؟ وهل يجوز لقانون التجنيد أن يفرض على كل مواطن غير مسلم أداء واجب الخدمة العسكرية كقاعدة عامة أصيلة؟؟ وما هي القواعد التي تحكم وضع غير المسلم في الجيش؟؟ ثم ماذا عن “الصغار” المفروض؟؟ هل يكون المقصود ما ذكره بعض الفقهاء –ومنهم ابن القيم- من أنه جريان أحكام الإسلام على غير المسلم؟؟

ما هي حقوق غير المسلمين في إنشاء معابد مستحدثة، وهل هناك أية قيود مفروضة على أشخاصهم في الزي أو الركوب والسكن أو غير ذلك، أو على ممارستهم لشعائرهم؟؟

كل هذه مسائل لا بد أن تجلي تماما للمسلمين ولغير المسلمين.. فلا تكفي النوايا الغامضة أو العبادات المائعة أو الخطب الرنانة، ثم التهامس من وراء الظهور!! ولا يعني أبدا –أن نتجاهل- في هذا الصدد المشكلة أو نقول إنها غير موجودة، أو نسقط من تراثنا الفقهي بعض ما يخشاه غير المسلمين من أحكام ونزعم أنها لم ترد أصلا أو أنها خاطئة. لا بد من تناول القضية بأمانة المؤمنين.

إن غير المسلمين قد عاشوا في ظل “الدولة العلمانية”، وتابعوا الثقافة الغربية التي ترى أن مثل هذه الدولة هي الغاية والمثل الأعلى المنشود الذي يحقق المساواة بين المواطنين، وعايشوا مكائد الاستعمار التي استغلت “حقوق الأقليات” لعرقلة الاستقلال وطالما استثارت القلاقل بين المسلمين وغيرهم وبين المواطنين والأجانب، وهم قد تكون لهم ذكريات سيئة عن حكم طاغية تسمى بأسماء المسلمين أو عن حوار غير كريم من جانب أحد المسلمين.

ومن حق هؤلاء المواطنين غير المسلمين أن يؤمنوا على مركزهم القانوني وحقوقهم ومستقبلهم، وأن تبسط لهم وجهة النظر الإسلامية في معاملتهم، وأن يبين لهم الفرق بين الأحكام الثابتة القطعية المؤبدة، وبين الشروح والآراء الفقهية الاجتهادية التي يؤخذ منها ويترك، والتي تتأثر بالظروف التاريخية المتغيرة. من حقهم أن يبصروا بالقول الفصل في شأن ما قدمنا من مسائل وأمثالها، حتى تتضح الحقيقة بكل أبعادها، لا أن يصدموا بتشريع دستوري مفاجئ ينص على أن شريعة الإسلام هي مصدر التشريع، وبمراجعة تشريعية شاملة لكل ما فات من تشريعات لتتمشى مع هذا الأصل الدستوري، بينما بعض الأحكام التي تتضمنها كتب الفقه تثير لدى غير المسلمين شبهات، وتغشى بالضباب والغبار الأصول العامة وللإسلام نفسه كدين ووقائع التعايش التاريخي بين المسلمين وغيرهم التي كثيرا ما لفتت أنظار مؤرخين أعلام من غير المسلمين.

لا بد من الشروع في الحوار حول هذه القضايا والمسائل فورا، دون أي إبطاء. فالقضية ليست قضية “توفيق” أو “تلفيق” جزئي بين أحكام المعاملات الواردة في كتب الفقه وأحكام التقنين المدني القائم، أو بين أحكام الحدود والقصاص الواردة في كتب الفقه وأحكام قانون العقوبات القائم. إنها قضية أوضاع سياسية واجتماعية واقتصادية عامة هامة، تحتاج إلى إيضاح حكم الإسلام فيها على هدى ونور، وبعد المناقشة المتأنية المتبصرة على علم، والحوار الجاد الرصين بمنطق وذوق، لأن لهذه الأوضاع آثارها الكبرى في تشريعات متعددة، تمس الحريات العامة والحقوق السياسية والنشر والإعلام والعمل كما تمس الأسرة والحقوق المدنية والمعاملات التجارية والإثبات والعقوبات والإجراءات… الخ.

ولهم –الجمهور، مسلمين وغير مسلمين، أفرادا وجماعات- أن يتابعوا النقاش ويتعرفوا على ما يستقر عليه الرأي، حتى يتبين الهدي لكل ذي رشد، ولا يشذ إلا معتد متجن مفرق مستحق لتحمل جريرته “ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى” – النساء 115 ذلك أن هذا الحوار ليس “جدلا أكاديميا” بين المتخصصين، وإنما يمس المعتقدات والآراء والتقاليد الفكرية والاجتماعية كما يمس الحريات والحقوق السياسية والمراكز القانونية للمواطنين فهو يهم جمهور الأمة في الصميم.

وقد ينبغي البدء بتشكيل لجنة موسعة من علماء الشريعة وأحبار الدين غير المسلمين أو دعوة هؤلاء إليها في جلسات معينة، كما تضم لجنة المفكرين البارزين والمتخصصين والخبراء في مختلف مجالات الإنسانيات من قانون واجتماع واقتصاد وتربية وتاريخ وغير ذلك، ثم تتفرع اللجنة العمة إلى لجان أضيق وأكثر تخصصا لمناقشة موضوعات بعينها. وتنشر المداولات الهامة والنتائج التي يتوصل إليها في هذه الاجتماعات.

وقد ينبغي الاتجاه مستقبلا إلى تحديد “جهة فقهية معينة” لعرض أي تشريع مقترح عليها للتأكد من موافقته للشريعة، بدلا من ترك هذا للمصادفات التي قد تأتي ببعض علماء الدين إلى مجلس الأمة أو إلى مقعد وزارة الأوقاف. ويمكن أن تتبع هذه الجهة “مجلس الدولة” أو الهيئة التشريعية المختصة على أن ينص على وجوب عرض التشريعات المقترحة كلها على تلك الجهة، سواء أكانت مقدمة من السلطة التنفيذية، أو مقترحة من أحد أعضاء الهيئة التشريعية. وعلى أن يكون الرأي في هذه الجهة “جماعيا” لا فرديا. فلا يكتفي مثلا بمراجعة مفت واحد كما فعل وزير المالية المصري في مشروع قانون الضرائب إذ عرضه على المفتي التابع لوزارة العدل.

وقد ينبغي تعبئة أجهزة الإعلام والتوجيه ومؤسسات التربية والتعليم لتنوير الجماهير في هذه القضايا، وبيان الحق في حرص تعاليم الإسلام على كفالة حرية الاعتقاد وسائر الحريات العامة، وعلى توفير الضمانات الأخلاقية والسلوكية والقانونية لإقامة مجتمع يسوده حسن المعاملة وإتقان العمل وطيب القول ورعاية حقوق الأفراد الآخرين ومصالح الجماعة ولتنظيم الحوار الرصين البناء في جو من الصراحة والمودة والتفاهم والتعاون بين مختلف العقائد والآراء.

وقد يكون من آثار هذه التعبئة الإعلامية التوجيهية التربوية، أن تألف الأمة “الحوار” ومناهجه وآدابه، بحيث يصير من عاداتنا وتقاليدنا الأصيلة بدل ما يشيع فينا وعنا من فرض الآراء والتهرب من أية مناقشة، والحوار مع النفس فقط أو مع من يعرف المرء اتفاقهم معه أو سكوتهم عن مخالفته، أو الحوار “المفترض” مع الآخرين خلف ظهورهم!!

وأنا أقدر لمثل هذا الحوار الضروري لتحديد المفاهيم قبل تطبيق أحكام الشريعة في شتى المجالات، مدة تتراوح بين عامين وثلاثة أعوام حتى يكون الحوار جادا له نتائجه التي يمكن أن يستفاد منها. على أن أمد هذا الحوار (التأصيلي) لا ينبغي أن يطول بحال عن أربع أو خمس سنوات، لأن الحوار سيظل موصولا ما وجد التفكير وما وجد الاختلاف في التفكير عند الفرد الواحد نفسه وبين الأفراد المتعددين. وإنما المقصود هنا حوار (تأصيلي) كما قلت، وهو ضروري لتحديد المفاهيم الأساسية في القضايا الكبرى، وليس المقصود إجراء حوار شامل يتناول كل الجزئيات والتفاصيل في شتى المجالات وتعتبر هذه الفترة “انتقالية” تسبق التقنين والتطبيق لأحكام الشريعة على وجه الشمول ولا يتعارض حكم هذه الفترة الانتقالية الضرورية مع النص الدستوري بجعل الشريعة مصدر التشريع. إذا كان مثل هذا النص قد تقرر في دستور الدولة. وهي تقي عثرات كثيرة في التطبيق قد تؤدي إلى تأخير أطول أمدا أو تراجعا نهائيا لا قدر الله.

ولما كان المناخ الديمقراطي الصحيح شرطا أساسيا لقيام هذا الحوار بين أهل الذكر المتخصصين ونجاحه، ولمتابعة الجمهور له ومشاركته فيه، فغني عن القول أن توفير مثل هذا المناخ لا بد أن يكون مطلب كل داعٍ للإسلام مناصر لتطبيق شريعته.. وإنه ينبغي أن يتقدم حتى على الدعوة إلى تطبيق أحكام الشريعة نفسها.. وأن ضمان الحريات العامة مطلب أساسي لرسالة الإسلام وشريعته، وهو مطلب حيوي ضروري لكل إنسان، ومن ثم يجب أن يتضافر عليه سائر المخلصين “للإنسان” وليس إلحاح الإسلاميين على توفير الحرية بحال بمجرد “تكتيك مرحلي” حتى يقفزوا إلى السلطة، بل هو أصل شرعي حاكم على المسلمين سواء أكانوا دعاة بين جماهير الشعب أو حاكمين في مقاعد السلطة. فالإسلام الصحيح لا يعرف تناقضا بين إسلام “الدعوة” وإسلام “الدولة” ويحذر من النفاق والرياء وفتنة القول والعمل والشرك الخفي “كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ”- الصف 3.

__________________________________________

ورقة علمية للباحث أحمد زغلول شلاطة بعنوان “الإسلاميون والشريعة: جدالات الديني والسياسي”، نٌشرت في إطار مشروع بحثي تحت عنوان “مفهوم تطبيق الشريعة في فكر دعاة الإسلام السياسي مقاربة نقديّة”، من تقديم أنس الطريقي، وصدرت عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، جاء ملخص الورقة كما يلي:

“ظلَّت مقولة «تطبيق الشريعة» أبرز المقولات التأسيسية الأساسية عند الجماعات الإسلامية بمختلف تنوّعاتها. وأتت التطورات السياسية في سنوات الربيع العربي لتضع مُسلّمات ودعوات المشروع الإسلامي عامّةً قيد الاختبار. فها هي الفرصة السياسية أصبحت مواتية لاختبار الأفكار، التي طالما نادت بها جميع هذه الجماعات، وطالبت بتحقيقها.
ومن واقع التجربة المصرية؛ تنطلق الورقة من فرضية مفادها أنّ الإسلاميين لا يملكون تصورًا واضحًا فيما يخصّ تطبيق الشريعة دستوريًا، خارج إطار الحديث الوعظي، الذي اعتمدوا عليه في تجييش قواعدهم لسنوات، وأنّ الدافع، وراء خطابهم المكثف حول الهوية وتطبيق الشريعة، ما هو إلا فرض الوجود السياسي، وضمانة استمراريتهم في تصدّر المشهد، وهو ما أثبتته التجربة في دستورين اشتركوا في إعدادهما”.

 

رابط تحميل مباشر للورقة

بعض الناس يفهم أن إقامة الحدود الشرعية ضرب من القسوة والغلظة، وكأنهم ينظرون إليها من زاوية الجناة لا من جانب المجني عليهم، أو خلال رؤية فرد ظالم لا مصلحة مجتمع مظلوم!
والرحمة لا تقتضي العاطفة الحمقى التي حذرنا الله منها حيث يقول في سياق إقامة الحدود فيما يدنس الأعراض في المجتمعات {وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} (النور:2).
من هنا تأتي أهمية هذا البحث (تطبيق الشريعة الإسلامية على حقوق الافراد في قانون العقوبات المصري) للمستشار بمجلس الدولة د. حسين توفيق رضا، وهو بحث منشور في مجلة مصر المعاصرة (العدد رقم 359 عام 1975)، حيث اعترض المؤلف على انحسار الشريعة في مصر الذي واكب فرض القانون الوضعي مع بدايات الاحتلال الإنجليزي لمصر، حيث كتب في مقدمة بحثه يقول “عُهد شرح القانون إلى أساتذة من الفرنسيين والإنجليز، أعجزهم لسانهم الأعجمي عن أن يحيطوا بأحكام الشريعة وتطبيقها بالبلاد عند صدور القانون في مدوناتها العربية، ولم يعن كثير من المصريين الذين جاءوا بعدهم أن يتقصوا تلك الأحكام واتبعوا سبيل الغربيين في دراستهم فعرضوا تاريخ الشرائع الأوروبية ودور المسيحية في تطويرها، وإن أشاروا إلى الإسلام عدوا شريعته مرحلة تتوسط النظم البدائية الفطرية والتشريعات الحديثة، فالدية الشرعية عندهم صورة من الانتقام الخاص، والحدود الشريعة يرونها تقوم على أساس ديني جعلها ممعنة في القسوة ردعًا وتنكيلًا، وسوغ كل أولئك لهؤلاء الشراح أن ينتقصوا من الحقوق الشرعية التي نص القانون على بقائها، وانتهى بعضهم إلى أن ينادي بإلغاء تلك الحقوق جميعًا، إلا ما تعلق منها بالإباحة.
ولكن ما أن نشطت دراسة الشريعة الإسلامية، باعتبارها دستور التفكير القانوني في الحضارة العربية قاطبة، وعُني الباحثون من علماء القانون والاجتماع على اختلاف أديانهم وألسنتهم بالإحاطة بالأحكام الجنائية الشرعية، حتى تبين ما للشريعة من رفيع المكانة بين سائر الشرائع والقوانين الحديثة، وأن الشريعة قد سبقت إلى كثير من الأحكام الجنائية، كاشتراط الأهلية للعقوبة في المسئولية الجنائية، وكذلك تفريد العقوبة بالتعزير الذي يقدره القاضي حسب حال الجاني، مما لم تعرفه القوانين الغربية إلا حديثًا، مما بعث في مجال التقنين العربي روح الأوبة إلى معين الشريعة الغراء، وبدأت في تنقيح القانون المدني المصري، ثم علت تلك الروح لتتمثل في الدستور حيث قرر أن مباديء الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع”.

رابط مباشر للبحث

دراسة للدكتور محمد فتحي عثمان نُشرت في مجلة المسلم المعاصر العدد السادس عام عام 1976، يناقش فيها لآراء بعض الاتجاهات الإسلامية فيما يتعلق بالدستور والأطر القانونية المعاصرة، ويوضح أهمية الاستفادة من المنجزات الحضارية للغرب مع تقريره أن هذه المنجزات شابها قصور وثغرات في التطبيق.
ومما كتبه الدكتور عثمان رحمه الله:

“وأحسب أن التجربة السياسية التي مرت بها بعض البلاد الإسلامية، مثل مصر وسوريا والعراق والباكستان ربما نجحت في إقناع المفكرين والعاملين المعاصرين في مجال الإسلام، إلى الأهمية الحيوية المصيرية للدستور والمؤسسات السياسية والحريات الديمقراطية بالنسبة لضمان الحقوق السياسية للمواطنين أفرادًا وشعبًا… وإلى أن هذه المنجزات الرائعة التي حددها وفصلها العقل الإنساني خلال تجارب كفاح طويلة وكفاح مرير، تتلاقى مع أصول الإسلام، ولا تغني عنها قواعده وضماناته الأخلاقية الرائعة التي تسعى لنفس الهدف، وقد تكون أوضح وأقطع من كثير من اجتهادات بعض الفقهاء والمفكرين المسلمين القدامى الذين بَعُدَ العهدُ بيننا وبينهم واختلفت الظروف، وتطور الفكر عند غيرنا ليلتقي مع الأزمات والمحن الطارئة. وقد يتفوق الفكر الإسلامي والفقه الإسلامي على منجزات الفكر السياسي العالمي بعد حين. حين يتفاعل من جديد مع ينابيعه ومع واقع العصر ومشكلاته، ولكن لا بد من تقرير الحقيقة الواقعة حاليًا، ولا يكون ذلك منا مجرد اعتراف مرحلي تكتيكي، ولكن نسجله على أنفسنا تقريرًا حقيقًا موضوعيًا”.

 

رابط مباشر لتحميل المقال

الأزهر (مواقع التواصل الاجتماعي)

محمد الصياد**

في الوقت الذي كان فيه الأزهريون، أو تيّار عريضٌ منهم، يحمل همّ الدستور، وتعزيز الثقافة الدستوريّة، كان كثيرٌ من خصومهم يخوضون معارك هوياتية، وهي معارك تُفتت الملتحِم، وتُبدد المتآلف، وتنفر جماهير عريضة، بخلاف الخطاب الدستوري الذي يُجمّع ولا يُفرّق.

وإذا كانت الحوزةُ الشيعية عرفت الثقافة الدستورية منذ العام 1905، فيما عُرف بالثورة الدستورية في إيران، حين ثار الناسُ تجاراً وفقهاءً وعامّةً ضد الشاه حينئذ، وسرعان ما تطورت مطالب الثوّار إلى المطالبة بالحكمِ النيابيّ والدستوريّ، فإنّ الحوزة السنية، ممثلة في الأزهر الشريف، عرفت الثقافة الدستورية قبل ذلك التاريخ ببرهة من الزمن، بل إنّ الأزهريين أول من طالبوا بدستورٍ لمصر، وكانت الثورة العرابية التي نظّروا لها، وشاركوا فيها، أول ثورة دستورية في المنطقة، كما تقول المؤرخة لطيفة سالم.

الإمام الطيّب وتعزيز الدولة الدستورية

التفتُّ إلى هذا المعنى، أعني دور الأزهر في تعزيز الثقافة الدستورية، حين استمعتُ إلى كلمةِ الإمام الشيخ أحمد الطيب في الحلقة 19، من برنامجه في رمضان هذا العام 1442هـ، فيقول بنفس اللفظ:

لقد دَعَمَ الأزهرُ تأسيسَ الدولة الوطنية الدستورية الديمقراطية الحديثة، أُكرر: الدولة الوطنية الدستورية الديمقراطية الحديثة، التي تعتمد على دستورٍ ترتضيه الأُمّة.

وبعد يومٍ واحد في الحلقة العشرين، يرجع ويقول مؤكداً:

على العلماءِ أن يجتهدوا، ويُجددوا الأنظارَ فيما يتعلّق بالأمور السياسية، كالديمقراطيةِ وحقوقِ الإنسان، والحرية وحدودها…، ومشروعية الدستور والبرلمان، وما يتعلق بأمور الاجتماع، وقضايا المرأة، ومنها: توليها القضاء، والولاية العامّة…

فنجده يُركّز على معالم مهمّة، كرضاء الناس، ومقبولية المؤمنين (وهو ما يُسمى في العلوم السياسية الحديثة مبدأ “سيادة الأُمّة”) ويدعو إلى التجديد والاجتهاد في الفقه الدستوريّ.

وكلامُ الشيخ الطيب يستند إلى إرثٍ أزهريّ عميق وكبير في التنظير للدستور ونشر الثقافة الدستورية، والحكمِ النيابي، فأردتُ في هذه العجالة إيضاح أهمّ مفاصله، ومعالمه:

علماء الأزهر ودستور الثورة العرابية عام 1882

كان للمصلحين الأزهريين دورٌ في خلع الخديوي إسماعيل سنة 1879م (مات إسماعيل سنة 1895 في منفاه بإسطنبول) رغم أنّ إسماعيل، حسب سكاون بلنت “لم يكن يسمح بأقلّ معارضة وكان حكمه مطلقاً حتى فقدت الألفاظ المستقلة من أفواه الرجال”.

لكن علماء الأزهر أبدوا نقمهم عليه، ولم يستكينوا لاستبداده، وجوره. فيقول بلنت نفسه عن منهجهم تجاه سياسة إسماعيل “وقد طعن علماء الأزهر على إسماعيل، فقالوا إنّه معتد على القانون، وظالم سياسيّ، وكثيرا ما تباحثوا سرا ربيع سنة 1879 عن كيفية عزله، والوسائل التي تمكّن من ذلك، أو حتى التخلص منه بالاغتيال”. وتسبب هذا الضغط الأزهريّ في محاولات إسماعيل الظهور بالمظهر الدستوريّ. وثمّة نصّ خطير للشيخ محمد عبده، يخبرنا فيه أنّهم تهامسوا في خطة اغتيال إسماعيل، لولا انعدام القائد العسكريّ الذي يقودهم حينئذ، وقال: لو أنهم عرفوا عرابي وقتئذ لمضوا قدما في اغتياله لمنع تدخل أوروبا في الشأن المصري. ويبدو أنّ الأفغاني ورفاقه كانوا يتهامسون في تأسيس جمهورية حديثة في هذا الوقت المبكر جدا، فيقول “ولكن لم يكن من المستطاع في ذلك الوقت تأسيس جمهورية إذا نظرنا إلى حالة الجهل الذي كان سائداً على العقول”.

ولمّا خُلع إسماعيل، وتولّى الخديوي توفيق (ت: 1892) عرش مصر، وبعد أن كان توفيق داعما للحركة الدستورية المشيخية العلمائية (بل قيل إنه خضع لنفوذ جمال الدين) إذا به يتنصل من الحركة الدستورية، ويقرر نفي جمال الدين من مصر، أملا في إخماد الفكر الدستوريّ، ثمّ استبدّ وبطش مثل إسماعيل وأكثر، فأغضب المشايخ وروّاد الإصلاح، فنشبت ضده الثورة العرابية (1881/ 1882) برعاية وتنظير ومشاركة من فقهاء الأزهر، إصلاحيين وتقليديين.

ويُخبرنا زعيم الثورة أحمد عرابيّ (ت: 1911) في مذكّراته أنّ ثورته إنما اعتمدت فلسفيا على تنظير جماعة علماء الأزهر من روّاد المدرسة الإصلاحية، وذكَرَ تحديداً منهم: جمال الدين الأفغاني، والشيخ محمد عبده.

ويُصرّح عرابي، في غير موضع، بتأثره بالأفغاني، وصداقته الشخصية بالإمام محمد عبده، فيقول لصديقه بلنت بخطّ يده “أخذتُ أفكّر في الشؤون السياسية، وأتذكر أني رأيت الشيخ جمال الدين، ولكني لم أكلّمه، وقد أفادتني علاقتي القديمة بالأزهر معرفة عدد من الطلبة، وكان من أفضل من عرفتهم الشيخ محمد عبده، والشيخ حسن الطويل”.

وتذكر الوثائق أن الشيخ محمد عبده اجتمع بمجموعة من الضباط وعلى رأسهم عرابي نفسه، ووضعوا أيديهم على مصحفٍ، ولقّنهم الشيخ محمد عبده يميناً على “تحرير البلاد وتحسين حالتها، والسعي في جلب المنافع إليها، ودفع المضار عنها، بواسطة تنسيق قوانين عادلة، تكفل لكلّ إنسان حقه حتى يعيش أهل البلاد وأبناؤها في أرغد عيش مثل الأمم المتمدنة”.

ولذا فقد اعتُقل الشيخ محمد عبده بعد فشل الثورة، وأُهين وضُرب مع مشايخ الأزهر داخل سجنه، من “خصيان الخديوي” كما يقول بعبارته.

ويخبرنا محمد عبده أنّهم (أي الأفغاني وتلامذته من روّاد الإصلاح الأزهريين) أول من طالبوا بالدستور، فيقول “وكنّا نحن الذين طلبوا الدستور، وقد اهتمّ هو (أي عرابي) بالدستور، لأنه رأى فيه ضماناً من انتقام الخديوي أو وزرائه منه، كما كانوا ينتقمون من سائر الضباط”.

وإذا كان فضل قيام الثورة ونشوبها ليس خالصا لمحمد عبده ورفاقه من دون الناس، إلا أنّها من تمهيدات عبده، فيقول “كنتُ أنتقد الحكومة بشدة في الجرائد الرسمية، وكنت لا أضيّق على الجرائد باعتباري رئيس قلم المطبوعات. ولكن لم تكن الثورة من رأيي، وكنت قانعاً بالحصول على الدستور، في ظرف 5 سنوات..، ولمّا مُنح الدستور انضممنا جميعا إلى الثورة لحمايته”.

فهذا النصّ المهم يدلنا على موقع الدستور ومركزه في فكر الجماعةِ الأزهرية حينئذ، وأنه كان الغاية والمقصد.

الأزهريون وثورة 1919

تؤكد مليكة الزغل، أستاذة بجامعة هارفارد، وتشغل كرسي الأمير الوليد بن طلال للدراسات الإسلامية)، أنّ الأزهر الرسمي تأخر 15 يوما في دعم ثورة 19 ومطالبها، في حين شارك عامّة الأزهريين من الطلبة والمجاورين من أول يوم، وجذبت الحركة الطلابية الأزهرية فئات اجتماعية أخرى، كعمال السكة الحديد، وطلاب الجامعة المدنية، وعقدوا الاجتماعات في حرم الأزهر الشريف، وانخرط البعض منهم في أعمال عنيفة ضد الإنجليز وعملائهم، مثل الشيخ مصطفى القيّاتي أو محمود أبو العيون. ثمّ أعلن الأزهر الرسمي دعمه للثورة ومطالبها بعد مهاجمة الإنجليز للأزهر يوم 11 ديسمبر/أيلول 1919، وأصدرت هيئة كبار العلماء بيانا يدين الإنجليز، ويدعم مطالب الاستقلال. ونجد تفصيل ذلك عند مجدي جرجس في دراسته الماتعة “اختطاف ثورة 19” وعند المؤرخ حسام عبد الظاهر في قراءته لمذكرات الشيخ محمد الخضري.

ولا شك أن هذه الثورة شكّلت جزء كبيرا من الثقافة الدستورية لدى الأزهريين، فتضخمت عندهم مفاهيم الاحتجاج، والإضراب، ومفاهيم الثورة. وكانت تلك الثورة هي السبيل إلى دستور 1923 أهم دستور في تاريخ الدولة المصرية.

الأزهريون ودستور 1923: كبح القصر الملكي

كانت ثورة 19، ومشاركة الأزهريين القوية فيها، لحظة فارقة في العقل الجمعي الأزهريّ، إذ أدرك الأزهريون أن بإمكانهم التغيير، والإضراب، والتظاهر، والاحتجاج، وأنهم رقم مهمّ في المعادلة السياسية والاجتماعية.

ونضرب لذلك مثلا واحدًا: فقد رفض مفتي الديار المصرية الشيخ المطيعي (ت: 1935) في نقاشات ومحاضر لجنة دستور 1923، مذهب القائلين بأحقيةِ الملك في فرض الأحكام العرفية، متى شاء. ونظّر في ذلك تنظيراً سياسياً صرفاً، يُنبئ عن عُمق فهمه، ومتانته في الفقه الدستوري، وإدراك الواقع السياسي حينئذ.

فمما جاء في كلامه في لجنة المناقشة في أغسطس/آب 1922 “أرى أن يكون للبرلمان وحده الحقّ في إعلان الأحكام العرفية، إذا أصبحت البلاد في خطر حقيقيّ مهددة بثورة داخلية مسلّحة أو إغارة على البلاد من دولة أجنبية. فإذا حصل تهديد البلاد على وجه ما ذكر، في دور انعقاد البرلمان فعليه أن يجتمع من تلقاء نفسه ويعلن الأحكام العرفية. أما إذا كان في غير دور انعقاده فللملك بعد أخذ رأي مجلس الوزراء حق إعلان الأحكام العرفية، في الجهة التي تهددت بالثورة أو وقعت فيها الإغارة، دون غيرها. وعلى البرلمان أن يجتمع من تلقاء نفسه اليومين التاليين لإعلان الأحكام التقرير ما يراه في ذلك..”.

فعمل الشيخ بخيت على فرض كوابح خارجية على القصر، دون الاكتفاء بالداخلية. متمثلة في البرلمان، وعند غيابه الاضطراري يحل محله مؤقتا مجلس الوزراء الذي تهيمن عليه الحكومة المنتخبة، ومن ثمّ لا يمكن للقصر أن ينفرد بزمام الأمور، ويعلن الأحكام العرفية دون حاجة ماسّة وحقيقية إلى إعلانها.

خاتمة.. بين تياري الدستورية والمستبِدَّة

وخلاصةُ القول إنّ التيار الدستوريّ برز في الأزهر منذ نهايات القرن 18، وتأسس في النصف الثاني من القرن 19، ونضجت ثمرته في النصف الأول من القرن العشرين. ونسارعُ القول إنّه لم يكن كل علماء الأزهر مع الدستور، والحكم النيابي، بل كان فريق آخر يناهض الدستور، والبرلمان، باعتباره حكما غربيا بدعيا، أو باعتبار مصالحه المتضررة، وهذا يُذكّرنا بتياري الدستورية والمستبدة، اللذين ظهرا في إيران والعراق بدايات القرن العشرين، ولا تزال آثارهما السياسية والاجتماعية حتى اليوم.

* المصدر: مدونات الجزيرة (https://bit.ly/3YreDNZ).

** محمد الصياد | باحث متخصص في الفقه السياسي الشيعي والسنّي، دكتوراه في الشريعة الإسلامية، له عدد من الكتب، والدراسات العلمية المحكمة

 أجرى هذا الحوار الأستاذ عبد الرحمن أبو مالح في بودكاست فنجان الذي يحقق عددًا كبيرًا من المشاهدات.

وقد تناول الحوار العديد من النقاط المهمة، والتي أوردتها قناة “ثمانية” على اليوتيوب على النحو الآتي:

  • أبرز أعمال وائل حلاق (من الدقيقة 05:36).
  • ما الذي لا نعرفه عن تاريخنا الإسلامي؟ (من الدقيقة 08:15).
  • الفرق بين الاستعمار والاحتلال (من الدقيقة 11:49).
  • كيف تختلف الفتوحات الإسلامية عن الاحتلال؟ (من الدقيقة 19:12).
  • نظرة المستشرقين إلى الشريعة الإسلامية. (من الدقيقة 31:23).
  • تشكّل الشريعة والعلوم الإسلامية (من الدقيقة 40: 47).
  • كيف تطورت الشريعة الإسلامية؟ (من الدقيقة (58:15).
  • أثر التحول من الخلافة الراشدة إلى الدولة الأموية (من الدقيقة 01:23:10).
  • ما معنى أن الإسلام يتكئ على التصوف؟ (من الدقيقة 01:32:24).
  • سبب اختيار الحنفية مذهبًا للعالم الإسلامي (من الدقيقة 01:39:42).
  • أثر اختيار المذهب الواحد (من الدقيقة 01:49 :13).
  • مفهوم الحداثة (من الدقيقة 02:04:00).
  • الإنسان قبل الحداثة وبعدها (من الدقيقة (02:14:31.
  • لماذا الروحانية مخادعة؟ (من الدقيقة 02:21:21).
  • نظرة الإنسان الحداثي إلى الحياة اليوم (من الدقيقة 02:31:51).
  • أثر الحداثة (من الدقيقة (02:48:21.
  • مشكلات الشركات الكبيرة (من الدقيقة (03:04:21.
  • هل الأخلاق تساوي الدين بالضرورة؟ (من الدقيقة (03:13:06.
  • هل كانت الحرية حاضرة في الإسلام؟ (من الدقيقة 03:18:06).
  • المساواة قبل الحداثة (من الدقيقة (03:25:01.
  • أثر الدولة الحديثة على تفكك المجتمع (من الدقيقة (03:33:13.
  • لماذا يستحيل أن يكون هناك دولة إسلامية حديثة؟ (من الدقيقة 03:44:10).
  • ما الحل الذي سيساهم في قيام دولة إسلامية حديثة؟ (من الدقيقة 03:54:53).
  • ما بعد الحلقة: سرقة الغرب من المسلمين (من الدقيقة 04:10:46).

رابط مباشر للحوار على قناتنا: حوارات الشريعة والقانون)

ورقة بحثية للدكتور رمزي الشيخ نُشرت في مجلة الدراسات القانونية والاقتصادية التي تصدر عن كلية الحقوق بجامعة السادات، العدد رقم (1) في المجلد السابع الصادر عام 2021، وجاء مستخلص الورقة كما يلي:
لا مراء أن تحديد مصادر القانون المدنى له أهمية کبيرة، ليس فقط لتحديد القواعد القانونية التى يمکن تطبيقها على وقائع النواع وترتيبتها وبيان أولويتها، بل لفهم القواعد القانونية وتفسيرها وإزالة الغموض الذى يحيط بها.
وإذا کان بعض الفقه يفرق بين مصادر القانون وجوهره ولا يعترف إلا بمدلول واحد للمصدر وهو السبب المنشىء وفقا لمقتضيات مبدأ السببية فإن معظم الفقه يعطى للمصدر معان متعددة أهمها معنيان:

  • المصادر الرسمية: وهى السلطة التى تعطى القواعد القانونية قوتها الملزمة، فالتشريع مصدر رسمى فى حدود اختصاصه أى فى مسائل الأحوال الشخصية والعرف ومبادىء الشريعة الإسلامية.
  • المصادر الرسمية الاحتياطية:
    وهي التي لا يلجأ القاضى إليها إلا عند عدم وجود نص فى التشريع.

وجاءت محتويات الورقة البحثية -التي بلغت (212) صفحة- على النحو الآتي:

  • مقدمة.
  • الفصل الأول: مفهوم مباديء الشريعة الإسلامية:
    المبحث الأول: المفهوم القضائي.
    المبحث الثاني: المفهوم الفقهي والمفهوم المختار.
  • الفصل الثاني: دور مباديء الشريعة الإسلامية كمصدر للقانون المدني:
    المبحث الأول: دور مباديء الشريعة الإسلامية في حالة وجود نص تشريعي.
    المبحث الثاني: دور مباديء الشريعة الإسلامية في حالة انعدام النص التشريعي.
    الخاتمة.

رابط مباشر لتحميل الورقة

 

صدر كتاب مشكلة إصلاح نظام الانتخابات في مصر للدكتور عبد الحميد متولي عن مطبعة دار نشر الثقافة عام 1948هـ، حيث تناول -رحمه الله- العديد من المشاكل التي تتعلق بإصلاح نظام الانتخابات في مصر حينذاك، والتي لا نزال نعاني من مثلها في الوقت الحالي.

ومن المشاكل التي تعرض لها د. متولي في كتابه: مشكلة الناخبين الأميين، طريقة الانتخاب الفردي، مبدأ الأغلبية في الانتخاب ومساوئه، ومزايا الأخذ بنظام التمثيل النسي للأقليات السياسية.، حرمان النساء من الاشتراك في الانتخابات.

ومما جاء في مقدمة المؤلف للكتاب:

إنه وإن تك صفحات هذا الكتاب تنطوي على أفكار صادرة عن العقل أو الفكر العلمي، إلا أنها كذلك -بل وقبل ذلك- تنطوي على مشاعر صادرة عن القلب: ذلك القلب الذي طالما آلمه مشهد تلك الخطوات المتعثرة المترددة التي تخطوها الديموقراطية المصرية الناشئة في ذلك الطريق الذي كادت تسده سدًا تلك الأثقال والعوائق التي ألقيت فيه على يد الجهل بأوليات مبادئ علم السياسة، وعلى يد الأحقاد والأهواء التي بلغ من حدتها وشدتها في نفوس بعض الساسة أن أفقدتهم -حتى في ساعات المحن- روح التعاون، وهي روح النظام البرلماني، إذا ذهبت عنه ذهب أو اضطرب.

كما كان يمزق ذلك القلب ألمًا -بوجه خاص- مشهد تلك المساوئ والمفاسد التي تشوب جو الانتخابات النيابية لدينا، تلك المفاسد التي إذا لم يقض عليها أنصار النظام البرلماني أفسدت على ذلك النظام سيره وحفرت له قبره، وقضت علينا كما تقضي عليه.

أنني ممن يرون بل ويؤمنون، أن إصلاح نظام الانتخاب هو الحجر الأساس في بنيان حركة الاصلاح السياسي في بلادنا، إنه -على حد تعبير الاستاذ بارتلي– “إصلاح الاصلاحات” (C`est la réforme des reformes).

وأننا ما لم نعمد إلى إصلاح التشريع الخاص بنظام الانتخاب، فإن كل كلام عن “حرية الانتخابات”، أو عن الانتخابات باعتبارها “مرآة الرأي العام”، انما هو كلام من طراز تلك العبارات السياسية الفخمة الضخمة ضخامة كبريات الطبول، وقد يجد له مكانًا في عالم بعض العقول، ولكن ليس له في عالم الحقائق مكان.

إننا كثيرًا ما نرى الكثيرين من رجال السياسة، شأنهم في البحث عن حلول لما يعرض لهم من مشاكل -على حد تعبير المثل الفرنسي الطريف– “شأن من يبحث في غرفة مظلمة عن قبعة سوداء غير موجودة بتلك الغرفة”!.. وأنني ممن يؤمنون، أن رسالة رجال الجامعة، هي أن يبعثوا بذلك الضياء الذى ينير تلك الغرفة الظلماء. وتلك الرسالة التي آمنت بها آليت أن أعمل جاهدًا في سبيلها، فإذا قدر لهذه الصفحات أن تعد من الخطوات الموفقة في ذاك السبيل، كان في ذلك أشهى وأبهى لون عندي من ألوان التوفيق، والله الموفق.

تقسيمات الدراسة:

  • مقدمة.
  • كلمة عامة عن أهم مواضع النقد التي توجه إلى نظام الانتخاب في مصر.
  • المشكلة الأولى: مشكلة الناخبين الأميين: أدلة أنصار فكرة حرمان الأميين حق الانتخاب- مبدأ حرمان الأميين ورجال الفقه الدستوري في مصر -مبدأ مساواة الأميين بالمتعلمين وأدلة أنصار ذلك المبدأ- مناقشة تلك الأدلة: مبدأ حرمان الأميين من الانتخاب غير مناف للمبدأ الديموقراطي- مبدأ حرمان الأميين غير مناف لمبدأ المساواة كما قررته الدساتير- التحليل القانوني لطبيعة حق الانتخاب- مسألة نظام الانتخاب (وبيان كيفية تكوين هيئة الناخبين) ليست في جوهرها مشكلة قانونية بل هي مشكلة اجتماعية سياسية- مسألة الأقلية والأغلبية- مسألة كفاءة الأميين وآراء العلماء الغربيين عن كفاءة المتعلمين كناخبين- مزايا قصر الانتخاب على المتعلمين (غير الأميين).
  • المشكلة الثانية: طريقة الانتخاب الفردي: أهم الانتقادات الموجهة إلى طريقة الانتخاب الفردي- نبذة موجزة عن مزايا طريقة الانتخاب بالقائمة وتفنيد الانتقادات الموجهة اليها.
  • المشكلة الثالثة: مبدأ الأغلبية في الانتخاب ومساوئه ومزايا الأخذ بنظام التمثيل النسبي للأقليات السياسية.
  • المشكلة الرابعة: النساء وحرمانهن الاشتراك في الانتخاب: أهم أدلة أنصار مبدأ اشتراك النساء في الانتخاب- تفنيد أهم الانتقادات والأدلة السابقة- الوضع الصحيح للمسألة- بعض اقتراحات بمشروعات قوانين (قدمت في الدورة البرلمانية الأخيرة) لتقرير حق الانتخاب للنساء: اقتراح علي زكي العرابي باشا ومذكرته التفسيرية ومناقشتها- اقتراح محمد علي علوبه باشا، واقتراح أحمد رمزي بك.
  • المشكلة الخامسة: الانتخاب المباشر (أو انتخاب الدرجة الواحدة) وأهم الانتقادات الموجهة إليه- مناقشة تلك الانتقادات.
  • نظام الاستفتاء الشعبي: أهميته كعلاج لمساوئ نظام الانتخاب: نبذة موجزة عن الاستفتاء الشعبي- المواضيع التي يجوز أو لا يجوز اجراء استفتاء فيها– الصور والأحوال التي يمكن أن يدخل بها نظام الاستفتاء في مصر-مزايا نظام الاستفتاء الشعبي- قيمة استفتاء الشعب بشأن أنظمته الدستورية- النظام الاستفتاء الشعبي وآراء أساتذة الفقه الدستوري المصري.
  • كلمة ختامية

رابط مباشر لتحميل الكتاب

ورقة للدكتور محمد كمال الدين إمام رحمه الله، بعنوان “مقاصد الشريعة والقانون المقارن”، وملخصها:

“ليس القـانون المقـارن مجـرد نظريـة علميـة خاصة، بقـدر مـاهو حركـة لهـا أبعادهـا السياسية والاجتماعية، كما أن منهجه ليس مجرد طريقة بحـث ووسـيلة فهـم، إذ مداركـه أوسع مدى وأبلغ أثرًا في التشريع والتقنـين. كمـا أن المقاصـد الشـرعية بمفهومهـا الواسـع للمصلحة تمنح المشروعية لتوظيـف القـانون المقـارن فـي فقـه التنزيـل، واسـتقبال حلولـه باعتباره خبرة بشرية في حقلٍ مـا تتلاقـى فيـه العقـول وتـتلاقح الآراء، فتنـتج ما فيـه الخيـر والصلاح للمجتمع. لذا وفي ظل المنظومة المتكاملة من علوم التشـريع الإسـلامي، يصـبح الوعي بمقاصد الشريعة من ضـرورات النهـوض بالقـانون المقـارن فـي عالمنـا الإسـلامي، فكرًا وتطبيقًا”.

رابط مباشر لتحميل الورقة

دراسة بعنوان “الفقه الإسلامي والتغير القانوني في البلاد الإسلامية في القرن العشرين” للأستاذ الدكتور محمد أحمد سراج أستاذ الدراسات الإسلامية بالجامعة الأمريكية، نُشرت في حولية “أمتي في العالم” الصادرة عام 2000 عن مركز الحضارة للدراسات السياسية، وجاءت الحولية بعنوان “أمتي في قرن”

مجال هذه الدراسة هو هذا التطور التشريعي الذي حدث في العالم الإسلامي في القرن العشرين، أو هو هذا التحول الذي حدث بالانتقال عن تطبيق قواعد الفقه الإسلامي في أي مذهب من مذاهبه إلى الأخذ بنظم قانونية مستمدة من التفكير القانوني الغربي في ظروف الاحتلال والهيمنة الغربية المباشرة. ويُضاف إلى ذلك اتجاه البلاد الإسلامية بعد نيل استقلالها في منتصف القرن العشرين إلى العمل على استشكاف الصيغ المناسبة للرجوع إلى التطبيق الشرعي.

جاء تقسيم الدراسة كما يلي:

  • الفصل الأول: الاستمداد من القوانين الغربية والظروف التاريخية لإقصاء النظام القانوني المطبق في البلاد الإسلامية قبل القرن الأخير وإحلال قوانين غربية الأصول محل هذا النظام.
  • الفصل الثاني: استلهام الفقه الإسلامي في التطبيق القانوني، ومقصود هذا الفصل هو متابعة الجهود التي بذلتها الدول الإسلامية والعربية في التوفيق بين مقتضيات الأصالة والمعاصرة، والخروج بفلسفة تشريعية تعتمد الاستجابة للمصالح الاجتماعية دون خروج على مقررات الفقه الإسلامي. وإنما أتت هذه الجهود التالية للاستمداد من القوانين الغربية وتولد إحساس عام بعدم الرضا في ظروف العمل على نيل الاستقلال والخروج من أزمة التبعية الثقافية والسياسية ذات التأثير الشعبي بالعودة إلى تطبيق الأحكام الشرعية. وقد تبنت هذه حركات سياسية معينة وصلت إلى سدة الحكم في بعض البلاد الإسلامية، على نحو كان له أثره في العمل التشريعي. ولذا يتعين رصد هذه الجهود وتحليلها، وهذا هو هدف الفصل.
  • الفصل الثالث: التطبيق الشرعي في مجال الأسرة، والهدف من عقد هذا الفصل هو دراسة أوجه التطور التشريعي الذي أخذت بها البلاد الإسلامية في هذا المجال، لمعرفة طبيعة القضايا والمشاكل التي فرضت نفسها في هذه الفترة ومدى الاتفاق في الحلول التي أخذت بها هذه التشريعات في هذا المجال.

 

رابط مباشر لتحميل الدراسة

© 2018 Your Company. All Rights Reserved. Designed By Tripples