وصية غير المسلم لا تجوز إلا في الثلث ولغير وارث: دفاع عن حكم محكمة النقض والإبرام الصادر في ٢١ يونيه سنة ١٩٣٤*

د. عبد الرازق السنهوري

تعد مذكرة «وصية غير المسلم لا تجوز إلا في الثلث ولغير وارث» -الصادرة عام ١٩٤٢م عن مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر- وثيقةً قانونية تاريخية أعدها الدكتور عبد الرزاق السنهوري. وقد صِيغت هذه المذكرة خصيصًا للدفاع عن الحكم التاريخي الصادر من الدائرة المدنية بمحكمة النقض والإبرام المصرية في ٢١ يونيو سنة ١٩٣٤م في قضية الطعن رقم ٦١ سنة ١٠ قضائية، المرفوع من بشير أفندي سليمان بصفته وصي خصومة على قصر المرحوم الخواجة داود يوسف (طاعن) ضد بولس أفندي داود وآخرين (مطعون ضدهم)، وهو الحكم الذي قرر قاعدة جوهرية تقضي بأن وصية غير المسلم لا تجوز إلا في حدود الثلث ولغير وارث. وتهدف فصول المذكرة إلى معالجة المسألة القانونية المتعلقة بمدى خضوع وصايا غير المسلمين لأحكام الشريعة الإسلامية باعتبارها الشريعة العامة في مصر، بالإضافة إلى تقديم رد فني مباشر على المذكرة التي قدمها الأستاذ صليب سامي باشا، سعيًا لإيجاد وحدة تشريعية تحد من تشتت الأحكام بين جهات القضاء المتعددة.

يبدأ الكتاب بـ تمهيد يوضح فيه الدكتور عبد الرزاق السنهوري غرض هذه المذكرة التاريخية، مؤكدًا أنه لا يهدف بمادته إلى مجرد تتبع أوجه الطعن العينية التي قدمها الطاعنون في القضية المطروحة، بل يتعدى ذلك إلى علاج مسألة قانونية بالغة الأهمية وذات خطر كبير على النظام القانوني المصري بأكمله، وهي مدى خضوع وصية غير المسلم لأحكام الشريعة الإسلامية باعتبارها الشريعة العامة في البلاد. ويرد المؤلف في هذا التمهيد صراحة وبشكل علمي رصين على المذكرة التي قدمها الأستاذ صليب سامي باشا والتي تناولت الموضوع من زوايا مختلفة، حيث يسعى السنهوري لإيجاد وحدة تشريعية متماسكة تجمع شتات الأحكام الموزعة بين جهات القضاء المختلفة وتثبت كفاءة القواعد الإسلامية كقانون مشترك لجميع المصريين في مسائل الأحوال الشخصية.

وفي الباب الأول، يستعرض المؤلف أحكام الشريعة الإسلامية في الأحوال الشخصية للذميين وبخاصة في مسائل الوصية. حيث يستهل هذا الباب بتصحيح خطأ شائع يظن فيه البعض أن الشريعة الإسلامية لا تُطبق إلا على المسلمين وأن غيرهم قد تُرِكوا أحرارًا من أي قيد مدني في معاملاتهم. ويثبت المؤلف قانونًا وشرعًا أن أهل الذمة مخاطبون بأحكام الإسلام في غير العقائد والعبادات، مستشهدًا بالنصوص الفقهية المعتمدة لدى المذاهب الأربعة؛ حيث يعرض مذهب الحنفية الذي يقرر خضوع وصايا الذميين لذات القيود المقررة على المسلمين (أي عدم تجاوز الثلث وألا تكون لوارث)، ثم يتبعه بمذهبي الشافعية والحنابلة اللذين يؤكدان سريان أحكام المعاملات والوصايا العامة على غير المسلمين، وينتهي بمذهب الإمام مالك مستدلًا بما ورد في المدونة الكبرى في شأن وصايا غير المسلمين وتطبيق حدود الوصية الشرعية عليهم. ويؤصل هذا الباب لكون ولاية القضاء الإسلامي لا ترتفع عن الذميين في دار الإسلام، مستعرضًا تطبيقات فرعية تاريخية واضحة في مسائل أنكحة الذميين ووصاياهم للتأكيد على شمولية هذا التطبيق.

أما في الباب الثاني، فينتقل الكتاب لدراسة التشريعات العثمانية الخاصة بالطوائف غير الإسلامية عبر ثلاثة فصول متسلسلة؛ يتناول الفصل الأول الفترة من الفتح العثماني إلى صدور الخط الهمايوني، مبينًا كيفية نشأة امتيازات الطوائف ومخالفتها لأصل أحكام الشريعة الإسلامية، وكيف أسيء استعمال هذه الامتيازات من رجال الدين المسيحيين مما أوجب حركة الإصلاح في الدولة العلية عبر صدور "خط كلخانة". وفي الفصل الثاني، يدرس المؤلف نصوص الخط الهمايوني ولائحة تركات العيسويين، موضحًا أن أحكام الخط الهمايوني مثّلت رجوعًا حميدًا إلى أحكام الشريعة الإسلامية العامة، ويفند كافة الاعتراضات التي وُجّهت ضد لائحة تركات العيسويين من حيث قوتها التشريعية ومدى سريانها في تركيا ومصر، معتمدًا على التقاليد القضائية الراسخة التي تؤيد أحكام الخط الهمايوني وتجعل العبرة بها لا بالمذكرات السياسية العابرة. بينما يخصص الفصل الثالث لاستعراض التحريرات السامية الصادرة لاسترجاع الامتيازات، مثل تحرير 3 فبراير سنة 1891 الصادر للروم الأرثوذكس، وتحرير أول أبريل سنة 1891 الصادر للأرمن الأرثوذكس، كاشفًا زيف دعوى وجود تحرير سامٍ ثالث يقرر تعميمًا مطلقًا لتلك الامتيازات.

ويأتي الباب الثالث ليفصل التشريعات المصرية التي تنظم القضاء الملي، مقسمًا إياها إلى تشريعات عامة وتشريعات خاصة؛ حيث يستعرض تحت مظلة التشريعات العامة كلًا من التشريع المختلط، والتشريع الأهلي، وتشريعات سنة 1937 الصادرة بعد معاهدة مونتريه. ففي التشريع المختلط يبدأ المؤلف من المادة 9 من لائحة الترتيب والمادة 4 من التقنين المدني اللتين حددتا نطاق الأحوال الشخصية، ومرورًا بالمواد 77 (المواريث)، و78 (الوصية)، و190 (الأهلية). ثم يستعرض التشريع الأهلي الذي يثبت مطابقته التامة للتشريع المختلط في مواده المقابلة وهي: المادة 16 من لائحة الترتيب، والمادة 54 (المواريث)، والمادة 55 (الوصية)، والمادة 130 (الأهلية). وتليها تشريعات سنة 1937 (كلائحة التنظيم القضائي والقانون رقم 91 لسنة 1937). ثم يتناول المؤلف التشريعات المصرية الخاصة بالطوائف غير الإسلامية (مثل لوائح الأقباط الأرثوذكس والإنجيليين والأرمن الكاثوليك)، مقررًا وجوب تطبيق جهات القضاء الملي للقاعدة التي تقضي بأن الوصية لا تجوز إلا في الثلث ولغير وارث، بناءً على أن التكييف القانوني لمسائل الأحوال الشخصية يتبع دائمًا الشريعة الإسلامية، وباعتبار الوصية من ملحقات قواعد الميراث، مختتمًا الباب بتحليل الحالة الراهنة للقانون المصري واختصاص القضاء الملي وتحديد الطوائف التي يختص أو لا يختص قضاؤها بمسائل الوصية.

وينصب الباب الرابع على دراسة أحكام القضاء المصري في مسائل الأحوال الشخصية لغير المسلمين، متتبعًا الاتجاهات العامة للقضاء؛ حيث يستعرض أدوار القضاء الأهلي الثلاثة (من كون الاختصاص الملي اختياريًا ثم إجباريًا ثم عودته اختياريًا إلا فيما استثني بنص خاص)، يليه عرض تفصيلي لأحكام القضاء الشرعي ومواقفه في قضايا الوصية، ثم أحكام القضاء المختلط وأدواره الثلاثة مع مناقشة نقدية للحكم الصادر من محكمة الاستئناف المختلطة في 17 مارس سنة 1942. ويعقد المؤلف في هذا الباب فصلًا كاملًا لتحليل حكم محكمة النقض والإبرام الصادر في 21 يونيو سنة 1934، مؤكدًا أنه قضاء حاسم ملزم وليس مجرد فتوى عابرة، ومفصلًا الأسباب الرئيسية التي بُني عليها (مثل نظام تركات العيسويين، وارتباط الإرث بالوصية، وسريان أحكام تصرفات المريض مرض الموت على الكافة، وكون الوصية عملًا مدنيًا لا دينيًا محضًا)، تليها مناقشة الأسباب العرضية المتنوعة والرد على دعوى التعميم المزعوم.

ويختتم الكتاب بـالباب الخامس الذي يفرده المؤلف لبحث شرط اتحاد الملة في اختصاص القضاء الملي باعتباره شرطًا جوهريًا لا بد منه لانعقاد الاختصاص، مستندًا إلى نصوص التشريع العثماني والمصري وقضاء المحاكم الأهلية والشرعية والمختلطة والفقه المقارن. ويخصص المؤلف الجزء الأكبر من هذا الباب للرد المفصل والمنهجي على الاعتراضات الخمسة التي تضمنتها مذكرة الأستاذ صليب سامي باشا في شأن اتحاد الملة، داحضًا كل اعتراض على حدة (الاعتراض الأول: تعيين الاختصاص بحالة المورث أو العبرة بالورثاء، الاعتراض الثاني: ترجيح الأحكام الموضوعية على الإجرائية، الاعتراض الثالث: وجوب منع التحايل بتغيير الملة، الاعتراض الرابع: خلو تشريعات المجالس الملية من هذا الشرط، الاعتراض الخامس: حكم قانون سنة 1937). ويوضح السنهوري أن اختلاف الملة بين أطراف الخصومة يرفع يد القضاء الملي حتمًا ويعيد الاختصاص للشريعة العامة. ثم ينتهي ببحث مسألة "اختلاف ملة الخصوم في القضية المنظورة" باعتبار أن كون الخصوم مختلفي الملة هو مسألة موضوعية تفصل فيها محكمة الموضوع. ليختتم السنهوري وثيقته مؤكدًا تماسك وقوة الدفوع القانونية والشرعية التي تبنتها هذه المذكرة التاريخية دفاعًا عن قضاء محكمة النقض المصرية.

 

لتحميل ملف الوثيقة (هنا)

 

* السنهوري، عبد الرزاق أحمد. وصية غير المسلم لا تجوز إلا في الثلث ولغير وارث: دفاع عن حكم محكمة النقض والإبرام الصادر في ٢١ يونيه سنة ١٩٣٤، القاهرة: مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، ١٩٤٢م.

© 2018 Your Company. All Rights Reserved. Designed By Tripples