موقع حوارات

موقع حوارات

 (1) الأصل في الشرائع كلها أنها وضعت لخير الإنسان – أفرادا كانوا أو جماعات – لا فرق في ذلك بين شريعة قديمة وحديثة، ولا بين سماوية ووضعية؛ فكلها تسعى إلى غاية واحدة، وهي حماية المجتمع بضمان أمنه وكفالة استقراره وتقدمه، وحماية أفراده بالمحافظة على حقوقهم. ويمكن القول بأن المقصد الكلي لكل تشريع هو درء المفاسد وجلب المصالح، وإن تميزت الشرائع السماوية بأنها تهدف كذلك إلى تحقيق سعادة الإنسان في الحياة الآخرة.

 (2) غير أن ذلك لا يعني بالضرورة تطابق الشرائع كلها، فما زالت الشرائع رغم اشتراكها في الغاية أو المقصد الكلي متباينة في بعض أحكامها. ويرجع هذا التباين إلى سببين: الأول اختلاف الأنظار في تحديد ما يعد مفسدة وما يعد مصلحة، لاتسام كلتيهما بالنسبية؛ فما تراه بعض الشرائع مصلحة قد يراه البعض الآخر مفسدة، والعكس صحيح. والثاني تباين الآراء في اختيار أمثل الطرق لدرء المفاسد وجلب المصالح. على أن اختلاف الشرائع فيما بينها لا يبلغ حد القطيعة أو التناقض الشامل، بل المشاهد أن ما بين الشرائع من التوافق هو أكثر مما بينها من التباين والتنافر وذلك لوحدة العقل البشري، وهو فرع من وحدة الأصل الإنساني.

ويعلل العز بن عبد السلام هذا التوافق بأن معظم مصالح الدنيا ومفاسدها معروف بالعقل في معظم الشرائع، إذ لا يخفي على عاقل قبل ورود الشرع أن تحصيل المصالح المحضة ودرء المفاسد المحضة عن نفس الإنسان وعن غيره محمود حسن، وأن تقديم أرجح المصالح فأرجحها محمود حسن، وأن درء أفسد المفاسد فأفسدها محمود حسن، واتفق الحكماء وكذلك الشرائع على تحريم الدماء والأبضاع والأموال والأعراض، وعلى تحصيل الأفضل فالأفضل من الأقوال والأعمال، وإن اختلف في بعض ذلك فالغالب أن ذلك لأجل الاختلاف في التساوي والرجحان، فيتحير العباد عند التساوي، ويتوقفون إذا تحيروا في التفاوت والتساوي.[1]

ويشرح العز أسباب التوافق والتباين بين الشرائع فيقول: المصالح ثلاثة أقسام: أحدها واجب التحصيل، فإن عظمت المصلحة وجبت في كل شريعة، والقسم الثاني مندوبة التحصيل، والثالث مباحة التحصيل … والمفاسد ثلاثة أقسام: أحدها ما يجب درؤه، فإن عظمت مفسدته وجب درؤه في كل شريعة كالكفر والقتل والزنا والغصب وإفساد العقول، والقسم الثاني ما تختلف فيه الشرائع، فيحظر في شرع ويباح في آخر تشديدًا على من حرم عليه وتخفيفًا على من أبيح له، والثالث ما تدرؤه الشرائع كراهية له.[2]

وهذا النظر سديد؛ فثم مصالح لا يختلف العقلاء في وجوب تحصيلها، ومفاسد لا يختلفون في وجوب درئها، وثم مصالح ومفاسد تتفاوت أنظار العقلاء في شأنها. ثم الحال في الطائفة الأخيرة معتبرة حتى عند الجماعة الواحدة تبعًا لاختلاف الأحوال والأزمان.

(3) واختلف الرأي في الأداة التي تتحدد بها المصلحة والمفسدة. أما الشرائع الوضعية فلا خلاف في أن العقل فيها هو المحكم، فهو وحده الذي يحدد المصلحة الواجب حفظها أو جلبها والمفسدة الواجب درؤها. أما فقهاء الشريعة فجمهورهم على أن الشرع هو المحكم؛ فما اعتبره الشرع مصلحة فهو مصلحة، وما اعتبره مفسدة فهو كذلك.

على أن ذلك لا يعني أنهم أسقطوا دور العقل. يقول العز بن عبد السلام: «إن مصالح الدنيا ومفاسدها معروفة بالضرورات والتجارب والعادات والظنون المعتبرات، فإن خفي شيء من ذلك طلب من أدلته، ومن أراد أن يعرف المصالح والمفاسد راجحها ومرجوحها فليعرض ذلك على عقله بتقدير أن الشرع لم يرد به ثم يبني عليه الأحكام، فلا يكاد حكم منها يخرج عن ذلك إلا ما تعبد الله به عباده ولم يقفهم على مصلحته أو مفسدته».[3] فهو يرى أن العقل والشرع لا يختلفان في معرفة المصالح والمفاسد إلا أن تفسد فطرة الإنسان أو يصاب طبعه بحول، فهو عندئذ إما جاهل غلبت عليه الشقاوة أو أحمق زادت عليه الغباوة.[4]

وغالى بعض الفقهاء في دور العقل حتى إن منهم من عده من مصادر الأدلة الشرعية كالمعتزلة، بل لقد قدمه البعض على النص والإجماع كالطوفي، فهو يفرق في رسالته عن رعاية المصلحة بين العبادات والمعاملات، ويرى أن المعول عليه في العبادات والمقدرات هو النص والإجماع، أما المعاملات وباقي الأحكام فالمعول عليه فيها مصالح الناس، لأن العبادات حق للشرع خاص به ولا يمكن معرفة حقه كيفا وكما وزمانا ومكانا إلا من جهته بخلاف حقوق المكلفين، فإن أحكامها سياسة شرعية وضعت لمصالحهم فكانت هي المعتبرة. وتحسَّب الطوفي لاعتراض قد يتجه إليه ودفعه بقوله: ولا يقال إن الشرع أعلم بمصالح الناس فلتؤخذ من أدلته، لأن رعاية المصلحة من أدلة الشرع، وهي أقواها وأخصها فليقدمها في تحصيل المصالح، وإنما يقال هذا في العبادات التي تخفي مصالحها عن مجاري العقول والعادات، أما مصلحة سياسة المكلفين في حقوقهم فهي معلومة لهم بحكم العادة والعقل.[5]

غير أن الشاطبي – وهو لا ينكر دور العقل في تعرف المصالح والمفاسد وفي الترجيح بينها عند تعارضها – لا يضع العقل في الصدارة ولا يعتبر دوره حاسمًا، بل يجعل هذا الدور محدودًا، إذ يقول إن المصالح التي تقوم بها أحوال العبد لا يعرفها حق معرفتها إلا خالقها وواضعها، وليس للعبد بها علم إلا من بعض الوجوه، والذي يخفى عليه منها أكثر من الذي يبدو له؛ فقد يكون ساعيًا في مصلحة نفسه من وجه لا يوصله إليها، أو يوصله إليها عاجلاً لا آجلاً، أو يوصله إليها ناقصة لا كاملة، أو يكون فيها مفسدة تربى في الموازنة على المصلحة، فلا يقوم خيرها بشرها. ويقول: فلهذا بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، فإذا كان ذلك كذلك فالرجوع إلى الوجه الذي وضعه الشارع رجوع إلى وجه حصول المصلحة والتخفيف على الكمال، بخلاف الرجوع إلى ما خالفه[6]. وحذر الشاطبي من التعويل على العقل وحده، لأن الأحكام إنما وضعت لمصالح العباد على حسب توقيف الشارع وعلى الحد الذي حده، لا على مقتضى أهوائهم وشهواتهم، إذ يترتب على توارد الأهواء والأغراض على الشيء الواحد انخرام النظام، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ﴾ [المؤمنين: 71]. ويستدل الشاطبي على صحة رأيه بأنه لو كان الأمر على ما قاله المخالفون بإطلاق لم يحتج في الشرع إلا إلى بث مصالح الدار الآخرة وحدها، وذلك لم يكن.[7]

وما قرره الشاطبي في هذا الخصوص صحيح في الجملة، غير أنه جعل العقل مرادفًا للأهواء والشهوات وهو ما لم يقصده المخالفون على التحقيق. فهم لم يقصدوا عقل آحاد الناس، بل قصدوا العقل الجمعي، ثم إنهم لم يجعلوا هذا العقل شاملاً عقل العوام، بل قصروه على عقل الفئة الرشيدة. لكن هذا كله ليس من شأنه دفع وجوه النقد التي أثارها الشاطبي. وقد أصاب حين عارضهم بأنه لو كان الأمر على ما قالوا ما كان الشرع بحاجة إلى تبيان مصالح الدنيا ومفاسدها اكتفاء بحكم العقل وحده. وفضلاً عن ذلك فقد أثبت الواقع أن الناس لو تركوا لعقولهم وحدها فليس من المحتم أن يهتدوا إلى كل المصالح الحقيقية والمفاسد الحقيقية، وألا يخلطوا بينها. والدليل على ذلك – كما يقول الشاطبي – أنه لما جاء الشرع بعد زمان فترة تبين منه ما كان عليه أهل الفترة من انحراف الأحوال عن الاستقامة وخروجهم عن مقتضى العدل في الأحكام[8]. والشواهد على صحة هذا النظر كثيرة، فقد كان العرب يئدون النبات وينكحون نساء الآباء ويستحلون الربا، وكان قوم لوط يأتون الرجال شهوة من دون النساء، وكان الناس يعبدون الأوثان ويسفهون من يدعوهم إلى التوحيد ويقولون مستنكرين: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: 5]، ونحو ذلك كثير.

والمسلّم أن الله لا يفعل شيئًا عبثًا، فهذا يتنافى مع حكمته. وقد خلق الإنسان وأرسل له الرسل مبشرين ومنذرين، وشرع له أحكامًا تنظم علاقته بربه وبسائر خلقه. ولا شك أن خالق الإنسان أدرى منه بما يصلح أمره. وإذا كان قد خلقه وزوده بالعقل ولم يكله مع ذلك إلى عقله في كل أمره، بل امتن عليه فشرع له من الدين ما أوحى به إلى رسله، ثبت أن شرع غيره أدنى من شرعه، وأنه لا يحقق خير الإنسان كما يحققه شرع ربه وذلك لسببين، الأول أن الله لا يعود عليه من شرعه نفع لنفسه، والثاني أنه عليم مطلق العلم حكيم مطلق الحكمة، فما يأمر به خير وما ينهى عنه شر. أما شريعة البشر فإن واضعها مهما يتمسك بالحيدة – حقيقة أو تظاهرا – فليس في وسعه أن يتحرر كلية مما هو كامن في نفسه من نزوع إلى تحقيق مصلحته الشخصية أو مصلحة فئته التي يمثلها أو حتى شعبه الذي ينتمي إليه، ولو أدى ذلك إلى غمط حقوق غيره أو غير فئته أو الشعوب الأخرى. كذلك فإن واضعي شرائع البشر – وفيهم قصور البشر – لا يحيط علمهم بوجوه المصالح كما يحيط بها علم الله، ولا تبلغ حكمتهم في الموازنة والترجيح بينها عند التعارض مبلغ حكمة الله.

المقاصد الشرعية

(4) لم يلزم فقهاء الشريعة جميعًا مصطلح المقاصد فيما كتبوه، لكنهم عبروا عن هذا المعنى بعبارات تختلف في لفظها وتتفق في مدلولها. فقيل هي جلب المصالح ودرء المفاسد، وقيل هي الأصول التي اعتبرها الشارع في التشريع وتكون أساسًا لدليل القياس، وقيل هي المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو في معظمها، وقيل هي الأهداف التي شرعت الأحكام لتحقيقها، سواء كان تحصيلها عن طريق جلب المنافع أو عن طريق دفع المضار.

(5) وحصر قدامى الفقهاء مقاصد الشرع في عدد محدود غايته المحافظة على الدين والنفس والعقل والنسل والمال. فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة وكل ما يفوتها فهو مفسدة. وتحفظ بعض الفقهاء على هذا الحصر ورأوا أن رعاية هذه المصالح لا تستغرق مقاصد الشرع، لأنها أرحب من ذلك، ومن ثم فقد زاد بعضهم مقصدًا أو أكثر.

ويبدو لي أن الفقهاء الذين حصروا مقاصد الشرع فيما أسموه الضروريات الخمس لم يعتمدوا في ذلك على استقراء جملة أحكام الشريعة، وهي الطريقة المثلى في استنباط المقاصد، بل سلكوا مسلكًا أراه محل نظر. وأغلب الظن أنهم ركزا اهتمامهم على طائفة من الجرائم هي التي عاقب الشارع عليها حدًا أو قصاصًا، ورأوا أنه ما دام الشارع قد عنى بالنص عليها صراحة فما ذلك إلا لأنها في تقديره أشد الجرائم جسامة، وأن جسامتها ناشئة من مساسها بأخطر المصالح، واستنتجوا من ذلك أن رعاية هذه المصالح هي مقصوده الأساسي، فقالوا إن حد الردة شرع للمحافظة على الدين، والقصاص والدية للمحافظة على النفس، وحد الشرب للمحافظة على العقل، وحد الزنا والقذف للمحافظة على النسل – عند البعض وعلى النسل والعرض عند آخرين – وحد السرقة والحرابة للمحافظة على المال.

وربما زكى هذا النظر لدى الفقهاء أن الشارع أفرد هذه الجرائم بأحكام خاصة، فعنى ببيان طريقة إثباتها وتحديد عقوبة كل منها – نوعًا ومقدارًا – وكيفية تنفيذها، وحظر زيادتها أو نقصها أو إبدالها، ومنع العفو عند الحد إذا بلغ الإمام، واختلف الرأي في أثر التوبة على العقوبة عدا توبة المحارب قبل القدرة عليه.

(6) والراجح لدينا أن عناية الشارع بتنظيم أحكام الحدود والقصاص لا يتأذى منه بالضرورة أن هذه الجرائم هي أشد الجرائم خطورة ولا أن عقوباتها هي أشد العقوبات جسامة، ولا أن رعاية المصالح التي تنال منها هذه الجرائم هي كل مقصود الشرع. والدليل على ذلك أن السرقة وهي عدوان على المال معاقب عليها بقطع اليد، ومع ذلك فإن خيانة الأمانة والنصب لا قطع فيهما رغم اتحادهما مع السرقة في علة القطع وهي العدوان على المال. ولا يعترض بأن صاحب المال في السرقة لم يفرط، بل بذل في صون ماله غاية جهده فحفظه في حرز فكان إمعان الشرع في حمايته أوجب، بخلاف الحال في خيانة الأمانة والنصب لأن صاحب المال في الحالين مفرط، إذ لم يحتط لماله بالقدر الواجب، بل وضع ثقته فيمن ليس أهلاً لها في الحالة الأولى، وتخلى عن ماله بغير روية في الثانية. فهذا الاعتراض مردود بأنه لا يطرد، فقد تقوم ضرورة ملجئة لا يجد صاحب المال إزاءها من يعهد إليه بماله سوى من ائتمنه، وقد يكون صاحب المال سليم الطوية والنصاب واسع الحيلة فيكون الأول معذورًا إذا انطلت عليه حيلته. وإذا جازت المنازعة في ذلك فما القول فيمن يحفظ متاعه في حرز فينتهكه الجاني ثم لا يخرج منه شيئًا، بل يتلف فيه ما يبلغ نصابًا، والإجماع على أنه لا يقطع! هذا من جهة الفعل، أما من جهة العقوبة فالمقرر أن عقوبة زنا غير المحصن الجلد مائة، وعقوبة القذف ثمانون، وعقوبة الشرب أربعون، ومن غير المقبول أن تكون هذه العقوبات هي أشد العقوبات جسامة، وإلا امتنع العقاب تعزيرًا بما هو أشد منها، وهو غير مسلم من جمهور الفقهاء؛ فهم يجيزون التعزير حتى بالقتل في بعض الجرائم. ولا سوغ القول بأن الشرع يحظر العقاب على الرشوة والتزوير والحريق والاتجار بالمخدرات وخطف الإناث والتجسس لصالح الأعداء بما هو أشد من الجلد أو بما يجاوز الأربعين جلدة. وشذوذ هذه النتائج فرع من شذوذ القول بأن جرائم الحدود والقصاص هي أخطر الجرائم وأن عقوباتها هي أشد العقوبات جسامة، وأن مقاصد الشرع تنحصر كلها في المصالح التي تهدرها تلك الجرائم.

والطريقة المثلى لاستقصاء مقاصد الشرع يجب أن تتجاوز هذه النظرة الضيقة وأن تتسع لتشمل جملة أوامر الشرع ونواهيه، لأن الشرع لا يأمر إلا بما يحفظ أو يحقق مصلحة ولا ينهى إلا عما يعد مفسدة. ومن جماع الأوامر والنواهي يمكن استنباط سائر المقاصد.

(7) وقد أشرنا إلى أن من الفقهاء من لم يقنع بالمقاصد التي تمثلها الضروريات الخمس، بل سعى إلى إضافة مقاصد أخرى. وبدا لي من واقع اهتمامي بالتشريع الجنائي الإسلامي أن المقصد الذي تدور حوله عامة أحكام هذا التشريع أو أصوله هو العدل. وهذا لا يعني أن هذا المقصد أكثر وضوحًا في هذا المجال منه في سائر المجالات، بل الصحيح أنه شديد الوضوح فيها جميعًا، بل لعل له الصدارة على غيره من المقاصد في كل الأحكام، وذلك لسبب بسيط هو أن أحكام الشريعة أوامر ونواه، ولكل أمر أو نهي جزاء، والعدل لا ينفك عن الجزاء. ولهذا فإنه مما يجري على ألسنة الفقهاء أن العدل عماد الشريعة، كما أن التوحيد عماد العقيدة. والعدل مركوز في الفطرة الإنسانية، ولذلك فالشرائع كلها تقره ولا تقرره، أي أنها تنزل على حكمه ولا تنشئه. وإذا كانت للجسد حواس فللعقل مثلها، ومن هذه الحواس حاسة العدالة. ولما كان الإسلام دين الفطرة فمن الطبيعي أن تكون أحكامه أكثر انسجامًا مع فكرة العدل.

(8) ولا يتسع المقام هنا لإيراد النصوص التي تؤكد هذا المقصد، فهي أكثر من أن يحيط بها الحصر، ويكفي أن العدل هو أحد أسماء الله الحسنى. وإنما يقتصر بحثنا على بيان الدور الذي يؤديه مقصد العدل في تقرير وفي ضبط كثير من الأحكام في المجال الجنائي. ويحسن التنبيه هنا إلى أننا لا نسعى في هذه الدراسة إلى استقصاء كل الأحكام الجنائية التي تتجلى فيها فكرة العدل، فهي لا تكاد تنفك عن أي حكم، ولكننا نعرض فقط لطائفة منها يبدو فيها مقصد العدل أكثر وضوحًا ونتناولها بالقدر اللازم لإبراز هذا المعنى.

أولا: مبدأ الشرعية

(9) يتردد هذا المبدأ في الدساتير المعاصرة، ومنها الدستور المصري، فقد نصت المادة 67 منه على أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون. وهذا المبدأ مقرر في الشريعة الإسلامية بوجه عام، وهو من القواعد الكلية التي تدل عليها النصوص. قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ [القصص: 59]. وهذه القاعدة يمليها العدل، لأن الأصل في الأفعال الإباحة، وأنه لا تكليف قبل ورود الشرع. فمتى أريد حظر فعل أو الإلزام لفعل فالعدل يوجب إعلام المخاطب أولاً بالأمر أو بالنهي، وإلا كانت مفاجأته بالعقاب ظلمًا. وقد أراد الشرع بالنذارة قبل العقاب أن يقطع الحجة على العصاة، ولهذا قال تَبَارَكَ وَتَعَالَى تنزيها لذاته عن الظلم: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه: 134]. والمعنى أنه لو جاز أن يحاسب الإنسان عما لم يكلف به لانخرمت العدالة وكان لعتابه على من يحاسبه وجه.

(10) وقد طبقت هذه القاعدة بصرامة بالنسبة لطائفة من الجرائم وهي الحدود والقصاص، فقد تعينت أفعالها وتحددت عقوباتها. وقد يظن أن القاعدة انحسرت عن التعازير، اعتمادًا على أنه لا توجد نصوص تفصيلية بشأنها تحدد الأفعال المجرمة والعقوبة المقررة لكل منها، وأن لولي الأمر بناء على ذلك أن يؤدب من يشاء على ما يشاء بما يشاء، فهذا القول فيه إطلاق تأباه مبادئ الشريعة وروحها. والمتفق عليه أنه لا تعزير إلا في معصية، والمعصية هي فعل المحظور أو ترك الواجب. والأمر والنهي يقتضيان نصًا، فلا جريمة إذن بغير نص. وبهذا يسلم شطر القاعدة الأول. أما الشطر الثاني وهو تحديد العقوبة فقد دل العمل على ولاة الأمر لم يكونوا يحرصون على إعلام المخاطبين سلفًا بالعقوبة المقررة لكل معصية. غير أن ذلك لا يعني أن أصول الشرع تحظر عليهم ذلك وتخولهم سلطة العقاب دون سبق نذارة، بل إن روح الشرع توجب النص على العقوبة، لأن هذا هو ما يقتضيه العدل حتى يكون كل امرئ على بينة من أمره، وكي لا يختل ميزان العدل إذا ترك الأمر لمطلق تقدير ولي الأمر في كل حالة على حدة؛ فقد يفضي ذلك إلى اختلاف مصائر المتهمين باختلاف أولي الأمر وما قد يعتريهم من أهواء. ومن هذا نرى أن قاعدة الشرعية مقررة في شطرها الأول في الشرع، وأنها في شطرها الثاني مقررة في طائفة من الجرائم، ولا يتعارض إعمالها في سائر الجرائم مع الشرع، بل إن إعمالها فيه أكثر اتفاقًا مع مقصد العدل.

(11) ويتفرع عن مبدأ الشرعية مبدأ آخر هو عد الرجعية، وهو مقرر كذلك في الشريعة الإسلامية، ويعتمد في أساسه على العدل؛ فالعدل يأبى أن يعاقب شخص عن فعل أتاه أو امتنع عن إتيانه إلا إذا كان ما وقع منه تاليًا لصدور الأمر أو النهي، لأن تكليفه بالامتثال قبل ذلك تكليف لما لا يطاق. فإذا عوقب رغم ذلك كان هذا هو الظلم بعينه. وثمة شواهد من النصوص على ذلك، قال تعالى في سورة النساء بيانًا للمحرمات: ﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الآية: 22]، وقال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ … وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الآية: 23]، فدل ذلك على ما وقع قبل ذلك لا إثم فيه ولا جزاء عليه.

(12) وقد ذهب بعض المحدثين إلى أن أحكام الشريعة الإسلامية لا تأبى أن يكون للنصوص الجنائية أثر رجعي في بعض الأحوال إذا اقتضت ذلك المصلحة العامة، وعلى الأخص بالنسبة للجرائم الخطيرة التي تمس الأمن العام والنظام العام. واستدل على ذلك بأن الرسول ﷺ أقام الحد على قذفة عائشة رغم أن ما وقع منهم كان سابقًا على نزول آية القذف في سورة النور، وأنه أقام حد الحرابة على العرنيين رغم أن ما وقع منهم كان سابقًا على نزول آية الحرابة في سورة المائدة.[9] وقد حقق الدكتور محمد سليم العوا الواقعتين وأثبت أن ما وقع من قذفة عائشة كان تاليًا لنزول آية القذف، وأن عقاب العرنيين لم يكن حدًا، بل كان تعزيرًا طبقًا للقواعد العامة التي توجب معاملة الجاني بمثل ما فعل، وذلك عملاً بقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾، وقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾.[10]

وعندنا أنه إذا اختلف الرأي في مثل هذه الأحوال ولزم الترجيح فيجب أن يكون الرجحان من نصيب الرأي الذي يتفق أكثر من غيره مع مقاصد الشرع، وهو هنا مقصد العدل. ولا شك أن العدل ينخرم إذا جعل للنص أثر رجعي فعوقب الشخص حدًا لعدم امتثاله لحكم شرعي لم يكن قائمًا وقت إتيانه السلوك المحظور، لأن هذا يعني تكليفه بما لا يطاق، وهو العلم بما كان غيبًا في ذلك الوقت.

ونشير في هذا المقام إلى خطورة القاعدة التي صاغها الرأي المخالف، وهي إجازة رجعية النص الجنائي كلما اقتضت ذلك المصلحة العامة خروجًا على الأصل المقرر، وهو حظر الرجعية. فهذا الرأي يفتح باب الشر واسعًا للحكام الظلمة للالتفاف حول أحكام الشرع بدعوى المصلحة. وإذا كان الله – وهو أعدل العادلين – يتنزه عن عقاب عباده قبل أن ينذرهم، فكيف نبيح لغيره ما حرمه الله على نفسه! ولهذا فنحن نرى أن عدم رجعية النصوص المجرمة أصل مطلق في الشرع لا يقبل الاستثناء في أي حال.

ثانيا: مناط المسؤولية

(13) المسؤولية عبء لا يقوى كل شخص على حمله، وإنما يحمله من كان أهلاً لذلك، ولهذا فليس بمستبعد أن يقع الفعل المؤثم من شخص ثم لا يسأل عنه، لأن التلازم غير مطرد بين ارتكاب الجريمة وتحمل عقوبتها. وإذا كان العدل يقضي بعقاب الجاني، فهو يقضي في الوقت نفسه بأن يكون الجاني أهلاً لأن يسأل عن أفعاله. ولهذا فاستحقاق العقاب لا يرتهن فقط بارتكاب الجريمة، بل يرتهن كذلك بكون الجاني أهلاً لتحمل المسؤولية. ومناط المسؤولية في القانون الوضعي هو التمييز وحرية الاختيار. وقد قننت ذلك المادة 62 من قانون العقوبات المصري فنصت على أنه لا عقاب على من يكون فاقد الشعور أو الاختيار في عمله وقت ارتكاب الفعل.

والأمر كذلك في الشريعة الإسلامية؛ فمناط التكليف فيها هو العقل والاختيار. وضابط العقل فيها هو البلوغ والسلامة من الآفات العقلية، وضابط الاختيار حرية الإرادة والقدرة على الامتثال. ولهذا لا يسأل الصغير الذي لم يبلغ الحلم لعدم اكتمال عقله، ولا يسأل المجنون لزوال عقله، ولا يسأل المجنون لزوال عقله، ولا يسأل من أتى فعلاً محظورًا نتيجة إكراه تعرض له فأعطب إرادته أو عطلها لعدم اختياره. ذلك لأنه لا يكفي للعقاب إتيان مادة الفعل أو صورته، بل العدل يأبى عقاب من كان وقت ارتكاب الفعل فاقد العقل أو الاختيار.

(14) وقد يصاب الشخص بآفة تضعف لديه القدرة على الإدراك أو الاختيار دون أن يصل الضعف إلى حد الفقد التام. وبعض التشريعات الوضعية تعتبر هذا الضعف عذرًا يخفف العقاب، وبعضها يغفل شأنه ويعامل الجاني معاملة الشخص السوري. ويرى بعض المحدثين أن أصول الشريعة الإسلامية لا تسمح بالأخذ بفكرة التخفيف إلا في الجرائم التعزيرية، أما جرائم الحدود والقصاص فلا يصح فيها تخفيف العقوبة ولا استبدال غيرها بها لخطورة هذه الجرائم واتصالها الشديد بحياة الأشخاص وأمن الجماعة ونظامها.[11] ولدينا أن هذا الرأي محل نظر في شقة الأخير؛ فالمتداول على ألسنة الفقهاء أن الحد والقصاص عقوبة محضة فيستدعي جناية محضة، ويقصدون بهذا أنه لا ينبغي أن تخالط الجناية شبهة، فإن خالطتها درئت العقوبة. ولا شك أن ضعف الإدراك شبهة تلحق بالفاعل فتخل بكمال الشروط اللازمة لإيقاع العقوبة عليه. ولهذا فالراجح لدينا أن الحد والقصاص يندرئان في هذه الحالة – عدلاً – وإن كان ذلك لا يحول دون تعزير الفاعل بالعقوبة الملائمة.

ثالثا: العلم شرط لاستحقاق العقاب

(15) ينقسم العلم من حيث محله عند فقهاء القانون الوضعي قسمين: علم بالقانون وعلم بالواقع. أما الأول فمفترض في جانب المخاطبين كافة لمجرد نشر القانون في الجريدة الرسمية، فلا يعذر أحد لجهله به، ولهذا فالعلم الحقيقي به والجهل سواء. وأما العلم بالواقع فلا يفترض، غير أنه لا يدخل في نظرية المسؤولية الجنائية، بل يدخل في نظرية الركن المعنوي للجريمة. ولذلك فإن أثره يختلف باختلاف نوع الجريمة؛ فإن كانت عمدية فالجهل بالواقع ينفي القصد الجنائي، أما إن كانت غير عمدية فإن الجهل بالواقع لا ينفي الركن المعنوي إلا إذا استحال نسبة التقصير في تحصيل الواقع إلى الفاعل، إذ ينتفي الخطأ عندئذ في جانبه.

(16) وهذا التقسيم نفسه سبق إليه فقهاء الشريعة؛ فالعلم عندهم ينقسم إلى علم بالحكم الشرعي وعلم بالعين أي بالواقع. ويبدو مقصد العدل واضحًا فيما قدموه من حلول لمشكلة الجهل بالأمرين، وهو ما يفسر وجه الخلاف بينهم وبين فقهاء القانون الوضعي في بعض الأمور.

(17) ويرى فقهاء الشريعة أن العلم بالحكم شرط للتكليف، لأن تكليف من يجهل الحكم الشرعي بالامتثال له تكليف بما لا يطاق، وهو لا يستقيم مع عدل الله. يقول ابن حزم: اختلف الناس فيمن لم يبلغه الحكم الوارد من الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى في الشريعة في خاص منها (أي في حكم بعينه) أو في جميعها: فقالت طائفة: كل أحد مأمور ومنهي ساعة ورود الأمر أو النهي، إلا أنه معفو عنه غير مؤاخذ بما لم يبلغه من الأمر والنهي، وقالت طائفة إن الله تعالى لم يأمر قط بشيء من الدين إلا بعد بلوغ الأمر إلى المأمور، وكذلك النهي ولا فرق، وأما قبل انتهاء الأمر أو النهي إليه فإنه غير مأمور ولا منهي. ويقول: وبهذا نقول لقول الله عزَّ وَجَلَّ: ﴿لأنذركم به ومن بلغ﴾، ولقوله: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾. ثم يقول: فصح أنه لا نذارة إلا بعد بلوغ الشريعة إلى المنذر، وأنه لا يكلف أحد ما ليس في وسعه، وليس في وسع أحد علم الغيب في أن يعرف شريعة قبل أن تبلغ إليه، فصح يقينًا أن من لم تبلغه الشريعة لم يكلفها.[12] والخلاف الذي أشار إليه ابن حزم نظري بحت؛ فالفقهاء – مع اختلافهم – متفقون على أنه لا عقاب على من سلك على خلاف الأمر أو النهي إذا ثبت جهله بالأمر أو بالنهي. وإنما كان اختلافهم فيما إذا كان الفاعل في هذه الحال مكلفًا سقط الجزاء عنه لعذر الجهل، أو أنه لم يكلف ابتداء لعدم بلوغ الأمر أو النهي إليه، ولذلك فهم مجمعون على أن من جهل تحريم الزنا أو شرب الخمر لا حد عليه إن زنا أو شرب. ويروى أن رجلاً تضيف أهل بيت باليمن فأصبح يخبر الناس أنه زنى بربة البيت، فكتب إلى عمر رَضِيَ الله عَنْهُ، فقال عمر: إن كان يعلم أن الله حرم الزنا فحدوه، وإن كان لا يعلم فعلموه، فإن عاد فحدوه.

على أن الجهل المعتبر في نفي التكليف هو الجهل بالحكم الشرعي وحده، أي الجهل بالتحريم. فأما إن علم التحريم وجهل جزاء مخالفته فإن الجزاء لا يسقط عنه. وليس في هذا إخلال بمقصد العدل، إذ كان على المكلف – كما يقول الفقهاء – وقد علم بالتحريم أن يمتنع عن إتيان الفعل المحرم، فإذ لم يفعل فإنه يكون عاصيا جديرا بالعقاب. والحق أن العلم بنوع العقوبة ومداها لا اعتبار له في هذا المقام، لأنه إذا كان التحريم من خطاب التكليف، فإن استحقاق المكلف للعقاب عند مخافة التحريم هو من خطاب الوضع، فلا يلزم علم المكلف به. وهذا تطبيق لقاعدة فقهية حاصلها أن من علم تحريم شيء وجهل ما يترتب عليه لم يفده ذلك.

(18) هذا عن الجهل بالحكم الشرعي، والأمر كذلك بالنسبة للجهل بالعين؛ فالمتفق عليه لدى الفقهاء أنه إذا قام الجهل في جانب الفاعل وكان محله ركنًا أو شرطًا لازمًا لثبوت التحريم فلا عقاب على الفاعل. وهذا ما يقتضيه العدل، لأن من أتى الفعل بحسن نية ليس كمن أتاه وهو على بينة من أمره وإن حقق كلاهما بفعله نفس المفسدة. ذلك أن الثاني آثم أما الأول فغير آثم، فلا ينبغي التسوية بينهما في مجال العقاب، إذ لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون. ولهذا قال الفقهاء: إن زفت إليه غير زوجته وقيل هذه زوجتك فوطئها يعتقدها زوجته فلا حد عليه، وكذلك إذا دعا زوجته فجاءته غيرها فظنها المدعوة فوطئها، أو اشتبه عليه ذلك لعماه. وقال الفقهاء إذا شرب ما ظنه ماء أو دواء ثم ظهر أنه مسكر فلا حد عليه.

على أن الجهل بالعين إذ حال دون العقاب في الجرائم العمدية بإطلاق، كالحدود والقصاص، فإنه لا يحول دون التعزير في الجرائم غير العمدية ما لم يثبت أن الفاعل كان معذورًا في جهله، وأنه لم يأل جهدًا في تحري حقيقة الواقع، وأن الشخص العادي كان قمينًا أن يقع فيما وقع فيه لو أنه وجد مكانه. أما إذا كان الجهل ناشئًا عن خفة ورعونة أو عن تقصير وإهمال، فهذا الجهل لا يعفي من عقوبة التعزير، وإن كان العدل يوجب أن تكون هذه العقوبة أدنى من عقوبة من توفر العلم في جانبه، لأن الجهل والعلم لا يستويان واقعًا فلا يستويان حكمًا.

رابعا: شخصية المسؤولية

(19) هذا المبدأ من تجليات مقصد العدل. وربما بدا هذا المبدأ للفكر المعاصر من البديهيات التي تستغني عن التعليل والبرهان. غير أنه لم يكن كذلك فيما مضى، بل وإلى عهد قريب. فقد كانت بعض النظم القانونية لا تستنكف أن يمتد العقاب إلى غير الجاني، فكانت تجير فضلاً عن عقابه عقاب أفراد أسرته، وأحيانًا كل عشيرته، سواء كانوا ضالعين معه في الجريمة أو غير ضالعين، عالمين بفعلته أو غير عالمين، وسواء كان لهم عليه سلطان أم لم يكن. ولا شك أن هذا كان يتنافى مع العدل، لأن العدل يأبى امتداد العقاب إلى غير من أجرم. وقد أقرت الشريعة الإسلامية هذا المبدأ، والنصوص في شأنه تترى. من ذلك قوله تَبَارَكَ وَتَعَالَى في سورة البقرة: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْئَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الآيتان 134 و141]، وقوله تَبَارَكَ وَتَعَالَى في سورة الأنعام: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الآية: 164]، وقوله تَبَارَكَ وَتَعَالَى في سورة الطور: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الآية: 21]، وقوله ﷺ لأبي رمثة حين رآه مع ابنه: «أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه».

وتدل نصوص القرآن على أن هذا المبدأ لكونه من الفطرة فهو ليس من خواص الدين الإسلامي وحده، بل هو من خصائص شرع الله أيا كان الرسول المبلغ. قال تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى، وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى، أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: 36 – 38].

(20) وقد توحي بعض النصوص بعدم اطراد هذا المبدأ وبجواز معاقبة الإنسان في بعض الأحوال عن إثم لم يقع منه، بل وقع من غيره. غير أن هذا الوهم لا يلبث أن يزول، إذ يتضح عند التأمل أن العقاب لم يكن بسبب فعل الغير، بل كان بمناسبته، وإنما وجب العقاب من أجل فعل آخر أتاه من استحق العقاب. من ذلك قوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ، كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: 78 – 79]، وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: 25]. وليس في هذه الآيات وغيرها مما هو من قبيلها دليل على انخرام مبدأ شخصية المسؤولية، لأن العقاب فيها كان إما عن ارتكاب ذات المنكر أو على عدم التناهي عنه، وهو منكر بدوره.

(21) ومما يدل على أن امتداد العقاب إلى غير من أجرم يصادم الفطرة ويتنافى مع عدل الله ما ورد على لسان موسى عَلَيْهِ السَلاَم في سورة الأعراف: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ [الآية: 155]. وربما سبق إلى ظن موسى عَلَيْهِ السَلاَم في لحظة دهشة وذهول أن ما أصاب من معه كان بسبب اتخاذ بعض قومه من حليهم عجلاً جسدًا له خوار عبدوه من دون الله، أو بسبب قول فريق منهم أرنا الله جهرة، ولم يكن الأمر كما تبادر إلى ظنه. وينزه بعض المفسرين موسى عَلَيْهِ السَلاَم من هذا الظن، وينفون حمل سؤاله محمل التعجب، إذا لا يخفى عليه أن الله لا يهلك أحدًا بذنب غيره، ويؤولون سؤاله على أنه من باب الدعاء، أي لا تهلكنا، وذلك على غرار ما ورد في ختام سورة البقرة على لسان المؤمنين: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾ [الآية 286].

خامسا: المساواة

(22) من المعلوم أن القواعد التشريعية كلها – وضعية كانت أو شرعية – هي قواعد عامة، أي أنها تسري على كل من تتوافر فيه شروطها. والشروط التي وضعتها الشريعة الإسلامية لانطباق أحكامها شروط مجردة لا تميز إنسانًا على إنسان بسبب جنسه أو أصله أو لغته أو مكانته أو حتى بسبب دينه. وإنما هي تساوي في المعاملة بين الناس جميعًا.

ومبدأ المساواة يضرب بجذوره في الشريعة ويتغلغل في عامة أحكامها. ويرجع هذا إلى سبب جوهري صرحت به النصوص كثيرًا، وهو وحدة الأصل الإنساني؛ فلا يستقيم مع عدل الله وقد خلق الناس جميعًا من أب وأم واحدة أن يفضل بعضهم على بعض بحكم خلقته أو انتمائه إلى أسرة أو جماعة معينة فيقرر له حقوقًا يحجبها عن غيره. وإنما يتفاضل الناس لديه بأعمالهم، سواء في الدنيا أو في الآخرة. والنصوص التي تقرر مبدأ المساواة لا تحصى كثرة. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: 1]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]. وقال ﷺ في خطبة الوداع: «أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، وكلكم لآدم وآدم من تراب، أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أبيض، ولا لأبيض على أحمر فضل إلا بالتقوى، ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد، ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب». ووصف ﷺ الناس بأنهم «سواسية كأسنان المشط» وقال: «إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها». ولما تولى أبو بكر الخلافة خطب الناس فقال: «القوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه، والضعيف فيكم قوي حتى آخذ له حقه». ويحفظ التاريخ قصة عمر بن الخطاب مع عمرو بن العاص وجبلة بن الأيهم، فقد ضرب محمد بن عمرو بن العاص مصريًا زاعمًا أنه ابن الأكرمين، فشكاه المصري إلى عمر فاستدعى عمرا وابنه وقال للمصري: «دونك الدرة فاضرب بها ابن الأكرمين»، وقال لعمرو مغضبًا: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا. أما جبلة بن الأيهم فكان من ملوك بني غسان بالشام، ولما أسلم قدم على عمر في رهط من قومه، وفيما هو يطوف بالكعبة وطئ أعرابي رداءه فلطمه، فشكاه الأعرابي، فأمر عمر جبلة بأن يرضي الأعرابي أو يقيده منه، وعز على جبلة أن يتساوى بالأعرابي فيلطمه كما لطمه، فهرب ولحق بأرض الروم وتنصر، ولم يعبأ عمر بذلك، ولو أنه تمكن منه لأنفذ فيه قضاءه.

(23) قد يبدو للناظر في بعض الأحكام أنها تنطوي على تفاوت في المعاملة بين الناس يخل بمبدأ المساواة. غير أنه يبين عند التحقيق أنه ليس فيها تمييز فئة عن فئة ولا تفضيل إنسان على إنسان، وإنما يرجع التفاوت إلى اختلال بعض الشروط المعتبرة في الحكم الشرعي. أما القاعدة المطردة في الشريعة الإسلامية فهي المساواة في المعاملة عند التساوي في العناصر الفاعلة. وهذه القاعدة هي ما تقتضيه شريعة تجعل العدل من أبرز مقاصدها، إذ لا يستقيم ميزان العدل إذا تميز إنسان على غيره دون أن يكون لتميزه سبب يقره العقل وتطمئن له النفس وتقبله مبررًا للتميز.

على أن التفاوت في الجزاء عن الفعل الواحد قد يقع لا على وجه المحاباة بالتخفيف عن الفاعل – وهو محظور –، بل من باب النكير عليه لوجوده في حال كانت تفرض عليه التنزه عن إتيان ما وقع منه. فالنعمة التي يخص الله بها بعض عباده توجب عليهم أن يكونوا أكثر التزامًا بأوامر الشرع ونواهيه، وتقتضي – عدلاً – أن تكون عقوبتهم عند المخالفة أشد من عقوبة غيرهم، لأن إثمهم يكون أكبر من إثم غيرهم. والإثم لا يقاس بالمفسدة التي أحدثها الفعل فحسب، بل بها وبحال الفاعل أيضًا، وهذا منتهى العدل، ليكون أصل العقاب مقابل المفسدة وتكون الزيادة فيه مقابل جحد النعمة. وهذا ما تدل عليه نصوص الشرع؛ قال تَبَارَكَ وَتَعَالَى في سورة الأحزاب: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الآية: 30]. وهو ما تقرر بالنسبة للزاني المحصن، إذ كان تغليظ العقاب عليه مقابلاً لنعمة الإحصان.

(24) وربما كان اختلاف الدين من الشبهات التي تلقي ظلاً كثيفًا من الشك حول عموم مبدأ المساواة في الشريعة الإسلامية. ذلك أن أحكامها لا تسوي بصفة مطلقة بين المسلمين وغير المسلمين في الحقوق والواجبات. ولو صحت هذه الشبهة لانخرم مقصد العدل فلم يكن من المقاصد العامة للشريعة الإسلامية، وهو ما لا نسلم به. ومما يدحض هذه الشبهة أن إسلام المؤمنين به لا يكتمل إلا إذا آمنوا برسل الله السابقين بالكتب التي أنزلت إليهم. واعترف الإسلام بالأديان السابقة هو اعتراف بوحدة الدين، وهذا الاعتراف ينفي أن تميز الشريعة الإسلامية بين الناس في الحقوق والواجبات لمجرد اختلافهم في الدين. ومن هنا كانت القاعدة أن لغير المسلمين ما لنا وعليهم ما علينا. ويقول السرخسي إنهم قبلوا عقد الذمة لتكون أموالهم وحقوقهم كأموال المسلمين وحقوقهم. ولهذا فإن لغير المسلمين في الدولة الإسلامية أن يباشروا التصرفات التي تسمح بها شرائعهم ولو كانت تتعارض مع ما تقضي به الشريعة الإسلامية كالتعامل في الخمر وتربية الخنازير، ويضمن المسلم قيمة خمر الذمي وخنزيره إذا أتلفه. وليس صحيحًا أن من أصول الإسلام أن يعامل غير المسلمين في الدولة الإسلامية بذلة وصغار. وإذا كنا نجد في بعض المؤلفات ما يرشح لهذه التهمة فإنها ثمرة تأويلات خاطئة دعت إليها ظروف تاريخية معينة، لكنها بيقين ليست من صحيح الدين. ولا نود الخوض في تعقب تلك التأويلات أو الممارسات الخاطئة حتى لا نخرج على موضوع البحث. وحسبنا أن نشير هنا إلى أقوال الفقهاء في مدى جواز قتل المسلم بالذمي. يقول ابن رشد في بداية المجتهد: اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال، فقال قوم: لا يقتل مؤمن بكافر، وقال قوم يقتل به، وممن قال بذلك أبو حنيفة وأصحابه وابن أبي ليلى، وقال قوم لا يقتل به إلا أن يقتله غيلة، وذلك بأن يضجعه فيذبحه وبخاصة على ماله. وذكر أن أصحاب أبي حنيفة اعتمدوا في ذلك آثارًا، منها أن رسول الله قتل رجلاً من أهل القبلة برجل من أهل الذمة، وقال أنا أحق من وفى بعهده، وروي ذلك عن عمر. واعتمدوا كذلك على القياس فقالوا إن إجماع المسلمين على أن يد المسلم تقطع إذا سرق مال الذمي، وتساءلوا: إذا كانت حرمة ماله كحرمة ماله كحرمة مال المسلم، فحرمة دمه كحرمة دمه.[13] ولنا أنه إذا تساوت أدلة الفقهاء المختلفين، فإن مبدأ المساواة يصلح أن يكون مرجحًا لرأي الأحناف. ويروى أن جنازة مرت على رسول الله وكان جالسًا فوقف، فقيل له إنها جنازة يهودي فقال: أليست نفسا! وهذا دليل على أن نفوس البشر كلها تتكافأ، وأن حرمة أي نفس كحرمة كل نفس.

(25) واختلف الفقهاء في مقدار دية غير المسلم. فذهب الأحناف إلى أن قدر الدية لا يختلف بالإسلام والكفر، ولذلك فدية الذمي والحربي والمستأمن كدية المسلم. وروي أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر قضوا في دية أهل الكتاب بدية المسلمين. وهذا قول ابن مسعود وجماعة يعتد بهم من الفقهاء. أما الأئمة الثلاثة فيرون أن دية الكتابي على النصف من دية المسلم. وحجة الأحناف قول الله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾، فقد أطلق سبحانه تَبَارَكَ وَتَعَالَى القول بالدية في جميع أنواع القتل من غير فصل، فدل أن الواجب في الكل على قدر واحد.[14]

وقد أشرنا من قبل إلى أنه إذا اختلف الرأي وتعارضت الأدلة وجب ترجيح الرأي الذي يكون أكثر اتفاقًا مع مقاصد الشرع. ولما كانت النفوس تتكافأ فكذلك أبدالها، ولهذا فالأصح في اعتقادنا أن دية غير المسلم يجب أن تكون مثل دية المسلم. وهذا ما يوجهه كثير من المحدثين، فقد ذكر الشيخ محمود شلتوت أن نظرية اتحاد قدر الدية بالنسبة إلى جميع الناس مبنية على أن الدية في مقابل الدم فقط، والناس في نظر الشريعة من هذه الحيثية سواء.

ونقل عن الشيخ محمد عبده أن الواجب في قتل المعاهد الذمي هو كالواجب في قتل المؤمن.[15] ويرى الشيخ محمد أبو زهرة أن الحق في هذه المسألة هو ما ذهب إليه الحنفية من التسوية بين الدماء المعصومة.[16]

(26) وربما ثارت شبهة كذلك في مدى مساواة المرأة بالرجل، لما هو ثابت من اختلافهما في بعض الأحكام الشرعية كالشهادة والميراث. وقد أفاض كثيرون في تعليل هذا الاختلاف، وليس من شأننا هنا الخوض فيه. لكن الذي يعنينا أن نقول بوجه عام إن اختلاف المرأة عن الرجل في بعض الأحكام ليس دليلاً على أنها في نظر الشرع أدنى من الرجل، وإنما يرجع الاختلاف إلى اعتبارات موضوعية يقرها العدل، بل يفرضها فرضًا. وليس من المقبول عقلاً أن تتهم الشريعة الإسلامية بالتحيز للرجل ضد المرأة لا لشيء إلا لأنه ذكر وأنها أنثى. ولو صح أن الشريعة تنتصر للرجل على حساب المرأة لأبقت على الأحكام الظالمة التي كانت تنال من حقوقها بل من إنسانيتها في الجاهلية. ولا يمكن للناظر في كتاب الله أن يقبل مثل هذه الدعوى. قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: 124]، وقال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾ [آل عمران: 195].

ولا ندري كيف يكون الذكر أفضل من الأنثى وقد ولدته أنثى، وكيف يكون أفضل منها وكلاهما يجزى عند الله عن عمله على وزن واحد. ولهذا فقد اتفق عامة أهل العلم على أن الذكر يقتل بالأنثى، وقيل إنه إجماع.[17]

ويقول الشيخ محمود شلتوت إن دم المرأة مساو لدم الرجل، والحكم فيهما واحد، وهو القصاص، ويستشهد بقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: 45]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: 178]، ويشير إلى أن الجزاء الأخروي في الاعتداء على حياة المرأة من نوع الجزاء في الاعتداء على حياة الرجل، ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 93]، ويذكر أن الله رتب الجزاء الأخروي على وصف الإيمان، وهو مشترك بين الرجل والمرأة. ويدفع الشيخ شلتوت شبهة ثارت من ظاهر قوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِالْأُنثَى﴾ [البقرة: 178]، ويقول إن البعض قد يزعم أن الرجل لا يقتل بالأنثى، ويرد على ذلك بأنه لو صح هذا القول لكان مقتضاه أن الأنثى لا تقتل بالرجل وأن الحر لا يقتل بالعبد ولا العبد يقتل بالحر، وهو ما لا يمكن التسليم به. ويذكر علة نزول الآية فيقول إنه قصد بها إبطال ما كان عليه العرب من الإسراف في القتل وعدم اتخاذ القصاص فيه أساسًا للجزاء، إذ كانوا لا يكتفون بالقصاص من القاتل إن كان عبدا، بل يقتلون سيدًا من سادته، ولا يقتلون المرأة إن كانت هي القاتلة، بل يقتلون رجلاً من قبيلتها.[18]

(27) واختلف الفقهاء في دية المرأة وهل هي مثل دية الرجل أو على النصف منها. ومذهب الأكثرين أن دية المرأة نصف دية الرجل. وحجتهم أن عليا وعمر وابن مسعود قضوا بذلك، وأن المرأة في الميراث والشهادة على النصف من الرجل. وذهب أبو بكر الأصم وابن علية إلى أن دية المرأة مثل دية الرجل، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾. والإجماع على أن هذه الآية يدخل فيها الرجل والمرأة، فوجب أن يكون الحكم فيهما ثابتًا بالسوية. وقد عرض الشيخ أبو زهرة للرأيين ورجح الثاني، وعلل بأن النصوص التي اعتمد عليها الرأي الأول أكثرها أخبار آحاد والتوفيق بينها ممكن، ولا يمكن ترجيح خبر على خبر، وأن الآية صريحة في عموم أحكام الدية في القتل الخطأ.[19]

وإذا كان الأئمة الأربعة متفقين على أن دم المرأة في القصاص كدم الرجل، وأن كلا منهما يقتل بصاحبه، فمن التناقض القول بأن دية المرأة على النصف من دية الرجل، لما هو معلوم من أن الدية بدل النفس، ومقتضى المنطق أن تكون ديات النفوس المتكافئة متكافئة. أما قياس دية المرأة على شهادتها وميراثها ففيه بعد، لأن لكل من الحكمين علة معقولة المعنى لا وجود لها في قضية الدية. وإذا لم يكن من القياس بد فإن قياس الدية، وهي بدل النفس، على القصاص، وهو إتلاف نفس، أولى من قياسها على الشهادة والميراث، ودلل على أن حكم المرأة فيهما ليس مبنيًا في الإسلام على أن إنسانيتها أقل من إنسانية الرجل، وإنما هو مبني على أسباب أخرى بينها تفصيلاً.[20] والخلاصة أنه إذا تساوى اثنان في الشروط الموجبة للحكم، فالعدل يوجب التسوية بينهما في ذات الحكم، ومن ثم فالرأي الذي يستقيم مع أصول الشريعة هو أن دية المرأة كدية الرجل.

سادسا: التناسب بين الجرم والعقاب

(28) التناسب بين الجرم والعقاب في الشريعة الإسلامية فرع من أصل عام، هو التناسب بين الفعل وجزائه، عقابًا كان أو ثوابًا، وهو مقتضى العدل، لأن اختلال التناسب بين الفعل وجزائه غبن وظلم. ولما كان العدل مركوزًا في فطرة الإنسان فقد تعارف الناس على أن العقوبة العادلة هي التي يسغيها العقل والمنطق وتطمئن إليها النفوس ويتقبلها الناس بالرضا والتسليم. وقد حرصت الشرائع الوضعية بوجه عام على مراعاة التناسب بين الجرائم وعقوبتها، فنراها ترصد أغلظ العقوبات لأخطر الجرائم، وتعاقب الجرائم الهينة بما دون ذلك. ودل العمل على أن المشرع إذا شذ عن ذلك فقرر عقوبة مغلظة لجريمة هينة أو عقوبة هينة خطيرة انفرط عقد الأمن في المجتمع، إذ يتعاطف الناس في الحالة الأولى مع الجاني، وقد يعمدون إلى الامتناع عن الإبلاغ عن جريمته أو الشهادة ضده، بل إن القضاء نفسه قد يحتال لتفادي عقابه، وذلك بإظهار الشك في أدلة الاتهام. أما في الحالة الثانية فربما استهان الناس بالعقوبة فلم تصدهم عن مقارفة الجريمة، وبهذا تغدو العقوبة عاجزة عن تحقيق غرضها. وإنما يستقيم الميزان ويستقر الأمن بالعدل وحده، أي بمراعاة التناسب بين الجريمة وعقوبتها، وهو ما تعبر عنه المحكمة الدستورية العليا في مصر بمعقولية العقوبة.

وإذا كان هذا هو الشأن في قوانين البشر، فأولى أن يكون كذلك في شرع الله. غير أنه لما كان الشارع هو الرب، فإنه لا يجعل الجزاء في كل أحواله محكومًا بالعدل وحده، بل يجعله كذلك محكومًا بالفضل، وهو ما يجاوز العدل. ولهذا فهو يعاقب المسيء بما يوجبه عدله، ويثيب المحسن بما يقتضيه فضله. والآيات في هذا الشأن تترى. قال تعالى: ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: 160]، ودل بهذا التذييل على أن الزيادة عما يقتضيه العدل ظلم يتنزه عنه سبحانه.

(29) ولكي يتحقق معنى العدل في عقوبته يجب أن يتناسب في نوعها ومقدارها مع طبيعة المفسدة ومداها من جهة، وأن يراعى فيها حال الجاني وملابسات الجريمة من جهة أخرى. ذلك أنه لما كانت المفاسد تتفاوت نوعًا ومدى، فلا ينبغي التسوية بينهما في العقاب، ولما كانت أحوال الجناة تختلف فليس من العدل أن يسوى في المعاملة بين غير المتساوين.

ولا خلاف لدى فقهاء الشريعة في وجوب التزام هذين الضابطين في مجال التعزير، وهي الجرائم التي لم تحدد لها الشريعة عقوبة معينة، أو حددت لها عقوبة لكن لم تتوافر شروط استحقاقها. يقول ابن القيم: اتفق العلماء على أن التعزير مشروع في كل معصية ليس فيها حد بحسب الجناية في العظم والصغر، وبحسب الجاني في الشر وعدمه. واختلف العلماء بعد ذلك فيما إذا كان يجوز التعزير بما يزيد عن عقوبة الحد. فيرى الأحناف أنه إذا تعلق الأمر بجناية ليس من جنسها ما يوجب الحد فالتعزير فيها متروك أمره إلى الإمام، فهو يحدد نوع العقوبة وقدرها، على أن يراعي في ذلك ظروف كل شخص ليكون التعزير أفعل في الزجر. أما المالكية فيرون أن الأمر في التعزير مفوض للإمام مطلقًا، وهو يراعي فيه طبيعة الجناية وحال الجاني والمجني عليه وسائر الظروف والملابسات. وإذا أدى اجتهاده إلى أن يعزر بما يزيد عن الحد فله أن يفعل ذلك ولا ضمان عليه ولو أدى إلى هلاك النفس. ورأي الحنابلة قريب من ذلك، وإن تحفظ بعضهم على التعزير بالقتل وأخذ المال. أما الشافعية فلا يجيزون التعزير بالقتل ولا بالضرب بما يجاوز الحد، لكنهم يجيزون التعزير بالحبس. ويقول الشيخ شلتوت إنه يتضح من أقوال الفقهاء أن التعزير مجال واسع أمام الحاكم يؤدب به من شاء على ما شاء غير مقيد في العقوبة بشيء، لا في نوعها ولا في كمها ولا في كيفيتها ما دام رائده النظر والمصلحة وقصد الردع والتأديب وإقرار الحق والعدل.

والحق أن فكرة العدل هي التي تحد من الغلو في العقوبة ومن التهاون فيها. والسائد لدى فقهاء الشريعة – ولدى فقهاء القانون الوضعي أيضا – أن الغرض من العقوبة هو زجر الغير عن ارتكاب الجريمة وزجر الجاني نفسه عن الإقدام عليها ابتداء وعن العودة إليها مرة أخرى. ولو أن العقوبة تجردت من فكرة العدل لجاز القول بأن الإفراط فيها أدعى إلى تحقيق الغرضين على الوجه الأمثل، لكن فكرة العدل هي التي تضبطها وتقف بها عند حد الاعتدال.

(30) وتبدو فكرة العدل واضحة في القصاص بجلاء، وعلى الأخص في القصاص في النفس. فالأصل في القصاص التماثل، حيث المقاصة بين القاتل ونفس القتيل. ولأن النفوس تتكافأ فلا تفضل نفس نفسًا لاعتبار يتصل بالجنس أو العرق أو بالسن أو بالمكانة الاجتماعية أو بالحالة الصحية، فإن من قتل غيره يستحق –عدلاً – أن يقتل به. والقصاص عند الفقهاء هو إيقاع عين الأذى بالجاني، فقط من حيث محله، بل ومن حيث وسيلته أو أداته أيضًا إلا أن يحول دون ذلك مانع شرعي. وقد اقتضت فكرة العدل مع ذلك الاعتداد بحال معينة من أحوال الجاني، وهي موقفه النفسي وقت ارتكاب فعل القتل، وهل تعمد إزهاق روح المجني عليه أو أحدث الوفاة خطأ. ذلك أن القصاص بمعناه الدقيق لا يقتضي المماثلة في الفعل وحده، بل يقتضيها فيه وفي القصد أيضا. فإذا كان الجاني لم يتعمد قتل المجني عليه عدوانًا، فلا يجوز لولي الدم ولا لولي الأمر أن يتعمد قتله قصاصًا، لأن اختلاف القصد في الحالتين يذهب بمعنى القصاص. ولهذا قضت الشريعة الإسلامية بالقصاص في القتل العمد وبالدية في القتل الخطأ، وهو منتهى العدل، قال تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: 178]، وبين العلة فقال: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [الآية: 179]. وقال تَبَارَكَ وَتَعَالَى في سورة النساء: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا﴾ [الآية: 92]، فدلت المغايرة على أن القصاص لا يثبت إلا عند تعمد القتل.

(31) أما القصاص في الجروح ففيه مقال، سواء من حيث مشروعيته، أو من حيث شروطه عند القائلين به.

أما من حيث مشروعيته فليس هناك نص واضح في القرآن ولا حديث قطعي الدلالة في السنة على تقرير القصاص في الجروح. وقد عرض الشيخ محمود شلتوت للنصوص الخاصة والعامة الواردة في هذا الشأن وانتهى إلى أنها غير حاسمة في إيجاب القصاص فيما دون النفس. ووقف بوجه خاص عند قوله تَبَارَكَ وَتَعَالَى في سورة المائدة: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [الآية: 45]. وذكر أنها وردت حكاية عما فرضه الله على بني إسرائيل في التوراة، وأشار إلى الخلاف المعروف عند علماء الأصول بشأن شرع من قبلنا ومدى اعتباره شرعا لنا، ونقل عن جمهور الشافعية والأشاعرة والمعتزلة وعن الرازي والآمدي أن شرع من قبلنا ليس شرعًا لنا لقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: 48]. وخلص إلى القول بأن للباحث أن يساير هؤلاء، ولا يقبل هو أيضًا أن تكون آية المائدة مصدر تشريع القصاص فيما دون النفس. كما عرض للآيات العامة ولحديث ورد في كتب الصحاح في هذا الشأن، وانتهى إلى أنها جميعًا لا تصلح عند كثير من الأصوليين للاستدلال بها على مشروعية القصاص فيما دون النفس. لكنه مع ذلك يرى أن لهذا القصاص مصدرًا آخر يعتد به، وهو الإجماع.[21]

ب – وأما عن الشروط اللازمة لاستيفاء القصاص فيما دون النفس فالملاحظ أن الفقهاء جميعًا يتشددون فيها حتى ليصح القول بأن الأصل أصبح منع هذا القصاص والاستثناء إمكانه.[22] يقول ابن رشد في بداية المجتهد: يشترط في الجرح الذي يوجب القصاص أن يكون على وجه العمد، وأن يكون مما يمكن القصاص فيه، وألا يخشى من القصاص تلف النفس. ولهذا منع القصاص في الجراح التي هي متالف مثل كسر عظم الرقبة والصلب والصدر وما أشبه ذلك. ومنع القصاص كذلك فيما لا يمكن فيه التساوي في القصاص، مثل الاقتصاص من ذهاب بعض السمع أو بعض البصر. ومنع القصاص أيضًا عند عدم المثل، كأن يفقأ أعمى عين بصير. وحكى الخلاف في الأعور يفقأ عين الصحيح عمدًا، وقال من منع القصاص إن عين الأعور بمنزلة العينين، فمن فقأها في واحدة فكأنه اقتص من اثنتين في واحدة.[23]

وينقل الشيخ محمود شلتوت عن الأحناف أنهم يشترطون للقصاص فيما دون النفس أن تكون الجناية متعمدة وأن يكون الاستيفاء ممكنًا من غير حيف، وأن يكون العضو الذي يجرى القصاص فيه مماثلاً للعضو الذي أصابه الجاني من كل الوجوه، سواء من جهة السلامة والشلل، والكمال والنقصان، والأصالة والزيادة وذلك لانتفاء التماثل؛ فلا قصاص بين عضو وعضو أشل، ولا بين يد كاملة الأصابع وأخرى ناقصتها، ولا بين إصبع أصلية وأخرى زائدة، ولا رجل وامرأة، ولا بين واحد وجماعة. ويرى الأحناف أنه لا قصاص إذا كانت الجروح في غير الوجه والرأس، وأن القصاص في جروح الرأس والوجه لا تكون إلا في واحدة، وهي الموضحة[24]، فلا قصاص فيما قبلها ولا فيما بعدها، وبشرط ألا يستتبع هذا الجرح جراحة أخرى. وعندهم أنه إذا وقعت الجناية على محل فأحدثت عاهة في غيره لم يجب فيه القصاص. والحالة الثانية التي أجاز الأحناف فيها القصاص هي الجناية على مفصل أو ما يشبه وبالشرط السابق أيضًا. وما عدا ذلك من جروح فالأحناف مختلفون فيها، إما مع بعضهم أو مع غيرهم.[25]

والفقهاء متفقون على أنه يشترط في القصاص أن يكون ممكنا من غير حيف. ولما كان من العسير تحقق الشروط التي وضعها الفقهاء على صعيد الواقع فقد قلنا إن الأصل يكاد أن يكون هو حظر القصاص فيما دون النفس لتعذر ذلك. والواقع أن المماثلة من كل وجه هي من لوازم القصاص، فإذا استحالت أو تعذرت فات معنى العدل. وقد يرى الناظر في كتب الفقه أن الفقهاء أسرفوا في الفروض للتحقق من توافر المماثلة واستبعدوا القصاص في كثير من هذه الفروض، وربما حملهم على ذلك خشيتهم من إنكار القصاص فيما دون النفس كقاعدة حتى لا يتهموا بمخالفة النصوص. غير أن مقصد العدل مع ذلك تمكن منهم فلم يسعهم إلا إحاطة القصاص بما أحاطوه به من شروط.

وإذا امتنع القصاص فيما دون النفس وجب تحميل الجاني بالدية، ولا يخل ذلك بحق ولي الأمر في تعزيره، لأن الدية في تقديرنا ليست عقوبة، بل هي ضرب من التعويض.

(32) أما الحدود فالشأن فيها مختلف، والكلام في التناسب بين مفسدتها وعقوبتها يثير كثيرا من الجدل، سواء من حيث نوع العقوبة المقررة لها، ومن حيث الأحكام الشرعية التي تنفرد بها. والمعلوم أن عقوبات الحدود مقدرة شرعًا، وأنها لا تقبل التبعيض، فإما أن تجب بتمامها أو لا تجب أصلاً، وقلما تتأثر الحدود بحال الجاني. والملاحظ أن عقوبات الحدود تتفاوت شدة وخفة تبعا لنوع المفسدة التي تنشأ عنها؛ فعقوبة الحرابة أشد من عقوبة السرقة، وهذه أشد من عقوبة القذف ومن عقوبة الشرب عند من يرى شرب الخمر حدًا. غير أن عقوبة الحد الواحد لا تتفاوت بتفاوت المفسدة التي أحدثها. ولهذا سوى الشارع في العقوبة بين من سرق دينارًا ومن سرق ألف دينار، كما سوى بين شارب قطرة من الخمر وشارب جرة منها. وإذا كانت حال الجاني ليس لها من الأثر في جرائم الحدود مثل ما لها في مجال التعزير، فهذا لا يعني أنها عقيم من كل الوجوه. فالحدود كلها لا تقع إلا عمدًا، فإن وقعت أفعالها خطأ لم يقم الحد على الفاعل. كذلك فإن حد الزنا يختلف باختلاف حال الفاعل، فإن كان غير محصن فحده الجلد، وإن كان محصنًا فحده الرجم. وفيما خلا ذلك فإن عقوبة الحد لا تختلف باختلاف حال الجناة، بل هي واجبة وتستوفى كاملة في كل حال.

(33) وقد حاول ابن القيم بيان وجه المناسبة بين عقوبات الحدود ومفاسدها، فذكر أن الله شرع العقوبات في الجنايات الواقعة بين الناس فأحكم وجوه الزجر الرادعة منها غاية الإحكام، وشرعها على أكمل الوجوه المتضمنة لمصلحة الردع والزجر مع عدم المجاوزة لما يستحقه الجاني من الردع، فلم يشرع في الكذب قطع اللسان ولا القتل، ولا في الزنا الخصاء، ولا في السرقة إعدام النفس. وقال: أما القتل فجعله عقوبة أعظم الجنايات، كالجناية على الأنفس، وكانت عقوبته من جنسه، وجعله أيضًا عقوبة الجناية على الفروج المحرمة لما فيها من المفاسد العظيمة واختلاط الأنساب والإفساد العام. وأما القطع فجعله عقوبة مثله عدلاً، وهي عقوبة السارق، فكانت عقوبته به أبلغ وأردع من عقوبة الجلد، ولم تبلغ جنايته حد العقوبة بالقتل، فكان أليق العقوبات به إبانة العضو الذي جعله وسيلة إلى أذى الناس وأخذ أموالهم. أما المحارب فلما كان ضرره أشد من ضرر السارق وعدوانه أعظم فقد ضم إلى قطع يده قطع رجله ليكف عدوانه وشر يده التي بطش بها ورجله التي سعى بها، وشرع أن يكون ذلك من خلاف لئلا تفوت عليه منفعة الشق بكامله. وأما الجلد فجعله عقوبة الجناية على الأعراض وعلى العقول وعلى الأبضاع، ولم تبلغ هذه الجنايات مبلغًا يوجب القتل ولا إبانة طرف، إلا الجناية على الأبضاع، فإن مفسدتها قد انتهضت سببًا لأشنع القتلات، ولكن عارضتها في البكر شدة الداعي وعدم المعوض، فانتهض ذلك المعوض سببًا لإسقاط القتل، ولم يكن الجلد وحده كافيًا في الزجر فغلظ بالنفي والتغريب ليذوق من ألم الغربة ومفارقة الوطن ومجانبة الأهل والخلطاء ما يزجره عن المعاودة. وأضاف أن الناس لو وكلوا إلى عقولهم في معرفة ذلك وترتيب كل عقوبة على ما يناسبها من الجناية جنسًا ووصفًا وقدرًا لذهبت بهم الآراء كل مذهب، فكفاهم أرحم الراحمين مئونة ذلك وأزال عنهم كلفته وتولى تقديره نوعًا ومقدارًا ورتب على كل جناية ما يناسبها من العقوبة.[26]

(34) ونرى أن ما ذكره ابن القيم لا يخلو من تكلف، وهو أدنى إلى التبرير منه إلى التعليل، وإلا فمن الممكن معارضته في كثير مما قاله. والذي يحسن قوله في هذا المقام أن عقوبات الحدود لكونها مقدرة بالنص، فإنها تلحق من حيث التعليل بالعبادات وسائر المقدرات، بحيث يصح القول بأنها غير معقولة المعنى. نعم هي تتفاوت من حيث جسامتها بتفاوت المفسدة الناتجة عنها، لكنها من حيث النوع والمقدار يتعذر تعليلها عقلاً. وهذا ما لم ينكره ابن القيم حين تحدث عن رحمة الله بالناس فكفاهم مؤونة ترتيب كل عقوبة على ما يناسبها من الجناية ولم يكلهم إلى عقولهم، فدل بذلك على أن إدراك العلة في ذلك قد تستعصى على أفهامهم. وقد تساءل إمام الحرمين: لو زنا محصن واستوجب الرجم ورأى الإمام أن يقتل بالسياط ويحلها محل الأحجار، فهل يجوز ذلك، وأجاب قائلاً: لسنا نرى إقامة السياط مقام الأحجار، فإن الحدود لا تتغير كيفياتها ولا تبدل آلاتها.[27] وتحدث العز بن عبد السلام عن مفاسد الجرائم التي شرعت عنها الزواجر، وذكر أن مفسدة الزنا الذي استوجب الحد هي اختلاط المياه واشتباه الأنساب وإرغام أنف العصبات والأقارب، ورأى أن هذه المفسدة هي موجب العقاب، ثم نظر إلى عقوبة الزنا – وهي الجلد والرجم – وعقب على اختلافها بقوله: ولم أقف على المفسدة المقتضية لرجم الثيب الزاني، وقد قيل فيها ما لا أرتضيه.[28] ويبدو أنه لم يطمئن إلى ما قيل تبريرًا لاختلاف عقوبة المحصن عن عقوبة غير المحصن، ولا من حيث معقولية أصل الاختلاف، بل من حيث التباين الصارخ بين العقوبتين.

(35) ولم يقف الفقه الشرعي جامدًا أمام صرامة طائفة الحدود، بل وضع الفقهاء لها أحكامًا خاصة حرصوا فيها على تحقيق التوازن بين صرامة الحد والمبادئ الكلية للشريعة الإسلامية، وعلى رأسها مقصد العدل. ومن هذه الأحكام حصر الحدود في نطاق الجرائم التي وردت بها النصوص، اعتبارًا بأن عقوباتها مقدرة شرعًا، فوجب أن تكون جناياتها محددة شرعًا، عملاً بقاعدة أن المقدرات الشرعية لا يدخلها القياس. ولهذا يقول الفقهاء إنه لا يجوز قياس فعل قوم لوط على جريمة الزنا، ولا القذف بهذا الفعل على القذف بالزنا، ولا اغتصاب المال على جريمة السرقة. وبرروا حظر القياس بأن العلة التي من أجلها كان الحكم الأصلي وتمييزها من بين سائر الأوصاف لا يعرف على وجه اليقين.[29]

(36) ومن هذه الأحكام أيضًا تشدد الفقهاء في شروط الحدود تشددًا قد لا يحتمله ظاهر نصوصها. وعلى سبيل المثال فقد اشترط الفقهاء في السرقة الموجبة للقطع أن يكون المسروق في حرز وأن تبلغ قيمته نصابًا مع أن آية المائدة تخلو من الحرز والنصاب، ولهذا فقد أنكر أهل الظاهر هذين الشرطين. أما جمهور الفقهاء فقد اتفقوا على وجوبهما وأسهبوا في تحديد معنى الحرز وبيان أقسامه وشروطه، واختلفوا في مقدار النصاب اختلافًا كبيرًا، كما اختلفوا في الوقت الذي يعتمد به عند حسابه. وأخرج الفقهاء من السرقة المعاقب عليها حدًا طائفة كبيرة من الأموال لم يقطعوا فيها ولو بلغت نصابًا، كالأموال التافهة جنسًا، وما يوجد جنسه مباحًا في الأصل بصورته، وما يتسارع إليه الفساد، وكتب العلم وغيرها.

(37) وتشدد الفقهاء بوجه خاص في إثبات جرائم الحدود تشددًا يوشك أن تكون إقامة الحدود بسببه متعذرة عملاً. ويبدو من جملة أقوال الفقهاء، أن الحد – ومثله القصاص – لا يثبت إلا بأحد الدليلين، هما البينة والإقرار،[30] وذلك بخلاف التعزير، فإنه يثبت بالبينة والإقرار وبطائفة أخرى من الأدلة، بعضها متفق عليه والبعض مختلف فيه، وهي النكول وشهادة النساء والشهادة على الشهادة وكتاب القاضي وعلم القاضي وقرائن الحال. ويمكن القول – بناء على ذلك – بأن الفقهاء يجعلون القاعدة في التعزير هي حرية الإثبات، أما في الحدود فهي التقيد بأدلة محددة. ويشترط الفقهاء للاعتداد بالإقرار والشهادة شروطًا صارمة، فهم يشترطون في المقر البلوغ والعقل وسلامة الإرادة، وأن يكون إقراره صريحًا في لفظه واضح الدلالة على الحد الذي أقر به، كما يشترطون العدد في الإقرار ببعض الحدود كالزنا، حيث يوجبون أن يقر الزاني أربع مرات. ويجيز الفقهاء لمن أقر أن يعدل عن إقراره فيسقط اعتباره دليلاً. ويثبتون له حق العدول حتى بعد صدور الحكم وإلى أن يتم التنفيذ. ويشترط الفقهاء في الشاهد شروطًا مماثلة، ويضيفون إليها العدالة وسلامة الحواس والإسلام، وألا يكون بينه وبين المشهود عليه عداوة أو ضغينة. بل إن بعض الفقهاء يرى أن الشهادة ترد إذا تقاعس الشاهد عن أدائها زمنًا لغير سبب معقول. ويشترط الفقهاء للتعويل على الإقرار والشهادة أن يكون كلاهما متناهيًا في البيان، بحيث يشمل الماهية والكيفية والزمان والمكان وكل عنصر من العناصر اللازمة لقيام الحد. وفي خصوص الزنا يشترط الفقهاء أن تكون الشهادة بمعاينة فرج الزاني في فرج الزانية، وأن تكون الشهادة بالتصريح لا بالكتابة، وفي مجلس قضاء واحد. وجمهورهم على أنه يجب على الشهود ألا يختلفوا في زمان الزنا ولا في مكانه حتى ولو وقع الزنا في بيت واحد. وإذا نقص عدد شهود الزنا عن أربعة، أو كانوا أربعة ولكن شهادة أحدهم لم تستوف شروطها، أو نكل أحدهم في مجلس القضاء بعد أن شهد الآخرون حد الشهود الثلاثة حد القذف. ولا يصح للقاضي أن يحتال للحصول على الإقرار، بل يستحب له أن يظهر الكراهية له كما فعل الرسول عليه الصلاة والسلام مع ماعز، فقد أعرض عنه أكثر من مرة عندما أقر له بالزنا. ويرى الفقهاء أن الإمام مندوب لدرء الحد وتلقين المقر الرجوع. روي أن النبي ﷺ أتي بسارق فقال: أسرقت؟ ما إخاله سرق، فقال: نعم، فقال: اذهبوا به فاقطعوه ثم احسموه. وروى عن ابن مسعود أنه أتى بسوداء يقال لها سلامة فقال: أسرقت؟ قولي لا، قالوا: أتلقنها؟ قال: أجئتموني بأعجمية لا تدرى ما يراد بها حين تقر فأقطعها. وروى مثل ذلك أيضًا عن أبي الدرداء.

ويستحب الفقهاء لشهود الحد ألا يشهدوا ليندرئ الحد. ويرى الفقهاء توفيقًا بين الاعتبارات المختلفة أن يشهد الشاهدان في السرقة أن هذا متاع هذا من غير أن يذكرا السرقة، لأنهما ندبا إلى الستر من جهة، ونهيا عن كتمان الشهادة التي تبطل حق الغير من جهة أخرى، فكان الطريق الذي يعتدل فيه النظر هو أن يشهدا بلفظ الأخذ دون السرقة ليكون الأخذ مجبرًا على رد العين أو قيمتها، فيصل صاحب المتاع إلى حقه ولا يقام الحد على الآخذ.

(38) وإذا كان المتفق عليه أن الشفاعة لا تجوز في الحدود فإنما يكون ذلك بعد بلوغ الإمام وثبوت الحد لديه بدليله الشرعي. أما قبل بلوغ الإمام فتجوز الشفاعة لدى المجني عليه، بل وتجوز لدى الإمام قبل ثبوت الحد.

(39) ولعل نظام الشبهة من أظهر الأدلة على حرص الفقهاء على الاقتصاد في إيقاع الحد – وكذلك القصاص – على الجاني. وهي باب واسع تمكن الفقهاء من خلاله من درء العقوبة. وعلى الأخص عقوبة القتل والقطع والرجم في أحوال كثيرة رغم توافر شروط إيقاعها ظاهرًا.

(40) واختلف الفقهاء في التوبة ومدى أثرها على عقوبة الحد، فمنهم من قصرها على المحارب قبل القدرة عليه. ومنهم من جعلها شاملة لكل الحدود ومانعة من إيقاع عقوبتها.

(41) ويتضح من الأحكام المتقدمة أن فقهاء الشريعة أدركوا أن الشارع إذ جعل عقوبات الحدود ذات حد واحد وأوجب إيقاعها على كل الجناة في كل حال إذا توافرت شروطها، وإذا كان العدل من مقاصده فقد فهموا من ذلك أنه يحثهم على إعمال العقل لضبط أحكام الحدود ووضع شروط لها تستغرق كل الاحتمالات بحيث إذا توافرت لم تعد الفروق بين الجناة معتبرة، وهذا ما فعله الفقهاء. وإذن فلم يكن مراد الشارع إقامة الحد على كل الجناة رغم اختلاف ظروفهم وأحوالهم، بل كان المراد أن يكون اختلاف هذه الأحوال بعد ضبط أحكام الحدود غير مؤثر في استحقاقهم العقاب.


*نشرj هذا الدراسة في الكتاب التالي: مقاصد الشريعة وقضايا العصر (مجموعة بحوث)، 2017، مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، لندن، ص 173- 210، وأتيح على الموقع الإلكتروني للمؤسسة.

[1] قواعد الأحكام في مصالح الأنام جـ 1، ص 5 و6.
[2] المرجع السابق ص 42 – 43.
[3] المرجع السابق ص 10.
[4] المرجع السابق ص 6.
[5] انظر نص رسالة الطوفي في مصادر التشريع الإسلامي فيما لا نص فيه للشيخ عبد الوهاب خلاف ص 106 – 144.
[6] الموافقات للشاطبي جـ 1 ص 261.
[7] المرجع السابق جـ 2 ص 37.
[8] الموافقات – المرجع والموضع السابقان.
[9] عبد القادر عودة – التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي – القسم العام ص 266 وما بعدها. ويلاحظ أنه وإن لم يجزم بصحة الوقائع التي بني عليها القول بأن العقاب كان بأثر رجعي إلا أنه لم ير أن رجعية الحكم في الحالتين تتنافى مع أصول الشريعة الإسلامية.
[10] الدكتور محمد سليم العوا – في أصول النظام الجنائي الإسلامي، الطبعة الثالثة ص 79 وما بعدها.
[11] عبد القادر عودة – المرجع السابق ص 589.
[12] الإحكام في أصول الأحكام جـ 1 ص 55.
[13] بداية المجتهد لابن رشد ج 2 ص 399.
[14] بدائع الصنائع ج 10 ص 4664 – 4665.
[15] الإسلام عقيدة وشريعة ص 432.
[16] العقوبة ص 648.
[17] المغني لابن قدامة ج 5 ص 169 وبداية المجتهد المرجع والموضع السابقان.
[18] الإسلام عقيدة وشريعة، ص 256 – 257.
[19] العقوبة، ص 646.
[20] الإسلام عقيدة وشريعة ص 258 وما بعدها.
[21] الشيخ محمود شلتوت – المرجع السابق ص 403 – 407. أما الحديث المشار إليه فهو حديث أنس بن مالك، وفيه أن الربيع عمته كسرت ثنية جارية فطلبوا إلى أهلها العفو فأبوا، فعرضوا عليهم الأرش فأبوا، فأتوا رسول الله فأبوا إلا القصاص، فأمر رسول الله ﷺ بالقصاص، فقال أنس بن النضر: يا رسول الله أتكسر ثنية الربيع؟ لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها، فقال رسول الله ﷺ: يا أنس، كتاب الله القصاص، فرضي القوم فعفوا، فقال رسول الله ﷺ: «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره» (رواه البخاري والخمسة إلا الترمذي).

وقد عرض الشيخ شلتوت للخلاف في هذا الحديث وعقب: وللباحث أن يقول بعد هذا كله إن الحديث على فرض صحته حديث آحاد، وقد أنكر كثير من الأصوليين صحة الاستدلال به على مشروعية العقوبات، كالحدود والقصاص.
[22] يستثنى من ذلك أهل الظاهر، فعندهم أن كل الجروح فيها القصاص سواء كانت بالرأس أم كانت بغيرها، وسواء كانت تنتهي إلى عظام أم لم تنته إلى عظام، وعلى القضاة والمنفذين أن يتحروا المماثلة ما أمكنت، لأن النص صريح في القصاص، ولا شك أن المماثلة ممكنة ولو على وجه التقريب من غير ما أمكن. وإيقاع القصاص أولى من أخذ الأرش أو التعويض لأنه أردع وأعدل وأشفى لغيظ المجني عليه وأنكى بالجاني. انظر في عرض رأيهم العقوبة لأبي زهرة، ص 455.
[23] بداية المجتهد ج 2 ص 406 – 408.
[24] الموضحة هي إحدى جراحات الوجه والرأس، وهي التي توضح العظم. وهذه الجراح عند الأحناف عشرة وقيل تسعة وقيل تسعة وقيل أحد عشر، وكل منها تحمل اسما يناسب هيئة الجرح أو أثره أو موضعه، وتتفاوت الجراح في جسامتها، وأدناها الخارصة وهي التي تخدش الجلد، وأقصاها الأمة وهي التي تصل إلى أم الدماغ وهي جلدة تحت العظم فوق الدماغ، والدامغة وهي التي تخرق تلك الجلدة وتصل إلى الدماغ.
[25] الإسلام عقيدة وشريعة، ص 399 – 401.
[26] القياس في الشرع الإسلامي لابن تيمية وتلميذه ابن القيم، ص 99 – 100.
[27] غياث الأمم من التباس الظلم للجويني، ص 375.
[28] العز عبد السلام – المرجع السابق، ص 194.
[29] الشيخ محمد أبو زهرة – العقوبة، ص 211.
[30] وإن بعض الفقهاء يجيز الإثبات في بعض الحدود بأدلة أخرى كالزنا وشرب الخمر.

قبل تقنين أحكام الشريعة كأساس لتطبيقها
لا بد من حوار علمي بين أهل الاختصاص في مناخ ديمقراطي صحيح
بعض المتحمسين لتطبيق الشريعة الإسلامية يلحون على أن تتضمن دساتير بلادهم النص على أن الشريعة هي مصدر التشريع.

وقد يحدث أن يوضع مثل هذا النص بصيغة من الصيغ التي قلد تلقى الرضا المطلق من هؤلاء المتحمسين أو تلقى بعض التحفظات. ثم تجد الدولة التي وضعت في دستورها مثل هذا النص مصاعب شتى في سبيل إعمال النص تشريعيا. فهناك أكداس من القوانين التي صدرت لا بد من مراجعتها في ضوء أحكام الشريعة، ثم هناك قوانين تبدو الحاجة المتجددة إلى إصدارها ولا بد من مراعاة أحكام الشريعة فيها. وأمام الصعوبات الواقعية التي تصحب عادة فترات الانفصال، قد ترى السلطة التنفيذية التي تقترح مشروعات القوانين، أو السلطة التشريعية التي تقرر إصدار هذه القوانين –في حدود صلاحياتها المقيدة بأحكام الشريعة طبعا- التراخي “عمليا” في إعمال النص الدستوري الذي يقرر أن الشريعة مصدر التشريع!!
يضاف إلى هذا صعوبات عملية إجرائية، في تحديد جهة الاختصاص من علماء الشريعة التي تقرر موافقة أي تشريع مقترح لأحكام الشريعة والتي يكون لرأيها وزنه الفقهي إذ لا بد من تحديد جهة استشارية فقهية ثابتة تتبع مجلس الدولة إذا وجد، أو تتبع وزارة العدل، أو تتبع السلطة التشريعية نفسها. ولا يكتفي بما ينتج عرضا عن المصادفة وحدها من أن يكون بين أعضاء السلطة التنفيذية أو التشريعية بعض علماء الشريعة، وإن كان من الأفضل، أو من اللازم أن يكون بعض هؤلاء الأعضاء من العلماء بل من المجتهدين، حتى يتحقق شرط “الاجتهاد” في الهيئات القائمة بمسئوليات الحكم “كجماعة”، ما دام يتعذر أن يتحقق في كل فرد أو عضو من أعضائها على حدة.

محمد فتحي عثمان

لكن تبقى الصعوبة الكبرى الأهم أمام تقنين أحكام الشريعة وهي “الصعوبة الموضوعية” التي تمس بعض القضايا الأساسية المتعلقة بالحريات العامة وكيفية ممارستها والحدود القانونية لهذه الممارسة، أو المتعلقة بالحقوق العامة لبعض فئات المواطنين، إلى غير ذلك من القضايا التي تتصل بأسس النظام السياسي أو النظام الاجتماعي أو النظام الاقتصادي للدولة.

فلقد قطعت بعض الدول الإسلامية –مثلا- شوطا في “تأميم” وسائل الإنتاج، وفي تحديد الملكية الفردية، وفي توسيع نطاق الملكية العامة الاقتصادية بما تتطلبه من تحديد علاقات التعايش؛ أو التنافس، أو التعاون بين القطاعين: العام والخاص، بينما لم ترتض دول مسلمة أخرى أن تمضي في هذا الشوط، واكتفت بتأمين بعض “الخدمات” الضرورية عن طريق الدولة. مثل التعليم، أو العلاج، أو المواصلات، مع السماح للجهود الفردية بالنشاط في هذه المجالات نفسها، إلى جانب تملك الدولة للمؤسسات العاملة في موارد محددة –على سبيل الحصر- مثل البترول والثروة المعدنية، أو لنسبة كبيرة من رؤوس أموال هذه المؤسسات بما يحقق إشراف الدولة عليها وإخضاعها لسياستها وإدارتها.

وقد يستثير مسلك هذه الدول أو تلك المناقشات حول مدى “إسلامية” سياسة التأميم، وممارسة الدولة للنشاط الاقتصادي، وتوسيع نطاق الملكية العامة الاقتصادية أو مدى “إسلامية” سياسة ابتعاد الدولة عن هذا كله وانحصارها في المهام التقليدية للدولة في مجال الخدمات. فليست الصعوبات التي تقابل تطبيق أحكام الشريعة مقصورة على نطاق قواعد قانونية جزئية تحكم بعض المعاملات أو تشرع بعض العقوبات، فإن مثل هذه الصعوبات “الفنية” قد تثير جدلا أقل بكثير من الصعوبات “السياسية” التي تتعلق بفلسفة الدولة وسياستها العامة في الحكم. والحوار في قضية تتعلق بالفلسفة السياسية للدولة، أو بالأيدولوجية العامة للحكم لا يمكن حصره في نطاق محدود من أهل الذكر والاختصاص، فهو يمس عقيدة كل مسلم من مواطني الدولة، ويمس حقوق غير المسلمين ومصالحهم، كما يتعلق “بسياسة” لها جذورها وكيانها وآثارها من نواحٍ متعددة: نفسية، واجتماعية، واقتصادية، ولا بد من تقرير آراء الخبراء المتمرسين بهذه النواحي والمتابعين لها.

لذلك لا بد أن يتجاوب الخبراء “الأيدولوجيون” والخبراء “التكنولوجيون” في مناخ ديمقراطي صحيح، يتابعه الجمهور في يقظة ووعي وايجابية، على ألا تعني “الايجابية” ممارسة لضغوط مادية أو معنوية على المتحاورين، بل مشاركة بالكلمة الصادقة المخلصة، حين يحس أي فرد الحاجة لذلك، والقدرة عليه. ومثل هذه التجربة الفذة في تاريخ المسلمين الحديث، يفسدها أي إرهاب أو إغراء للمتحاورين، سواء أكان ذلك مقصودا بصورة مباشرة أو لم يكن كذلك، وسواء أصدر ذلك بحسن نية، أو بسوء نية، فإن الجناية على هذا “الحوار” -البناء الجليل- واقعة في جميع الأحوال، أيا كان حجم الضرر أو صورته.

ولندع أمور السياسة الاقتصادية جانبا في هذا المقال، مع التأكيد على أهميتها والضرورة الملحة على مناقشتها والتماس الرؤية الواضحة من جانب المتحمسين لتطبيق الشريعة الغراء. ولنتناول ما قد يبدو للغالبية أهم وأخطر، أو ما قد يظن أن الاتفاق في شأنه أيسر وأعم.

إنه من الواضح أن إطلاق “الحريات العامة” بدون أي قيد من القانون الذي ترعى تنفيذه السلطة المختصة، قد صار شيئا “تاريخيا” قررته الليبرالية الكلاسيكية وعدله التطور المعاصر في الديمقراطيات الغربية القائمة، وهي المثل الأعلى التطبيقي للديمقراطية في عالمنا. فكل الديمقراطيات التي نعرفها تقرر تدخل الدولة –بصورة من الصور- في تلك الأنشطة والعلاقات المتشابكة الخاصة التي لا يمكن للدولة أن تقف إزاءها متفرجة أو محايدة، وبخاصة أن النشاط “الخاص” في عصرنا: لا يعني النشاط “الفردي” لأن أي نشاط خاص لا يضمن لنفسه الاستقرار والفعالية، إلا إن ارتكز إلى “جماعة” تتآزر طاقاتها الرأسمالية على العمل، وقد تصل هذه “المؤسسة الجماعية الخاصة” إلى قوة تهدد الحرية الحقيقية للفرد.

ومن هنا كان ضمان ممارسة الحريات العامة بصورة حقيقية فعالة، قد يتطلب تدخل الدولة لحماية الأفراد والمجتمع، لا حيادها أو سلبيتها. فليس الخلاف إذن حول الحاجة لوضع “حدود” قانونية لممارسة الحرية، وإنما منشأ الخلاف حول ما يمكن أن تكون عليه هذه الحدود. وللإسلام أحكامه وآدابه –مثلا- في اختلاف الرأي حتى لا تتمزق وحدة الأمة.

وإذن: فهل يجوز قيام الأحزاب في دولة تتحاكم إلى الإسلام؟ وللإسلام أحكامه وآراؤه في ممارسة “النقد”، وفي التفرقة بين ما يجوز إعلانه على الملأ وما لا يجوز، وما يجوز ممارسته في نقد “الشخص العام” أو من يتولى مسئولية عامة للمسلمين وفي نقد أي فرد آخر من الأفراد لا ينبغي أن تقتحم خصوصياتها أو أن تشاع على الملأ. ولكن هذا كله قد لا يكون جليا بالصورة الكافية. ومن شأن الحوار: أن يزيد الصورة وضوحا ويزيد الموضوع ثراء، حتى لا يتجه فريق من المسلمين، أو من علماء شريعة إلى الإسراف في وضع القيود على ممارسة بعض الحريات مما يضيق على الناس الخناق ويفتح الطريق إلى استبداد مقنع –بتشديد النون المفتوحة- بالدين وهذا كله مسيء إلى الإسلام أمام المسلمين، وأمام العالم أجمع. والحوار ضروري لتحديد اتجاهات الإسلام –مثلا- في حرية الرأي والاعتقاد وحرية الاجتماع، وحق التظاهر وحق الإضراب…الخ.

ولا بد أن نسلم: أن تمرس فقهائنا بالقانون العام محدود. إذ أن تميز أحكام القانون العام عن أحكام القانون الخاص –بحكم طبيعة المجال الذي يحكمه كلا الفرعين- ظاهرة حديثة في مجال التطور القانوني بوجه عام. على أن لفقهاء الشريعة نظرات جزئية متفرقة صائبة في هذا التمييز، وإن لم تتحول إلى قاعدة عامة مطردة.

وتستطيع أن تتابع بعض هذه الجزئيات فيما تناوله به الماوردي، وأبو يعلي، وابن تيمية، وغيرهم، مركز “الدولة” القانوني في العلاقات التي تكون طرفا فيها. ولكن هذا لا ينفي الحاجة إلى نظرة كلية شاملة تترتب عليها تطبيقات مطردة متسقة في مختلف الحالات. أو مجالات “النشر” أو “الإعلام” في عصرنا –مثلا- قد تطورت وتقدمت واتسع نطاقها ومجالها حتى ترتبت عليها آثار لم تكن في تقدير فقهائنا السابقين –بطبيعة الحال- وأصبح لا بد من نصب ميزان العدل بين ضمان “الحرية” التي تمثل هذه الوسائل (رئتها) الضرورية، وبين توقي الحيف على بعض القيم الأخلاقية والنظم الاجتماعية، ثم لا بد من نصب ميزان العدل لضمان حرية الاعتقاد وحرية الرأي بين أصحاب العقائد والآراء المتباينة بتقرير واضح للحقوق والواجبات بالنسبة لصاحب العقيدة أو الرأي، فردا كان أو جماعة.

ويحتاج تناول هذه القضايا الحساسة والعلاقات المتشابكة والاجتهاد في تقرير ما يبدو أنه وجه الحق فيها على هدي أحكام الإسلام، إلى حوار علمي بين الفقهاء المسلمين المعاصرين، يستهدف تقرير أحكام مفصلة محددة لا سرد عموميات، ومطلقات، قد فرغ من تقريرها تراثنا الفقهي من قديم، أو إزجاء خطب وأحاديث لا تقطع بحكم بات في أية قضية مفصلة بعينها من القضايا التي تثار في صدد الموضوع. وبدون هذا التحديد: قد تغلب على اجتهاداتنا في قضايا النشر أو الإعلام طابع “الحظر” والإسراف في النهي والتحريم، أو قد تواجه وسائل النشر والإعلام تراخيا وسلبية من جانب أولي الأمر والتوجيه، بما يجعل نشاطها مجرد استمرار ومواصلة لما كانت عليه قبل تطبيق أحكام الشريعة، مع بعض الحرص “الشكلي” على إعلان مواقيت الصلاة والصوم، أو الاحتفال بالمناسبات الدينية المعدودة، في حين أن حقيقة الدين أن ينبث في كل الثنايا والحنايا بأسلوب موفق كثيرا ما يأتي بصورة غير مباشرة.

وقد يرتبط بمجالات النشر أو الإعلام كثير من مسائل “الفن” التشكيلي أو التعبيري، وما يجوز منه –في حكم الإسلام- وما لا يجوز. فمثلا: هل النهي عن “النحت” –وربما اقترن به التصوير أيضا- عام شامل أو مقصور على ما يتخذ فقط للعبادة أو التقديس، أو ما قد تثور حوله هذه الشبهات؟ وهل هذا النهي مؤبد أو موقوت بزمن كان فيه العرب المسلمون “حديثي عهد بكفر” أو وثنية؟. هل الموسيقى فن يبيحه الدين أو هو من مزامير الشيطان، أو أن من الموسيقى ما هو رفيع مباح، ومنها ما هو خسيس مبتذل مرفوض؟؟ وما حكم الغناء من الرجل أو المرأة، في الحب وغيره؟ هل يجوز اشتراك المرأة مع الرجل في المسرح والسينما؟؟ وهل يجوز أن يدور الأدب والفن حول ذلك المحور الذي طالما دار في فلكه التعبير الأدبي والفني منذ أقدم القدم، وأعني الحب بين الرجل والمرأة. وما هي الحدود المشروعة للتعبير في هذا المجال؟؟ كل هذه الأسئلة تحتاج إلى أجوبة مفصلة تكون حاضرة عند إعداد قوانين جديدة للنشر والإعلام بمختلف الوسائل والأساليب، أو عند مراجعة القديم منها ليبدو متوافقا مع أحكام الإسلام. وهذه الأجوبة لازمة لتحديد مهمة “الفن” ووسائل الإعلام في التثقيف والتسلية.

ويسوقنا هذا إلى الحديث عن “المرأة” ووضعها القانوني في مجتمع يحتكم إلى شريعة الإسلام. وما يجوز لها وما لا يجوز. فإن تحديد هذا الوضع لازم لمجالات متعددة من مجالات التشريع.

فما هو زي المرأة المشروع، وماذا يجوز أن يبدو من جسمها؟ وهل تشرع عقوبة –من باب التعزير- على تجاوز المرأة حدود الزي المباح؟؟… وهل تقتصر عليها شخصيا أم تشمل وليها أيضا؟.

وما هو نشاط المرأة المشروع في المجتمع الإسلامي: سواء في مجال طلب العلم، أو في مجال العمل، أو في مجال الخدمة الاجتماعية، أو في المجال السياسي؟؟… هل هو مباح بإطلاق أم أن هناك حدودا وضوابط، وماذا عسى أن تكون تلك الحدود والضوابط؟؟ هل ينبغي أن يكون تكافؤ الفرص هو القاعدة لكل رجل وامرأة في مجال طلب العلم وفي مجال العمل، بحيث تغدو كل تفرقة إخلالا بالمساواة. مثلا هل يجوز للمرأة أن تكون قاضية وجيولوجية ومهندسة مناجم؟ هل يجوز أو تستثنى دراسات أو وظائف معينة لا تباح لغير الرجال، أو يتجه التشريع لإيثار تفرغ المرأة للواجبات الأسرية وتشجيعها على ذلك؟؟ هل يجوز للمرأة أن تكلف بواجبات الخدمة العسكرية؟؟ وفيما يتاح للمرأة من تعلم وعمل هل يجوز اختلاطها بالرجال أو يكون الفصل بين الجنسين هو الأصل والقاعدة؟ وما هي حدود الاختلاط المباح؟؟.. وكيف يحارب الاختلاط غير المباح؟ هل يكون من وسائله التشريع العقابي أم يقتصر الأمر على التربية والتوعية ورقابة الأسرة وسلطان التقاليد؟؟… وهل يعمل الطبيب والطبيبة والمدرس والمدرسة وغيرهم بين الرجال والنساء معا؟؟ وهل ثمة قواعد تنظيمية في مثل هذه الحالات؟.

والحقوق السياسية هي الأخرى قضية –أي قضية- عند علماء الشريعة. هل يجوز للمرأة المسلمة أن تكون ناخبة؟ وهل يجوز أن تكون ذات نشاط ومسئولية قيادية في حزب سياسي إذا أجيز قيام الأحزاب؟؟ وهل يجوز أن تكون نائبة عن الرجال والنساء معا بطبيعة الحال؟ وهل يجوز أن تكون وزيرة، ولا نقول رئيسة وزراء؟ وهل يجوز أن تكون رئيسة على مجموعة كبيرة من الرجال؟ أم هناك قيد عام في الحديث “ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة”؟؟ وما هي الحدود بين ما يجوز وما لا يجوز؟؟ هل يجوز أن تشترك المرأة في مظاهرة –إذا أبيح حق التظاهر- وفي الإضراب والاعتصام بمكان ما –إذا كان ذلك من الحقوق المباحة للرجال؟؟.. إن التشريعات الخاصة بتنظيم ممارسة الحقوق السياسية وتشريعات الجمعيات والأحزاب والتظاهر والإضراب تنتظر كثيرا من ثمار الحوار البناء في هذه الموضوعات.

وهل تظل شهادة المرأة هي نصف شهادة الرجل أيا كان مستوى التعليم والخبرة لكل منهما، باعتبار وجود فارق فسيولوجي وظيفي بين الرجل والمرأة يبرر هذا الفارق على وجه التأييد، أو أن العلة التي ذكرها القرآن هي شرط الحكم “أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى- البقرة 283″، وهي علة موقوتة مرهونة بالظروف الاجتماعية المتغيرة، ويدور معها الحكم وجودا وعدما؟.

ثم تأتي مشكلة أخرى ينبغي أن تعالج بصراحة وفي نقاش مثمر: هي مشكلة وضع المواطن غير المسلم –أو ما اصطلح على تسميته بالذمي- في الدولة التي تطبق شريعة الإسلام.

هل يكون الأصل هو المساواة التامة بين جميع المواطنين في جميع الحقوق والواجبات؟؟ هل يجوز أن يكون المواطن غير المسلم نائبا ووزيرا، وقاضيا، ومسئولا في الجيش، هل شهادته مقبولة في حق المسلم، ودمه سواء هو ودم المسلم، ولو قتله مسلم عمدا قتل به المسلم؟؟ هل “الجزية” حكم لازم مؤبد، وما هو تكييفها القانوني المقبول؟ وقد اختلفت فيه الفقهاء قديما وحديثا؟ هل يستمر القول بأنها “عوض عن حق الدم” أو يؤخذ بأنها “أجر لسكنى الدار” أو يقبل التكييف الذي قدمه فقهاء معاصرون استنادا لوقائع تاريخية رواها مؤرخون ثقات كالطبري والبلاذري: أنها “بدل عن الخدمة العسكرية الواجبة”؟؟ وهل يجوز لقانون التجنيد أن يفرض على كل مواطن غير مسلم أداء واجب الخدمة العسكرية كقاعدة عامة أصيلة؟؟ وما هي القواعد التي تحكم وضع غير المسلم في الجيش؟؟ ثم ماذا عن “الصغار” المفروض؟؟ هل يكون المقصود ما ذكره بعض الفقهاء –ومنهم ابن القيم- من أنه جريان أحكام الإسلام على غير المسلم؟؟

ما هي حقوق غير المسلمين في إنشاء معابد مستحدثة، وهل هناك أية قيود مفروضة على أشخاصهم في الزي أو الركوب والسكن أو غير ذلك، أو على ممارستهم لشعائرهم؟؟

كل هذه مسائل لا بد أن تجلي تماما للمسلمين ولغير المسلمين.. فلا تكفي النوايا الغامضة أو العبادات المائعة أو الخطب الرنانة، ثم التهامس من وراء الظهور!! ولا يعني أبدا –أن نتجاهل- في هذا الصدد المشكلة أو نقول إنها غير موجودة، أو نسقط من تراثنا الفقهي بعض ما يخشاه غير المسلمين من أحكام ونزعم أنها لم ترد أصلا أو أنها خاطئة. لا بد من تناول القضية بأمانة المؤمنين.

إن غير المسلمين قد عاشوا في ظل “الدولة العلمانية”، وتابعوا الثقافة الغربية التي ترى أن مثل هذه الدولة هي الغاية والمثل الأعلى المنشود الذي يحقق المساواة بين المواطنين، وعايشوا مكائد الاستعمار التي استغلت “حقوق الأقليات” لعرقلة الاستقلال وطالما استثارت القلاقل بين المسلمين وغيرهم وبين المواطنين والأجانب، وهم قد تكون لهم ذكريات سيئة عن حكم طاغية تسمى بأسماء المسلمين أو عن حوار غير كريم من جانب أحد المسلمين.

ومن حق هؤلاء المواطنين غير المسلمين أن يؤمنوا على مركزهم القانوني وحقوقهم ومستقبلهم، وأن تبسط لهم وجهة النظر الإسلامية في معاملتهم، وأن يبين لهم الفرق بين الأحكام الثابتة القطعية المؤبدة، وبين الشروح والآراء الفقهية الاجتهادية التي يؤخذ منها ويترك، والتي تتأثر بالظروف التاريخية المتغيرة. من حقهم أن يبصروا بالقول الفصل في شأن ما قدمنا من مسائل وأمثالها، حتى تتضح الحقيقة بكل أبعادها، لا أن يصدموا بتشريع دستوري مفاجئ ينص على أن شريعة الإسلام هي مصدر التشريع، وبمراجعة تشريعية شاملة لكل ما فات من تشريعات لتتمشى مع هذا الأصل الدستوري، بينما بعض الأحكام التي تتضمنها كتب الفقه تثير لدى غير المسلمين شبهات، وتغشى بالضباب والغبار الأصول العامة وللإسلام نفسه كدين ووقائع التعايش التاريخي بين المسلمين وغيرهم التي كثيرا ما لفتت أنظار مؤرخين أعلام من غير المسلمين.

لا بد من الشروع في الحوار حول هذه القضايا والمسائل فورا، دون أي إبطاء. فالقضية ليست قضية “توفيق” أو “تلفيق” جزئي بين أحكام المعاملات الواردة في كتب الفقه وأحكام التقنين المدني القائم، أو بين أحكام الحدود والقصاص الواردة في كتب الفقه وأحكام قانون العقوبات القائم. إنها قضية أوضاع سياسية واجتماعية واقتصادية عامة هامة، تحتاج إلى إيضاح حكم الإسلام فيها على هدى ونور، وبعد المناقشة المتأنية المتبصرة على علم، والحوار الجاد الرصين بمنطق وذوق، لأن لهذه الأوضاع آثارها الكبرى في تشريعات متعددة، تمس الحريات العامة والحقوق السياسية والنشر والإعلام والعمل كما تمس الأسرة والحقوق المدنية والمعاملات التجارية والإثبات والعقوبات والإجراءات… الخ.

ولهم –الجمهور، مسلمين وغير مسلمين، أفرادا وجماعات- أن يتابعوا النقاش ويتعرفوا على ما يستقر عليه الرأي، حتى يتبين الهدي لكل ذي رشد، ولا يشذ إلا معتد متجن مفرق مستحق لتحمل جريرته “ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى” – النساء 115 ذلك أن هذا الحوار ليس “جدلا أكاديميا” بين المتخصصين، وإنما يمس المعتقدات والآراء والتقاليد الفكرية والاجتماعية كما يمس الحريات والحقوق السياسية والمراكز القانونية للمواطنين فهو يهم جمهور الأمة في الصميم.

وقد ينبغي البدء بتشكيل لجنة موسعة من علماء الشريعة وأحبار الدين غير المسلمين أو دعوة هؤلاء إليها في جلسات معينة، كما تضم لجنة المفكرين البارزين والمتخصصين والخبراء في مختلف مجالات الإنسانيات من قانون واجتماع واقتصاد وتربية وتاريخ وغير ذلك، ثم تتفرع اللجنة العمة إلى لجان أضيق وأكثر تخصصا لمناقشة موضوعات بعينها. وتنشر المداولات الهامة والنتائج التي يتوصل إليها في هذه الاجتماعات.

وقد ينبغي الاتجاه مستقبلا إلى تحديد “جهة فقهية معينة” لعرض أي تشريع مقترح عليها للتأكد من موافقته للشريعة، بدلا من ترك هذا للمصادفات التي قد تأتي ببعض علماء الدين إلى مجلس الأمة أو إلى مقعد وزارة الأوقاف. ويمكن أن تتبع هذه الجهة “مجلس الدولة” أو الهيئة التشريعية المختصة على أن ينص على وجوب عرض التشريعات المقترحة كلها على تلك الجهة، سواء أكانت مقدمة من السلطة التنفيذية، أو مقترحة من أحد أعضاء الهيئة التشريعية. وعلى أن يكون الرأي في هذه الجهة “جماعيا” لا فرديا. فلا يكتفي مثلا بمراجعة مفت واحد كما فعل وزير المالية المصري في مشروع قانون الضرائب إذ عرضه على المفتي التابع لوزارة العدل.

وقد ينبغي تعبئة أجهزة الإعلام والتوجيه ومؤسسات التربية والتعليم لتنوير الجماهير في هذه القضايا، وبيان الحق في حرص تعاليم الإسلام على كفالة حرية الاعتقاد وسائر الحريات العامة، وعلى توفير الضمانات الأخلاقية والسلوكية والقانونية لإقامة مجتمع يسوده حسن المعاملة وإتقان العمل وطيب القول ورعاية حقوق الأفراد الآخرين ومصالح الجماعة ولتنظيم الحوار الرصين البناء في جو من الصراحة والمودة والتفاهم والتعاون بين مختلف العقائد والآراء.

وقد يكون من آثار هذه التعبئة الإعلامية التوجيهية التربوية، أن تألف الأمة “الحوار” ومناهجه وآدابه، بحيث يصير من عاداتنا وتقاليدنا الأصيلة بدل ما يشيع فينا وعنا من فرض الآراء والتهرب من أية مناقشة، والحوار مع النفس فقط أو مع من يعرف المرء اتفاقهم معه أو سكوتهم عن مخالفته، أو الحوار “المفترض” مع الآخرين خلف ظهورهم!!

وأنا أقدر لمثل هذا الحوار الضروري لتحديد المفاهيم قبل تطبيق أحكام الشريعة في شتى المجالات، مدة تتراوح بين عامين وثلاثة أعوام حتى يكون الحوار جادا له نتائجه التي يمكن أن يستفاد منها. على أن أمد هذا الحوار (التأصيلي) لا ينبغي أن يطول بحال عن أربع أو خمس سنوات، لأن الحوار سيظل موصولا ما وجد التفكير وما وجد الاختلاف في التفكير عند الفرد الواحد نفسه وبين الأفراد المتعددين. وإنما المقصود هنا حوار (تأصيلي) كما قلت، وهو ضروري لتحديد المفاهيم الأساسية في القضايا الكبرى، وليس المقصود إجراء حوار شامل يتناول كل الجزئيات والتفاصيل في شتى المجالات وتعتبر هذه الفترة “انتقالية” تسبق التقنين والتطبيق لأحكام الشريعة على وجه الشمول ولا يتعارض حكم هذه الفترة الانتقالية الضرورية مع النص الدستوري بجعل الشريعة مصدر التشريع. إذا كان مثل هذا النص قد تقرر في دستور الدولة. وهي تقي عثرات كثيرة في التطبيق قد تؤدي إلى تأخير أطول أمدا أو تراجعا نهائيا لا قدر الله.

ولما كان المناخ الديمقراطي الصحيح شرطا أساسيا لقيام هذا الحوار بين أهل الذكر المتخصصين ونجاحه، ولمتابعة الجمهور له ومشاركته فيه، فغني عن القول أن توفير مثل هذا المناخ لا بد أن يكون مطلب كل داعٍ للإسلام مناصر لتطبيق شريعته.. وإنه ينبغي أن يتقدم حتى على الدعوة إلى تطبيق أحكام الشريعة نفسها.. وأن ضمان الحريات العامة مطلب أساسي لرسالة الإسلام وشريعته، وهو مطلب حيوي ضروري لكل إنسان، ومن ثم يجب أن يتضافر عليه سائر المخلصين “للإنسان” وليس إلحاح الإسلاميين على توفير الحرية بحال بمجرد “تكتيك مرحلي” حتى يقفزوا إلى السلطة، بل هو أصل شرعي حاكم على المسلمين سواء أكانوا دعاة بين جماهير الشعب أو حاكمين في مقاعد السلطة. فالإسلام الصحيح لا يعرف تناقضا بين إسلام “الدعوة” وإسلام “الدولة” ويحذر من النفاق والرياء وفتنة القول والعمل والشرك الخفي “كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ”- الصف 3.

__________________________________________

ورقة علمية للباحث أحمد زغلول شلاطة بعنوان “الإسلاميون والشريعة: جدالات الديني والسياسي”، نٌشرت في إطار مشروع بحثي تحت عنوان “مفهوم تطبيق الشريعة في فكر دعاة الإسلام السياسي مقاربة نقديّة”، من تقديم أنس الطريقي، وصدرت عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، جاء ملخص الورقة كما يلي:

“ظلَّت مقولة «تطبيق الشريعة» أبرز المقولات التأسيسية الأساسية عند الجماعات الإسلامية بمختلف تنوّعاتها. وأتت التطورات السياسية في سنوات الربيع العربي لتضع مُسلّمات ودعوات المشروع الإسلامي عامّةً قيد الاختبار. فها هي الفرصة السياسية أصبحت مواتية لاختبار الأفكار، التي طالما نادت بها جميع هذه الجماعات، وطالبت بتحقيقها.
ومن واقع التجربة المصرية؛ تنطلق الورقة من فرضية مفادها أنّ الإسلاميين لا يملكون تصورًا واضحًا فيما يخصّ تطبيق الشريعة دستوريًا، خارج إطار الحديث الوعظي، الذي اعتمدوا عليه في تجييش قواعدهم لسنوات، وأنّ الدافع، وراء خطابهم المكثف حول الهوية وتطبيق الشريعة، ما هو إلا فرض الوجود السياسي، وضمانة استمراريتهم في تصدّر المشهد، وهو ما أثبتته التجربة في دستورين اشتركوا في إعدادهما”.

 

رابط تحميل مباشر للورقة

بعض الناس يفهم أن إقامة الحدود الشرعية ضرب من القسوة والغلظة، وكأنهم ينظرون إليها من زاوية الجناة لا من جانب المجني عليهم، أو خلال رؤية فرد ظالم لا مصلحة مجتمع مظلوم!
والرحمة لا تقتضي العاطفة الحمقى التي حذرنا الله منها حيث يقول في سياق إقامة الحدود فيما يدنس الأعراض في المجتمعات {وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} (النور:2).
من هنا تأتي أهمية هذا البحث (تطبيق الشريعة الإسلامية على حقوق الافراد في قانون العقوبات المصري) للمستشار بمجلس الدولة د. حسين توفيق رضا، وهو بحث منشور في مجلة مصر المعاصرة (العدد رقم 359 عام 1975)، حيث اعترض المؤلف على انحسار الشريعة في مصر الذي واكب فرض القانون الوضعي مع بدايات الاحتلال الإنجليزي لمصر، حيث كتب في مقدمة بحثه يقول “عُهد شرح القانون إلى أساتذة من الفرنسيين والإنجليز، أعجزهم لسانهم الأعجمي عن أن يحيطوا بأحكام الشريعة وتطبيقها بالبلاد عند صدور القانون في مدوناتها العربية، ولم يعن كثير من المصريين الذين جاءوا بعدهم أن يتقصوا تلك الأحكام واتبعوا سبيل الغربيين في دراستهم فعرضوا تاريخ الشرائع الأوروبية ودور المسيحية في تطويرها، وإن أشاروا إلى الإسلام عدوا شريعته مرحلة تتوسط النظم البدائية الفطرية والتشريعات الحديثة، فالدية الشرعية عندهم صورة من الانتقام الخاص، والحدود الشريعة يرونها تقوم على أساس ديني جعلها ممعنة في القسوة ردعًا وتنكيلًا، وسوغ كل أولئك لهؤلاء الشراح أن ينتقصوا من الحقوق الشرعية التي نص القانون على بقائها، وانتهى بعضهم إلى أن ينادي بإلغاء تلك الحقوق جميعًا، إلا ما تعلق منها بالإباحة.
ولكن ما أن نشطت دراسة الشريعة الإسلامية، باعتبارها دستور التفكير القانوني في الحضارة العربية قاطبة، وعُني الباحثون من علماء القانون والاجتماع على اختلاف أديانهم وألسنتهم بالإحاطة بالأحكام الجنائية الشرعية، حتى تبين ما للشريعة من رفيع المكانة بين سائر الشرائع والقوانين الحديثة، وأن الشريعة قد سبقت إلى كثير من الأحكام الجنائية، كاشتراط الأهلية للعقوبة في المسئولية الجنائية، وكذلك تفريد العقوبة بالتعزير الذي يقدره القاضي حسب حال الجاني، مما لم تعرفه القوانين الغربية إلا حديثًا، مما بعث في مجال التقنين العربي روح الأوبة إلى معين الشريعة الغراء، وبدأت في تنقيح القانون المدني المصري، ثم علت تلك الروح لتتمثل في الدستور حيث قرر أن مباديء الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع”.

رابط مباشر للبحث

دراسة للدكتور محمد فتحي عثمان نُشرت في مجلة المسلم المعاصر العدد السادس عام عام 1976، يناقش فيها لآراء بعض الاتجاهات الإسلامية فيما يتعلق بالدستور والأطر القانونية المعاصرة، ويوضح أهمية الاستفادة من المنجزات الحضارية للغرب مع تقريره أن هذه المنجزات شابها قصور وثغرات في التطبيق.
ومما كتبه الدكتور عثمان رحمه الله:

“وأحسب أن التجربة السياسية التي مرت بها بعض البلاد الإسلامية، مثل مصر وسوريا والعراق والباكستان ربما نجحت في إقناع المفكرين والعاملين المعاصرين في مجال الإسلام، إلى الأهمية الحيوية المصيرية للدستور والمؤسسات السياسية والحريات الديمقراطية بالنسبة لضمان الحقوق السياسية للمواطنين أفرادًا وشعبًا… وإلى أن هذه المنجزات الرائعة التي حددها وفصلها العقل الإنساني خلال تجارب كفاح طويلة وكفاح مرير، تتلاقى مع أصول الإسلام، ولا تغني عنها قواعده وضماناته الأخلاقية الرائعة التي تسعى لنفس الهدف، وقد تكون أوضح وأقطع من كثير من اجتهادات بعض الفقهاء والمفكرين المسلمين القدامى الذين بَعُدَ العهدُ بيننا وبينهم واختلفت الظروف، وتطور الفكر عند غيرنا ليلتقي مع الأزمات والمحن الطارئة. وقد يتفوق الفكر الإسلامي والفقه الإسلامي على منجزات الفكر السياسي العالمي بعد حين. حين يتفاعل من جديد مع ينابيعه ومع واقع العصر ومشكلاته، ولكن لا بد من تقرير الحقيقة الواقعة حاليًا، ولا يكون ذلك منا مجرد اعتراف مرحلي تكتيكي، ولكن نسجله على أنفسنا تقريرًا حقيقًا موضوعيًا”.

 

رابط مباشر لتحميل المقال

الأزهر (مواقع التواصل الاجتماعي)

محمد الصياد**

في الوقت الذي كان فيه الأزهريون، أو تيّار عريضٌ منهم، يحمل همّ الدستور، وتعزيز الثقافة الدستوريّة، كان كثيرٌ من خصومهم يخوضون معارك هوياتية، وهي معارك تُفتت الملتحِم، وتُبدد المتآلف، وتنفر جماهير عريضة، بخلاف الخطاب الدستوري الذي يُجمّع ولا يُفرّق.

وإذا كانت الحوزةُ الشيعية عرفت الثقافة الدستورية منذ العام 1905، فيما عُرف بالثورة الدستورية في إيران، حين ثار الناسُ تجاراً وفقهاءً وعامّةً ضد الشاه حينئذ، وسرعان ما تطورت مطالب الثوّار إلى المطالبة بالحكمِ النيابيّ والدستوريّ، فإنّ الحوزة السنية، ممثلة في الأزهر الشريف، عرفت الثقافة الدستورية قبل ذلك التاريخ ببرهة من الزمن، بل إنّ الأزهريين أول من طالبوا بدستورٍ لمصر، وكانت الثورة العرابية التي نظّروا لها، وشاركوا فيها، أول ثورة دستورية في المنطقة، كما تقول المؤرخة لطيفة سالم.

الإمام الطيّب وتعزيز الدولة الدستورية

التفتُّ إلى هذا المعنى، أعني دور الأزهر في تعزيز الثقافة الدستورية، حين استمعتُ إلى كلمةِ الإمام الشيخ أحمد الطيب في الحلقة 19، من برنامجه في رمضان هذا العام 1442هـ، فيقول بنفس اللفظ:

لقد دَعَمَ الأزهرُ تأسيسَ الدولة الوطنية الدستورية الديمقراطية الحديثة، أُكرر: الدولة الوطنية الدستورية الديمقراطية الحديثة، التي تعتمد على دستورٍ ترتضيه الأُمّة.

وبعد يومٍ واحد في الحلقة العشرين، يرجع ويقول مؤكداً:

على العلماءِ أن يجتهدوا، ويُجددوا الأنظارَ فيما يتعلّق بالأمور السياسية، كالديمقراطيةِ وحقوقِ الإنسان، والحرية وحدودها…، ومشروعية الدستور والبرلمان، وما يتعلق بأمور الاجتماع، وقضايا المرأة، ومنها: توليها القضاء، والولاية العامّة…

فنجده يُركّز على معالم مهمّة، كرضاء الناس، ومقبولية المؤمنين (وهو ما يُسمى في العلوم السياسية الحديثة مبدأ “سيادة الأُمّة”) ويدعو إلى التجديد والاجتهاد في الفقه الدستوريّ.

وكلامُ الشيخ الطيب يستند إلى إرثٍ أزهريّ عميق وكبير في التنظير للدستور ونشر الثقافة الدستورية، والحكمِ النيابي، فأردتُ في هذه العجالة إيضاح أهمّ مفاصله، ومعالمه:

علماء الأزهر ودستور الثورة العرابية عام 1882

كان للمصلحين الأزهريين دورٌ في خلع الخديوي إسماعيل سنة 1879م (مات إسماعيل سنة 1895 في منفاه بإسطنبول) رغم أنّ إسماعيل، حسب سكاون بلنت “لم يكن يسمح بأقلّ معارضة وكان حكمه مطلقاً حتى فقدت الألفاظ المستقلة من أفواه الرجال”.

لكن علماء الأزهر أبدوا نقمهم عليه، ولم يستكينوا لاستبداده، وجوره. فيقول بلنت نفسه عن منهجهم تجاه سياسة إسماعيل “وقد طعن علماء الأزهر على إسماعيل، فقالوا إنّه معتد على القانون، وظالم سياسيّ، وكثيرا ما تباحثوا سرا ربيع سنة 1879 عن كيفية عزله، والوسائل التي تمكّن من ذلك، أو حتى التخلص منه بالاغتيال”. وتسبب هذا الضغط الأزهريّ في محاولات إسماعيل الظهور بالمظهر الدستوريّ. وثمّة نصّ خطير للشيخ محمد عبده، يخبرنا فيه أنّهم تهامسوا في خطة اغتيال إسماعيل، لولا انعدام القائد العسكريّ الذي يقودهم حينئذ، وقال: لو أنهم عرفوا عرابي وقتئذ لمضوا قدما في اغتياله لمنع تدخل أوروبا في الشأن المصري. ويبدو أنّ الأفغاني ورفاقه كانوا يتهامسون في تأسيس جمهورية حديثة في هذا الوقت المبكر جدا، فيقول “ولكن لم يكن من المستطاع في ذلك الوقت تأسيس جمهورية إذا نظرنا إلى حالة الجهل الذي كان سائداً على العقول”.

ولمّا خُلع إسماعيل، وتولّى الخديوي توفيق (ت: 1892) عرش مصر، وبعد أن كان توفيق داعما للحركة الدستورية المشيخية العلمائية (بل قيل إنه خضع لنفوذ جمال الدين) إذا به يتنصل من الحركة الدستورية، ويقرر نفي جمال الدين من مصر، أملا في إخماد الفكر الدستوريّ، ثمّ استبدّ وبطش مثل إسماعيل وأكثر، فأغضب المشايخ وروّاد الإصلاح، فنشبت ضده الثورة العرابية (1881/ 1882) برعاية وتنظير ومشاركة من فقهاء الأزهر، إصلاحيين وتقليديين.

ويُخبرنا زعيم الثورة أحمد عرابيّ (ت: 1911) في مذكّراته أنّ ثورته إنما اعتمدت فلسفيا على تنظير جماعة علماء الأزهر من روّاد المدرسة الإصلاحية، وذكَرَ تحديداً منهم: جمال الدين الأفغاني، والشيخ محمد عبده.

ويُصرّح عرابي، في غير موضع، بتأثره بالأفغاني، وصداقته الشخصية بالإمام محمد عبده، فيقول لصديقه بلنت بخطّ يده “أخذتُ أفكّر في الشؤون السياسية، وأتذكر أني رأيت الشيخ جمال الدين، ولكني لم أكلّمه، وقد أفادتني علاقتي القديمة بالأزهر معرفة عدد من الطلبة، وكان من أفضل من عرفتهم الشيخ محمد عبده، والشيخ حسن الطويل”.

وتذكر الوثائق أن الشيخ محمد عبده اجتمع بمجموعة من الضباط وعلى رأسهم عرابي نفسه، ووضعوا أيديهم على مصحفٍ، ولقّنهم الشيخ محمد عبده يميناً على “تحرير البلاد وتحسين حالتها، والسعي في جلب المنافع إليها، ودفع المضار عنها، بواسطة تنسيق قوانين عادلة، تكفل لكلّ إنسان حقه حتى يعيش أهل البلاد وأبناؤها في أرغد عيش مثل الأمم المتمدنة”.

ولذا فقد اعتُقل الشيخ محمد عبده بعد فشل الثورة، وأُهين وضُرب مع مشايخ الأزهر داخل سجنه، من “خصيان الخديوي” كما يقول بعبارته.

ويخبرنا محمد عبده أنّهم (أي الأفغاني وتلامذته من روّاد الإصلاح الأزهريين) أول من طالبوا بالدستور، فيقول “وكنّا نحن الذين طلبوا الدستور، وقد اهتمّ هو (أي عرابي) بالدستور، لأنه رأى فيه ضماناً من انتقام الخديوي أو وزرائه منه، كما كانوا ينتقمون من سائر الضباط”.

وإذا كان فضل قيام الثورة ونشوبها ليس خالصا لمحمد عبده ورفاقه من دون الناس، إلا أنّها من تمهيدات عبده، فيقول “كنتُ أنتقد الحكومة بشدة في الجرائد الرسمية، وكنت لا أضيّق على الجرائد باعتباري رئيس قلم المطبوعات. ولكن لم تكن الثورة من رأيي، وكنت قانعاً بالحصول على الدستور، في ظرف 5 سنوات..، ولمّا مُنح الدستور انضممنا جميعا إلى الثورة لحمايته”.

فهذا النصّ المهم يدلنا على موقع الدستور ومركزه في فكر الجماعةِ الأزهرية حينئذ، وأنه كان الغاية والمقصد.

الأزهريون وثورة 1919

تؤكد مليكة الزغل، أستاذة بجامعة هارفارد، وتشغل كرسي الأمير الوليد بن طلال للدراسات الإسلامية)، أنّ الأزهر الرسمي تأخر 15 يوما في دعم ثورة 19 ومطالبها، في حين شارك عامّة الأزهريين من الطلبة والمجاورين من أول يوم، وجذبت الحركة الطلابية الأزهرية فئات اجتماعية أخرى، كعمال السكة الحديد، وطلاب الجامعة المدنية، وعقدوا الاجتماعات في حرم الأزهر الشريف، وانخرط البعض منهم في أعمال عنيفة ضد الإنجليز وعملائهم، مثل الشيخ مصطفى القيّاتي أو محمود أبو العيون. ثمّ أعلن الأزهر الرسمي دعمه للثورة ومطالبها بعد مهاجمة الإنجليز للأزهر يوم 11 ديسمبر/أيلول 1919، وأصدرت هيئة كبار العلماء بيانا يدين الإنجليز، ويدعم مطالب الاستقلال. ونجد تفصيل ذلك عند مجدي جرجس في دراسته الماتعة “اختطاف ثورة 19” وعند المؤرخ حسام عبد الظاهر في قراءته لمذكرات الشيخ محمد الخضري.

ولا شك أن هذه الثورة شكّلت جزء كبيرا من الثقافة الدستورية لدى الأزهريين، فتضخمت عندهم مفاهيم الاحتجاج، والإضراب، ومفاهيم الثورة. وكانت تلك الثورة هي السبيل إلى دستور 1923 أهم دستور في تاريخ الدولة المصرية.

الأزهريون ودستور 1923: كبح القصر الملكي

كانت ثورة 19، ومشاركة الأزهريين القوية فيها، لحظة فارقة في العقل الجمعي الأزهريّ، إذ أدرك الأزهريون أن بإمكانهم التغيير، والإضراب، والتظاهر، والاحتجاج، وأنهم رقم مهمّ في المعادلة السياسية والاجتماعية.

ونضرب لذلك مثلا واحدًا: فقد رفض مفتي الديار المصرية الشيخ المطيعي (ت: 1935) في نقاشات ومحاضر لجنة دستور 1923، مذهب القائلين بأحقيةِ الملك في فرض الأحكام العرفية، متى شاء. ونظّر في ذلك تنظيراً سياسياً صرفاً، يُنبئ عن عُمق فهمه، ومتانته في الفقه الدستوري، وإدراك الواقع السياسي حينئذ.

فمما جاء في كلامه في لجنة المناقشة في أغسطس/آب 1922 “أرى أن يكون للبرلمان وحده الحقّ في إعلان الأحكام العرفية، إذا أصبحت البلاد في خطر حقيقيّ مهددة بثورة داخلية مسلّحة أو إغارة على البلاد من دولة أجنبية. فإذا حصل تهديد البلاد على وجه ما ذكر، في دور انعقاد البرلمان فعليه أن يجتمع من تلقاء نفسه ويعلن الأحكام العرفية. أما إذا كان في غير دور انعقاده فللملك بعد أخذ رأي مجلس الوزراء حق إعلان الأحكام العرفية، في الجهة التي تهددت بالثورة أو وقعت فيها الإغارة، دون غيرها. وعلى البرلمان أن يجتمع من تلقاء نفسه اليومين التاليين لإعلان الأحكام التقرير ما يراه في ذلك..”.

فعمل الشيخ بخيت على فرض كوابح خارجية على القصر، دون الاكتفاء بالداخلية. متمثلة في البرلمان، وعند غيابه الاضطراري يحل محله مؤقتا مجلس الوزراء الذي تهيمن عليه الحكومة المنتخبة، ومن ثمّ لا يمكن للقصر أن ينفرد بزمام الأمور، ويعلن الأحكام العرفية دون حاجة ماسّة وحقيقية إلى إعلانها.

خاتمة.. بين تياري الدستورية والمستبِدَّة

وخلاصةُ القول إنّ التيار الدستوريّ برز في الأزهر منذ نهايات القرن 18، وتأسس في النصف الثاني من القرن 19، ونضجت ثمرته في النصف الأول من القرن العشرين. ونسارعُ القول إنّه لم يكن كل علماء الأزهر مع الدستور، والحكم النيابي، بل كان فريق آخر يناهض الدستور، والبرلمان، باعتباره حكما غربيا بدعيا، أو باعتبار مصالحه المتضررة، وهذا يُذكّرنا بتياري الدستورية والمستبدة، اللذين ظهرا في إيران والعراق بدايات القرن العشرين، ولا تزال آثارهما السياسية والاجتماعية حتى اليوم.

* المصدر: مدونات الجزيرة (https://bit.ly/3YreDNZ).

** محمد الصياد | باحث متخصص في الفقه السياسي الشيعي والسنّي، دكتوراه في الشريعة الإسلامية، له عدد من الكتب، والدراسات العلمية المحكمة

 أجرى هذا الحوار الأستاذ عبد الرحمن أبو مالح في بودكاست فنجان الذي يحقق عددًا كبيرًا من المشاهدات.

وقد تناول الحوار العديد من النقاط المهمة، والتي أوردتها قناة “ثمانية” على اليوتيوب على النحو الآتي:

  • أبرز أعمال وائل حلاق (من الدقيقة 05:36).
  • ما الذي لا نعرفه عن تاريخنا الإسلامي؟ (من الدقيقة 08:15).
  • الفرق بين الاستعمار والاحتلال (من الدقيقة 11:49).
  • كيف تختلف الفتوحات الإسلامية عن الاحتلال؟ (من الدقيقة 19:12).
  • نظرة المستشرقين إلى الشريعة الإسلامية. (من الدقيقة 31:23).
  • تشكّل الشريعة والعلوم الإسلامية (من الدقيقة 40: 47).
  • كيف تطورت الشريعة الإسلامية؟ (من الدقيقة (58:15).
  • أثر التحول من الخلافة الراشدة إلى الدولة الأموية (من الدقيقة 01:23:10).
  • ما معنى أن الإسلام يتكئ على التصوف؟ (من الدقيقة 01:32:24).
  • سبب اختيار الحنفية مذهبًا للعالم الإسلامي (من الدقيقة 01:39:42).
  • أثر اختيار المذهب الواحد (من الدقيقة 01:49 :13).
  • مفهوم الحداثة (من الدقيقة 02:04:00).
  • الإنسان قبل الحداثة وبعدها (من الدقيقة (02:14:31.
  • لماذا الروحانية مخادعة؟ (من الدقيقة 02:21:21).
  • نظرة الإنسان الحداثي إلى الحياة اليوم (من الدقيقة 02:31:51).
  • أثر الحداثة (من الدقيقة (02:48:21.
  • مشكلات الشركات الكبيرة (من الدقيقة (03:04:21.
  • هل الأخلاق تساوي الدين بالضرورة؟ (من الدقيقة (03:13:06.
  • هل كانت الحرية حاضرة في الإسلام؟ (من الدقيقة 03:18:06).
  • المساواة قبل الحداثة (من الدقيقة (03:25:01.
  • أثر الدولة الحديثة على تفكك المجتمع (من الدقيقة (03:33:13.
  • لماذا يستحيل أن يكون هناك دولة إسلامية حديثة؟ (من الدقيقة 03:44:10).
  • ما الحل الذي سيساهم في قيام دولة إسلامية حديثة؟ (من الدقيقة 03:54:53).
  • ما بعد الحلقة: سرقة الغرب من المسلمين (من الدقيقة 04:10:46).

رابط مباشر للحوار على قناتنا: حوارات الشريعة والقانون)

 

صدر هذا الكتاب عن المركز العالمي لأبحاث الاقتصاد العالمي، جامعة الملك عبد العزيز بجدة، ضمن سلسلة المطبوعات بالعربية (5)، في شهر شعبان 1401هـــــ الموافق لشهر يونيو 1981م.

ومما جاء في مقدمة المؤلف:

تقدم العقيدة الإسلامية للمؤمنين بها، ولمن يعيشون تحت ظل حكمها ثلاثة نظم للحياة متكاملة ومترابطة؛ أولها نظام سياسي للحكم وإدارة شؤون الدولة، وثانيها نظام اجتماعي يحكم صلة الأفراد بعضهم ببعض، وثالثها نظام اقتصادي يحكم أنشطة الإنتاج والتوزيع والاستهلاك، وتتصل حلقات تلك الأنظمة الثلاث مع العبادات لتجعل من الإسلام دينًا قويمًا بمعنى كونه نظامًا للحياة.

والنظام الاقتصادي الإسلامي ليس مجتمعيًا (Socialist) بقدر ما هو ليس رأسماليا، ولقد حاول المفكرون المسلمون منذ نجاح المستعمر في تحطيم آخر لبنات الخلافة العثمانية، واستبداله بالمؤسسات الاقتصادية الإسلامية مؤسسات مستوردة يدعمها فكر غريب، حاولوا أن يبينوا بعض أساليب التعامل التي تبعد بالمسلمين عن شبهة الربا قدر الاستطاعة، ولقد نجحت تلك المحاولات في إرساء دعائم المصارف الإسلامية التي تقوم بدور سفينة نوح حاملة بعض الحريصين على دينهم من المسلمين فوق طوفان التعامل الربوي المحرم.

على أن مطلع القرن الخامس عشر الهجري، يجب أن يرتبط بطموح أكبر من ذلك، إذ على المفكرين المسلمين أن يحددوا التفاصيل المؤسسة لنظم الإسلام الثلاثة: السياسية والاجتماعية والاقتصادية لكي يقيموا الإسلام كما أقامه دعاته الأوائل. ويهدف هذا البحث إلى القيام بخطوة متواضعة في هذا السبيل، كمحاولة لتقديم نموذج مقترح لاقتصاد غير ربوي، مركزًا على خصائص الجانب المالي والنقدي لهذا الاقتصاد، وملامح السياسة النقدية فيه.

ويهدف البحث من وراء تقديم هيكل نقدي ومالي مقترح لاقتصاد غير ربوي أن يساهم في توطيد سبيل مناقشة مسألة الربا خاصة والنظام الاقتصادي الإسلامي بصفة عامة؛ حيث يحتاج الاقتصاديون إلى هيكل متفق عليه يمكن الرجوع إليه عند مناقشة المشاكل الاقتصادية، ومقارنة النظام الإسلامي بغيره إذ إن عدم وجود مثل ذلك الهيكل يجعل مثل تلك المناقشات والمقارنات صعبة ومعقدة.

ويتعرض البحث لمحاولة تحديد النظام النقدي والمالي في الاقتصاد اللاربوي بدرجة من التفصيل تسمح بالنظر إلى السوق المالية وتحديد أدواتها، ومقارنة فاعليتها بما تكون عليه الأسواق المالية الموجودة حاليًا في النظم السائدة.

ثم يتعرض البحث للطلب على النقود من خلال النظر في الاستخدامات البديلة لوسائل الدفع في النظامين الربوي واللاربوي، ثم ينتهي إلى محاولة وضع صورة للتوازن في سوقي الاستثمار والنقد في النظام الربوي، لكي تتحدد في النهاية وسائل السياسة النقدية الممكن اتباعها.

واستجابة لرغبات بعض المعلقين فقد أفرد [البحث] بابًا جديدًا عن كيفية الانتقال من النظام الربوي الحالي إلى النظام الإسلامي المقترح.

ولقد كتبت المسودة الأولى لهذا البحث باللغة الانجليزية في منتصف شهر رجب ۱۳٩٩هـــــــ (حزیران ۱۹۷۹م)، ونوقشت في حلقة بحث في ذي القعدة ۱۳۹۹هـــــــ (تشرين الأول ۱۹۷۹م)، وأدت المناقشة إلى تعديلات ظهرت في المسودة الثانية التي تمت في ربيع الأول ١٤٠٠هـــــ (شباط ۱۹۸۹م)، إلا أن المسودة الثانية قد عدلت تعديلات جوهرية في بعض المواضيع وأضيفت إليها تفصیلات جديدة في مواقع أخرى. ولقد قام المركز العالمي لأبحاث الاقتصاد الإسلامي بتقديمها إلى عدد من المراجعين الذين تكرموا بالتعليق عليها، وتمثل الصيغة الحالية لهذا البحث تعديلاً بالحذف والإضافة في تلك المسودة استجابة لما وصل الكاتب من تعليقات.

تقسيمات الدراسة:

  • الباب الأول: مقدمة.
  • الباب الثاني: النظام المالي الإسلامي: الهيكل المصرفي.
  • الباب الثالث: النظام المالي الإسلامي: بيت المال.
  • الباب الرابع: النظام المالي الإسلامي: سوق المال: جانب الطلب والأدوات المالية.
  • الباب الخامس: الطلب على النقود.
  • الباب السادس: التوازن في سوق المال.
  • الباب السابع: السياسة النقدية في الاقتصاد غير الربوي.
  • الباب الثامن: الانتقال من النظام الربوي إلى النظام الإسلامي.

رابط مباشر لتحميل الكتاب

ورقة بحثية للدكتور رمزي الشيخ نُشرت في مجلة الدراسات القانونية والاقتصادية التي تصدر عن كلية الحقوق بجامعة السادات، العدد رقم (1) في المجلد السابع الصادر عام 2021، وجاء مستخلص الورقة كما يلي:
لا مراء أن تحديد مصادر القانون المدنى له أهمية کبيرة، ليس فقط لتحديد القواعد القانونية التى يمکن تطبيقها على وقائع النواع وترتيبتها وبيان أولويتها، بل لفهم القواعد القانونية وتفسيرها وإزالة الغموض الذى يحيط بها.
وإذا کان بعض الفقه يفرق بين مصادر القانون وجوهره ولا يعترف إلا بمدلول واحد للمصدر وهو السبب المنشىء وفقا لمقتضيات مبدأ السببية فإن معظم الفقه يعطى للمصدر معان متعددة أهمها معنيان:

  • المصادر الرسمية: وهى السلطة التى تعطى القواعد القانونية قوتها الملزمة، فالتشريع مصدر رسمى فى حدود اختصاصه أى فى مسائل الأحوال الشخصية والعرف ومبادىء الشريعة الإسلامية.
  • المصادر الرسمية الاحتياطية:
    وهي التي لا يلجأ القاضى إليها إلا عند عدم وجود نص فى التشريع.

وجاءت محتويات الورقة البحثية -التي بلغت (212) صفحة- على النحو الآتي:

  • مقدمة.
  • الفصل الأول: مفهوم مباديء الشريعة الإسلامية:
    المبحث الأول: المفهوم القضائي.
    المبحث الثاني: المفهوم الفقهي والمفهوم المختار.
  • الفصل الثاني: دور مباديء الشريعة الإسلامية كمصدر للقانون المدني:
    المبحث الأول: دور مباديء الشريعة الإسلامية في حالة وجود نص تشريعي.
    المبحث الثاني: دور مباديء الشريعة الإسلامية في حالة انعدام النص التشريعي.
    الخاتمة.

رابط مباشر لتحميل الورقة

 

صدر كتاب مشكلة إصلاح نظام الانتخابات في مصر للدكتور عبد الحميد متولي عن مطبعة دار نشر الثقافة عام 1948هـ، حيث تناول -رحمه الله- العديد من المشاكل التي تتعلق بإصلاح نظام الانتخابات في مصر حينذاك، والتي لا نزال نعاني من مثلها في الوقت الحالي.

ومن المشاكل التي تعرض لها د. متولي في كتابه: مشكلة الناخبين الأميين، طريقة الانتخاب الفردي، مبدأ الأغلبية في الانتخاب ومساوئه، ومزايا الأخذ بنظام التمثيل النسي للأقليات السياسية.، حرمان النساء من الاشتراك في الانتخابات.

ومما جاء في مقدمة المؤلف للكتاب:

إنه وإن تك صفحات هذا الكتاب تنطوي على أفكار صادرة عن العقل أو الفكر العلمي، إلا أنها كذلك -بل وقبل ذلك- تنطوي على مشاعر صادرة عن القلب: ذلك القلب الذي طالما آلمه مشهد تلك الخطوات المتعثرة المترددة التي تخطوها الديموقراطية المصرية الناشئة في ذلك الطريق الذي كادت تسده سدًا تلك الأثقال والعوائق التي ألقيت فيه على يد الجهل بأوليات مبادئ علم السياسة، وعلى يد الأحقاد والأهواء التي بلغ من حدتها وشدتها في نفوس بعض الساسة أن أفقدتهم -حتى في ساعات المحن- روح التعاون، وهي روح النظام البرلماني، إذا ذهبت عنه ذهب أو اضطرب.

كما كان يمزق ذلك القلب ألمًا -بوجه خاص- مشهد تلك المساوئ والمفاسد التي تشوب جو الانتخابات النيابية لدينا، تلك المفاسد التي إذا لم يقض عليها أنصار النظام البرلماني أفسدت على ذلك النظام سيره وحفرت له قبره، وقضت علينا كما تقضي عليه.

أنني ممن يرون بل ويؤمنون، أن إصلاح نظام الانتخاب هو الحجر الأساس في بنيان حركة الاصلاح السياسي في بلادنا، إنه -على حد تعبير الاستاذ بارتلي– “إصلاح الاصلاحات” (C`est la réforme des reformes).

وأننا ما لم نعمد إلى إصلاح التشريع الخاص بنظام الانتخاب، فإن كل كلام عن “حرية الانتخابات”، أو عن الانتخابات باعتبارها “مرآة الرأي العام”، انما هو كلام من طراز تلك العبارات السياسية الفخمة الضخمة ضخامة كبريات الطبول، وقد يجد له مكانًا في عالم بعض العقول، ولكن ليس له في عالم الحقائق مكان.

إننا كثيرًا ما نرى الكثيرين من رجال السياسة، شأنهم في البحث عن حلول لما يعرض لهم من مشاكل -على حد تعبير المثل الفرنسي الطريف– “شأن من يبحث في غرفة مظلمة عن قبعة سوداء غير موجودة بتلك الغرفة”!.. وأنني ممن يؤمنون، أن رسالة رجال الجامعة، هي أن يبعثوا بذلك الضياء الذى ينير تلك الغرفة الظلماء. وتلك الرسالة التي آمنت بها آليت أن أعمل جاهدًا في سبيلها، فإذا قدر لهذه الصفحات أن تعد من الخطوات الموفقة في ذاك السبيل، كان في ذلك أشهى وأبهى لون عندي من ألوان التوفيق، والله الموفق.

تقسيمات الدراسة:

  • مقدمة.
  • كلمة عامة عن أهم مواضع النقد التي توجه إلى نظام الانتخاب في مصر.
  • المشكلة الأولى: مشكلة الناخبين الأميين: أدلة أنصار فكرة حرمان الأميين حق الانتخاب- مبدأ حرمان الأميين ورجال الفقه الدستوري في مصر -مبدأ مساواة الأميين بالمتعلمين وأدلة أنصار ذلك المبدأ- مناقشة تلك الأدلة: مبدأ حرمان الأميين من الانتخاب غير مناف للمبدأ الديموقراطي- مبدأ حرمان الأميين غير مناف لمبدأ المساواة كما قررته الدساتير- التحليل القانوني لطبيعة حق الانتخاب- مسألة نظام الانتخاب (وبيان كيفية تكوين هيئة الناخبين) ليست في جوهرها مشكلة قانونية بل هي مشكلة اجتماعية سياسية- مسألة الأقلية والأغلبية- مسألة كفاءة الأميين وآراء العلماء الغربيين عن كفاءة المتعلمين كناخبين- مزايا قصر الانتخاب على المتعلمين (غير الأميين).
  • المشكلة الثانية: طريقة الانتخاب الفردي: أهم الانتقادات الموجهة إلى طريقة الانتخاب الفردي- نبذة موجزة عن مزايا طريقة الانتخاب بالقائمة وتفنيد الانتقادات الموجهة اليها.
  • المشكلة الثالثة: مبدأ الأغلبية في الانتخاب ومساوئه ومزايا الأخذ بنظام التمثيل النسبي للأقليات السياسية.
  • المشكلة الرابعة: النساء وحرمانهن الاشتراك في الانتخاب: أهم أدلة أنصار مبدأ اشتراك النساء في الانتخاب- تفنيد أهم الانتقادات والأدلة السابقة- الوضع الصحيح للمسألة- بعض اقتراحات بمشروعات قوانين (قدمت في الدورة البرلمانية الأخيرة) لتقرير حق الانتخاب للنساء: اقتراح علي زكي العرابي باشا ومذكرته التفسيرية ومناقشتها- اقتراح محمد علي علوبه باشا، واقتراح أحمد رمزي بك.
  • المشكلة الخامسة: الانتخاب المباشر (أو انتخاب الدرجة الواحدة) وأهم الانتقادات الموجهة إليه- مناقشة تلك الانتقادات.
  • نظام الاستفتاء الشعبي: أهميته كعلاج لمساوئ نظام الانتخاب: نبذة موجزة عن الاستفتاء الشعبي- المواضيع التي يجوز أو لا يجوز اجراء استفتاء فيها– الصور والأحوال التي يمكن أن يدخل بها نظام الاستفتاء في مصر-مزايا نظام الاستفتاء الشعبي- قيمة استفتاء الشعب بشأن أنظمته الدستورية- النظام الاستفتاء الشعبي وآراء أساتذة الفقه الدستوري المصري.
  • كلمة ختامية

رابط مباشر لتحميل الكتاب

© 2018 Your Company. All Rights Reserved. Designed By Tripples