أحالت الحكومة المصرية مشروع قانون جديد للأحوال الشخصية إلى مجلس النواب تمهيدًا لمناقشته ثم إصداره. ويتضمن المشروع ثلاثة أقسام رئيسية، ويبلغ إجمالي مواده (355) مادة، وجاءت عناوين أقسامه وأبوابه على النحو الآتي:
وفيما يلي بعض ما ورد في مواد مشروع القانون الجديد:
أحكام الخطبة وانعقاد الزواج: ينص مشروع القانون على أن سن الثامنة عشرة ميلادية كاملة هو شرط لأهلية الزواج لكلا الجنسين، مع النص على عدم انعقاد زواج المكره والسكران. ويُلزم المقبلين على الزواج بتقديم وثيقة تأمين تضمن للزوجة مبلغًا ماليًا أو نفقة شهرية في حال حدوث الطلاق البائن أو التطليق بحكم نهائي. ويتضمن العقد ملحقًا يُعتبر جزءًا من الوثيقة وله قوة السند التنفيذي، ويتيح للزوجين الاتفاق المسبق على النفقات، وتفويض الزوجة في تطليق نفسها، واشتراط عدم الزواج بأخرى إلا بإذن كتابي. ويقر القانون باستقلال الذمة المالية لكل من الزوجين، مع إعطاء الحق لأي منهما في المطالبة بمقابل الأعباء التي ساهمت في تنمية أموال زوجه الآخر حال الانفصال.
النفقة الزوجية والضمانات المالية: يعتبر القانون نفقة الزوجة دينًا ثابتًا لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء الثابتين بالكتابة. ويمنح لدين النفقة حق "امتياز" يتقدم على جميع ديون الزوج الأخرى. ويُلزم الجهات الحكومية وغير الحكومية بالإفصاح عن الدخل الحقيقي للملزم بالنفقة، شاملًا كافة مستحقاته المالية.
الطلاق والخلع والفرقة: يشترط القانون لترتيب الطلاق لآثاره القانونية والمالية أن يكون الزوج عاقلًا ومختارًا وواعيًا، وأن يتم توثيقه رسميًا أمام المأذون أو الموثق خلال خمسة عشر يومًا، مع التزام الموثق بمحاولة الإصلاح. ويُلزم الزوجين اللذين لم يمض على زواجهما ثلاث سنوات باللجوء إلى قاضي الأمور الوقتية لمحاولة الصلح قبل إيقاع الطلاق أو الإذن برفع دعوى الخلع. وفي دعاوى الخلع، تتنازل الزوجة عن حقوقها المالية الشرعية وترد الصداق، ويكون الحكم الصادر بالتطليق للخلع غير قابل للطعن.
الحضانة، الرؤية، والاستزارة: يجعل المشروع ترتيب مستحقي الحضانة للأم ثم للأب مباشرة، يليهما المحارم من النساء، وينتهي حق الحضانة ببلوغ المحضون خمس عشرة سنة ميلادية يُخير بعدها في البقاء مع من يختاره. ويتضمن نظام "الاستزارة" الذي يمنح الطرف غير الحاضن الحق في اصطحاب المحضون ومبيته معه ليومين منفصلين على الأقل شهريًا. ويجيز تنظيم الرؤية إلكترونيًا. وتكون الولاية التعليمية للحاضن، مع إجازة إثبات النسب بالطرق العلمية.
الولاية على المال والملف الإلكتروني: تكون الولاية على المال للأب ثم للأم مباشرة، ما لم يختر الأب وصيًا. ويجيز القانون الإذن للقاصر بالتعامل في الأوراق المالية المقيدة بالبورصة المصرية بنسبة من أمواله. ويُلزم بإنشاء "ملف إلكتروني مرقمن" للأسرة تودع فيه كافة الدعاوى المتعلقة بها.
العقوبات: ينص القانون على معاقبة كل من يزوج أو يشارك في زواج طفل دون الثامنة عشرة بالحبس والغرامة مع عزل المأذون، ولا تسقط هذه الجريمة بالتقادم. كما يتضمن عقوبات على الحاضن الممتنع عن تنفيذ أحكام الرؤية أو الاستزارة، تصل إلى نقل الحضانة مؤقتًا إلى من يليه، أو إسقاطها إذا تكرر الامتناع.
تحميل ملف مشروع قانون الأحوال الشخصية (هنا)
في حوار صحفي له مع موقع "تحيا مصر"؛ طرح النائب محمد طه عليوة -رئيس الهيئة البرلمانية للحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي بمجلس الشيوخ، والمحامي الكبير- رؤيته القانونية والمجتمعية لأزمة الخلافات الأسرية في المجتمع المصري، وتقييمه لتأثيراتها السلبية، بالإضافة إلى حزمة المقترحات والحلول التي يرى ضرورة تضمينها في تعديلات قانون الأحوال الشخصية للحد من النزاعات وتسريع إجراءات التقاضي.
جذور الأزمة ودوافع النزاعات الأسرية:
أوضح النائب أن قانون الأحوال الشخصية لا يمثل هاجسًا للأسرة المصرية بشكل عام، بل يقتصر تأثيره المباشر على الأسر التي تعاني بالفعل من تفكك ونزاعات. وأشار إلى أن الضغوط الاقتصادية المتمثلة في ارتفاع الأسعار وضيق الحال قد ألقت بظلالها على مؤسسة الزواج؛ فبدلًا من أن يكون الزواج رابطة قائمة على المودة لاستمرار الحياة، تحول إلى ساحة معركة تحكمها الاعتبارات المادية والمصالح الشخصية.
وأكد أن المحاكم المصرية باتت مثقلة بقضايا الأحوال الشخصية التي تمتد لسنوات طويلة، لتنتهي في كثير من الأحيان بتسويات عرفية يتنازل فيها الطرفان عن أجزاء من حقوقهما، باستثناء بعض الحالات المتطرفة التي يسعى فيها أحد الطرفين لتدمير الآخر بدافع الانتقام. كما أشار إلى إشكالية الطلاق الشفوي، مؤكدًا دعمه للتوجه الصائب نحو ضرورة التوثيق الرسمي للطلاق لحسم النزاعات المتعلقة بإثباته.
الأطفال كضحايا للصراع الأسري:
على الجانب الإنساني والنفسي للأزمة؛ شدد النائب على أن البالغين قادرون على تحمل تبعات قراراتهم وصراعاتهم، لكن الكارثة الحقيقية تقع على الأطفال. فعندما يتخذ الأبوان من الأبناء أداة للضغط وساحة لتصفية الحسابات، ينشأ جيل مشوه نفسيًا ومليء بالخوف. وحذر من أن هذه البيئة المشحونة بالصراعات الحادة تدمر نفوس الأطفال وتغتال براءتهم، مشددًا على أن الهدف الأسمى لأي تعديل تشريعي يجب أن يكون حماية هؤلاء الأطفال ومنع الكبار من تسوية خلافاتهم على حساب استقرارهم النفسي.
مقترح "صندوق الأسرة" لتسريع تنفيذ النفقات:
فيما يتعلق بالجانب المالي وإطالة أمد التقاضي، طرح النائب مقترحًا عمليًا لمعالجة أزمة تأخر تنفيذ أحكام النفقات. يتمثل المقترح في إنشاء جهة مختصة أو "صندوق للأسرة" يتولى مهمة التنفيذ الفوري لأحكام النفقة بمجرد صدورها من محكمة أول درجة، دون انتظار درجات الاستئناف لتكون بقوة الأحكام المستعجلة.
وبموجب هذا المقترح، يقوم الصندوق بدفع النفقات المستحقة للزوجة والأطفال بناءً على تقدير دخل الزوج، ثم يتولى هو ملاحقة الزوج قانونيًا لتحصيل هذه الأموال. كما تضمن المقترح ضرورة توفير "حد أدنى للنفقة" تلتزم به الدولة من خلال ميزانية مخصصة لذلك، لضمان حياة كريمة للأسر في حال إثبات عجز الزوج عن الدفع أو تعثر الصندوق في التحصيل، باعتبار ذلك مسألة أمن وسلام اجتماعي.
الاستضافة والرؤية وحضانة الأطفال:
تطرق النائب إلى مسألة الرؤية المعمول بها حاليًا في مراكز الشباب والنوادي، معتبرًا إياها غير كافية. ودعا إلى تطبيق نظام "الاستضافة" ليكون أكثر إنسانية، بحيث يُمنح الأب الحق في استضافة أبنائه في منزله بدلًا من حرمانه منهم أو لجوء البعض لطرق غير قانونية كالخطف.
وعلى صعيد الحضانة، أقر النائب د. عليوة بأن الأمومة وظيفة فطرية تجعل المرأة -أو من يحل محلها من النساء- هي الأقدر والأكثر حنانًا لرعاية الطفل في مراحله الأولى. ولكنه فتح باب النقاش حول جدوى وملاءمة انتقال الحضانة للأب في مراحل عمرية معينة، متسائلًا عن مدى قدرة الآباء الفعلية على القيام بهذا الدور الرعائي، ومؤكدًا أن الطفل في سن معينة يحتاج إلى الاقتداء بالأب.
التوعية والاتفاقات الاستباقية في قسيمة الزواج:
اختتم النائب رؤيته بالتأكيد على أهمية الخطوات الاستباقية لمنع النزاعات قبل وقوعها. وأشار إلى مشروع سابق عُرف بـ "قانون المأذونين"، والذي كان يهدف إلى تضمين قسيمة الزواج بنودًا واضحة يتفق عليها الزوجان مسبقًا قبل إتمام العقد. تشمل هذه البنود: تحديد من يملك حق إيقاع الطلاق، وهل يحق للزوجة تطليق نفسها، بالإضافة إلى حسم الخلاف حول قائمة المنقولات، وتحديد صاحب الحق في مسكن الزوجية وحضانة الأطفال عند الانفصال. وأكد أن هذه الاشتراطات لا تخالف الشريعة الإسلامية، وأن الاتفاق عليها مسبقًا، إلى جانب تكثيف دورات التوعية للمقبلين على الزواج، سيساهم بشكل كبير في تقليل النزاعات المستقبلية وتخفيف العبء عن كاهل المحاكم.
لمشاهدة الحوار كاملا (هنا)
لتحميل مشروع قانون الأحوال الشخصية (هنا)
إدوارد لامبير (22 مايو 1866-25 أكتوبر 1947) فقيه وقانوني فرنسي، وهو أحد رواد القانون المقارن في النصف الأول من القرن العشرين.
نال لامبير درجة الدكتوراه في القانون من باريس عام 1893، وبدأ مساره الأكاديمي في جامعة ليون التي ارتبط بها على نحو وثيق عام 1896، وبعدها سافر إلى مصر حيث شغل منصب عميد مدرسة الحقوق الخديوية في الفترة من (أكتوبر 1906 حتى يونيو 1907) ويعود السبب في رحيله إلى نشوب خلاف بينه وبين بعض البريطانيين، وقد تبعه جمهرة من الدارسين المصريين الذين أسس من أجلهم الشعبة الشرقية بعد أشهر قلائل من مغادرته القاهرة وتحديدا في نوفمبر عام 1907، وذلك قبل تأسيس معهد ليون للقانون المقارن عام 1921.
الشعبة الشرقية للدراسات القانونية والاجتماعية
كان الغرض من إنشاء الشعبة الشرقية كما صرح لامبير -في محاضرة له بالقاهرة عام 1937- "توجيه أعضائها في محاولة الملائمة بين حاجات بلادهم الخاصة وبين المعارف القانونية والاجتماعية التي يحصلونها في أوروبا، وتمكينهم من إتمام الدراسات النظرية في القانون والعلوم الاجتماعية بمشاهدة أسباب الحضارة الفرنسية وهي تباشر وظيفتها"[1].
ومن خلال هذه الشعبة التي ضمت نخبة متميزة من الطلاب القانونيين أمثال: عبد الرزاق السنهوري وعبد السلام ذهني ومحمد فهمي صادق ومحمود فتحي وغيرهم، وجه لامبير جهوده والكثير من طاقته من أجل القيام بالإشراف على رسائل هؤلاء الشبان، حتى إنه توقف تماما عن التصنيف خلال الفترة من عام (1907-1914م) لصالح الاشتغال بإصدار أعمال الدارسين الشبان.
كان تأثير لامبير في هؤلاء الدارسين كبيرا ومن خلالهم جاء التأثير الأكبر له في الفكر القانوني المصري، فقد اشتغل رفقة السنهوري في مراجعة القانون المدني المصري، كما كان وراء فكرة تضمين الشريعة في مؤتمر لاهاي للقانون المقارن عام 1932 وتعيين السنهوري عضوا به[2].
اعتقد لامبير أن الشريعة الإسلامية يمكن تضمينها داخل قانون عالمي أوسع، لن تكون فيه معايير الشريعة بالضرورة هي صاحبة المركز الأول في التأثير، لكنها ستكون في مركز متساو مع الأنظمة القانونية الأخرى، التي يمكنها الاستفادة من بعض المميزات التي تتمتع بها الشريعة.
إسهاماته على صعيد القانون المقارن
وبينما ارتبط اسم لامبير في الشرق بمحاولاته لتضمين الشريعة ضمن القانون العالمي ارتبط اسمه في الغرب بتطوير القانون المقارن ويتمثل ذلك في:
مصنفاته
وضع لامبير عددًا من المصنفات القانونية منها: "الاشتراط لمصلحة الغير في القانون الروماني والقانون الفرنسي"، وهو أطروحته للدكتوراه، وتعد من الأعمال التأسيسية التي بحثت في جذور العقود والالتزامات، وقد انعكس هذا الاهتمام لاحقا في إسهاماته في صياغة القوانين المدنية المختلفة، ومنها "دراسة القانون العام التشريعي: وظيفة القانون المدني المقارن" الصادر عام 1903، وهو أضخم أعماله -يربو على 900 صفحة-، بسط خلاله رؤيته حول دور القانون المقارن كأداة لاكتشاف "القانون الحي" والقواعد المشتركة بين الأمم. ومنها "حكومة القضاة والنضال ضد التشريع الاجتماعي في الولايات المتحدة" الصادر عام 1921، وصك خلاله مفهوم "حكومة القضاة" منتقدا تغول السلطة القضائية على الإرادة الشعبية. ويضاف إلى ذلك إشرافه على ترجمة القوانين السوفيتية (القانون المدني، قانون العمل، الأسرة).
وله كذلك كتابات أخرى متعلقة بمصر والشريعة ومنها تقرير حول مدرسة الحقوق الخديوية كتبه إبان إدارته للمدرسة في القاهرة (1906-1907)، وتناول فيه رؤيته لتطوير التعليم القانوني في مصر وحماية الشريعة الإسلامية من طغيان الأنظمة القانونية الوافدة. وكتاب "الشعبة الشرقية للدراسات القانونية والاجتماعية"، الصادر عام 1910، وهو يستعرض أهداف الشعبة ومناهجها، وقد أشار إليه في محاضرته لطلبة كلية الحقوق بالقاهرة عام 1937.
[1] انظر نص محاضرة لامبير في: محمد إبراهيم طاجن، أثر مدرسة الحقوق الخديوية في تطوير الدراسات الفقهية، مركز نهوض للدراسات والنشر، 2020، ص 609.
[2] ليونارد وود، إحياء التشريع الإسلامي، ترجمة بدر الدين مصطفى، مركز نهوض للدراسات والنشر، ص 227-229.
[3] إدوارد لامبير: رائد القانون المقارن وعلم اجتماع القانون، https://n9.cl/9tku2.
الشيخ محمد العباسي المهدي الحفني الحنفي (1244 -1315ه/ 1828-1897) هو أحد رجال الشريعة البارزين في مصر خلال القرن التاسع عشر، تبوأ منصب مفتي المحروسة (مفتي الديار) طيلة نصف قرن تقريبا، واستطاع من خلال منصبه أن يشارك في عملية التشريع حيث كانت تُعرض عليه كثير من مشروعات القوانين لإبداء الرأي، كما كانت المحاكم المصرية ترفع إليه الدعاوى للتصديق على الأحكام إما بالموافقة أو التعديل، ولذا يعد مصنفه (الفتاوى المهدية) أهم موسوعة فقهية قانونية خلال القرن، علاوة على مشاركته في اختيار القضاة والمفتين في أنحاء القطر.
سيرته الذاتية
ولد الشيخ محمد العباسي المهدي في الاسكندرية عام 1244ه/1828م لأسرة معروفة مشهود لها بالعلم والثراء، كان جده محمد المهدي الحفني قبطيا وأسلم في صباه، ودرس بالأزهر وصار شيخا من شيوخه المعدودين، وتقرب من الأمراء والكبراء ومنحوه التزامات عديدة في البحيرة والمنوفية والجيزة وحصَّل من ذلك ثروة طائلة، وذاع صيته مع قدوم الحملة الفرنسية لحسن علاقاته بالفرنسيين وعاش مكرما في عهد محمد علي، ورغم شهرته العلمية لم يترك مؤلفات علمية لانهماكه في تحصيل أموال التزامه وتداخله في الدعاوى والفتاوى[1] أما الأب محمد أمين المهدي فقد درس العلم بالأزهر وتولى إفتاء الديار المصرية حتى وفاته عام 1247 ه/ 1831م.
نشأ الشيخ المهدي في ظل هذه الأسرة التي جمعت بين الثراء والنفوذ المعنوي وتأهلت بذلك للارتباط بعلاقات مباشرة مع الأسرة العلوية الحاكمة ومع بعض النخب التركية الحاكمة، وقد انعكس ذلك على حياة الطفل العباسي المهدي الذي رحل أبوه وهو في الثالثة من عمره فلم يكابد الفاقة أو الحرمان؛ فقد تعهدته الأسرة بالرعاية وشرع في حفظ القرآن ثم حضر القاهرة عام 1255ه فأتم حفظ القرآن بها، وفي العام التالي جلس لتلقي العلم وكان من شيوخه: إبراهيم السقا الشافعي وخليل الرشيدي الحنفي والبلتاني الحنفي، ولم يتم دراسته حتى فاجأه قرار تعيينه مفتيا للديار المصرية عام 1264 ه/1848 م ولم يتجاوز الحادية والعشرين من عمره في ظل وجود من يفوقه سنا وعلما، إذ جاء تعيينه بناء على توصية من عارف بك شيخ الإسلام في استانبول الذي ولي قضاء مصر من قبل حين اقترح على ابراهيم نجل محمد علي تعيين أحد أنجال الشيخ أمين المهدي في منصب والده، حيث شغله لمدة نصف قرن مع انقطاعات يسيرة حتى وفاته 1311ه/1893م.
كان على الشيخ المهدي استكمال تكوينه الشرعي ونهض بعبء هذه المهمة بنفسه فجلس في بيته يطالع الكتب الفقهية المعتمدة في الفقه الحنفي حتى نال من الدراسات الفقهية نصيبا وافرا، فلم تحفظ عليه بادرة خطأ أو مخالفة للشرع وهو ما يعزوه أحمد تيمور إلى "أنه تولاه وهو صغير والعيون شاخصة إليه فكان لا يفتي فتوى إلا بعد المراجعة والتدقيق والتعب الكثير فحصلت له بذلك ملكة فيه حتى صار معدوم النظير، لا يجاريه مجار في هذا المضمار"[2].
وقد شاع عن الشيخ المهدي أنه لا يفتي إلا بالأقوال المعتمدة في المذهب الحنفي، ولا يخضع في فتواه لإكراهات الحكام والسياسة، إذ لم يستجب لرغبة الخديوي إسماعيل في اصدار فتوى تجيز له الاستيلاء على الأوقاف الأهلية، ولم يخضع لإكراهات أحمد عرابي للتوقيع على فتوى تجيز عزل الخديوي توفيق رغم إلحاح العرابيين مرة تلو أخرى فما كان منه إلا أن قال إنه لا يوقع بيده ولكن لهم أن يأخذوا خاتمه ليوقعوا بدله إن كانت المسألة غصبا، فأسقط في أيديهم وتولوا عنه"[3].
تسمح لنا هذه المواقف بالاستنتاج أن المهدي تمتع بشخصية قوية وأنه مارس عمله باستقلالية ونزاهة، وهو ما أكسبه احترامًا ونفوذا بين العام والخاص، فكانت فتاواه محط احترام ورأيه هو الرأي الفصل في المسألة، ولم يُعرف أن أحدهم اتهمه قط بالميل إلى الخصم أو بتلقي رشوة لتعيين أحد القضاة أو المفتين في منصبه.
مصنفاته
تعد الفتاوى المهدية العمل الفقهي الأبرز للشيخ المهدي*، وله رسالتان أخريان؛ الأولى: "الصفوة المهدية في إرصاد الأراضي المصرية" وهي رسالة قصيرة وجهها لسعيد باشا أفاد فيها بعدم جواز إبطال الإرصاد (الوقف) على الأراضي وقد ضمنها ضمن الفتاوى المهدية، والثانية "رسالة في تحقيق ما اشتهر من التلفيق احتيالا لمنع وقوع الطلاق الثلاث" وهي موجودة ضمن المكتبة الأزهرية.
تقع الفتاوى المهدية في سبع مجلدات ضخام ويصل عدد الفتاوى بها إلى قرابة 13500 فتوى، وقد اختارها المهدي للنشر من بين الفتاوى التي رفعت إليه خلال الفترة من (1264-1304ه/ 1848-1886م)، وهي أهم موسوعة فقهية قضائية مصرية في القرن التاسع، إذ ضمت ألوفا من الدعاوى التي رفعت إلى المهدي من المحاكم المصرية لإبداء الرأي، ولذلك حظيت الفتاوى باهتمام الدارسين مثل: رودلف بيترز، جوديث تاكر، كينيث كونو وغيرهم.
منهجه في الإفتاء
اتسم منهج المهدي الإفتائي بعدد من الخصائص المميزة في مقدمتها: إثبات تاريخ الفتوى على الهامش وترتيب الفصل من الأقدم إلى الأحدث، وعدم اللجوء إلى الشواهد الدينية من آيات قرآنية وأحاديث نبوية، وعدم إثقال الفتوى بالنصوص الفقهية إلا في حالة ما إذا تطلب الجواب دعما فقهيًا أو توضيحا، واقتصر الجواب على الحكم الشرعي في المسألة، كما بدا حريصًا على التثبت من صحة السؤال حتى أنه كان يسأل عن صحة واقعة السؤال، وربما استعلم عن بعض المعلومات التي يتضمنها السؤال رغم أنه مهمته تنحصر -شرعًا وقانونًا- في الإجابة عن السؤال المرفوع إليه.
واستخدم المهدي في تدوين الفتاوى لغة فقهية قانونية منضبطة ولم يستخدم لغة الإدارة المشبعة بالعامية، وهذه اللغة المنضبطة ساعدته في حجب آرائه الذاتية ومنعها من التسلل إلى النص الإفتائي، فلم يعلق على أي فتوى إلا نادرا وفي صورة توجيه عام وليس شخصي.
إسهامه في تنقيح كتاب (مرشد الحيران)
وإلى جوار الفتاوى المهدية اضطلع المهدي -بمساعدة الشيخ حسونة النواوي- بمهمة مراجعة كتاب (مرشد الحيران في معرفة أحوال الإنسان) بعد وفاة قدري باشا، ويبدو أن المهدي والنواوي بذلا جهدا كبيرا تراوح بين التغيير والإصلاح والتطبيق طبقا لما عليه العمل في المذهب الحنفي، والإحالة المرجعية في الهامش إلى المصادر الفقهية لكل مادة من مواد القانون البالغ عددها 941 مادة، وانفرد المهدي بوضع فهرست للكتاب ومراجعة نسخ الكتاب المتعددة ومطابقتها للنسخة الأصلية بعد تبيضها، وكان هذا العمل من الضخامة بحيث استغرق قرابة عام حتى صدر الكتاب عام 1308ه/ 1891م[4]. وهذه التعديلات والتصويبات التي أدخلها الشيخان وما أنفقاه من وقت يفهم منه أن محاولة قدري باشا لم تكن مكتملة من الناحية الشرعية وأنهما يعدان شريكان في محاولة التقنين ولو بالمراجعة والتصويب[5].
ظل الشيخ يمارس عمله الإفتائي حتى أصيب بالشلل ومكث في منزله فترة قصيرة إلى أن توفي عام 1897.
[1] الجبرتي، عجائب الآثار في التراجم والأخبار، ج4، ص 372.
[2] أحمد تيمور، تراجم أعيان القرن الثالث عشر، دون تاريخ، ص 77.
[3] نفس المرجع السابق، ص72-78.
* لم يذكر ابنه في ترجمته سوى هذا العمل، فضلا عن أن المؤرخ رودلف بيترز أحد أهم المؤرخين لسيرة العباسي المهدي لم يثبت له سوى هذا العمل.
[4] محمد قدري باشا، مرشد الحيران إلى معرفة أحوال الإنسان في المعاملات الشرعية على مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان، القاهرة: المطبعة الكبرى الأميرية، 1308ه/1891م، ط2، ص 2-7.
[5] فاطمة حافظ، الفتوى والحداثة: تطور علاقة الدولة بالشريعة في مصر القرن التاسع عشر، مركز نماء للبحوث والدراسات، ص 126.
صدرت حديثًا الطبعة الثالثة المزيدة والمنقحة من "الموسوعة القضائية العسكرية"، من تأليف المستشار فؤاد أحمد عامر، القاضي السابق بالمحاكم العسكرية، لتمثل مرجعًا قانونيًا شاملًا يغطي تفرعات القضاء المدني، والعمالي، والجنائي، والإداري، والدستوري في سياق القضاء العسكري. وتأتي هذه الطبعة لتعزز ما قدمه المؤلف في طبعات سابقة بدأت بمجلد واحد ثم تطورت لتشمل ثلاثة مجلدات؛ حيث استهدف الكاتب من خلالها تقديم يد العون لرجال القضاء والمحامين والموظفين والضباط وكل مهتم بالثقافة القانونية العسكرية.
تتألف الموسوعة من ثلاثة مجلدات ضخمة، حيث يركز المجلد الأول بشكل مكثف على شرح موضوعات قانون القضاء العسكري وتطبيقاته العملية، بينما يتناول المجلدان الثاني والثالث جرائم التجنيد وأسباب البراءة فيها، مع استعراض مستفيض للمبادئ القانونية الصادرة عن المحاكم العليا. وقد حرص المؤلف في هذه النسخة على تحري الدقة واستهلاك غاية الجهد لتخرج الموسوعة في أبهى صورها العلمية، متبعًا منهجًا يجمع بين الشرح الفقهي وتأصيل المبادئ القضائية.
ونظرًا لارتفاع تكاليف الطباعة الورقية والمواد الخام، أعلن المؤلف عن إتاحة هذه الموسوعة إلكترونيًا عبر موقع "أمازون" لضمان وصولها إلى أكبر عدد من القراء بسعر ميسر، كما وفر خيار الحصول عليها مطبوعة على أسطوانة مدمجة (CD) للتواصل المباشر، مما يعكس مرونة في النشر تتماشى مع المتغيرات الاقتصادية والتقنية الحالية. وتعد هذه الموسوعة إضافة نوعية للمكتبة القانونية، حيث تجمع بين دفتيها شرحًا وافيًا للقوانين مدعومًا بأحدث أحكام محكمة النقض والمحكمة الدستورية العليا والإدارية العليا.
فهرس الموسوعة القضائية العسكرية
المجلد الأول: قانون القضاء العسكري
المجلد الثاني والثالث: التجنيد والمبادئ القانونية للخدمة العسكرية
في خطوة تشريعية تثير الكثير من الجدل على الساحتين القانونية والحقوقية، صادق الكنيست الإسرائيلي مؤخرًا على قانون جديد ينص على تطبيق عقوبة الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين. يأتي هذا التطور في ظل سياق سياسي وأمني معقد، حيث يطرح القانون تساؤلات جوهرية حول مدى توافقه مع مبادئ القانون الدولي الإنساني، وحقوق الإنسان، فضلًا عن التداعيات القانونية والشرعية لمثل هذه التشريعات التي تتسم بطابع التمييز في تطبيق العقوبة.
تفاصيل إقرار القانون وتوقيته:
في يوم 30 مارس/آذار 2026، والذي تزامن مع إحياء ذكرى "يوم الأرض"، صادقت الهيئة العامة للكنيست الإسرائيلي بالقراءتين الثانية والثالثة على مشروع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين. وقد حظي القانون بتأييد 62 عضوًا مقابل معارضة 47 عضوًا، وجاء هذا الإقرار بدعم مباشر من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. يعكس هذا التصويت توجهًا تصعيديًا في السياسة التشريعية الجنائية المتبعة تجاه الفلسطينيين.
أبرز بنود القانون:
ينطوي القانون على أحكام صارمة ومقيدة، من أبرزها:
الطابع التمييزي وإشكالية الازدواجية القانونية:
من الناحية القانونية المحضة، يُعد الطابع التمييزي لهذا التشريع من أبرز الإشكاليات التي تواجهه؛ فالقانون مصمم ليُطبق حصرًا في المحاكم العسكرية الإسرائيلية التي يخضع لها الفلسطينيون من سكان الضفة الغربية، في حين يُستثنى المستوطنون الإسرائيليون المقيمون في نفس النطاق الجغرافي من هذه الأحكام (إذ يخضعون للقانون المدني الإسرائيلي). هذا التمييز على أساس الانتماء القومي أو الإثني دفع العديد من المنظمات الحقوقية إلى تصنيف هذا القانون كتشريع "عنصري" يكرس نظامًا قانونيًا مزدوجًا، وهو ما يتعارض بشكل صارخ مع الاتفاقيات الدولية، لا سيما اتفاقية جنيف الرابعة والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
الردود الحقوقية والدولية:
أثار القانون موجة من الإدانات على المستويات المحلية والإقليمية والدولية:
أولًا: المنظمات الحقوقية والقانونية داخل فلسطين المحتلة
ثانيًا: المنظمات الحقوقية الدولية الطوعية
ثالثًا: المواقف الرسمية والأممية (المجتمع الدولي)
يمثل هذا القانون انتهاك للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (ICCPR)، والذي ينص بالمادة (6) على أن الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان. وعلى الرغم من أن العهد لم يلغِ الإعدام تمامًا، إلا أنه اشترط أن يُحكم به في "أشد الجرائم خطورة" ووفقًا لـ "محاكمة عادلة". وبما أن المحاكم العسكرية للاحتلال تفتقر لمعايير الاستقلالية والحياد، فإن أي إعدام يصدر عنها يُعد "حرمانًا تعسفيًا من الحياة". كما أنه يمثل استغلال القانون كأداة للردع السياسي فالعقوبات يجب أن تهدف إلى الإصلاح والعدالة، لكن هذا القانون صيغ، باعتراف السياسيين الإسرائيليين أنفسهم، لتحقيق "الردع" و"الانتقام السياسى"، وهو ما يُخرج القانون من إطاره العدلي إلى إطار التوظيف الأمني القمعي. إن إقرار الكنيست لقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين يمثل منعطفًا خطيرًا في مسار التشريعات الإسرائيلية المتعلقة بالفلسطينيين. فهو لا يثير فقط إشكاليات تتعلق بانتهاك الحق في الحياة، بل يضرب في صميم مبدأ "المساواة أمام القانون". ويبقى رهان البعض في المرحلة المقبلة على التحركات القانونية أمام المحاكم العليا، والضغط الحقوقي والدولي لوقف تنفيذ هذا التشريع الذي يُنذر بتبعات إنسانية وقانونية بالغة الخطورة، غير أن الأحداث أثبتت منذ نشأة هذا الكيان (المحتل/المختل) حتى الآن، أنه لا رهان حقيقي إلا على المقاومة واستخدام القوة المشروعة من منظور الشرع والقانون في كبح جماح ووحشية الاحتلال ومنعه من تنفيذ تلك الجرائم التي يخجل منها قانون الغاب، ناهيك عن قوانين العدالة بين البشر!
المصادر:
هناك تساؤل، أو بالأحرى شبهة، تواجه شبابنا، وتثير في أذهانهم ما يشككهم في حاجة الناس اليوم إلى شريعة الإسلام وفقهها وأحكامها. هذا التساؤل هو: كيف تطالبوننا بربط التشريعات الحديثة بالقرآن والسنة، واعتمادهما كمرجعية لمسيرة الاجتماع الإسلامي المعاصر، رغم تطاول الأزمان والآباد، ورغم بُعد العهد بنزول هذه التشريعات وانقضائها وانقضاء زمنها؟ وكيف يمكن لنظام اجتماعي مضى عليه اليوم أكثر من أربعة عشر قرنًا أن يعالج مشكلات عصرنا الحديث وأسلوب حياتنا المعاصرة، وبينها وبين العصر الأول ما بين المشرق والمغرب؟
إن هذا الاعتراض وأشباهه يمكن دحضه بأكثر من وجه:
أولًا: ليس صحيحًا أن تشريعات القرآن والسنة طبقها المسلمون الأوائل على مدى عصر أو عصرين بعد ظهور الإسلام، ثم تركها المسلمون بعد ذلك وراء ظهورهم، وراحوا يبحثون عن تشريعات أخرى يستوردونها من الفرس أو الرومان أو الهنود، فهذا ما يكذبه واقع الأمة الإسلامية وتاريخها الذي يعرفه أعداؤها قبل أنصارها.
ثانيًا: إن الصحيح في هذه القضية، هو أن فقه هذه الأمة وتشريعاته الإنسانية العميقة في مجال الثوابت والمتغيرات، هذا الفقه بهاتين الميزتين المعجزتين، كان من وراء قوة هذه الأمة وصمودها واستمرارها عزيزة الجانب بين الأمم والشعوب إلى ما قبل قرنين من الزمان، وتحديدًا مع بداية الحملة الفرنسية، وما تلاها من حملات الغرب الظاهرة والمستترة والمستمرة حتى يوم الناس هذا.
ثالثًا: نذكر هؤلاء الساخرين من فقهنا وشريعتنا وجملة تراثنا بأن يقرؤوا تاريخ فتوحات المسلمين، ويقفوا عند أبرز محطاته؛ ليعلموا أن المسلمين طووا تحت جناحهم أعظم وأعتى دولتين في الشرق في تاريخ العصور الوسطى، وانتصروا عليهما انتصارًا حاسمًا، وهما: دولة الروم البيزنطية في معركة اليرموك عام خمسة عشر من الهجرة، ودولة الفرس في معركة القادسية في نفس العام، أي بعد انتقال النبي صلى الله عليه وسلم بأربع سنوات فقط. ولم يمض عام واحد بعد ذلك حتى تسلم المسلمون بيت المقدس، ثم انكشفت للمسلمين بعد ذلك أراضي العراق والشام وإيران وأرمينيا وأذربيجان وبلاد الأندلس وأفريقيا، مشرقها ومغربها، وإندونيسيا والصين وغيرها. فهل فتح المسلمون هذه البلاد وبقوا فيها حتى اليوم بشريعة منتهية الصلاحية كما يقولون؟ أو الصحيح أن يقال إن شريعتهم كانت، إلى عهد قريب، هي المصدر الذي يمدهم بالثبات والصمود حتى وهم في أحلك عصورهم ضعفًا وتيهًا وهوانًا على الأمم؟
إن المشكلة، أيها المشاهدون الكرام، ليست في الفقه ولا في الشريعة، وإنما هي في الكسل الذي أصيبت به أمتنا، والتشرذم الفكري والثقافي، بل العجز عن استثمار المخزون المعرفي في أعظم تراث تعرفه البشرية على وجه الأرض، وانتقاء ما يصلح منه لمعالجة قضايانا المعاصرة، والبناء على أصوله ومبادئه في إطار قاعدة الثابت والمتغير التي جاء بها القرآن الكريم وبيَّنتها السنة المشرفة.
هذا، وبالله التوفيق، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محكمــــة النقــــض
الدائــــــرة المـــدنيـــة
دائرة الخميس (ج)
محضر جلسة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
برئاسة السيد القاضي/ شريـــــــــف ســـــــلام "نائـــــــب رئيس المحكمة"
وعضويـــــة السادة القضاة/ خالــــــد مصطفـــــــى، وائـــــــل قنديـــــــــــــل حمــــــدي طاهــــــــــر وعـــــــــلاء الزهيـــــــري
"نـواب رئيس المحكمــــــــة"
وبحضور أمين السر السيد/ أشرف مصطفى.
في الجلسة المنعقدة بمقر المحكمة بدار القضاء العالي بمدينة القاهرة.
في يوم الخميس 23 من جمادى الأولى سنة 1445هـ الموافق 7 من ديسمبر سنة 2023م
أصدرت القرار الآتي:
في الطعن المقيد بجدول المحكمة برقم 11213 لسنة 89 ق.
المرفوع من
السيدة/ ..................................
المقيمة في/ ..................................
ضد
1- السيدة/ ..................................
2- السيدة/ ..................................
المقيمان في/ ..................................
3 ورثة/ .................................. وهم:
أ- السيد/ ..................................
ب السيدة/ ..................................
ت - السيدة/ ..................................
ث - السيدة/ ..................................
4- ورثة/ .................................. وهو:
السيد/ .................................. عن نفسه وبصفته ولى طبيعي على ولديه ..................................
5- ورثة/ .................................. وهم:
أ- السيد/ ..................................
ب - السيد/ ..................................
ت السيدة/ ..................................
ث - السيدة/ ..................................
المقيمون في/ ..................................
6- ورثة/ .................................. وهم:
أ- السيد/ ..................................
ب - السيد/ ..................................
ت - السيدة/ ..................................
المقيمون في/ ..................................
ث - السيد/ ..................................
المقيم في/ ..................................
المحكمـــــــة
بعد الاطلاع على الأوراق والمداولة:
لما كان من المقرر -في قضاء هذه المحكمة- أن النص في المادة 970 من القانون المدني في فقرتها الأولى على أنه (في جميع الأحوال لا تكسب حقوق الإرث بالتقادم إلا إذا دامت الحيازة مدة ثلاث وثلاثين سنة) مفاده -وفقًا لما استقر عليه قضاء هذه المحكمة- أن حق الإرث يسقط بمضي ثلاث وثلاثين سنة، فلا يجوز سماع دعوى المطالبة به متى أنكره الورثة؛ لأن التركة ليست شيئًا ماديًا ترد عليه الحيازة، وإنما هي مجموع من الأموال لا تقبل أن تكون محلًا لها. وعلى ذلك فإن إعمال هذا النص في خصوص حق الإرث مقصور على سقوط الحق في الدعوى عند الإنكار وسريان قواعد التقادم المسقط لا المكسب، وليس في القانون ما يحرم الوارث أن يتملك بالتقادم نصيب غيره من الورثة متى استوفى الشرائط الواجبة في القانون.
لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه أقام قضاءه برفض الدعوى على ما أورده بمدوناته "أن المستأنفتين لم تقيما أية دعوى للمطالبة بحقهما في الإرث لكي يتم دفعها بسقوط حقهما فيه أو بعدم جواز سماعها كما أن المستأنف ضدهم ليسوا هم كل الورثة ... المستحقين للتركة/ [تم حجب الاسم] حتى يمكن القول أن كل الورثة أنكروا على المستأنفتين حقهما في تركة مورثهما؛ إذ من الجائز أن يقر باقي الورثة بحق المستأنفتين في التركة لا سيما وأن مجرد ترك عقار للتداعي أو إهماله -إن كان- مهما طال الزمن من غير أن يتعرض له أحد أو يغتـصبه وينكر حق المستأنفتين فيه لا يترتب عليه البتة -لا في الشريعة الإسلامية ولا في غيرها من الشرائع- لا سقوط حق ملكيته ولا منع سماع الدعوى به لو تعرض لها متعرض بعد زمن الإهمال المديد"؛ فإن هذا الذي أوردته المحكمة إن هو إلا إنزال لحكم القانون الصحيح على واقع الدعوى ويكون النعي في هذا الخصوص على حكمها بالوجه الثاني من السبب الأول والسبب الثاني على غير أساس.
ولما كانت الأوراق قد خلت مما يدل على سبق تمسك الطاعنة ببطلان إعلان تصحيح شكل الاستئناف أمام محكمة الموضوع ولم تقدم الدليل على تمسكها بهذا الدفع أو محاضر جلسات الاستئناف، فلا يجوز لها التمسك به لأول مرة أمام محكمة النقض ويكون النعي بالوجه الأول من السبب الأول عارٍ عن الدليل غير مقبول، ويكون الطعن مقامًا على غير الأسباب المبينة بالمادتين 248، 249 من قانون المرافعات وتأمر المحكمة بعدم قبوله عملًا بالمادة 3/263 من ذات القانون.
لــــــــذلـــــــك
أمرت المحكمة –في غرفة مشورة– بعدم قبول الطعن، وألزمت الطاعنة المصروفات مع مصادرة الكفالة.
أمين السر نائب رئيس المحكمة
كشفت وثائق أفرجت عنها وزارة العدل الأمريكية مؤخرًا عن مراسلات إلكترونية تعود لعام 2016، تُظهر محاولة الملياردير الأمريكي الراحل جيفري إبستين الترويج لمشروع مالي غريب، يقوم على إطلاق ما أسماه «عملة الشريعة»، في مسعى واضح لجذب استثمارات من «الشرق الأوسط» باستخدام لغة دينية.
وتأتي هذه المراسلات ضمن ملايين الملفات التي نُشرت في إطار الإفراج القانوني عن وثائق مرتبطة بقضية إبستين، لتكشف جانبًا آخر من نشاطه لا يتصل مباشرة بجرائمه الجنائية المعروفة، بل بمحاولاته التسلل إلى عالم المال الرقمي، مستفيدًا من صعود العملات المشفرة والاهتمام المتزايد بالتمويل «المتوافق مع الشريعة».
ماذا اقترح إبستين؟
في رسالة مؤرخة في 13 أكتوبر 2016، ذكر إبستين أنه تحدث مع من أسماهم «بعض مؤسسي البيتكوين»، أثناء عرضه فكرة نظام نقدي مزدوج على جهات اتصال عربية. ويتضمن هذا النظام:
- عملة ورقية تحمل اسم «The Sharia» (الشريعة)، مخصصة للاستخدام في الشرق الأوسط، وتحمل عبارة In God We Trust (نثق بالله)، على غرار الدولار الأمريكي.
- عملة رقمية «متوافقة مع الشريعة»، مبنية على تقنية البلوك تشين، ومرتبطة بشبكة البيتكوين، لتعمل كنظام مكمّل للعملة الورقية.
وادعى إبستين في الرسالة أن مطوري البيتكوين كانوا «متحمسين للغاية» للفكرة، دون أن تتضمن الوثائق أي دليل مستقل يؤكد صحة هذا الادعاء، وهو ما يفتح الباب لاحتمال استخدامه كأداة إقناع وتسويق أمام مستثمرين محتملين.
بيتكوين… وادعاءات بلا دليل
يثير حديث إبستين عن «مؤسسي البيتكوين» بصيغة الجمع تساؤلات إضافية، في ظل الغموض المعروف حول هوية مبتكر هذه العملة الرقمية. وحتى الآن، لا يوجد ما يثبت أن تلك المحادثات قد حدثت بالفعل، مما يجعل ما ذكره إبستين أقرب إلى ادعاء منه إلى حقيقة موثقة.
الشريعة كعلامة تجارية
الأهم من تفاصيل المشروع نفسه هو دلالته؛ فهذه المراسلات تكشف كيف يمكن لمفهوم «الشريعة» أن يُستخدم بوصفه أداة جذب مالي، لا بوصفه منظومة أخلاقية وقيمية؛ إذ جرى اختزال الشريعة في اسم أو شعار، يُضاف إلى منتج مالي ناشئ ومثير للجدل، بهدف إضفاء هالة من المشروعية والثقة.
في الرؤية الإسلامية، لا ينفصل الاقتصاد عن الأخلاق، ولا تُختزل المعاملات في الأرقام والأرباح. ومن هنا، فإن محاولة شخص متورط في شبكة واسعة من الجرائم الجنسية والابتزاز -بحسب ما ثبت قضائيًا- اقتحام مجال التمويل الإسلامي، تثير أسئلة عميقة حول هشاشة المعايير الأخلاقية في النظام المالي العالمي، وكيف يمكن للدين أن يتحول إلى «واجهة خادعة» إذا غابت الرقابة والوعي.
الدرس الأوسع
لا تمثل «عملة الشريعة» التي طرحها إبستين مشروعًا حقيقيًا بقدر ما تمثل إنذارًا؛ إنذارًا من خطورة التعامل مع كل ما يُسوّق تحت لافتة «إسلامي» أو «متوافق مع الشريعة» دون تدقيق في:
- من يقف خلف المشروع؟
- مدى صدق أهداف المشروع ومدى توافقها مع مقاصد المعاملات المالية في الشريعة الإسلامية؟
- ما طبيعة الأموال؟
- وأين تذهب العوائد؟
فالاقتصاد الإسلامي ليس اقتصاد شعارات، بل اقتصاد قيم وأخلاقيات، ولا يمكن فصل «طهارة المصدر» عن «سلامة المنتج». وما تكشفه هذه الوثائق هو أن تسليع الشريعة وتحويلها إلى أداة في سوق المال قد يفتح الباب أمام تبييض السمعة، أو تمرير مشاريع مشبوهة باسم الدين!
لتحميل ملف الوثيقة (هنا)
في احتفاء مستحق بقامة علمية كرست عقودًا من الزمن لتأصيل المعرفة العربية والإسلامية في حقل العلوم السياسية، أعلنت جائزة الكتاب العربي في دورتها الثالثة (2026) فوز الدكتورة نادية محمود مصطفى، أستاذة العلاقات الدولية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، بالجائزة عن "فئة الإنجاز" في الدراسات الاجتماعية والفلسفية.
ويأتي هذا التكريم تتويجًا لمسيرة أكاديمية حافلة، وانطباقًا دقيقًا لمعايير الجائزة التي تُمنح لأصحاب المشاريع المعرفية التي تتميز بالجدة والأصالة، وتشكل إضافة نوعية للمعرفة الإنسانية، متجاوزة حدود النقل والترجمة إلى فضاءات التنظير والبناء المعرفي المستقل.
دلالات التكريم: انتصار للأصالة المعرفية
لا يُعد فوز الدكتورة نادية مصطفى مجرد تكريم لشخصها، بل هو اعتراف أكاديمي بنجاعة وجدوى "المشروع المعرفي" الذي قادته لسنوات طويلة. لقد حصلت الدكتورة على هذه الجائزة استنادًا إلى حيثيات فئة الإنجاز التي تشترط:
من هي الدكتورة نادية محمود مصطفى؟
تُعد الدكتورة نادية محمود مصطفى -المولودة في القاهرة في 14 أغسطس عام 1951م- واحدة من أبرز منظري العلاقات الدولية في العالم العربي، ومؤسسة لمدرسة فكرية متميزة جمعت بين الصرامة الأكاديمية والعمق التراثي.
حاليًا، تشغل أ. د. نادية محمود مصطفى منصب أستاذ متفرغ بقسم العلوم السياسية في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، وهي الكلية التي تُعرف بأنها "مدرسة السياسة" في مصر والعالم العربي.
وسبق أن قامت د. نادية -في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية كذلك منذ 1981 وحتى 2012م-، بتدريس المواد الدراسية التالية:
تطور العلاقات السياسية الدولية، العلاقات السياسية الدولية (قسم الاقتصاد)، التنمية السياسية، سياسات خارجية عربية، مشكلات دولية معاصرة، فكر سياسي إسلامي، العلاقات العربية الدولية، الوطن العربي في السياسات الدولية، قضايا دولية معاصرة، نظرية العلاقات الدولية (دراسات عليا)، الثقافة والسياسة العالمية، العالم الإسلامي في السياسات العالمية (دراسات عليا)، النظم السياسية في أمريكا اللاتينية، اقتصاد سياسي دولي.
كما قامت الدكتورة بتدريس مادة العلاقات الدولية من منظور إسلامي في كلية الدراسات الإسلامية- مؤسسة قطر، في الفترة من يناير - يونيو 2008. كما سبق لها أن أُعيرت إلى جامعة الإمارات العربية المتحدة اعتبارًا من سبتمبر 1992 وحتى يونيه 1996؛ حيث قامت بتدريس المواد التالية: قضايا دولية معاصرة، العالم الإسلامي، السياسات الخارجية للدول العربية، حلقة دراسية في الشرق الأوسط، حلقة دراسية في أمريكا اللاتينية، حلقة دراسية في الاتحاد السوفيتي وشرق أوروبا، السياسات الخارجية للدول الكبرى، مبادئ العلاقات الدولية.
تشغل د. نادية حاليًا منصب مدير "مركز الحضارة للدراسات والبحوث" منذ إنشاء هذا المركز في ديسمبر 1997م، وهو المركز الذي كان -ولا يزال- بمثابة الحاضنة للمشروع المعرفي الذي رعته. كما تولت من قبل إدارة العديد من المؤسسات البحثية والأكاديمية، بل وأسست بعضًا منها؛ فهي:
- مؤسس ومدير برنامج حوار الحضارات بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية (أبريل 2002- يونيه 2002).
- والمشرف على برنامج حوار الحضارات بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية (يونيه 2002- يونيه 2006).
- ومدير مركز البحوث والدراسات السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية (10/ 6/ 2002- 8/ 6/ 2006).
- ومدير مركز الدراسات الحضارية وحوار الثقافات بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، والذي تغير اسمه من: برنامج حوار الحضارات إلى: برنامج الدراسات الحضارية وحوار الثقافات اعتبارًا من بداية عام 2007، (سبتمبر 2008 – سبتمبر 2010).
وذلك فضلا عن عضويتها في الكثير من اللجان والجمعيات والهيئات الاستشارية في المجلات العلمية؛ مثل: عضوية الجمعية العربية للعلوم السياسية، واللجنة الوطنية المصرية لليونسكو، وزارة التعليم العالي (2005 – 2007)، ولجنة العلوم الاجتماعية، مكتبة الإسكندرية (2005-2007)، ولجنة جائزة الأمير عبد المحسن بن جلوي العلمية التي يمنحها مركز عبد المحسن بن جلوي للدراسات الإسلامية- الشارقة، الإمارات العربية المتحدة، والهيئة الاستشارية لمجلة "حوار العرب التي تصدرها مؤسسة الفكر العربي- بيروت، ولجنة الترجمة بالمجلس الأعلى للثقافة والعلوم والفنون (2008 – 2011).والهيئة الاستشارية لمجلة المسلم المعاصر...، الخ.
لعل الإنجاز الأبرز الذي استحق هذا التقدير هو إشرافها وقيادتها للمشروع العلمي الضخم "العلاقات الدولية في الإسلام"، الذي صدر في (12) مجلدًا. لم يكن هذا المشروع مجرد تجميع لنصوص تاريخية، بل كان محاولة جادة لـ:
وبالطبع لم يقتصر عطاء الدكتورة نادية على هذا المشروع العملاق، بل تجاوزت ما ألفته من بحوث ودراسات المائتين وخمس عشر دراسة، فضلا عن إشرافها على عشرات الرسائل العلمية والمشروعات البحثية، إضافة إلى مشاركاتها الفعالة في المؤتمرات والندوات العلمية والأكاديمية، وغير ذلك من الإسهامات الفاعلة (بلغت السيرة الذاتية للدكتورة نادية -والتي ننشرها رفق هذا التقرير- ما يزيد على ثمانين صفحة)!
لم تبقَ الدكتورة نادية حبيسة القاعات الدراسية، بل كان لها حضور بارز في الاشتباك مع القضايا الحية، وعلى رأسها: القضية الفلسطينية: حيث قدمت تحليلات استراتيجية عميقة للصراع، تتجاوز السطح السياسي إلى الجذور العقائدية والحضارية. فضلا عن إصدارها حولية بعنوان "أمتي في العالم"، والتي "تهتم بقضايا العالم الإسلامي، وتعتبر منظارًا راصدًا لمجريات الأمور داخل "الأمة المسلمة" –سواء داخل النطاق الجغرافي الأساس للإسلام أو عبر الأقليات المسلمة المتناثرة خارج هذا العالم"، بالإضافة إلى دراسات د. نادية وأنشطتها العلمية والفكرية والبحثية الأخرى التي لا يملك الناظر إليها إلا التعجب من حمل شخص واحد لهموم الأمة بهذا الشكل، وقيادته لفرق عمل دؤوبة تشاركه الرسالة ذاتها بكفاءة وإخلاص نادرين.
يُمثل فوز الدكتورة نادية مصطفى بجائزة الكتاب العربي رسالةً للباحثين الشباب، مفادها أن "الإنجاز" الحقيقي في العلوم الاجتماعية لا يكمن في استيراد القوالب الجاهزة، بل في مشقة الحفر في الذات الحضارية لاستخراج نظريات ومفاهيم قادرة على تفسير واقعنا ومعالجة أزماتنا. إنها جائزة لمشروع عمرٍ قضته الدكتورة نادية ليس فقط في تأليف الكتب، بل في "تأليف الرجال والنساء" من الباحثين الذين يحملون اليوم مشعل هذه المدرسة في جامعات ومراكز أبحاث حول العالم.
نبذة عن جائزة الكتاب العربي:
والجدير بالذكر أن جائزة الكتاب العربي، التي أطلقها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالدوحة- قطر، تُعد إحدى أبرز المنصات التقديرية المستحدثة في المشهد الثقافي العربي، والمكرسة حصرًا للاحتفاء بالإنتاج الفكري الرصين في حقول العلوم الاجتماعية والإنسانية. وقد تأسست الجائزة، التي بلغت دورتها الثالثة في عام 2026، انطلاقًا من رؤية استراتيجية تهدف إلى إعادة الاعتبار للبحث العلمي الجاد، وسد الفجوة القائمة في تكريم المؤلفات غير الأدبية، عبر معايير تحكيمية صارمة تشترط في الأعمال المترشحة الأصالة، والجدة المنهجية، والإضافة النوعية للمعرفة الإنسانية، بعيدًا عن النقل أو التكرار. وتتجاوز الجائزة فكرة تكريم "الكتاب الواحد" عبر استحداثها "فئة الإنجاز" (للأفراد والمؤسسات)، وهي الفئة الأرفع التي تُمنح لأصحاب المشاريع الفكرية الممتدة الذين كرسوا مسيرتهم لتأصيل المعرفة وبناء المدارس الفكرية، مما جعل الجائزة تتحول في زمن قياسي إلى "مؤشر معياري" يقيس حيوية العقل العربي وقدرته على الاشتباك مع قضايا واقعه بأدوات تحليلية رفيعة المستوى.
وتستند جائزة الكتاب العربي إلى ظهير مؤسسي وأكاديمي رصين يضمن إلى حد كبير استقلاليتها ونزاهة معاييرها. إذ تنبثق الجائزة بشكل رئيس من "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" (بالدوحة)، الذي يُعد الحاضنة والممول الأساسي للمشروع، ومظلة تنظيمية توفر للجائزة ثقلها البحثي. وتتكامل هذه الرعاية مع شراكة استراتيجية عضوية مع "معهد الدوحة للدراسات العليا"، الذي يمثل الذراع الأكاديمي للجائزة، حيث يشارك نخبة من أساتذته وباحثيه في لجان التحكيم والفرز، مما يضفي على الجائزة صبغة "الأكاديمية الصارمة". كما تحظى الجائزة بدعم لوجستي واحتفاء رسمي من وزارة الثقافة القطرية، التي تستضيف حفل التوزيع غالبًا ضمن الفعاليات الثقافية الكبرى في الدوحة.
وفي الحقيقة؛ لم يكن فوز الدكتورة نادية مصطفى في الدورة الثالثة حدثًا معزولًا، بل جاء حلقةً في سلسلة ذهبية بدأت مع انطلاق الجائزة، التي حرصت منذ موسمها الأول (التأسيسي) على وضع معايير استحقاق عالية السقف، مكرمةً "الآباء المؤسسين" للعلوم العربية الحديثة. ففي الموسم الأول، دشنت الجائزة مسارها بمنح "فئة الإنجاز" لقامات شامخة، يتقدمهم فيلسوف الأخلاق المغربي د. طه عبد الرحمن، الذي يُعد نظيرًا للدكتورة نادية في مشروع "تأصيل المفاهيم"، والمحقق المصري الكبير د. أيمن فؤاد سيد، الذي أعاد كتابة تاريخ التراث المخطوط، إضافة إلى عالم الأنثروبولوجيا السعودي د. سعد الصويان، وشيخ البلاغيين د. محمد محمد أبو موسى. وقد تواصل هذا النهج في الموسم الثاني، الذي رسخ هوية الجائزة عبر الاحتفاء برواد المعاجم التاريخية والدراسات النقدية المقارنة، لتشكل قوائم الفائزين في الموسمين السابقين "كتلة حرجة" من العقول العربية التي جمعت بين العمق التراثي والمنهجية الحديثة، وهو السياق الذي جاء فيه تكريم الدكتورة نادية مصطفى هذا العام (2026) ليضيف "العلوم السياسية" إلى خارطة التميز التي رسمتها الجائزة عبر تاريخها القصير والمكثف.
قائمة بأهم مؤلفات وأعمال الدكتورة نادية محمود مصطفى (تأليفًا، أو تحريرًا، أو إشرافًا ومشاركة):
جائزة الكتاب العربي الموسم الثالث (2026) للمزيد: هنا
السيرة الذاتية الكاملة لـ أ. د. نادية محمود مصطفى (هنا)