تأتي هذه الدراسة للأستاذ الدكتور "حسن بغدادي" لتوضيح كيفية تنظيم العلاقات المالية بين الزوجين والأثر المباشر لذلك على الأسرة والمجتمع. وتنطلق الدراسة من التحول التاريخي الذي شهدته مصر في منتصف القرن العشرين نحو توحيد القضاء ودمج المحاكم المختلفة في نظام قانوني واحد، ويوضح د. حسن أنها خطوة تفرض بالضرورة وضع قواعد موحدة ومنسقة لتنظيم أموال الزوجين بدلًا من تشتتها. وتكمن أهمية هذا البحث في كونه يوضح كيف أن الحياة الزوجية بطبيعتها تؤدي حتمًا إلى تداخل مالي وتشابك في المصالح يمس الحقوق الشخصية والعينية للطرفين. ويهدف هذا الطرح في النهاية إلى إيجاد توازن عملي يواكب التغيرات الاجتماعية الحديثة –وعلى رأسها خروج المرأة للعمل واستقلالها المالي– مع الحفاظ على استقرار المعاملات المالية وحماية حقوق الجميع تحت مظلة القانون.

تبدأ الدراسة ببيان مبررات ودواعي تنظيم ودراسة النظام المالي بين الزوجين، وتحددها في ثلاث نواحٍ رئيسية. الناحية الأولى هي الناحية الاجتماعية؛ إذ يرى د. حسن أن تنظيم الروابط المالية بين الزوجين في مصر يمر بمرحلة من عدم الاستقرار ويمثل قلقًا مجتمعيًا صامتًا، لا سيما مع التطورات الحديثة وخروج المرأة للعمل واستقلالها المالي. الناحية الثانية هي الناحية القضائية العملية، وتتمثل في وجود جاليات أجنبية متعددة في مصر وما يترتب على ذلك من منازعات مالية زوجية تطرح أمام المحاكم المصرية، مما يستلزم تطبيق القوانين الأجنبية بخصوص أموالهم. الناحية الثالثة هي الناحية الفقهية (القانونية)، وتبرز في ضرورة كشف الصلات الوثيقة بين نظام الأموال الزوجية وبين نظريتي الحق العيني والحق الشخصي اللتين ساد الاعتقاد الفقهي طويلًا بوجوب دراستهما بمعزل عن الروابط الزوجية.

وتنتقل الدراسة بعد ذلك لتحديد ماهية نظام الأموال بين الزوجين، وتعرفه بأنه مجموعة القواعد القانونية التي تنظم المصالح المالية الصرفة بين الزوجين أثناء قيام الحياة الزوجية، حيث تستتبع العشرة اختلاطًا وتداخلًا في هذه المصالح يتفاوت مداه بتفاوت التشريعات. وتلفت الدراسة الانتباه إلى خطأ الاعتقاد بأن نظام انفصال الأموال المتبع في الشريعة الإسلامية ينفي كل تداخل مالي؛ إذ تظل هناك تداخلات عملية وقرائن قضائية لملكية الأمتعة، إلى جانب عدم سريان التقادم بين الزوجين لوجود المانع الأدبي. كما تُرجع الدراسة مصادر النظم المالية الزوجية إلى مصدرين أساسيين هما العقد (الذي يتخذ شكل مشارطة أموال الزوجية) والقانون، مع الإشارة إلى ضآلة سلطان الإرادة في صياغة العقد، حيث ينحصر دور الطرفين غالبًا في اختيار نظام من النظم الجاهزة التي يحددها القانون على سبيل الحصر.

وفي القسم الأول المخصص لدراسة أنظمة أموال الزوجية في التشريع المقارن، تبدأ الدراسة بـ التشريع الفرنسي بوصفه نموذجًا للنظم اللاتينية، مبينةً أنه مر بتطور تاريخي طويل قاد في النهاية إلى إقرار مبدأين أساسيين: تحرير المرأة وتمتعها بالأهلية القانونية الكاملة في إدارة وتملك أموالها الخاصة والتصرف فيها دون توقف على موافقة الزوج، واستقلالها التام بما يعود عليها من كسب عملها الخاص. وتعرض الدراسة النظم الأربعة الرئيسية لأموال الزوجين في فرنسا؛ وأولها نظام اشتراك الأموال (الذي يقوم على خلط الذمتين الماليتين وجعل الزوج مديرًا للمال المشترك)، وثانيها نظام عدم الاشتراك في الأموال (وفيه يستقل كل زوج بملكية ماله مع احتفاظ الزوج بحق الإدارة والانتفاع بالأموال الزوجية)، وثالثها نظام البائنة أو الدوطة (وهو المال الذي تقدمه الزوجة أو غيرها ويحبس عن التصرف والحجز لمواجهة أعباء الزوجية)، ورابعها نظام فصل الأموال (الذي يحقق استقلالًا ماليًا كاملًا للطرفين ملكيةً وإدارةً وتصرفًا).

وتستعرض الدراسة القواعد المنظمة لـ مشارطة أموال الزوجية في فرنسا، وتوضح وجوب صياغتها قبل انعقاد الزواج في شكل رسمي وصارم أمام الموثق. وتفصل الدراسة المبدأ الفرنسي الشهير وهو عدم جواز تغيير نظام الأموال الزوجية أثناء قيام الزواج باتفاق الإرادتين؛ وتبرر القاعدة الفرنسية هذا المنع بحماية الزوجة من استغلال الزوج وتأثيره الأدبي عليها، وحماية الدائنين من مغبة التواطؤ العائلي لتهريب الأموال. غير أن هذا المبدأ لا يخلو من استثناءات قانونية وقضائية ضيقة، أبرزها حالة الانفصال الجسماني أو اللجوء إلى القضاء لطلب تفريق الأموال إذا عرضت إدارة الزوج أموال الزوجة للخطر.

ثم تنتقل الدراسة في الباب الثاني من القسم الأول إلى التشريع السويسري (الممثل للنظم الجرمانية الصادر عام 1911)، واصفةً إياه بأنه اتبع منهجًا تشريعيًا أكثر مرونة وعصرنة وتأثرًا بالبيئة التجارية. ويكمن الفارق الجوهري بين التشريعين في أن القانون السويسري أقر مبدأ جواز تغيير نظام الأموال الزوجية باتفاق الطرفين في أي وقت شاء أثناء قيام الحياة الزوجية، مفضلًا مرونة المعاملات والنزوع نحو البساطة والتيسير. وتنحصر الخيارات المالية الزوجية في سويسرا في ثلاثة نظم رئيسية؛ وهي نظام اتحاد الأموال (وهو النظام السائد الذي يدمج أموال الزوجين مع احتفاظ الزوجة بملكية أموالها الخاصة المسماة بالمحتفظ بها)، ونظام الاشتراك في الأموال (الذي يجعل الأموال ملكية مشتركة على الشيوع تدار باتفاق الشركاء)، ونظام فصل الأموال.

وفي القسم الثاني، تؤصل الدراسة للنظام المالي الزوجي في مصر والشريعة الإسلامية، مؤكدةً أن المبدأ العام والمستقر هو الانفصال التام والمطلق بين ذمتي الزوجين الماليتين؛ فالزوجة تتمتع بأهلية مالية كاملة ومستقلة تمامًا عن زوجها دون أي اختلاط أو ولاية قانونية للزوج على أموالها. ومع ذلك، تبين الدراسة أن الحياة الزوجية بطبيعتها تفرز نزاعات عملية عند حدوث الفرقة أو الوفاة بشأن ملكية المنقولات وأثاث المنزل. ولحل هذه المعضلات، استند القضاء المصري والفقهاء إلى أحكام الشريعة الإسلامية (ولاسيما المذهب الحنفي وقواعد قدري باشا في المادتين 118 و119)، والتي وضعت قرائن دقيقة تفترض أن الأمتعة الصالحة للنساء عادة (كالمجوهرات وأدوات الزينة) تكون ملكًا للزوجة، وما يصلح للرجال عادة يكون للزوج، وما يصلح للطرفين معًا يُقضى به للزوج ما لم تقم البينة لإثبات العكس، وذلك رعايةً لواقع الحال والاعتبارات العملية.

وتتطرق الدراسة بالتفصيل لمسألة كسب عمل الزوجين وعملهما، وتوضح أن كسب المرأة من عملها أو مهنتها أو تجارتها هو حق خالص لها لا يشاركها فيه الزوج بأي حال، وتعد جميع الأموال التي تشتريها من كسبها ملكًا شخصيًا لها. وتناقش الدراسة العقبات الفقهية والعملية المرتبطة بـ إثبات الملكية لبعض الأموال المشتركة أو الهبات بين الزوجين، حيث تمنع رابطة الزوجية الأدبية إقامة أدلة كتابية مباشرة في كثير من الأحيان، مما يفسح المجال للقضاء لتفعيل قرينة الحيازة في المنقولات مع استثناء الحالات التي يثبت فيها الصورية أو التدليس.

وتختتم الدراسة ببحث قضية تتعلق بـقواعد الإسناد في القانون المدني المصري (المادة 13)، والتي تقرر إخضاع الآثار المالية للزواج (بما فيها نظام الأموال) لقانون جنسية الزوج وقت انعقاد الزواج. وتكشف الدراسة عن الصعوبة البالغة التي تواجه المحاكم المصرية عند تعاملها مع أزواج أجانب أبرموا "مشارطات أموال" عينية في بلدانهم ثم انتقلوا للعيش في مصر، لا سيما إذا تعلقت تلك المشارطات بعقارات تقع داخل القطر المصري؛ إذ تصطدم هذه النظم الأجنبية بنص المادة 18 من القانون المدني المصري التي تخضع العقارات لقانون موقعها (والذي لا يعترف بالملكية المشتركة أو الرهن العام غير المسجل عقاريًا في مصر). ويترتب على ذلك أثر قانوني دقيق؛ حيث يمتنع تقرير أي حق عيني للمرأة الأجنبية على العقار المصري بموجب مشارطتها الأجنبية، وينقلب حقها العيني إلى مجرد حق شخصي (دين في ذمة زوجها) يعادل قيمته حصتها المفترضة في تلك الأموال المشتركة، حمايةً للنظام العام ولاستقرار المعاملات العقارية في مصر.

 

لتحميل ملف الدراسة (هنا)

 

* حسن بغدادي، نظام الأموال بين الزوجين: في صلته ببعض نواحي نظريتي الحق الشخصي والحق العيني، مجلة الحقوق للبحوث القانونية والاقتصادية، العدد 1-2 (1957): 254-299، https://lalexu.journals.ekb.eg/article_299376.html

** العميد السابق لكلية الحقوق بجامعة الإسكندرية والمنتدب للتدريس بقسم الدكتوراه بها.

© 2018 Your Company. All Rights Reserved. Designed By Tripples