1- تقديم:
هناك أوقات للسعادة الحقة والسرور رغم الصعاب التي تحيط بنا. وأجدني مفعمًا بهذا النوع من الغبطة التي تتملكني حينما أجد نفسي في معية عالمٍ كبير هو الدكتور محمد سليم العوا، أناقش معه كتاب عالِمٍ آخر من العالم الآخَر، وهو "التعسف في استعمال الحق"[1] لمحمود فتحي[2]. إننا دائمًا ما نستدعي التاريخ في القضايا الكبرى حينما يتلعثم الحاضر، ونحن نستدعي الآن محمود فتحي حشدًا لتاريخنا القانوني المعاصر في مواجهة أزمةٍ فقهيةٍ وقانونيةٍ، علميةٍ وعمليةٍ، ما زلنا نعانيها، وهي تلك التي تتعلق بهوية العدالة القانونية والشرعية التي نريدها لمجتمعاتنا العربية والإسلامية واستقلالنا القانوني. ويوضح إسهامي هنا بالبراهين الكافية على أنه لا طريق لتطوير الدرس الفقهي أو القانوني في الحاضر أو في المستقبل دون إلمامٍ كافٍ بجهود هؤلاء الأعلام الذين رادوا التفكير القانوني والفقهي في القرن العشرين، لا في مصر وحدها، بل وفي العالم العربي كله، وهم أولئك الذين تخرجوا من جامعة ليون تحت إشراف إدوارد لامبير المؤسس الشهير للقانون المقارن في مؤتمر باريس عام 1900، ومن بين هؤلاء الرواد محمود فتحي وعبد الرزاق السنهوري ذي الأثر المديد في تشكيل العقلية القانونية العربية الحديثة. لقد خاض محمود فتحي معركةً اختار ميدانها بعنايةٍ بالغةٍ تحدى خلالها أساطين التحليل القانوني الإمبريالي الذين عملوا على تكريس الهيمنة القانونية والثقافية الغربية. وقد اختار كذلك أن تكون معركته حول درة التاج في التفكير القانوني الفرنسي المتمثلة في مفهوم التعسف في استعمال الحق ليبرهن في نزاله على انتقال هذه الدرة من قلب الفقه الإسلامي المطلوب إقصاؤه والتمثيل به بنوعٍ من الاحترام الزائف الذي ينحني له وهو يقتله. إنني باختصارٍ لا أقدم عمل محمود فتحي بأي قدرٍ من التفصيل، وإنما يتمثل واجبي في تحديد موقعه ومنهجه وموقفه الصلب والشجاع في مواجهةٍ مثيرةٍ دافع فيها بأسلوبٍ علميٍّ قدَّرَه مُشْرفُه إدوارد لامبير ومناقشو رسالته عن أصالة نظامنا القانوني. لقد أوْضَحَ محمود فتحي بما لا يدع مجالًا للشك الذي ما زال يعترينا قوةَ هذا النظام وتأثيرَه في تكوين أعز وأبهى ما يمتلكه النظام القانوني الفرنسي، وهو مفهوم التعسف في استعمال الحق. وإذ نجح محمود فتحي في الوقت الذي فشل فيه كثيرون فقد عوقب على هذا النجاح بإقصائه إلى بني سويف جنوب القاهرة ليعيش حتى وفاته الباكرة محاميًا معزولًا عن المشهد الثقافي، لا لضعف براهين مقدماته، بل لخطورة نتائجه على التوازنات الثقافية والقانونية التي فرضتها المناهج الإمبريالية الاستعمارية. ولم يكن تأخير حضور هذه الرسالة وتربعها في اللغة العربية أكثر من قرنٍ، رغم إدراك كثيرين لأهميتها والإلحاح على ضرورة ترجمتها، بأي دافعٍ آخر سوى إقصائه عن المشهد. لقد تأخرنا طويلًا في استدعاء محمود فتحي إلى قلب نقاشاتنا الفقهية والقانونية، والأمل مع ذلك أن يكون الوقت قد حان لاستحضار تأثيره وتأملِ ما قدمه والاصطفافِ حول منهجه والالتفات إلى ما قدمته مدرستُه، عسى أن يفيدنا ذلك في تحديد الطريق المستقيم لبلورة جهودنا المتحلقة حول تكريس العدالة الحقة التي أرادها الله بقوله: "وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل". وإذا كان عليَّ أن أختار كلماتي بعنايةٍ بالغةٍ في حضرة هؤلاء الكبار الذين رادوا التفكير الفقهي والقانوني المعاصر، وبذلوا أقصى ما لديهم بمناهج واختياراتٍ متباينةٍ، فإنني سأحاول تلخيص ما أود قوله في محاور متتابعةٍ عن السياق العام الذي طوق جهود محمود فتحي في عمله الذي نناقشه، مع حديثٍ موجزٍ عن مدرسة لامبير وعن تصوراته عن الفقه الإسلامي التي تأثر بها تلاميذه المصريون وجمهور القانونيين العرب بدرجاتٍ مختلفةٍ، لأنتقل بعد ذلك إلى عمل محمود الرائد عن التعسف في استعمال الحق ومكونات هذا العمل، مع بعض الملاحظات الختامية أخيرًا.
2- السياق العام:
يتمثل السياق العام لجهود جيل محمود فتحي من القانونيين في تسلط الاحتلال البريطاني على مصر منذ عام 1882، وفرضه ما يشبه أن يكون نظامًا قانونيًا تشكل من محاكم القناصل والمحاكم المختلطة والمحاكم الأهلية بقوانين غربية الأصل، فضلًا عن المحاكم الشرعية التي اقتصر اختصاصها على الفصل في قضايا الأحوال الشخصية. وفي هذه الفترة انتقل التعليم الفقهي والقانوني والتدريب القضائي من الأزهر إلى مدرسة الحقوق الخديوية ومدرسة القضاء الشرعي. ولم يألُ أساتذة هذين المعهدين وطلابهم جهدًا في تطوير الدرس الفقهي ونقله من الاعتماد على المتون والشروح إلى منهجيات المقارنة بالقانون الفرنسي على وجه الخصوص، والتنظير الكاشف عن النظريات الفقهية في الملك والعقد والالتزام والنيابة، بالإضافة إلى منهجية التقنين الذي بلغ أوجه من الرقي في "مجلة الأحكام العدلية" و"مرشد الحيران". وفي هذا برزت أسماء لا تنسى، من أمثال مخلوف المنياوي، وسيد عبد الله حسين التيدي، وأحمد إبراهيم بك، ومحمد سلامة بك، ومحمد زيد الإبياني بك، وأحمد أبو الفتح، وعبد الوهاب خلاف. وقد برهنت جهود هؤلاء ومجلاتهم الفقهية والقانونية العديدة التي يتجاهلها طلابنا على أنه لا سبيل إلى طمس حقيقة تفوق المفاهيم الفقهية ولو بالمعايير القانونية الغربية. وقد استمات هؤلاء القانونيون والفقهاء في الدفاع عن هويتهم الخاصة. ومن المؤسف أن وقف ضدهم بعض المتأدبين الذين رأوا أن التنازل عن الهوية الخاصة سيمهد الطريق لاكتساب هويةٍ غربيةٍ متحضرةٍ، حتى رأينا شمس الله تشرق من الغرب، وروج هؤلاء لاعتبار مصر أقرب إلى أوروبا من الشرق. أما هؤلاء القانونيون الشرفاء ومن بينهم محمد نور الذي حاكم طه حسين، ومحمود فتحي، والسنهوري، ومحمد صادق فهمي، وشفيق شحاتة، وسيد عبد الله حسين، وعبد الرزاق السنهوري، فلم يخامرهم الشك في ضرورة العمل على بعث النظام القانوني الإسلامي وتحديثه بأدواته الذاتية، أو بمنهجية القانون المقارن.
3- إدوارد لامبير ونظرته الضيقة إلى الفقه الإسلامي:
وقد التقى بعض هؤلاء في صدفةِ قدرٍ مبدعةٍ بالأستاذ إدوارد لامبير عميد مدرسة الحقوق الخديوية، وأحد مؤسسي علم القانون المقارن، فانشغل بهم انشغالًا صرفه عن الكتابة والتأليف، وأثر فيهم وفي نظرهم إلى الفقه الإسلامي بمنهجه التحليلي النقدي المقارن. ومن الواجب الالتفات إلى أن انشغال لامبير بالفقه الإسلامي كان قد تشكل في إطارٍ عامٍ تألف من عنصرين أساسيين، أولهما عكوفه على تتبع النظريات والمفاهيم القانونية الليبرالية الكلاسيكية الرائجة في القرن التاسع عشر بالنقد والتحليل من منظورٍ اجتماعي، والآخر منهجيته القانونية المقارنة. ومن المحتمل أن يضيف تعرّفه على هؤلاء التلاميذ الملمين بالفقه الإسلامي إلى تشكيل جهوده النقدية هذه ومنهجيته المقارنة. لقد استفاد الطرفان: الأستاذ والتلاميذ، ووجد كل منهما ضالته في الآخر، ليعودوا إلى بلادهم بعد استكمال دراساتهم معه، ويمسكوا بمفاتيح النظر والعمل القانوني، لا في مصر وحدها بل وفي العالم العربي بأسره. ورغم هذا التأثير الكبير والبعيد المدى للعميد لامبير فإن دراساته عن الفقه الإسلامي وتناقضاته مع الفكر الاستشراقي الخاضع لدوائر الحكم الاستعماري لم تخضع للتحليل والبحث إلى الآن، وإن لزم التوجه بالشكر إلى الأستاذة فيرونيكا كوركوديل على مقالها الذي أبرزت فيه الكثير من التوتر الذي يبلغ حد التناقض في نظر لامبير إلى الفقه الإسلامي بين الدفاع عن الخصوصية الاجتماعية للقانون والسعي إلى الدفاع عن تفوق النظم القانونية الغربية، وبلوغها مرحلة أبعد في التطور، واعتبار تبني النموذج القانوني الغربي أمرًا لا مفر منه، وأن النظام الإسلامي هو الأدنى في مدارج التطور رغم الاعتراف بنضجه التاريخي السابق. وهو الموقف الذي تبناه السنهوري بأكبر قدرٍ من الوضوح في كتابه عن مصادر الحق في الفقه الإسلامي. لقد فشل لامبير في إدراك الوزن الحقيقي للتشريعات القرآنية، وارتبطت هذه التشريعات عنده بدرجة التطور الاجتماعي في الجزيرة العربية عند نزولها. ولا تعدو السنة التي نسبها الفقهاء إلى النبي أن تكون أداةً لتطوير القانون وفق الاحتياجات المتجددة للمجتمعات الأكثر تحضرًا بين مكونات الدولة الإسلامية. وليس الإجماع عنده سوى اتفاقٍ اجتماعيٍّ على أحد الآراء المتصارعة بمعاونة هذه القوى الخفية التي تتولد منها الأعراف في النظم القانونية الأخرى. ويشبه تطور الإجماع عنده تطور السوابق الملزمة في القانون الإنجليزي. وإذ درس لامبير المذاهب الفقهية فقد اعتبر المذهب الحنفي أكثرها تطورًا، ورآه ذا "روحٍ متسامحةٍ وإنسانيةٍ وتقدميةٍ، والأكثر تمثيلًا للقيم الليبرالية العلمانية"، وذلك لاستجابته لاحتياجات التجارة بين العالم الإسلامي وأوروبا، على حين اتخذ موقفًا سلبيًا من المذهب المالكي وتشكلت رؤيته له من ظروف نشأته الأولى في الجزيرة العربية غافلًا عن تطوراته التالية في الشمال الإفريقي والأندلس. وقد رأى مع ذلك أن هذه المذاهب قد توقفت عن التطور لإغلاق باب الاجتهاد واختلاط القانون بالدين. وإذ يبرئ قوى الاستعمار من تراجع الاجتهاد على هذا النحو، فإنه يؤكد احتفاظ هذه القوى بالخصوصية القانونية للمجتمعات الإسلامية في مجال قوانين الأسرة والأحوال الشخصية دون غيرها التي يجب أن تترك لقوانين السوق الشمولية والعالمية. وهو يرحب باستدعاء الفقه الإسلامي في النطاق الخاص للأحوال الشخصية دون النطاق العام. وتتمثل وظيفة القانون المقارن بهذا في إعادة ترتيب الأنظمة القانونية ليتخذ النظام القانوني الإسلامي مكانته بين الأنظمة التاريخية التي تُعنى بالجانب الأخلاقي والأسري، على حين أن الواجب يقتضي التمكينَ للقوانين الغربية في تشكيل المعايير العالمية المعاصرة للتجارة والعقود والمعاملات المالية وما يتبعها.
4- أهمية عمل محمود فتحي:
لا أريد الاستطراد في تحديد نظر لامبير إلى الفقه الإسلامي وتأثيره في السنهوري طويلًا بقدر ما أود الانتقال إلى عمل تلميذ لامبير الآخر، وهو محمود فتحي الذي أناقش رسالته عن التعسف في استعمال الحق. وتكمن أهمية هذا العمل بادئ ذي بدء في استخدامه منهجية القانون المقارن بالتناقض مع ما أراده مؤسسو هذه المنهجية لإثبات أن الفقه الإسلامي "يمتلك نظريةً متكاملةً ومتقدمةً لحماية المجتمع من الشطط في ممارسة الحقوق الفردية". ويبرهن محمود فتحي بالأسانيد العلمية السليمة على تفوق النظرية الشرعية عن مقابلتها الفرنسية التي اعتبرها طفلةً تتعلم المشي في مقابل تلك الأخرى التي اكتمل نضجها. وتتمثل أهمية عمل محمود فتحي في كونه وثيقةً قانونيةً كشفت عن كيفية صمود الفقه الإسلامي وقدرته التجديدية، وبرهنت على ضرورة استعادته دوره الشامل في تنظيم كافة مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية، بعيدًا عن القيود والسياسات التي فرضها الفكر الإمبريالي الليبرالي حسبما تستنتج فيرونيكا كوركوديل. وإذ قبلت لجنة المناقشة رسالة محمود فتحي لتثني على سلامة منهجها المقارن، ومنحتها جامعة ليون أعلى جوائزها العلمية عام 1913، وهي جائزة أفضل رسالةٍ جامعيةٍ مقدمةٍ عام 1911، فإن هذه الرسالة قد أثارت العديد من الإشكالات المنهجية التي ما زالت تتطلب حتى الآن إجاباتٍ واضحةً في وجه أتباع المنهج الإمبريالي الاستعماري الذي فرض إقصاء النظام القانوني الإسلامي بحججٍ متناقضةٍ، ومن بينها ضعف هذا النظام وجموده وتخلفه عن تلبية الاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية الحديثة. وفي تقدير فيرونيكا كروكوديل أن أطروحات محمود فتحي تستوجب إعادة النظر كذلك في منهجيات صياغات القوانين العربية الحديثة في مجموعها، وطرقها في الإفادة المحدودة من الفكر الفقهي الإسلامي، وتأثرها بالمنهج الإمبريالي الاستعماري، سواءً في مفاهيم هذا المنهج أو المصطلحات التي فرضها، وذلك منذ منتصف القرن العشرين وحتى الآن. لقد وجد السنهوري نفسه في سعيه إلى تحديث القانون المدني المصري بالمنهج المقارن أسيرَ هذا المنهج الاستعماري الذي ساعد في صياغته أستاذه لامبير. وكان للسنهوري هذه القوة التي جذبت جمهور القانونيين العرب الذين حذوا حذوه وتأثروا به كثيرًا. وينبغي أن أضيف إلى ذلك أن السنهوري وأقرانه لم يكونوا مجرد صدىً لما صاغه لامبير الذي تأثر كثيرًا بالحالة العلمية السائدة للفقه الإسلامي في دوائر الاستشراق. ومع ذلك فقد أرهقتهم حالة الإعجاب بالقوانين الغربية. ولم يقع محمود فتحي في هذا الفخ، ولذا تم استبعاده من المشهد القانوني العربي حتى الآن. ولم يكن إعجاب لامبير برسالة محمود فتحي، وإلحاح السنهوري على ضرورة ترجمتها كذلك إلا إعجابًا نظريًا لم يؤثر على اختياراتهما العملية. ومع ذلك فقد انتصر كثيرون لمنهجية محمود فتحي، ومن بين هؤلاء طارق البشري ومحمد صادق فهمي وسيد عبد الله حسين. وعلى أنصار الاستقلال القانوني الراغبين في الحفاظ على الهوية والخصوصية المصرية والعربية والإسلامية أن يتوجهوا معي لهذا كله بشكر مترجم هذه الرسالة الأستاذ الدكتور محمد الريوش وجامعة القرويين في احتضانهما لهذا العمل وتقديمه للقارئ العربي بلغةٍ واضحةٍ تنتصر لهذه المعاني ولخصوصيتنا القانونية.
ولا تفسير لإعجاب السنهوري بهذه الرسالة وإلحاحه على ضرورة ترجمتها إلى العربية إلا سلامة منهجها، ووضوح أدلتها وقوة منطقها وتماسكها. ذلك أن منطق السنهوري ورفاقه لا يخلو من كثيرٍ من التناقض، حيث يسلم برقي الصنعة الفقهية الإسلامية في الوقت الذي يسلم فيه كذلك بضرورة اللجوء إلى القانون الفرنسي والغربي ومصطلحاته ومفاهيمه لاستكمال هذه الصنعة. إنه يعيب على المجلة وعلى "مرشد الحيران" استخدامهما اللغة الفقهية التي تقرر المفهوم وتشرحه بضرب الأمثلة. أما المنطق الذي اتبعه محمود فتحي فهو منطقٌ أكثر استقامةً حيث برهن على أن الصنعة الفقهية الإسلامية هي التي أسهمت في ترقية القانون الفرنسي الحديث، وهي بهذا قابلةٌ للعمل في السياقات الحديثة بتطوير هذه الصنعة من داخلها. ويقترب منهج شفيق شحاتة من منهج محمود فتحي بقدر بُعده عن موقف السنهوري. ويعمل محمود فتحي وشفيق شحاتة بدرجاتٍ متفاوتةٍ على تقليل الفجوة بين القانونيين المحدثين المتخرجين من الجامعات الحديثة وهؤلاء الفقهاء المستنيرين المتخرجين من الأزهر ودار العلوم ومدرسة القضاء الشرعي المصرية، من أمثال مخلوف المنياوي وسيد عبد الله حسين ومحمود شلتوت ومصطفى المراغي وأحمد إبراهيم ومحمد زيد الإبياني ومحمد سلامة ومحمد فرج السنهوري ومحمد أبو زهرة ومحمود أبو الفتح. ويستحق كل واحدٍ من هؤلاء وغيرهم من خريجي الأزهر والقرويين في المغرب والزيتونة في تونس ومن يماثلهم أن تُفرد له دراسةٌ خاصةٌ.
لقد خلص محمود فتحي من دراسته بتعبير أستاذه إلى أن "هذه النظرية الغربية أو الفرنسية لم تبلغ بعدُ إلا طور المراهقة، وهي لا تزال تُصارع من أجل الاعتراف بحقّها في الوجود؛ في حين أن النظير المقابل لها في الفقه الإسلامي قد بلغ منذ زمنٍ بعيدٍ سن الرجولة الكاملة ومرحلة السيادة التي لا منازع لها، وأن هذه النظرية الإسلامية تبدو، بالمقارنة مع شقيقتها الأوروبية الناشئة الهزيلة، كأنّها مرآةٌ مكبّرةٌ تنعكس فيها الملامح مضخمةً ومفصلةً"؛ وأنّها تتفوق عليها كثيرًا "بسعة مجال التطبيق، وكونها أعظم قابليةً للتكيّف؛ وأن الثلاثة عشر قرنًا من الوجود التي قطعتها منذ أرساها القرآن، قد مكنتها من اكتساب حرية الحركة".
5- شهادة إدوارد لامبير:
تأتي أهمية هذه الشهادة الواردة ضمن المقدمة المنشورة في الكتاب الذي نقدم له من تسجيلها لبعض تاريخ تعليم هذه المجموعة من الشباب الذين قُدّر لهم أن يقودوا الحياة القانونية العربية نظرًا وعملًا طيلة القرن العشرين وما بعده، والذين وقع عليهم بعبارة لامبير "دراسة ما يثيره التوفيق بين التقاليد الإسلامية والمؤسسات التجارية والاقتصادية والسياسية الوافدة من أوروبا في زمنٍ متأخرٍ". وتكشف هذه المقدمة بالدرجة الأولى عمق تجربة هذا الأستاذ مع تلاميذه الشرقيين الذين وجههم إلى أن يبدؤوا أبحاثهم الجامعية باختيار موضوعاتٍ من تراثهم القانوني، كي يتعمقوا في دراسة هذه الموضوعات بمنهج المقارنة مع الفكر القانوني الغربي، وبالرجوع إلى المناهج العلمية الغربية التي تتسم بالدقة والانضباط. ويرى لامبير أن أسباب نجاح محمود فتحي في تقديم نظريةٍ إسلاميةٍ عن التعسف في استعمال الحقوق إنما ترجع إلى الألق الخاص بهذه النظرية في التعبير عن روح الفقه الإسلامي، وإلى جرأة هذا الباحث في النقد والتحليل، وإلى تنوع مصادره التي تبدأ من القرآن الكريم لتشمل المدونات الفقهية الأساسية لرؤساء المذاهب وشروحها، وإلى قدرته على الاحتفاظ بثقافته والتعبير عن ذاته وعدم ذوبانه في غيره. ويؤكد لامبير أن هذه كانت وصيته لتلاميذه، وأن محمود فتحي لم يلتزم بهذه الوصية فحسب، وإنما كان كذلك شديد الاعتزاز بانتسابه الديني، يثور ضد أية إشارةٍ يظنها معاديةً للإسلام. ورغم هذا الحماس الديني فقد استطاع محمود فتحي في تقدير لامبير أن يحتفظ بموضوعية دراسته باقتصاره على تقديم دراسةٍ وصفيةٍ، ممزوجةٍ "بإخلاصٍ صادقٍ في اكتشاف الحقيقة التاريخية وتقييدها بأمانةٍ، إيمانًا منه بأن ظهور الحقيقة لن يؤدي في النهاية إلا إلى إبراز مزايا النظرية الإسلامية في صورةٍ أوضح". ويعترف لامبير باستفادته من عمل محمود فتحي في معركته ضد الغالين من أتباع إطلاق الحريات الفردية والاقتصادية في العمل والتملك التي نادى بها آدم سميث في القرن التاسع عشر. وقد استشهد لامبير بالنتائج التي قدمها محمود فتحي ليبرهن على أن هناك أنظمةً قانونيةً أخرى تضع الكثير من القيود الاجتماعية على استخدام الحقوق الفردية. ويشير مؤرخو القانون المحدثون إلى أن أطروحة فتحي تأثرت بشكلٍ مباشرٍ برغبة لامبير في الترويج لرؤيةٍ اجتماعيةٍ تقدميةٍ للقانون المقارن.
وأود أن أسجل هنا أن تعليقات لامبير على المصادر التي اعتمد عليها محمود فتحي في دراسته تكشف عن وعيٍ مكثفٍ بالفقه الإسلامي على نحوٍ يفوق كثيرًا جُلّ القانونيين العرب الذين يكتفون من الغنيمة بالإياب، غفلةً منهم عن أهمية الاحتفاظ بأصالتهم في أدائهم لعملهم القانوني نفسه. ولا أريد هنا توجيه لومٍ إلى أحدٍ بقدر ما أود لفت النظر إلى وجوب استكمال الأدوات المهملة. ويوضح لامبير في مقدمته اعتماد محمود فتحي في الفصل الأول بغية إرساء نظريته من القرآن على "كشاف" الزمخشري و"البيضاوي" وابن جرير الطبري، واعتماده في الفصل الثاني الذي أوضح فيه تطور النظرية على مؤلفات أئمة المذاهب وتلاميذهم، مع إبداء الكثير من التفصيلات الخاصة بالمصادر المستخدمة في هذا الفصل. وقد تناول لامبير مصادر الفصول التالية بهمةٍ مماثلةٍ، وإن انتقد قصورها عن إثبات التطبيقات والقضايا العملية التي كان يمكن أن تثري النظرية. ويشفع لمحمود فتحي مع ذلك أن مصادر الفقه القضائي الإسلامي لم تكن متاحةً في الفترة التي بدأ فيها محمود فتحي عمله، بل ولا تزال كذلك ولو بدرجةٍ أقل.
6- محتويات الرسالة وقضاياها:
جاءت هذه الدراسة في عددٍ من الفصول؛ فجاء أولها في بيان أسس نظرية التعسف في القرآن الكريم والسنة النبوية، بالنهي عن الضرر والمضارة في التصرفات. ويمثل حديث: "لا ضرر ولا ضرار" القاعدة الذهبية التي تحكم هذه النظرية، فضلًا عن الأوامر المتعلقة بحسن الجوار والإحسان في معاملة الناس واحترام حقوقهم والعدالة والرحمة والتعاون بين أفراد المجتمع. ويشتمل هذا الفصل كذلك على بيان تطور النظرية في المذاهب الفقهية الإسلامية. ويتناول الفصل الثاني أركان النظرية مما يتعلق بقيام الحق المشروع، والانحراف في استعمال الحق عن الغاية الاجتماعية المنوطة به، مع قصد الإضرار بالغير أو رجحان الضرر على المصلحة، ويأتي الفصل الثالث للنظر في التطبيقات العملية للنظرية في الفقه الإسلامي مما يتعلق أساسًا بحق الملكية، وحق الجوار، وحق التقاضي، وحق الطلاق، والاحتكار، والتسعير، واستخدام الموارد الطبيعية. ويأتي الفصل الرابع في المقارنة بين نظرية التعسف الفقهية ونظيرتها في القانون الغربي. ويسوق محمود فتحي براهين كافيةً لإثبات تأثير الفقه الإسلامي في القوانين الغربية، وبيان تأثر القانون الفرنسي في صياغته نظرية التعسف بالفقه الإسلامي. ورغم هذا التأثر فما تزال النظرية الإسلامية أقوى في استنادها إلى أسسٍ دينيةٍ تعطيها درجاتٍ أعلى في الشرعية والتأثير العملي، وتركز النظرية الإسلامية على حقوق الجماعة والجوانب الأخلاقية في مقابل تركيز الأخرى على حقوق الأفراد والإجراءات القانونية والقضائية. ويختص الفصل الخامس ببيان الآليات القانونية والقضائية، من حيث دور القاضي وسلطته التقديرية في تطبيق النظرية، والجزاءات والعقوبات المترتبة على التعسف، والمساحة الواسعة للتعزير التي تتيح للقاضي المرونة في دفع الضرر بما يناسبه. ويسلم ذلك إلى الفصل السادس الذي يتناول النتائج المستفادة من تطبيقات النظرية مما يتعلق بالحماية الاجتماعية والأخلاقية، وذلك ببيان الدور الأخلاقي للنظرية، وتأكيدها معاني الرحمة والأخوة والتعاون وحسن الجوار والمعاملة وحب الخير للغير، فضلًا عن الحماية من الاستغلال وتحقيق التوازن. ويتناول الفصل السابع بعض التطبيقات والتطورات الحديثة والمعاصرة، مما قد يتعلق بمنع الاحتكار والمنافسة غير العادلة والاستغلال والظلم، وهو ما ظهر في قوانين حماية المستهلك وقوانين العمل ومواجهة ما تفرضه العولمة والكيانات الاقتصادية الضخمة التي أهدرت عدالة المنافسة وفعالية التوزيع العادل للدخل والثروة، ويتعين على الفقهاء والقضاة ابتكار الوسائل الكفيلة باستعادة العدالة والتوازن المفقود. وقد أتى الفصل الثامن والأخير بخاتمةٍ استعادت حديثًا سابقًا عن أهمية نظرية التعسف، وأوضحت الفوائد الأساسية التي أبرزتها الدراسة والتي تتمثل في الحفاظ على التوازن بين الحقوق الفردية والاجتماعية. وبهذا تتضح قيمة نظرية التعسف الفقهية وفضلها في تطوير النظرية القانونية الغربية.
7- ملاحظات ختامية:
عمل محمود فتحي مشروعٌ كبيرٌ تأخر تقديمه في اللغة العربية كثيرًا، وقد كانت له ثماره المتفرعة عنه مما بدا في ظهور عددٍ من المؤلفات القيمة التي تناولت نظرية التعسف من وجهة الفقه الإسلامي. والأمل أن تساعد ترجمة هذا المشروع إلى اللغة العربية في إعادة كتابة تاريخ النظام القانوني الإسلامي في العصر الحديث. لقد بدا للكثيرين أن هذا النظام قد طويت صفحته بعد مجيء الإنجليز إلى مصر عام 1882، وأن الدولة الحديثة باحتكارها التشريع لم تعد قادرةً على التسامح معه أو السماح باستمرار عمله، وهو ما فرح به الساعون إلى علمنة الدولة ومؤسساتها كلها. وهناك على الشاطئ الآخر أولئك الذين يجدون أدلةً واضحةً مثل ضوء الشمس على استمرار النظام القانوني الإسلامي في المواد الدستورية للدول العربية والإسلامية (المعاصرة) وتشريعات هذه الدول (الحديثة)، والمذكرات الإيضاحية لهذه التشريعات (المدني الأردني والإماراتي واليمني على سبيل المثال). ولا يُعنى هؤلاء بثنائية العلمنة والدينية قدر بحثهم عن استقلالهم القانوني وأصالتهم المفتقدة وما يعينهم على تحقيق عدالةٍ حقةٍ لمجتمعاتهم. وآمل أن توفر ترجمة هذا العمل الرائد إلى العربية دوافعَ جديدةً لجمع الفريقين على كلمةٍ سواءٍ في صقل وجه العدالة الحقة لمجتمعاتنا.
ومن المفيد أن أشير إلى بعض الانتقادات الموجهة إلى عمل محمود فتحي، ومن بينها دراسة الزميل عمرو الشلقاني عن نشأة القانون المقارن في العالم العربي، وقد انتقد عمرو محمود فتحي وزملاءه في استخدامهم الهياكل والنظريات القانونية الغربية في دراساتهم الفقه الإسلامي، واعتبر ذلك تهديدًا للأصالة. ورأى جاي بيشور Guy Bechor في دراسته لما أسماه "كود السنهوري" أن نظرية التعسف قد شقت طريقها من الفقه الغربي إلى الإسلامي وصولًا إلى القانون المدني المصري 1948 على يد هؤلاء الحداثيين، ونبه صبحي محمصاني في كتابه عن فلسفة التشريع الإسلامي 1946 إلى خطورة الاعتماد على الهياكل والنظريات القانونية الغربية. وبينما يبني فتحي الدريني بحثه عن التعسف على ما قدمه محمود فتحي، فإنه يحاول إثبات اختلافه في انطلاقه من الأصول والمقاصد بعيدًا عن منطلقات سلفه التي تبدأ من الحقوق الفردية. والذي أجده مع هذا كله أن الاعتماد على التنظير في الدراسات الفقهية الحديثة التي كان عمل محمود فتحي من بواكيرها، قد أخذ الفقه الإسلامي من منهجية المتون والشروح إلى رحاب المعاصرة والحداثة دونما إضرارٍ بالأصالة والخصوصية.
والله ولي التوفيق.
* النص المكتوب لمحاضرة أ.د. محمد أحمد سراج في مناقشة كتاب «نظرية التعسف في استعمال الحق في الفقه الإسلامي والقانون المقارن» للدكتور محمود فتحي- ندوة مركز «إحياء للبحوث والدراسات» ببيت السناري في القاهرة، بالاشتراك مع أ.د. محمد سليم العوا، بمناسبة صدور الترجمة العربية للكتاب عن الفرنسية (15 سبتمبر 2026م). نقلا عن صفحة المركز على الفيسبوك.
** أستاذ الدراسات الإسلامية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، تخرّج في كلية دار العلوم عام ١٩٦٩م، ثم عيّن معيدًا بها، ليحصل منها على درجتي الماجستير والدكتوراه، ثم تدرّج في قسم الشريعة الإسلامية حتى أصبح رئيسًا له عام ١٩٨٩م. وقد أرسل مبعوثًا دراسيًا لجامعة كامبريدج لمدة عام واحد. كما عمل أستاذًا للشريعة الإسلامية بكلية الحقوق جامعة الإسكندرية، وساهم في إنشاء الجامعة الإسلامية بإسلام آباد، حيث عمل أستاذًا مشاركًا للشريعة الإسلامية، وعميدًا لكلية الشريعة والقانون، ومديرًا عامًا لأكاديمية تدريب القضاة والمشتغلين بالمهام القانونية بباكستان. وقد ألّف وحقق وترجم أكثر من عشرين مؤلفًا في الفقه الإسلامي. من أعماله:
- أحكام الأسرة في الشريعة الإسلامية (بالاشتراك مع الدكتور محمد كمال إمام رحمه الله)
- في أصول النظام القانوني الإسلامي.
- في تاريخ النظام القانوني الإسلامي.
- العلاقات الدولية في الإسلام (ترجمة بالاشتراك مع الدكتورة وفية حمودة).
[1] د. محمود فتحي، نظرية التعسف في استعمال الحق في الفقه الإسلامي والقانون المقارن- دراسة تاريخية مقارنة بين القانون والفقه، نقله للعربية عن الفرنسية: د. محمد الريوش، القاهرة: مركز إحياء للبحوث والدراسات، الطبعة الأولى، 2026م.
[2] الدكتور محمود فتحي محام وباحث مصري من أعلام الرعيل الأول الذين جمعوا بين التكوين القانوني الغربي والتحصيل الفقهي في أوائل القرن العشرين. نال درجة الدكتوراه في القانون من جامعة ليون (Lyon) بفرنسا عام 1912م بإشراف العالم القانوني الفرنسي الكبير إدوارد لامبير. تُعد أطروحته "نظرية التعسف في استعمال الحق في الفقه الإسلامي" (المكتوبة بالفرنسية: La théorie de l'abus des droits dans le droit musulman) من أولى وأهم الدراسات الأكاديمية المقارنة التي أصلت لهذه النظرية من داخل التراث الفقهي. يُحسب له السبق في إثبات تأسيس الفقه الإسلامي لمبدأ "منع التعسف في استعمال الحق" واستيعابه أبعادها الأخلاقية والقانونية قبل أن تستقر بشكل كامل في القوانين المدنية الغربية الحديثة، مما جعل دراسته مرجعًا رئيسيًا لعلماء القانون المقارن والشريعة.