ألفت وزارة الحقانية منذ شهور لجنة لتعديل بعض أحكام الأحوال الشخصية المعمول بها الآن في المحاكم الشرعية، برئاسة حضرة صاحب السعادة عبد الرحمن رضا باشا وكيل الحقانية، وعضوية حضرات أصحاب الفضيلة والعزة، الشيخ محمد المراغي رئيس المحكمة الشرعية العليا، والشيخ عبد المجيد سليم رئيس محكمة مصر الابتدائية الشرعية، والشيخ محمد مخلوف رئيس التفتيش الشرعي، والشيخ عبد السلام البحيري المفتش الشرعي بالوزارة، ويس بك أحمد مدير إدارة المجالس الحسبية.
وعهدت هذه اللجنة العامة بوضع المشروع الى لجنة فرعية من حضرات أصحاب الفضيلة رئيس المحكمة العليا، ورئيس التفتيش الشرعي والشيخ عبد السلام البحيري، والشيخ مصطفى عبد الرازق المفتش بالوزارة؛ فأتمت المشروع. وها نحن ننشره فيما يلي، مع مذكرته الايضاحية، ومذكرة أخرى بالمراجع التي استندت اليها. على إن ذلك لا يزال تحت البحث؛ وقد علمنا أخيرا إن الوزارة أدخلت عليه تعديلات جوهرية. وسننشر فيما بعد ما يستقر عليه الرأي في هذا الموضوع الاجتماعي الخطير.
ويسرنا إن يتناوله حضرات القضاة الشرعيين والعلماء بالبحث والتحليل، خدمة للقضاء والدين. والمجلة ترحب بما يرد اليها من المقالات والآراء تأييدا أو بحثا، وترجو إن يصلها ذلك قبل إعداد العدد الآتي:
مشروع مرسوم بقانون
خاص ببعض أحكام الأحوال الشخصية
(أ) تعدد الزوجات
المادة 1 – لا يجوز لمتزوج إن يعقد زواجه بأخرى، ولا لأحد إن يتولى عقد هذا الزواج أو يسجله، إلا بإذن من القاضي الشرعي الذي في دائرة اختصاصه مكان الزوج.
المادة 2 – لا يأذن القاضي بزواج متزوج، إلا بعد التحري وظهور القدرة على القيام بحسن المعاشرة والانفاق على أكثر ممن في عصمته ومن تجب نفقتهم عليه من أصوله وفروعه.
المادة 3 – لا تسمع عند الانكار أمام القضاء دعوى زوجية حدثت بعد العمل بهذا القانون، إلا إذا كانت ثابتة بورقة رسمية.
(ب) الطلاق
المادة 4 - لا يقع طلاق السكران والمكره.
المادة 5 - لا يقع الطلاق غير المنجز إذا قصد به الحمل على فعل شيء أو تركه.
المادة 6 - الطلاق المقترن بعدد، لفظا أو إشارة، لا يقع إلا واحدة.
المادة 7 - كنايات الطلاق، وهي ما تحتمل الطلاق وغيره، لا يقع بها الطلاق إلا بالنية.
المادة 8 - كل طلاق يقع رجعيا، إلا المكمل للثلاث، والطلاق قبل الدخول، والطلاق على مال، وما نص على كونه بائنا في هذا القانون أو القانون رقم 25 سنة 1920.
(ج) الفسخ بإخلال الزوج بالشروط
المادة 9 - إذا اشترطت الزوجة في عقد الزواج شرطا على الزوج فيه منفعة لها ولا ينافي مقاصد العقد، كألا يتزوج عليها أو إن يطلق ضرتها أو ألا ينقلها الى بلدة أخرى، صح الشرط ولزم، وكان لها حق فسخ الزواج إذا لم يف لها بالشرط. ولا يسقط حقها في الفسخ إلا إذا أسقطته أو رضيت بمخالفة الشرط.
(د) الشقاق بين الزوجين والتطليق للضرر
المادة 10 - إذا ادعت الزوجة إضرار الزوج بها بما لا يستطاع معه دوام العشرة عادة بين أمثالها، وطلبت التفريق، طلقها القاضي طلقة بائنة إن ثبت الضرر وعجز عن الاصلاح بينهما؛ وإن لم يثبت الضرر بعث القاضي حكمين وقضى بما يريانه على ما هو مبين بالمواد (11 و12 و13 و14 و15 و16).
المادة 11 - يشترط في الحكمين إن يكونا رجلين عدلين من أهل الزوجين إن أمكن، وإلا فمن غيرهم ممن له خبرة بحالهما وقدرة على الاصلاح بينهما، عالمين بأحكام النشوز ولو بتعليم القاضي.
المادة 12 - على الحكمين إن يتعرفا أسباب الشقاق بين الزوجين ويبذلا جهدهما في الاصلاح، فان أمكن على طريقة معينة قرراها.
المادة 13 - إذا عجز الحكمان عن الاصلاح، وكانت الاساءة من الزوج أو منهما أو جهل الحال، قررا التفريق بلا عوض بطلقة بائنة.
المادة 14 - إذا كانت الاساءة من الزوجة قرر الحكمان ما تعينت فيه المصلحة، من بقاء الزوجة في عصمة زوجها وائتمانه عليها، أو التفريق بينهما بعوض عليها بطلقة بائنة؛ وعند عدم تعيين المصلحة يكون للحكمين الخيار في تقرير التفريق أو البقاء إن لم يرد الزوج الطلاق، فان أراد الطلاق قرراه بعوض عليها.
المادة 15 - إذا اختلف الحكمان أمرهما القاضي بمعاودة البحث، فان استمر الخلاف بينهما حكم غيرهما.
المادة 16 - على الحكمين إن يرفعا الى القاضي ما يقررانه في جميع الأحوال، وعلى القاضي إن يمضيه.
المادة 17 - إذا غاب الزوج سنة فأكثر كان لزوجته إن تطلب الى القاضي إن يطلقها بائنا إذا تضررت من بعده عنها، ولو ترك ما لا تستطيع الانفاق منه.
المادة 18 - إن أمكن وصول الرسائل الى الغائب ضرب له القاضي أجلا وأعذر اليه بأنه يطلقها عليه إن لم يحضر للإقامة معها أو ينقلها اليه أو يطلقها، فاذا انقضى الأجل ولم يفعل فرّق القاضي بينهما بتطليقة بائنة. وإن لم يمكن وصول الرسائل الى الغائب طلق القاضي عليه بلا اعذار وضرب أجل.
المادة 19 - لزوجة المحبوس المحكوم عليه نهائيا بعقوبة مقيدة للحرية مدة ثلاث سنين فأكثر إن تطلب الى القاضي بعد مضى سنة من حبسه التطليق عليه بائنا للضرر، ولو كان له مال تستطيع الانفاق منه.
(هـ) دعوى النسب
المادة 20 - لا تسمع دعوى النسب لولد زوجة ثبت عدم التلاقي بينها وبين زوجها من حين العقد.
المادة 21 - لا تسمع دعوى النسب لولد زوجة أنت به بعد سنة من غيبة الزوج عنها إذا ثبت عدم التلاقي بينهما في هذه المدة.
المادة 22 - لا تسمع دعوى النسب لولد المطلقة والمتوفى عنها زوجها إذا أنت به لأكثر من سنة من وقت الطلاق أو الوفاة.
(و) النفقة
المادة 23 - تقدر نفقة الزوجة على زوجها بحسب حال الزوج يسرا وعسرا مهما كانت حالة الزوجة.
المادة 24 - لا تسمع الدعوى بنفقة عدة لمدة تزيد عن سنة من تاريخ الطلاق.
(ز) سن الحضانة
مـذكـرة إيـضـاحـيـة
تشتمل على بيان الأسباب والمسوغات لمشروع مرسوم بقانون يتضمن أحكام بعض الأحوال الشخصية في الموضوعات الآتي بيانها:
(أ) تقييد تعدد الزوجات
أباحت الشريعة الاسلامية التزوج بأكثر من واحدة، لمصالح هامة وأغراض سامية، لا لمجرد الهوى وإشباع الشهوة العمياء.
فالزواج عقد عليه المدار في بقاء النوع الى الأجل المقدر له على أكمل وجه وأبدع نظام، وبه تتكون الأسر وتنشأ الأجيال المستقبلة، وتترتب حقوق وواجبات لكل من طرفي العقد وعليه، وتنشأ عنه تبعات لما يكون بين الزوجين من نسل وما يتصل بهما بقرابة أو مصاهرة.
ان عقدا له هذه المكانة العظمى في بناء النظام الاجتماعي، لا يمكن لشريعة ما إن تتركه للهو والعبث به، بدون إن تحوطه بما يحفظه للمصلحة المترتبة عليه والأغراض المقصودة منه، فضلا عن الشريعة الاسلامية ذات المبادئ السامية فيما شرعته لنظام الاجتماع.
والواقع إن الشريعة الاسلامية ما أباحت التعدد إلا حيث لا يخشى منه الجور، سواء أكان ذلك الجور يظن وقوعه بالزوجات أم بغيرهن.
دل على ذلك إطلاق العدل في قوله تعالى: (فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة)، ودل عليه أيضا ما علم من الدين بالضرورة من إن وسيلة الشيء تعطى حكمه.
ولو إن المسلمين وقفوا عند حدود الشريعة في تصرفاتهم، لأغنوا أولى الأمر منهم عن استعمال حقهم المشروع في التعزير على المعاصي بما فيه الزجر عن ارتكابها.
ولكن طبيعة البشر في كل زمان ومكان نزاعة الى تجاوز الحدود المشروعة، طلعة الى تذوق ما منعت عنه ولو كان في تذوقه حتفها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.
لذلك كان حتما إن تحاط الشرائع بالعقوبات والزواجر، الى العظات والنصائح وإحسان التربية؛ ولم يخل زمن من الأزمان من عهد إن وجدت الشريعة الاسلامية الى الآن مما يضطر أولو الأمر معه الى استعمال حقهم المشروع في وضع النظم التي يكبحون بها النفوس الجامحة ليستقيم أمر الناس في دينهم ودنياهم.
كان هذا شأن أولى الأمر، والمسلمون قريبو عهد بدينهم: الفضيلة بينهم شائعة، والرذيلة فيهم نادرة، وعليهم من العادات القومية أعظم رقيب، ولهم من الآداب الاجتماعية أقوى رادع. فكيف بهم الآن وقد اجترأوا على اطراح العادات الصالحة، وإهمال الآداب، وعدم المبالاة بالحقوق والواجبات!!
إنهم الآن الى الزواجر والروادع أحوج منهم في الأزمان الماضية، فتحدث للناس أقضية بقدر ما يحدثون من الفجور.
ولا يجمل بأولى الأمر إن يقفوا مكتوفي الأيدي يرون الفساد يشيع وينتشر، وهم مسؤولون أمام الله والأجيال المستقبلة عن كل تفريط فيما يصلح أمر المسلمين في دينهم ودنياهم.
وقديما أدرك المصلحون إن استرسال الأمة في تعدد الزوجات، مع عدم القدرة على إقامة حدود الله، مفسدة للأمر، مضيعة للنسل؛ وبالأسر تتكون الأمة، وبالنسل تناط الآمال المستقبلة في الرقى، وبلوغ المثل الأعلى للأمم المتحضرة؛ فلا بد إن تقوم الأسر أحسن تقويم، ويربى النسل أقوم تربية.
أدرك المصلحون هذا فطلبوا الى الحكومة إن تضع نظاما تشرف به على تعدد الزوجات، حتى لا يقدم عليه من ليس له بأهل ولا له عليه استطاعة.
بذلك رفع الأستاذ الامام الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية صوته، واقترحه على الحكومة في التقرير الذي قدمه الى ناظر الحقانية سنة 1897.
ولا يُدرى السبب في إهمال حكومة ذلك العهد لهذا الاقتراح، مع كثرة ما أخذت به من مقترحات الأستاذ الامام.
كان من نتائج هذا الاهمال إن استمر الفساد الناشئ عن إطلاق تعدد الزوجات يتغلغل في جسم الأمة، ويحمل الحكومة أعباء ثقيلة بكثرة المتشردين ومن لا عائل لهم، وبخصومات الزوجية وقطع أواصر الرحم والقرابة.
فقد دل البحث في الكثرة الساحقة من حوادث التشرد على أنها ناشئة من تعدد الزوجات، حيث ينتقل العامل من بلدة الى أخرى يتخذ له في كلّ زوجة وينسل ذرية، ولا قدرة له على القيام بأمر الجميع، ويجهل على من تركهم من زوجة وولد محل إقامته، فيكون من نسله أبناء الأزقة والشوارع، ومن نسائه المتسولات والمتجرات بالعفاف.
وفي كل يوم تنظر المحاكم الشرعية عددا هائلا من خصومات الزوجية التي لا منشأ لها إلا تعدد الزوجات، ويقدم الى وزارة الحقانية عدد عظيم من أحكام النفقات لأكثر من زوجة، قصد التنفيذ على ربع مرتب الموظف، وقد يكون ضئيلا حقيرا.
هذا بعض ما يترتب على إطلاق تعدد الزوجات من الاضرار والمفاسد. ولو إن في نظام الحكومة ما يوصل الى إحصاء أنواع المفاسد الاجتماعية، لظهر إن إطلاق تعدد الزوجات يحرز النصيب الأوفر منها.
ولو لم يكن في إطلاق تعدد الزوجات سوى أنه مدرجة الى إهمال تربية النشء، لكفى داعيا لوضع نظام يمنع غير القادرين عن الاقدام عليه، فانا في حاجة قصوى الى إحسان التربية وتقويم الأخلاق في العامل والصانع والزارع والتاجر كغيرهم من العلماء والمتفننين؛ فليس التفاضل بين الأمم بكثرة التعداد، وانما التفاضل بقيمة ما يحسنون من الأعمال.
لهذا عُنيت الوزارة بوضع نظام تراقب به تعدد الزوجات حتى لا يقدم عليه إلا المستطيعون ومن لا يترتب على تعدد زوجاتهم أضرار اجتماعية.
لم تقصد الوزارة فيما شرعته لذلك إن تغير مشروعا أو تمنع مباحا، وإنما قصدت إن تمنع منكرا اتفقت جميع المذاهب على إنكاره، وهو التزوج بأكثر من واحدة حين لا يكون للزوج قدرة على القيام بنفقتهن، بما لديه من مال أو بما هو مهيأ له من كسب، حسب البيئة والوسط الذي يعيش فيه. وليس هناك أي مانع شرعي من ذلك، فجميع المذاهب متفقة على إن لولى الأمر بل عليه إن يقيم قوانين الدين والملة على وجه يجب اتباعه، وله إن يعزر على ارتكاب المنكرات التي لم يرد في العقوبة عليها حدّ مقدّر بما يراه رادعا عن ارتكابها.
وتحريم تعدد الزوجات، وإن كان غير قاصر على عدم استطاعة الانفاق، لكنه روعي في القانون ألا يتدخل القاضي إلا فيما يمكن الوصول الى معرفته وهو استطاعة الانفاق؛ وما عدا ذلك من موجبات التحريم خفي يتعذر الوصول اليه أولا يتبين أمره إلا بعد تجارب المعاشرة.
لذا كله وضعت المواد (1 و2 و3 و4) من مشروع القانون.
(ب) الطلاق
عقد الزواج الذي ذكرنا في الموضوع السابق بعض ما له من شأن ومكانة في بناء النظام الاجتماعي، لا يكون رفعه إلا حيث لا تستقيم بين الزوجين معيشة، ولا تطيب لهما معاشرة، ولا يقدران على اقامة حدود الله، ... لا إن يكون مضغة الأفواه، وآلة للحلف به في الأسواق على أحقر السلع، وفي الدعوة الى الطعام والشراب.
الى ذلك أرشد الكتاب الكريم، حيث أمر بإرسال الحكمين عند خوف الشقاق، حتى تبلى الأعذار وتُمحّص المصلحة في الطلاق، وأمر بالصبر والأناة عند البغض والكراهة، عسى إن يحوّل الله القلوب: (وان كرهتموهن فعسى إن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا)، وبذلك وردت السنة، وعلى ذلك كانت سيرة الصحابة والتابعين والسلف والصالحين.
ولكن خلف من بعدهم خلف تجاوزوا حدود الله فيما أمر ونهى، واتخذوا شرع الله هزوا، فصارت الزوجة تطلق لأسباب لا دخل لها فيها وحيث لا يريد الزوج الطلاق.
فكم خربت بيوت عامرة، وضيعت ذرية ناشئة، وقطعت أواصر رحم وقرابة، من جراء العبث بأقدس العقود وأجلها شأنا. وكان ذلك سببا في كثرة ما ورد للوزارة من الشكايات وعرائض التظلم من هذه الفوضى في الطلاق.
لذلك بحثت الوزارة عن حل لهذه المشكلة الاجتماعية، ينطبق على أصول الدين وقواعده، ويوافق أقوال أئمته وأهل الفقه فيه؛ فرأت إن هناك أقوالا إذا أخذ بها يقل الطلاق الواقع.
وليس هناك مانع شرعي من الأخذ بأقوال الفقهاء من غير مذهب أبى حنيفة ولا من غير المذاهب الأربعة، خصوصا إذا كان الأخذ بأقوالهم يؤدى الى جلب صالح عام أو دفع ضرر عام، بناء على ما هو الحق من آراء علماء أصول الفقه.
لذلك لم تتجاوز الوزارة فيما ضمنته مشروع القانون في هذا الموضوع ما يسوغ شرعا في نظر جميع المذاهب: (المواد 5 و6 و7 و8 و9) من مشروع القانون.
وقد وضعت مذكرة خاصة في مسائل الطلاق لأهمية هذا الموضوع، مرفقة مع هذه المذكرة.
(ج) الفسخ بإخلال الزوج بالشروط
كثيرا ما يتقدم عقد الزواج محادثات بين الزوجين أو أولياء أمورهما تتضمن عهودا لولاها ما أقدما على عقد الزواج، ثم بعد العقد لا توفى العهود ولا تنجز المواعيد، ويترتب على ذلك الشقاق وسوء العشرة بين الزوجين.
ولا علاج لهذه الحالة فيما عليه العمل الآن من مذهب أبى حنيفة؛ وفى مذهب الامام أحمد رضى الله عنه العلاج الشافي والدواء الناجع.
لهذا أخذت الوزارة في هذا الموضوع من مشروع القانون بأحكام مذهب الامام أحمد، بالنسبة لما تشترطه الزوجة على زوجها في صلب العقد، وتركت الأخذ به بالنسبة لما يشترطه الزوج، لأن بيده عقدة الزواج، فاذا لم توف له الزوجة ما اشترطه عليها أمكنه التخلص منها بقطع علائق الزوجية؛ أما الزوجة فلا سبيل لها إلا بتمليكها حق الفسخ إذا لم يوف لها الزوج بما اشترطت عليه: (المادة 10) من مشروع القانون.
(د) الشقاق بين الزوجين والتطليق للضرر
الشقاق بين الزوجين مجلبة لإضرار لا تحصى، لا يقتصر أثرها على الزوجين، بل يتعداهما الى ما خلق الله بينهما من ذرية، والى كل من له بهما علاقة قرابة أو صداقة؛ الى أنه يفوت المقاصد الشرعية من الزواج، وهي السكون والتراحم والتواد، فبدلا من إن يكون البيت دار سعادة يصبح دار حرب وشقاء. وليس في أحكام مذهب أبى حنيفة ما يمكن الزوجة من التخلص ولا ما يرجع الزوج عن غيه، فيحتال كلّ الى إيذاء الآخر قصد الانتقام.
تطالب الزوجة بالنفقة ولا غرض لها إلا إحراج الزوج بتغريم المال؛ ويطالب الزوج بالطاعة ولا غرض له إلا إن يتمكن من إسقاط نفقتها، وأن تنالها يده، فيوقع بها ما شاء من ضروب العسف والجور. هذا فضلا عما يتولد عن ذلك من إشكال في تنفيذ حكم الطاعة وتنفيذ بالحبس لحكم النفقة، وما قد يؤدّى اليه استمرار الشقاق من الجرائم والآثام.
رأت الوزارة هذه الآثار واضحة جلية للشقاق بين الزوجين، وتقدمت اليها شكايات كثيرة منها؛ فرأت إن المصلحة داعية الى الأخذ بمذهب الامام مالك رضى الله عنه في أحكام الشقاق بين الزوجين؛ ولا مانع من ذلك شرعا، خصوصا إذا توفرت فيه المصلحة ودعت اليه الضرورة؛ فوضعت المواد (11 و12 و13 و14 و15 و16 و17) من مشروع القانون.
كذلك قد يغيب الزوج عن زوجته مدة طويلة، ثم لا هو يحمل زوجته اليه، ولا هو يطلقها لتتخذ لها زوجا غيره. ومقام الزوجين على هذا الحال زمنا طويلا مع محافظتها على العفة والشرف أمر لا تحتمله الطبيعة في الأعم الأغلب، وان ترك الزوج لها مالا تستطيع الانفاق منه.
وقد يقترف الزوج من الجرائم ما به يستحق عقوبة السجن الطويل، فتقع زوجته في مثل ما وقعت فيه زوجة الغائب. وليس في أحكام مذهب أبى حنيفة ما تعالج به هذه الحالة؛ ومعالجتها واجب اجتماعي محتم. ولمذهب الامام مالك رضى الله عنه يجيز التطليق على الغائب الذي يترك لزوجته ما تنفقه على نفسها إذا طالت غيبته سنة فأكثر وتضررت الزوجة من بعد الزوج عنها، بعد إن يضرب له أجل ويعذر اليه بأنه إما إن يحضر للإقامة معها أو ينقلها اليه أو يطلقها وإلا طلقها عليه القاضي؛ هذا إذا أمكن وصول الرسائل اليه، وإلا فيطلق بلا ضرب أجل ولا إعذار.
والزوج الذي حكم عليه نهائيا بالسجن ثلاث سنين فأكثر بحكم نهائي يساوى الغائب الذي طالت غيبته سنة فأكثر في تضرر زوجته من بعده عنها، كما يساوى الأسير في ذلك، فيجوز لزوجته التطليق عليه بعد سنة من سجنه إذا تضررت من بعده عنها كزوجة الغائب والأسير، لأن المناط في ذلك تضرر الزوجة من بعد الزوج عنها؛ ولا دخل لكون بعده عنها باختياره أو قهرا عنه، بدليل النص على إن لزوجة الأسير حق طلب التطليق إذا تضررت من بعد زوجها عنها.
لهذا وضعت المواد (18 و19 و20) من مشروع القانون.
(هـ) دعوى النسب
بناء على الأحكام الواجب تطبيقها الآن، يثبت نسب ولد الزوجة في أي وقت أتت به، مهما تباعد الزوجان وطال أمد التلاقي (أي مجرد الاجتماع بدون نظر إلى ما كان منهما فيه) بينهما؛ فيثبت نسب ولد زوجة مشرقية من زوج مغربي، عقد الزواج بينهما، مع اقامة كل في جهته، ولم يلتقيا من وقت العقد الى وقت الولادة، بناء على مجرد جواز الاجتماع بينهما عقلا.
كذلك يثبت نسب ولد المطلقة بائنا إذا أتت به لأقل من سنتين من وقت الطلاق، ونسب ولد المتوفى عنها زوجها إذا أتت به لأقل من سنتين من وقت الوفاة. ويثبت نسب ولد المطلقة رجعيا في أي وقت أتت به من وقت الطلاق، ما لم تقرّ بانقضاء العدة.
والعمل بهذه الأحكام، مع شيوع فساد الذمم وسوء الأخلاق، أدى الى الجرأة على ادعاء نسب أولاد غير شرعيين؛ وتقدمت بذلك شكاوى عديدة الى الوزارة.
ولما كان رأى الفقهاء في ثبوت النسب مبنيا على رأيهم في أقصى مدة الحمل، ولم يبن أغلبهم رأيه في ذلك إلا على إخبار بعض النساء بأن الحمل مكث كذا سنين، والبعض الآخر كأبي حنيفة بنى رأيه في ذلك على أثر ورد عن السيدة عائشة يتضمن إن أقصى مدة الحمل سنتان؛ وليس في أقصى مدة الحمل كتاب ولا سنة؛ فلم تر الوزارة مانعا من أخذ رأى الأطباء في المدة التي يمكثها الحمل، فأفاد الطبيب الشرعي بأنه يرى أنه عند التشريع يعتبر أقصى مدة الحمل 365 يوما، حتى يشمل جميع الأحوال النادرة.
وبما أنه يجوز شرعا لولى الأمر إن يمنع قضاته من سماع بعض الدعاوى التي شاع فيها التزوير والاحتيال؛ ودعوى نسب ولد بعد مضى سنة من تاريخ الطلاق بين الزوجين، وكذا دعوى نسب ولد من زوج لم يتلاق مع زوجته في وقت ما، ظاهر فيها الاحتيال والتزوير؛ ... رأت الوزارة إن تضع المواد (21 و22 و23) من مشروع القانون لتسدّ هذا الباب، بناء على ما لولى الأمر من حق التخصيص.
(و) النفقة
كان المتبع الى الآن في تقدير نفقة الزوجة على زوجها إن يراعى في ذلك حال الزوجين معا يسارا وإعسارا وتوسطا: فاذا اختلف حال الزوجين بأن كان أحدهما موسرا والآخر معسرا قدر للزوجة نفقة المتوسطين، فاذا كان الزوج هو الموسر أمر بأداء ما فرض، واذا كان هو المعسر أمر بأداء نفقة المعسرين، والباقي يكون دينا عليه يؤدّيه إذا أيسر.
وبما إن هذا الحكم ليس متفقا عليه بين مذاهب الأئمة الأربعة، فمذهب الشافعي رضى الله تعالى عنه ورأى صحيح في مذهب أبى حنيفة لا يقدر نفقة الزوجة إلا باعتبار حال الزوج مهما كانت حال الزوجة، استنادا الى صريح الكتاب الكريم: (لينفق ذو سعة من سعته، ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله، لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها، سيجعل الله بعد عسر يسرا)، (أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم).
وبما أنه لا يجب إن تأخذ الزوجة من زوجها أكثر مما يقدر عليه، لأنها تعاقدت معه على إن ينفق عليها مما يستطيع حسب اختلاف الأزمان والأحوال، فكان من المصلحة الأخذ بمذهب الشافعي والرأي الآخر من مذهب أبى حنيفة في تقدير نفقة الزوجة على زوجها، وهو ما تضمنته المادة (24) من مشروع القانون.
كذلك، بناء على الأحكام الواجب تطبيقها الآن بمقتضى القانون رقم 25 سنة 1920، تستطيع المطلقة إن تأخذ نفقة عدة مدة طويلة بدون حق: فإنها إذا كانت مرضعا تدعى إن الحيض لم يأتها طول مدة الرضاع وهي سنتان، ثم تدعى بعد ذلك أنه لا يأتيها إلا مرة واحدة كل سنة، وقولها مقبول في ذلك، فتتوصل الى إن تأخذ نفقة عدة مدة خمس سنين؛ وان كانت غير مرضع تدعى إن الحيض يأتيها مرة واحدة في كل سنة، فتتوصل الى إن تأخذ نفقة عدة مدة ثلاث سنين. ولما كان هذا الادعاء خلاف العادة الشائعة في النساء، كثر شكوى الأزواج من تلاعب المطلقات واحتيالهن لأخذ نفقة عدة بدون حق. فرأت الوزارة إن المصلحة داعية الى تعديل هذا الحكم، بناء على ما ثبت في تقرير الطبيب الشرعي من إن أقصى مدة الحمل سنة، وعلى إن لولى الأمر حق منع القضاة من سماع بعض الدعاوى التي شاع فيها التزوير والاحتيال؛ فوضعت المادة (25) من مشروع القانون.
(ز) سن الحضانة
جرى العمل الى الآن على إن الحضانة النسائية تنتهي عند بلوغ الصغير سبع سنين وبلوغ الصغيرة تسعا، وهي سن دلت التجارب على أنها قد لا يستغنى فيها الصغير والصغيرة عن الحضانة النسائية، فيكونان في خطر من ضمهما الى غير النساء، خصوصا إذا كان والدهما متزوجا بغير أمهما؛ ولذلك تكثر شكوى النساء من انتزاع أولادهن منهن في ذلك الوقت.
وبما إن هذا الحكم الجاري عليه العمل ليس ظاهر الرواية من مذهب أبى حنيفة، وظاهر الرواية فيه تقدير استغناء الصغير بتسع والصغيرة بإحدى عشرة؛ ورأت الوزارة إن المصلحة داعية الى الأخذ بهذا القول، على إن يكون للقاضي حرية النظر في تقدير مصلحة الصغير بعد سبع والصغيرة بعد تسع: فان رأى إن مصلحتهما في بقائهما تحت حضانة النساء قضى بذلك الى تسع في الصغير وإحدى عشرة في الصغيرة، وان رأى مصلحتهما في غير ذلك قضى بضمهما الى غير النساء؛ وهذا هو ما تضمنته المادة (26) من مشروع القانون.
جدول يشتمل على مآخذ النصوص التي بنى عليها مشروع المرسوم بقانون بتعديل أحكام بعض الأحوال الشخصية
(أ) تعدد الزوجات
بنى مشروع القانون في هذا على المبادئ الآتية:
(ب) الطلاق
بنى مشروع القانون في هذا على المبادئ الآتية:
(تابع للمبدأ الرابع) (شرح المنهاج، صفحة 69، جزء سادس؛ ومنح الجليل، صفحة 229 وما بعدها، جزء ثان).
(ج) الفسخ بإخلال الزوج بالشروط
بنى مشروع القانون في هذا على مذهب الامام أحمد فيما تشترطه الزوجة على زوجها؛ واقتصر على ما تشترطه الزوجة في صلب العقد، منعا للادعاء الكاذب بشروط في غير صلب العقد، ولأن الزوج يمكنه التخلص من الزوجة بالطلاق إذا لم توف الزوجة له بما اشترط، بخلاف الزوج: (كشاف القناع، صفحة 52، جزء ثالث).
(د) الشقاق بين الزوجين والتطليق للضرر
بنى مشروع القانون في هذا على مذهب الامام مالك: (منح الجليل، صفحة 169 وما بعدها، وصفحة 313 و390 جزء ثان؛ والدسوقي على الشرح الكبير، جزء ثان، صفحة 302 وما بعدها، وصفحة 313 و428).
(هـ) دعوى النسب
بنى مشروع القانون في هذا على ما لولى الأمر من حق منع القضاة من سماع بعض الدعاوى: (الفتاوى الحامدية، صفحة 2 وما بعدها، جزء ثان)؛ وما قرّره الطبيب الشرعي من إن أقصى مدة الحمل سنة: (انظر تقرير الطبيب الشرعي المرفق بالقانون).
(و) النفقة
بنى مشروع القانون في هذا على ما يأتي:
(ز) سن الحضانة
بنى مشروع القانون في هذا على ظاهر الرواية في مذهب أبى حنيفة: (ابن عابدين، جزء ثان، صفحة 989 الى 991).
لتحميل ملف التعديل (هنا)
* مشروع قانون نُشر في مارس 1927م، وغير معروف بالضبط هل تمت مناقشته في البرلمان أم لا، إلا أنه من المؤكد أنه لم يجر إصداره في قانون، وقد يكون ذلك مرجعه إلى الاعتراضات الكثيرة التي واجهته، لاسيما من بعض علماء الأزهر الشريف. وكان من أبرز المعترضين عليه العلامة الشيخ محمد بخيت المطيعي؛ حيث ألَّف كتابه "رفع الإغلاق عن مشروع الزواج والطلاق" لمناقشة مواد ذلك المشروع، وكذلك الشيخ محمد رشيد رضا الذي شن حملة ضده، فكتب عنه في مجلة "المنار" مقالًا من جزأين، تحت عنوان "قانون الأحوال الشخصية في مصر والتنازع بين جمود الفقهاء المقلدين وإلحاد زنادقة المتفرنجين"، كما ناقشته كذلك الكاتبة والأديبة نبوية موسى في مقالتها المعنونة "قانون الزواج الجديد- رأي نسائي فيه"، وهي الكتابات التي سننشرها لاحقًا في باب "دراسات ومقالات" بموقعنا "حوارات الشريعة والقانون".