في مارس من عام 1927م، برز في مصر مشروع قانون جديد للأحوال الشخصية أعدته لجنة شكلتها وزارة الحقانية (وزارة العدل حاليًا)[1]، والذي أثار موجة واسعة من الجدل والنقاش في الأوساط الدينية والثقافية. تضمن المشروع موادَّ تقيد حق الرجل في تعدد الزوجات؛ حيث قيدت المادتان الأولى والثانية الزواج بأخرى إلا بإذن من القاضي الشرعي، وبعد التحري عن قدرة الزوج المالية على الإنفاق وقدرته على القيام بحسن المعاشرة. كما اشترطت المادة الثالثة عدم سماع دعوى الزوجية عند الإنكار إلا إذا كانت ثابتة بورقة رسمية. هذا بالإضافة إلى تعديلات في أحكام الطلاق كعدم وقوع طلاق السكران والمكره، واعتبار الطلاق المقترن بعدد طلقة واحدة فقط.
مشروع القانون لم تكتمل إجراءات إصداره قانونًا، وقد يكون ذلك مرجعه إلى الاعتراضات الكثيرة التي واجهته، لاسيما من بعض علماء الأزهر الشريف. وكان من أبرز المعترضين عليه العلامة الشيخ محمد بخيت المطيعي؛ حيث ألَّف كتابه "رفع الإغلاق عن مشروع الزواج والطلاق" لمناقشة مواد ذلك المشروع، وكذلك الشيخ محمد رشيد رضا الذي شن حملة ضده، فكتب عنه في مجلة "المنار" مقالًا من جزأين، تحت عنوان "قانون الأحوال الشخصية في مصر والتنازع بين جمود الفقهاء المقلدين وإلحاد زنادقة المتفرنجين"، كما ناقشته كذلك الكاتبة والأديبة نبوية موسى في مقالتها المعنونة "قانون الزواج الجديد- رأي نسائي فيه"، وهي الكتابات التي سننشرها لاحقًا في بابي "مكتبة الموقع"، و"دراسات ومقالات" بموقعنا "حوارات الشريعة والقانون"، ونستعرض هنا خلاصتها فيما يلي:
أولًا: موقف العلامة الشيخ محمد بخيت المطيعي:
تصدى الشيخ محمد بخيت المطيعي (مفتي الديار المصرية الأسبق) للمشروع من الناحية الفقهية الشرعية الصارمة، وألّف كتابًا كاملًا للرد عليه أسماه "رفع الإغلاق عن مشروع الزواج والطلاق" (وهو الكتاب الذي ننشره على الشبكة لأول مرة.
وقد مثّل المطيعي تيار كبار علماء الأزهر الرافضين للمشروع، وتركزت حججه الأساسية في:
ثانيًا: موقف الشيخ محمد رشيد رضا:
كتب الشيخ رشيد رضا مقالين في مجلة "المنار" تحت عنوان "قانون الأحوال الشخصية في مصر والتنازع بين جمود الفقهاء المقلدين وإلحاد زنادقة المتفرنجين"، استعرض فيهما السياق الذي طرح فيه مشروع القانون، حيث ذكر أن:
1) هذا المشروع جاء في ظل تصارع جماعات ثلاثة: جماعة الفقهاء المقلدين، وجماعة المتفرجنين، وجماعة المستقلين، موضحًا أن جماعة "المتفرنجين" يستغلون جمود المقلدين للمطالبة بحكومة لا دينية وقانون مدني للأحوال الشخصية يُطبق على الجميع، بينما وصف جماعة المستقلين هي الجماعة الوسطى المرجوة للوصل بين عقلاء المسلمين الصادقين من الطرفين الآخرين.
2) في ظل هذا المناخ الاستقطابي قامت الحكومة -ممثلة في وزارة الحقانية (العدل)- بتقديم مشروع قانون الأحكام الشخصية الذي نُص فيه على أحكام مخالفة للمذاهب الأربعة التي تدرس في الأزهر وأمثاله من مدارس أهل السنة فأوجس جمهور علماء الأزهر وغيرهم خيفة منه أن يسير مسيرة الحكومة التركية (حكومة أتاتورك) وأن يجعل الشارع هو البرلمان (المؤلف من المسلمين وغير المسلمين)، وليس الله ورسوله.
3) العالم الدعوة يحتاج إلى إصلاح بالفعل، ولكن ليس على يد المقلدين ولا المتفرجين، بل من خلال المستقلين في فهم الدين، والذين عليهم أن يبينوا يسر الشرع الإلهي للمسلمين "فقد زالت دولة هؤلاء الجامدين المشددين، ويخشى أن يدال منها لملاحدة المتفرنجين، وفي الأزهر وغيره من المعاهد الدينية أنصار لهذا الإصلاح سيجدون أعوانًا لهم من جميع الطبقات".
وقد أورد الشيخ محمد رشيد رضا نصوص مشروع القانون المذكور تمهيدًا لمناقشته، إلا أننا لم نتمكن من العثور على بقية المقالات، ولا نعلم إن كان الكاتب قد أكملها بالفعل أم لا.
.
ثالثًا: موقف الأديبة والمؤرخة نبوية موسى:
نشرت نبوية موسى مقالًا في صحيفة "البلاغ" (مارس 1927) بعنوان "قانون الزواج الجديد - رأي نسائي فيه". وقد تميز موقفها بالنظر إلى القانون من زاوية حقوق المرأة والتأثير الاجتماعي، وتلخص رأيها فيما يلي:
ولهذه الأسباب -وغيرها- انتهت أ. نبوية موسى إلى أن هذا القانون لم يحقق الغرض المنشود منه في حماية المرأة، و"لم يتقدم بالنساء خطوة واحدة، ولكنه رجع بهن أميالًا"، وقدمت مقترحا بتعديل بعض مواد القانون.
يُظهر مما سبق أن مشروع قانون الأحوال الشخصية لسنة 1927 وُلد في بيئة شديدة الاستقطاب. فقد حاصره الهجوم من جهات عدة: من جهة الذين رأوا فيه مساسًا بأحكام شرعية قطعية وتدخلًا في حرية التعاقد (كالشيخين بخيت المطيعي ورشيد رضا) ، ومن جهة دعاة التغريب والمنادين بما يرونه "حقوقًا للمرأة" (كالأستاذة نبوية موسى) الذين رأوا في بعض مواده ظلمًا للمرأة، وقصورًا في معالجة المشكلات الاجتماعية، وعوارًا في الآلية التشريعية. هذه الاعتراضات المتضافرة والمتناقضة كانت -على ما يبدو- هي السبب الرئيسي في وأد المشروع دون إتمام إجراءات إصداره قانونًا.
للاطلاع والتحميل:
[1] تشكلت هذه اللجنة برئاسة حضرة صاحب السعادة عبد الرحمن رضا باشا وكيل الحقانية، وعضوية حضرات أصحاب الفضيلة والعزة، الشيخ محمد المراغي رئيس المحكمة الشرعية العليا، والشيخ عبد المجيد سليم رئيس محكمة مصر الابتدائية الشرعية، والشيخ محمد مخلوف رئيس التفتيش الشرعي، والشيخ عبد السلام البحيري المفتش الشرعي بالوزارة، ويس بك أحمد مدير إدارة المجالس الحسبية. وعهدت هذه اللجنة العامة بوضع المشروع الى لجنة فرعية من حضرات أصحاب الفضيلة رئيس المحكمة العليا، ورئيس التفتيش الشرعي والشيخ عبد السلام البحيري، والشيخ مصطفى عبد الرازق المفتش بالوزارة.