[في هذه الآونة، والدستور حديث المصريين قاطبة، رأى الأستاذ كريم ثابت أن يستطلع دولة يحيى إبراهيم باشا** ذكرياته عن الظروف التي أحاطت بإصدار الدستور المصري في سنة 1923 إذ لا يخفى أن دولته كان رئيسًا للوزارة المصرية إذ ذاك، فتناول يحيى باشا في حديثه الموقف البريطاني في مصر لما كلف تأليف الوزارة يومئذ ووصف مقابلته بجناب اللورد اللنبي المندوب السامي البريطاني في ذلك الحين، ثم تكلم عن الأحوال التي صدر فيها الدستور المصري في ظروف يماط عنها اللثام في هذا الحديث لأول مرة].
في حي هادئ، وفي بيت هادئ، يعيش رجل هادئ. الحي حي الزمالك، والبيت منعزل عن الطريق العام في وسط حديقة، والرجل هو صاحب الدولة يحيى إبراهيم باشا. يستقبلك دولته في حجرة مكتبه الذي يسوده الهدوء، بحركة طبيعية هادئة، وابتسامة ناعمة هادئة، ويحييك بعبارة رقيقة هادئة. ذلك لأن الرجل هادئ بطبعه، ومحب للهدوء في معيشته، وقد ألف الهدوء في عمله. والرجل قليل الكلام، ولا يسع من قضى الشطر الأكبر من حياته العملية على منصة القضاء إلا أن يكون قليل الكلام، ولكن قلة كلامه لا تذهب برونق حديثه بل تعزز أقواله، فتجيء كل عبارة من عباراته بمنزلة حكم جلي المعنى، واضح المغزى.
وهو لو شاء الكلام لتكلم طويلًا، ولو ضرب صفحًا عن حياته كلها ولم يتناول منها سوى الظروف التي أحاطت بإعلان الدستور المصري في سنة 1923 لحدثك عن تلك الذكريات السياسية الخطيرة حديثًا شيقًا مستفيضًا. ولكنه مع ذلك يؤثر السكوت على الكلام، ولعله يرى أن فرصة الكلام لم تحن بعد وقد تأتي هذه الفرصة يومًا ما بعد كر الأعوام. ومع ذلك فإن حديث الدستور هو حديث الناس في هذه الأيام. فلنذهبن إلى يحيى إبراهيم باشا ولنحاولن إثارة تلك الذكريات القديمة الكامنة في مخيلته لعلنا نفوز باستطلاع بعض ما علق منها بصفحة ذهنه...
وكانت المقابلة، وكان الحديث، والحديث ذو شجون كما يقولون!
سألنا يحيى باشا عن موقفه حيال الإنجليز في سنة 1923 أي عندما عهد إليه جلالة الملك في تأليف الوزارة فقال دولته:
«لما شرفني جلالة الملك في ذلك العهد بثقته وكلفني تأليف الوزارة التمست منه أن يعفيني من قبول هذه المهمة فقال لي: "إنه يرى مصلحة البلاد تقضي على بالقبول". فقلت: "إذا كان هذا رأي جلالته فإنني رهن إشارته"، ولما انصرفت من القصر الملكي طلبت مقابلة اللورد اللنبي المندوب السامي البريطاني إذ ذاك ولما اجتمعت به قلت له: "إنني مكلف تأليف الوزارة الجديدة فهل لفخامتكم ما يمنع من أن تتعاون معي تعاونًا قائمًا على الصراحة والإخلاص؟ إذا كنت تعدني بذلك فإنني أقبل المهمة التي أسندت إلى وإلا أعتذر لجلالة الملك عن عدم قبولها إذ لا فائدة من قبول الحكم إذا كنتم لا تعاونونني بهذا التعاون ما دامت الأحكام العسكرية مسلطة في البلاد في أيديكم". فقال: "إنني أعدكم بهذا التعاون إذا كانت طلباتكم معقولة ولا أظن أنها ستكون غير ذلك". فقلت: "إن طلباتي ستكون معقولة حتمًا" فقال: "وهل لكم أن تضربوا لي مثلًا لتلك الطلبات" فقلت: "إن البلاد تطلب الإفراج عن سعد زغلول باشا وأنا لا أرى ما يمنع من إجابة هذا الطلب في الوقت الحاضر". فقال: "أبدًا. إننا لن نفرج عن سعد باشا". وأدركت من لهجته أن لا فائدة ترجى عندئذ من الاستمرار في المناقشة في هذا الموضوع فقلت: "إني أترك هذه المسألة لوقت آخر عسى أن أوفق إلى إقناعكم فيه بوجهة نظري" فقال: "إذا اقتنعت فعلت وعلى كل حال يمكنكم أن تعتمدوا كل الاعتماد على التعاون الذي وعدتكم به". فشكرته على هذا الشعور المشرب بالعطف والود وشرعت في تأليف وزارتي فوجدت صعوبة في اختيار أعضائها لأن كثيرين من الذين خاطبتهم في ذلك اعتذروا عن معاونتي ظنًا منهم أن الوزارة لا تعمر أكثر من أيام معدودة».
فقلنا لدولة محدثنا: «وهل ظهر لكم بعد ذلك من سير الحوادث أن اللورد اللنبي حافظ على عهده؟» فقال: «لقد كان اللورد اللنبي رجلًا نبيلًا شريفًا صادقًا وإني لأؤدي شهادة حق أؤديها على رءوس الأشهاد اعترافًا بجميل ذلك الرجل العظيم، وقد حافظ على العهد الذي قطعه لي بأمانة وصدق في جميع المراحل السياسية الدقيقة التي اجتازتها البلاد في ذلك العهد. وعندي على ذلك أدلة كثيرة تبرهن كلها على عظمة نفس ذلك القائد الكبير»، وهنا سكت دولته لحظة ثم قال: «أجل، لقد كان اللورد اللنبي صديقًا حميمًا لمصر ولم يكن يعرف غير سياسة الصراحة والصدق في القول وفي العمل. ومما أرويه لكم في هذا الصدد أنه لما كان المغفور له سعد زغلول باشا منفيًا في ذلك الوقت كان المرحوم المصري بك السعدي يتولى رئاسة الوفد المصري. فذاع يومًا مع نفر من صحبه منشورًا مكتوبًا بلهجة من نار. فلما اطلعت عليه السلطة العسكرية أمرت باعتقالهم لوطأة لهجتهم، فوقعت في البلاد اضطرابات شتى. فذهبت إلى دار المندوب السامي وقابلت المستر سكوت لأن اللورد اللنبي كان غائبًا، وبسطت له رأيي في الموضوع وهو أن تتجاوز السلطة العسكرية عن ذلك المنشور وتعتبره كأنه لم ينشر وتطلق سراح المعتقلين وتعدل عن محاكمتهم. فوعدني بنقل هذا الكلام إلى اللورد اللنبي وبعد يومين اجتمعت بفخامته وأبديت على مسامعه تفصيل وجهة نظري مؤكدًا له أنه لا يربطنا نحن والدولة العظيمة ولا نكابده وهو القائد العظيم بحسبان أن أقل ريح من وراء محاكمة المصري بك السعدي وصحبه بل إن محاكمتهم ستؤدي إلى تفاقم الاضطرابات وختمت كلامي بقولي: "إليكم أمر القوة التي على محاكمتهم فإنني أتنحى عن الحكم لأنني لا أستطيع العمل إلا في جو هادئ" فأطرق مليًا ثم قال لي: "اجتمع بي يا باشا بعد يومين فأبلغك ما يستقر عليه القرار" وبعد يومين أبلغني أنه عدل عن محاكمة المصري بك السعدي وصحبه. فقلت له: "وماذا تم في مسألة الإفراج عنهم؟" فقال: "أظن أنكم ترون معي أن الإفراج عنهم اليوم يكون سابقًا لأوانه قليلًا. فاتركوا المسألة أيامًا أخرى غير أنني أدع لكم تحديد تاريخ اليوم الذي ترغبون فيه أن تفك السلطة العسكرية اعتقالهم"».
قال لنا يحيى باشا: «وكنا يومئذ على أبواب شهر رمضان. فانتهزت قرب حلول يوم الوقفة وزرت اللورد اللنبي وذكرته بوعده لي وأعربت له عن رغبتي في إطلاق سراح المعتقلين بمناسبة حلول شهر رمضان. فقال لي: "إني لا أزال عند وعدي لك. ولكن أمس جاءتني بيانات جديدة لتحريات تحوم حول اثنين من المعتقلين. ومع ذلك فإذا كنت تريد أن أطلق سراحهما مع زملائهما فإنني لا أتردد في ذلك لكيلا تقول إنني نقضت كلامي معك" فقلت له: "إذا كان الأمر كذلك فلا بأس من الاكتفاء باعتقال ذينك الشخصين ريثما ينتهي التحقيق الذي يدور في شأنهما" فارتاح إلى ذلك وأمر بالإفراج عن الآخرين في الحال.
وهنا قال لنا يحيى باشا: «إنه كان للورد اللنبي فضل كبير في إلغاء الأحكام العسكرية» وزاد دولته على ذلك قوله: «وقد كان سروري في اليوم الذي ألغيت فيه تلك الأحكام لا يوصف حتى إنني لم أتمالك من الطرب لخبر زوالها في المأدبة التكريمية التي أديتها للورد اللنبي يومئذ».
واستطرد دولة يحيى باشا من ذلك إلى الكلام عن إعلان الدستور فقال: «إنه يرى أن الوقت لم يحن بعد لإماطة اللثام عن تفصيل المفاوضات التي دارت يومئذ على مواد الدستور ونصوصه. ولكن في هذا الموقف أيضًا كان اللورد اللنبي صديقًا لمصر بقدر ما كان منصبه الرسمي يسمح له به»، وقص علينا دولته بهذه المناسبة أنه كان يبحث يومًا مع اللورد اللنبي في بعض الأمور. فتناول قلمًا أحمر وضرب به على الورقة التي كانت أمامه بقوة وهو يقول: "إن هذا الأمر لن يكون كذلك".
قال لنا يحيى باشا: «وفي هذه اللحظة خرجت عن حلمي المعتاد وشعرت بالدم يصعد إلى رأسي فقلت له إنني لا أقبل معاملة على هذا المنوال ولا أرضى بمناقشة على هذه الطريقة، ونهضت منصرفًا. وفي اليوم التالي جاءني المستر كلارك مستشار دار المندوب السامي وقال لي: "إن اللورد اللنبي لم يقصد بحركته ما فهمته منها وإنه يأسف جد الأسف على ما حدث وإنه ظهر له بعد التفكير أن ليس عنده ما يبعث على الاعتراض على وجهة نظر الحكومة المصرية".... ومن هذا الحادث تستطيعون أن تدركوا النبل الذي جبلت عليه نفس اللورد اللنبي».
وحدثنا يحيى باشا بعد ذلك عن اليوم الذي أعلن فيه الدستور فقال: «وفي اليوم الذي أعلن فيه الدستور لم يكن أحد يعلم أنه سيعلن في ذلك اليوم» فقلنا لدولته: «وما الذي كان يبعث على هذا الكتمان الشديد؟» فقال: «الدسائس التي كانت تدس حول الدستور» ولم يزد على ذلك حرفًا واحدًا.
ثم قال دولته: «وفي اليوم الذي أعلن فيه الدستور ذهبت إلى القصر وتشرفت بمقابلة جلالة الملك وقلت له: "إن مصلحة البلاد تدعو يا مولاي إلى إمضاء الدستور الليلة" فسألني جلالته عن سبب هذا التعجيل وقد قربت الشمس من المغيب فقلت: "لأن الدسائس تحيط بالدستور يا مولاي وأنا أخشى إذا أجلنا الإمضاء إلى غد أن تقام في سبيله عقبات وعراقيل جديدة. فألتمس من وقت راحتكم"».
لتحميل ملف الحوار (هنا)
* مقال وحوار أجراه الأستاذ كريم ثابت مع دولة يحيى إبراهيم باشا تحت عنوان "صفحات تاريخية مطوية: ذكريات صاحب الدولة يحيى إبراهيم باشا - الدستور المصري وكيف صدر في سنة 1923"، وهو منشور في مجلة "الهلال" بالصفحتين 186 و187.
** رئيس الوزارة المصرية الذي كلفه الملك بتأليف الحكومة خلال تلك الفترة التاريخية المهمة التي شهدت إصدار الدستور في سنة 1923. عُرف عنه قضاء الشطر الأكبر من حياته العملية في سلك القضاء، مما طبعه بقلة الكلام ورزانته، فكانت كل عبارة من عباراته دقيقة وبمنزلة أحكام جليّة المعنى وواضحة المغزى. وتصفه المصادر بأنه رجل اتسم بشخصية هادئة ومحبة للسكينة في حياته وعمله، وكان يقطن في بيت منعزل تحيط به حديقة في حي الزمالك