طباعة الصفحة

مدونة الأوقاف المغربية

مدونة الأوقاف المغربية

تُعد مدونة الأوقاف المغربية، الصادرة بموجب الظهير الشريف رقم 1.10.15 بتاريخ 8 ربيع الأول 1431هـ (23 فبراير 2010م)، الإطار التشريعي الأساس المنظم لمجال الأوقاف في المملكة المغربية. ويهدف هذا التقنين، بحسب الديباجة الرسمية، إلى تجميع القواعد والأحكام الفقهية المتعلقة بالوقف التي كانت متفرقة في مصادر متعددة، وذلك لمنع تعدد الآراء الفقهية واختلاف التأويلات حولها، وتحقيق الملاءمة والانسجام مع المنظومة القانونية العامة. كما ترمي نصوص المدونة إلى إرساء آليات ونظم تدبيرية تهدف لتيسير إدارة الأملاك الوقفية واستغلالها واستثمارها، بما يضمن استقلالية الوقف وحمايته القانونية، ويمكّنه من المساهمة في المشاريع التنموية الاقتصادية والاجتماعية، مع مراعاة خصوصيته المستمدة من أحكام الفقه الإسلامي.

 

الباب التمهيدي: أحكام عامة

تنطلق وثيقة المدونة بالباب التمهيدي الذي يضع القواعد العامة المؤطرة للوقف بالمملكة المغربية، حيث تعرف الوقف بأنه كل مال حبس أصله بصفة مؤبدة أو مؤقتة، وخصصت منفعته لفائدة جهة بر وإحسان عامة أو خاصة. وتشير وثيقة المدونة إلى أن الوقف ينشأ إما بعقد، أو ببينة، أو بقوة القانون، وهو ينقسم إلى وقف عام، أو معقب، أو مشترك. كما يقرر هذا الباب صراحة أن النظر في شؤون الأوقاف العامة يعتبر من صلاحيات أمير المؤمنين، وتباشر هذه المهمة تحت سلطته المباشرة من طرف وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية في إطار التقيد بأحكام هذه المدونة والنصوص المتخذة لتطبيقها.

 

الباب الأول: إنشاء الوقف وآثاره

يتناول الفصل الأول من هذا الباب أركان الوقف وشروطه، حيث ينص على أن أركان الوقف أربعة وهي الواقف، والموقوف عليه، والمال الموقوف، والصيغة. ويشترط في الواقف أن يكون شخصًا ذاتيًا أو اعتباريًا، مالكًا للمال الموقوف ملكًا صحيحًا، ومتمتعًا بأهلية التبرع ومطلق التصرف، وإلا كان عقد الوقف باطلًا. وتأخذ الصيغة حكم مدونة الأسرة في اللزوم، ويصح إنشاؤها بكل ما يفيد معنى الوقف من قول أو كتابة أو إشارة مفهومة أو فعل دال عليه. ويشترط لصحة الوقف الإشهاد عليه وحوز المال الموقوف قبل حصول المانع للواقف كالموت أو الإفلاس. ويتم الحوز برفع يد الواقف عن المال ووضعه تحت يد الموقوف عليه، ويحصل بمعاينة البينة أو بتسجيل الوقف في المحافظة العقارية. كما تسري أحكام لزوم الوقف وحالات بطلان وقف الفضولي أو الوقف المستغرق بالدين وقت التحجير.

وفي الفصل الثاني المخصص لآثار عقد الوقف، توضح المدونة وجوب التقيد بشروط الواقف والوفاء بها إذا كانت مشروعة وقابلة للتنفيذ، وفي حال اقترن الوقف بشرط غير مشروع يبطل الشرط ويصح الوقف. وتقرر المدونة عدم جواز رجوع الواقف في وقفه أو تغيير شروطه بعد انعقاده، باستثناء حالتين محددتين؛ وهما: إذا تعلق الوقف بموقوف عليه سيوجد مستقبلًا وفات الواقف قبل وجوده، أو إذا اشترط الواقف في عقد الوقف الرجوع عنه عند افتقاره. ويحق للموقوف عليه استعمال المال الموقوف واستغلاله وفق شرط الواقف بما يتوافق مع الأغراض المتوخاة، ويلتزم ببذل العناية اللازمة لحفظه ويتحمل مسؤولية الأضرار الناتجة عن تقصيره أو إهماله. وينتهي حق الموقوف عليه بوفاته، أو غيبته غيبة انقطاع إذا كان الانتفاع مقصورًا عليه، أو بزوال الصفة التي استحق بها الوقف، أو بالتنازل الصريح.

 

الباب الثاني: الوقف العام

يحدد الفصل الأول من الباب الثاني أحكام الوقف العام، مبينًا أنه كل وقف خصصت منفعته ابتداءً أو مآلًا لوجوه البر والإحسان وتحقيق منفعة عامة. وتعتبر وقفًا عامًا بقوة القانون جميع المساجد والزوايا والأضرحة والمقابر الإسلامية وملاحقاتها والأملاك الموقوفة عليها. ويتمتع الوقف العام بالشخصية الاعتبارية وتتولى إدارة الأوقاف تدبير شؤونه وتمثيله قانونًا. ويترتب على كسب المال لصفة الوقف العام عدم جواز حجزه أو كسبه بالحيازة أو التقادم، وعدم جواز التصرف فيه إلا وفق الأحكام المحددة في المدونة.

وينظم الفصل الثاني التصرفات الجارية على أموال الوقف العام، لاسيما المعاوضات النقدية والعينية التي تهدف إلى حفظ الوقف وتنمية مداخيله. وتخضع المعاوضات النقدية للموافقة السامية إذا زادت قيمتها التقديرية عن عشرة ملايين درهم، أو لموافقة المجلس الأعلى لمراقبة مالية الأوقاف العامة إذا كانت تتراوح بين خمسة وعشرة ملايين درهم، ولموافقة السلطة الحكومية المكلفة بالأوقاف إذا كانت تقل عن خمسة ملايين درهم. وتحدد القيمة التقديرية من طرف لجنة خبراء ثلاثية. وتخضع المعاوضات العينية لشرط أن تكون العين المعاوض بها محفظة وتساوي أو تفوق القيمة التقديرية للعين الموقوفة. كما يضبط هذا الباب بيع منتوج الأشجار والغلل ومواد المقالع عن طريق السمسرة أو طلب العروض، وينظم أحكام الكراء حيث لا تزيد مدة كراء الأملاك غير الفلاحية عن ثلاث سنوات قابلة للتجديد بزيادة لا تقل عن عشرة في المائة، ولا تزيد مدة كراء الأملاك الفلاحية عن ست سنوات قابلة للتجديد بزيادة لا تقل عن عشرين في المائة. ويمنع إنشاء حقوق عرفية جديدة كالجلسة والزينة والجزاء والمفتاح على أملاك الأوقاف العامة، ويقرر طرق تصفية الحقوق القائمة منها.

الباب الثالث: الوقف المعقب والمشترك

يركز الفصل الأول من الباب الثالث على الوقف المعقب، وهو الوقف المحبس على ولد الواقف أو عقبه أو نسله أو ذريته. وتمنع المدونة إنشاء الوقف المعقب إلا في حدود ثلاث طبقات فقط، وإذا شمل العقد أكثر من ذلك يبطل الوقف فيما زاد عنها. ويرجع الوقف المعقب بعد انقراض الموقوف عليهم إرثًا إلى ورثة الواقف إن وجدوا، وإلا يؤول إلى الأوقاف العامة. ويوضع الوقف المعقب تحت مراقبة إدارة الأوقاف ويتولى تسييره ناظر يعينه الواقف أو السلطة الحكومية المكلفة بالأوقاف بعد استشارة الموقوف عليهم. وتتم تصفية الأوقاف المعقبة بقوة القانون في حالات انقطاع نفع المال أو قلته بكيفية كبيرة، أو تعذر الانتفاع به، أو إذا صار عائده لا يغطي مصاريفه، أو إذا كثر المستفيدون وقل نصيب كل واحد منهم.

ويخصص الفصل الثاني للوقف المشترك، وهو ما وقف ابتداءً على جهة عامة وعلى شخص ذاتي بعينه أو على عقبه. ويخضع الوقف المشترك لنفس الأحكام المطبقة على أموال الوقف العام وتتولى إدارة الأوقاف تدبيره، ويقسم عائده بين الجهة العامة وباقي المستحقين بحسب الحصص المعينة من الواقف، وتسري الأحكام الخاصة بتصفية الأوقاف المعقبة على الحصة المخصصة للعقب في الوقف المشترك.

 

الباب الرابع: تنظيم مالية الأوقاف العامة ومراقبتها

يفصل الفصل الأول من الباب الرابع مبادئ التنظيم المالي والمحاسبي للأوقاف العامة، مقررًا أن لمجموع الأوقاف العامة ذمة مالية واحدة مستقلة تشتمل على جميع الأموال الموقوفة وعوائدها ومختلف مواردها. ويوضع للأوقاف ميزانية سنوية مستقلة عن ميزانية الدولة تقوم على أساس التوازن المالي، وتتكون من باب الموارد وباب النفقات، وينقسم كل منهما إلى قسم خاص بالتسيير وقسم خاص بالاستثمار، بالإضافة إلى حسابات خصوصية لبعض المشاريع الوقفية المحددة. ويعتبر وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية هو الآمر بالقبض والصرف لهذه الميزانية.

ويفرد الفصل الثاني من هذا الباب قواعد مراقبة مالية الأوقاف العامة، حيث تخضع العمليات المالية لمراقبة خاصة تهدف إلى التأكد من سلامتها ومطابقتها للنصوص الجاري بها العمل. ويقوم بهذه المراقبة مراقب مالي مركزي على مستوى الإدارة المركزية، بمساعدة مراقبين ماليين، بالإضافة إلى مراقبين محليين على مستوى النظارات. ويحدث بجانب جلالة الملك مجلس يسمى "المجلس الأعلى لمراقبة مالية الأوقاف العامة" يتولى مراقبة مالية الأوقاف ودراسة القضايا المتعلقة بها واقتراح إجراءات تحسين تدبيرها وإعداد تقرير سنوي يرفع للملك. ويترأس هذا المجلس شخصية يعينها الملك، ويتألف من كاتب عام وممثلين عن المجلس العلمي الأعلى ومستشارين قانونيين وخبراء محاسبين.

 

الباب الخامس: أحكام انتقالية وختامية

تختتم وثيقة المدونة أبوابها بالأحكام الانتقالية والختامية التي تحدد تاريخ دخول أحكام هذه المدونة حيز التنفيذ، وتنسخ القوانين والظهائر السابقة المتعارضة معها. وتؤكد المدونة في مادتها 169 أنه في كل ما لم يرد فيه نص خاص في هذه المدونة، يتعين الرجوع فيه إلى أحكام المذهب المالكي والاجتهاد الذي يراعي تحقيق مصلحة الوقف وضمان حمايته وتنميته.

لتحميل ملف المدونة (هنا)

قيّم هذا المقال
(0 أصوات)
آخر تعديل بتاريخ الخميس, 27 أغسطس 2026 10:07
موقع حوارات