فصل بعنوان “ديمقراطية التشريع” مستل من كتاب “الديمقراطية أبدًا” للمفكر الكبير خالد محمد خالد (رحمه الله)، والذي صدر عن دار الكتاب العربي ببيروت، 1394هـ/ 1974م، ط4، ويُذكر أن الطبعة الأولى من هذا الكتاب وكما أوضح المؤلف بأنها نُشرت غداة قيام ثورة 23 يوليو عام 1952م.
وقد جاء في مقدمة الكتاب عن هذا الفصل:
والكتاب – كما ترون – ينتظم فصولا ثلاثة:
وخلال مراجعته -تمهيدًا لتقديم هذه الطبعة الجديدة منه- بدا لي أن حديثي عن “ديمقراطية التشريع” -الفصل الثاني من الكتاب- يحتاج إلى بعض الإيضاح … وهو إيضاح لا يتناول جوهر الموضوع. بل يتناول بعض التعبيرات التي ربما تكون قد بالغَت في تصوير الفكرة وتبيانيها.
فمثلا، في الصفحة (١٣٢) كانت هذه العبارة:
“…. ويزكي هذا التفسير ما سنراه من تصرف الرسول وأصحابه تصرفًا ينم عن اعتقادهم بأن الشريعة غير الدين”.
بيد أن التعبير الأمثل والأصوب هو ما سطرته في هذه الطبعة:
“… عن اعتقادهم بأن الشريعة أعم من الدين”.
والشريعة، سواء في صورتها أيام الرسول وخلفائه. أو في نموها الكبير خلال عصور الفقه والأئمة الأربعة، لها بالفعل شخصيتها التي تجعلها أعم من الدين، ومن ثم فمجال العقل والاجتهاد فيها مفتح المسالك والأبواب.
ففي عصر الرسالة والوحي كانت جل القضايا التي يتناولها النسخ والتغيير من تلك التي تدخل في نطاق التشريع أكثر مما تدخل في نطاق العقائد.
وفي عصور الاجتهاد والفقه كان عمل العقل والرأي والتفسير والتخريج محصورًا في مجال العقائد.
وليس معنى هذا –بداهة- أن التشريع في الإسلام منفصل عن الدين. فالإسلام خاصة، وأكثر من الأديان كافة، ذو شخصية متكاملة بدينه وبتشريعه.
إنما ذلك يعني -ونحن بصدد دراسة لديمقراطية التشريع- أن الحركة الحرة للعقل المجتهد كانت ولا تزال من مصادر التجديد والنماء لهذا التشريع مثلما هي كذلك لكل تشريع.
وطبيعي أن هذه الحركة الحرة مرتبطة دائما بالمبادئ والأسس التي جعل الدين منها سياجًا لسلوك الحياة الإنسانية وقضاياها..
***
ومثَل آخر… في الصفحة “١٣١”، ضربتُ «اللِّعان» مثلا لما يستطيع الاجتهاد العقلي أن يستحدثه كبديل لبعض التطبيقات التشريعية في الإسلام.
واللعان هو نَمَط من إقامة الحجة على الاتهام أو على البراءة حين يتهم الزوج زوجته بالخيانة دون أن تكون هناك بينة فاصلة.
ولعل الأصوب ألا نتخذه مثالا.
ذلك -أولا- أنه تشريع فصله القرآن . ولم يتناوله بنسخ أو تحوير.
و -ثانيا- هو إجراء صالح وسديد؛ لأنه يعني أن تُعالج أزمات الثقة بين الزوجين ومشكلات الأعراض في أضيق نطاق وبشكل حاسم تنتهي بعده الثرثرة والبهت ونهش الأعراض.
***
كذلك في ص ١٤٥ كانت هذه العبارة:
“فنحن نستطيع أن نعتبر القوانين الوضعية قوانين سماوية. من حيث استهدافها نفس الأهداف التي تريدها السماء وتسعى إليها”.
والأصوب والأمثل هو ما يجيء في هذه الطبعة:
“نستطيع أن نعتبر بعض القوانين الوضعية قوانين إسلامية من حيث استهدافها نفس الأهداف التي يريدها الإسلام ويسعى إليها”.
فبعض القوانين الموضوعة -وليس كلها- هو الذي يدخل في نطاق حديثنا. ثم إن كلمتي “قوانين إسلامية” مكان “سماوية”، أولى بالمعنى الذي نريد، باعتبار أن القوانين الإسلامية تعتمد في الكثير من مصادرها على الفقه الذي هو وليد الاجتهاد والرأي.
كذلك عبارة:
“ونستطيع أن نعتبر الفقه الإسلامي قانونًا وضعيًا”.
والصواب أن نقول : “بعض الفقه الإسلامي”.
***
وعلى الصفحة ١٤٧ كانت هذه العبارة:
“وإن المشابه الجمة القائمة بين جميع الشرائع سماوية ووضعية” …
وقد غيرتها إلى هذه العبارة:
“… بين جميع الشرائع والقوانين العادلة”.
***
وفي الصفحة 153، 157 كنا نقول:
“… فهل من صالحنا اليوم أن نصبغ قوانيننا بصبغة دينية”.
“إن التطور لم يعد يسمح قط أن تصطبغ القوانين العامة لدولة المتحضرة بصبغة دينية”، وأعترف أن هذا التعبير مُبالغ فيه، وأن هذه الصياغة لا تعبر تمامًا عما كنت أريد أن أقوله.
فأنا من المؤمنين بقول الله العظيم في قرآنه الكريم: {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً}: فالتعبير بعبارة “صيغة دينية”، في هذا المجال تعوزه الدقة والتوفيق… والذي كنت أريده، ولعلي ما أزال أريده، هو بث مخاوفي من أن تُوضع القوانين العامة للأمة داخل هالة من التقديس الديني، بحيث يستطيع أي حاكم جائر أن يستغل حصانتها الدينية في دعم سلطانه والحكم بهواه. من أجل هذا، آثرت في هذه الطبعة إزالة للشبهة أن أجعل العبارة:
“من صالحنا اليوم أن تغطي قوانيننا بحصانة دينية”.
إن اصطباغ القوانين بروح الدين وجوهره يزيدها قربًا من العدالة والحق والخير.
أما تغطيتها في عصورنا هذه بحصانة دينية، فأمر قد يعرضها ويعرض سمعة الدين معها للخطر. ثم هو طريق سهل لتحجر القوانين وتعويق تطويرها لصالح العدالة والناس.
***
إن هذا التصويب لصياغة بعض الفقرات يشير بدوره إلى أن جوهر الفكرة التي احتواها الفصل الثاني من الكتاب ديمقراطية التشريع لا يزال قائما … وجوهر الفكرة -كما هو واضح- يُذعن إذعانًا مطلقًا لكلمات الله وشرائعه… لكنه يختلف مع الآخرين في أن يكون الطريق لتحقيق ذلك طريقًا واحدًا…
إن الشريعة الإسلامية، وهي أكثر الشرائع السماوية شمولاً لحاجات البشر وتقنين العدل، إنما نمت وتطورت وأثرت في ظروف تؤكد وجود أكثر من طريق لتحقيق رح الشريعة وروح الدين.
والمذاهب الفقهية في الإسلام خير شاهد وأصدق دليل.
***
في ضوء هذا التفسير السريع ينبغي أن يقرأ الفصل الثاني من الكتاب: “ديمقراطية التشريع”… ودعوتنا إلى ألا تتلفع القوانين بحصانة دينية لا تعني أبدًا عزل الدين ولا عزل الشريعة عن الحياة التشريعية.
ولقد كان ذلك واضحًا خلال بحثنا كله، وكان أكثر وضوحًا في هذه العبارة المسطورة في كل طبعات الكتاب: “إننا لا نريد بحديثنا هذا أن نعزل الشريعة الإسلامية .. وما كنا لنفعل هذا في الوقت الذي يقرر فيه “مؤتمر القانون المقارن” المنعقد في – لاهاي – عام ۹۳۸، أن الشريعة الإسلامية مصدر من مصادر التشريع، وأنها حية متطورة …
“ولكننا نريد وقد اعتمدت الشريعة نفسها على العرف والمصلحة والعقل، أن نعتمد نحن أيضًا على العرف والمصلحة والعقل”.
***
أجل … إن كل ما يُتيحُ اللقاء المثمر النافع بين الشريعة والعقل، ويضمن ديمقراطية التشريع ويجعله دومًا في خدمة الحق والعدل والأمة، هو تمامًا ما نريده بهذا الفصل من الكتاب.
انتهى ما كتبه المفكر الأستاذ خالد محمد خالد -في مقدمة الكتاب- عن الفصل المعنون ب “ديمقراطية التشريع”، وهو ينم عن ثقة الكاتب بنفسه وشجاعته في الاعتراف بما رأى أنه قد جانبه الصواب فيه، وفي تصحيحه علانية، وهو أمر غير مستغرب من مثل الأستاذ خالد الذي سبق وألف كتابا كاملا يراجع فيه أفكاره السابقة، وهو كتاب “الدولة في الإسلام”، الذي فند فيه بنفسه بعض أفكاره التي كان قد انتهى إليها في كتابه “من هنا نبدأ”، فهذا كان اجتهاده سابقا وهذا هو اجتهاده لاحقا، ولا يفعل ذلك سوى كبار العلماء والمفكرين الذين يدركون أن النقص الحقيقي هو في بطر الحق لا في إقامته والجهر بها ولو على أنفسهم!