كتاب "الحدود في الإسلام ومقارنتها بالقوانين الوضعية" هو كتاب نادر، ولم ينشر على الشبكة العنكبوتية من قبل، ويعد من أوائل إصدارات مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر؛ حيث صدر في غرة صفر 1394ه= مارس 1974م (السنة السادسة، العدد 72 من سلسلة البحوث الإسلامية). وهو يتناول قضية التوفيق بين الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية، ويفترض إن العائق الأكبر أمامه هو مسألة الحدود التي يكون فيها الإسلام على طرف نقيض من القوانين، أما باب (المعاملات) في الفقه فإن التوفيق يبدو -للمصنف- يسيرا، وعليه يسعى الكتاب إلى إبراز حكمة التشريع الإسلامي في قضايا الحدود كل على حدة.
مؤلف الكتاب هو الشيخ الجليل الدكتور محمد محمد أبو شهبة أستاذ الحديث الشريف وعلومه بجامعة الأزهر، والذي ولد في قرية منية جناج بمدينة دسوق في عام (1914 م/1332 هـ)، التحق بكلية أصول الدين ثم واصل دراسته العليا حتى نال شهادة العالمية (الدكتوراه) في الحديث الشريف عام (1946م). شغل الشيخ منصب عميد كلية أصول الدين بأسيوط عام (1969م) وأعير مدرسا في كليات الشريعة في السعودية والعراق والسودان. خلف الشيخ تراثا فكريا ضخما نذكر منه: المدخل في دراسة القرآن الكريم (مجلد)، أعلام المحدثين (مجلد)، شرح المختار من صحيح مسلم (مجلد) السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة (مجلدان)، الوسيط في علوم ومصطلح الحديث (مجلد)، توثيق الباري في شرح صحيح البخاري (مخطوطة ضخمة تقع في خمسة عشر مجلدًا ولم تر النور بعد). توفي الشيخ في عام (1983م/1403ه).
محتويات الكتاب:
سار المصنف رحمه الله في الكتاب على هدى المصنفين الإسلاميين الذين لم يعتمدوا الطريقة الحديثة في تصنيف الكتب إلى فصول وأبواب وما شابه، وعلى ذلك جاءت موضوعات الكتاب متتابعة لا يفصلها فاصل.
افتتح الكتاب بمقدمة تناولت وجوب الحكم والعمل بالشريعة الإسلامية ذكر فيها كثير من النصوص التي تنهى عن العمل بغير شريعة الإسلام، ودعت إلى "الاستقلال التشريعي" إذ لم يعد بعد الاستقلال السياسي بُدًا من الاستقلال التشريعي بتطبيق الشريعة، والتي كانت تجري محاولات لتقنينها في مصر في ذلك الوقت.
وقد تضمن الكتاب سلسلة من المقارنات بين الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية؛ المقارنة الأولى دارت حول أصل ومنشأ كل من الشريعة والقانون الوضعي، والثانية تناولت مدار عمل الشريعة التي تشمل ظواهر الأعمال وبواطنها، ومدار عمل القانون، والثالثة اختصت ببيان موقف كل منهما من الأخلاق، والرابعة درست موقفهما من مبدأ المساواة التشريعية.
درس القسم الأكبر من الكتاب مسألة الحدود فعرف أولا بالحدود وميز بينها وبين التعازير والقصاص، ثم تناول الحدود كل على حدة (الزنا، القذف، السرقة، الخمر، الحرابة، الردة).
خلاصة الكتاب:
اختتم المؤلف كتابه بخلاصة ضمنها أهم ما انتهى إليه من حقائق، وننقلها فيما يأتي بنصها:
(1) قد ظهر أن تشريعات الله تبارك وتعالى هي أعدل التشريعات، وأوفاها بحاجات الناس وتوفير السعادتين: الدنيوية والأخروية، وأنه لا يصلح البشرية إلا تطبيقها تطبيقا كليا، والعمل بها.
وها هي ذي القوانين الوضعية قد ظهر فشلها في إصلاح أحوال المجتمعات ولا سيما الإسلامية منها، فلنجرب العمل بالشريعة الإسلامية الغراء، وسنرى إن شاء الله تعالى أنها ستؤمن الناس على دمائهم، وأغراضهم، وأموالهم، ولا سيما أنها قد أظهرت صلاحيتها وإصلاحها مدة ثلاثة عشر قرنا، قبل أن يدخل على المسلمين هذا البلاء، والشر المستطير.
(2) قد تبين لنا أن التشريعات الإسلامية في باب الحدود ليست قاسية، ولا عارية من الرحمة كما زعم الزاعمون، وتدعو بتساهلها الى الفسق والفجور كما قال ذلك الكثيرون من رجال القضاء، وأن التشريعات الإسلامية مبنية على أساس قويم من العلم والخبرة بالنفوس، ولا كذلك القوانين الوضعية على نحو ما فصلنا سابقا.
(3) إن هذه الشريعة هي التي كونت خير أمة أخرجت للناس، في عقيدتها، وفي عباداتها، ومعاملاتها، وأخلاقها، وكونت أفضل مجتمع عرفته البشرية في تاريخها الطويل: مجتمع قائم على العدل، والرحمة والإخاء، والمحبة والتكافل الاجتماعي، والتعاون على البر والخير. ولن تصلح هذه الأمة اليوم إلا بما صلح به أولها، فاذا أراد المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها أن يعود لهم مجدهم، وترجع لهم عزتهم، ويعود لهم مجتمعهم كما كان تقيا من الشوائب، حافلا بكل أنواع الفضائل فليعضوا على شريعتهم بالنواجذ، ويأخذوا بها في كل شئون حياتهم الدينية، والسياسية والأخلاقية، والاقتصادية. أما أن يأخذوا منها ببعضها، ويدعوا الجانب المهم منها، فذلك أمر يأباه التدين الصحيح، وتأباه العقول الصحيحة، والفطر السليمة، والمنطق القويم.
(4) إن هذه الشريعة هي التي تمخض عنها أعظم الحضارات الإنسانية، وهي حضارة الإسلام القائمة على الإيمان، والعلم، والتي جاءت كافية لمطالب الروح ومطالب الجسد، فلا هي روحانية صرفة معزولة عن الحياة، ومتطلباتها، لا يهمها إلا تعذيب الجسد، وإغفال مطالبه كبعض الملل والنحل، ولا هي مادية بحتة تنقل مطالب الروح، وتجعل من الإنسان مخلوقا حيوانيا، وآلة صباء لا روح فيها، وبذلك كانت حضارة وسطا، وخير الأمور أوساطها، والفضيلة وسط بين وذيلتين كما قال الحكماء.
(5) قد يتعلل بعض المعوقين عن العمل بالشريعة الإسلامية بأن في معظم الدول الإسلامية والعربية جماعات أخرى غير مسلمة. وهذا عذر غير مقبول فقد أصبحت الدول الإسلامية والعربية أمرها بيدها، وانقضى عهد الامتيازات، وعهد التسلط والاستعمار وأصبحت القوانين تسرى على الجميع لا فرق بين مسلم، ومسيحي، ويهودي في شئون المعاملات والجنائيات وغيرها، فلماذا لا تطبق الشريعة الإسلامية في مسائل الحدود على الجميع؟! ولا سيما أنها يقصد بها إصلاح المجتمعات، والقضاء على عوامل الإفساد بالتعدي على الدماء، والأعراض والأموال، والحفاظ على الأنساب، والعقول، والأجسام؟! هذا الى أن الكثرة الكاثرة في كل بلد إسلامي، وعربي إنما هي للمسلمين، وغيرهم قليلون بالنسبة اليهم، فليسع غير المسلمين ما يسع المسلمين! على أن في بعض المذاهب الفقهية فيما ذكرنا ما فيه الخروج من بعض العقبات التي قد تصادفنا عند التنفيذ، والتطبيق العملي.
وختاما ما أقول:
إما أن نكون، وتكون لنا شخصيتنا الإسلامية المتميزة، ونحكم بشرع ربنا، أو لا نكون، ولا تكون لنا شخصية إسلامية مستقلة: ونعيش عالة على قوانين غيرنا المهلهلة المرقعة.
(هنا) لتحميل ملف الكتاب