Print this page

إسلامية المعرفة "من سلسلة محاضرات دورة استراسبورج بتاريخ 9- 21/7/ 1988م"

By المحاضر: د. طه جابر العلواني* أدار المحاضرات: د. جمال الدين عطية نيسان/أبريل 27, 2026 113 0

ألقى الدكتور طه جابر العلواني أربع محاضرات فكرية عميقة بعنوان "إسلامية المعرفة"، أدارها الدكتور جمال الدين عطية، وذلك ضمن سلسلة محاضرات دورة ستراسبورغ المنعقدة بتاريخ 21 يوليو 1988. وقد طبعها المعهد العالمي للفكر الإسلامي في كتابٍ يقع في 72 صفحة من القطع الكبير، غير مُثبَتٍ عليه تاريخ النشر. ويبدو من هيئة طباعة الكتاب المتواضعة أنه لم يُعَدّ للنشر والتوزيع. غير أننا حصلنا على هذه النسخة من الدكتور جمال الدين عطية (رحمه الله) قبيل وفاته، وننشرها الآن لأول مرة على موقعنا.

ويُفهَم من مقدمة المحاضرة الأولى أن هذه المحاضرات قد سبقتها محاضرة أخرى صباح اليوم نفسه، لم تُدرج في هذا الكتيب، وقد تضمنت، بحسب ما ورد في تلك المقدمة، ما يأتي: "في الصباح تحدثنا عن ما أسميناه بالأزمة الفكرية لدى أمتنا وتعرضنا لبعض أهم القضايا التي بدت أزمة الفكر واضحة فيها كقضية الإمامة وهل هي بالنص أم بالاختيار وآثار ذلك على فكر الأمة وقضية السببية والتعليل والغيبية الذي لحق الفكر الإسلامي من وراء الاغتراب فيها، وقضية الصراع المفتعل بين النص والعقل، وقضية الجبر والاختيار، وقضية الفِرَق والاختلاف، وقضايا التأويل والصفات، وقضية الاجتهاد والتقليد، وغير ذلك من القضايا التي يمكن أن تندرج تحت هذا المجال. وقد أوضحنا أن المطلوب في الوقت الحاضر هو دراسة وتتبع جذور كل قضية من هذه القضايا وربط سائر العوامل المؤثرة في كل منها، وتحليل سائر الآثار التي ترتبت على كل منها أيضًا.. آثارها على العقل المسلم ... آثارها على الوجود الإسلامي ۰۰۰ آثارها على تربية المسلمين وعلى فهم الإنسان المسلم للكون والحياة والإنسان وكذلك إعادة تقديم المنهاج الإسلامي السليم الواضح المستمد من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ثم العمل على بناء النسق الثقافي الإسلامي المطلوب لمعالجة أبعاد هذه الأزمة".

ونعرض الآن أهم ما ورد في هذه المحاضرات الأربع عرضًا موجزًا، وهو لا يغني إطلاقًا عن الاطلاع عليها لما تضمنته من أفكار مهمة ونافعة.

 

المحاضرة الأولى: تشخيص الأزمة الفكرية وتفكيك المصطلحات

استكمل المحاضر في هذه المحاضرة الحديث عن "الأزمة الثانية وليدة الأزمة الأولى ... وهي الأزمة في المعرفة والثقافة، ودور العلم والمعرفة في حياة هذه الأمة، والدور الذي تضطلع به جامعاتنا المختلفة في هذا المجال، وكيفية بناء النسق الثقافي الإسلامي"؛ حيث حاول الدكتور العلواني تأسيس إطار مفاهيمي من خلال تفكيك وتحليل مصطلحات مركزية مثل "العلم" و"المعرفة" و"الثقافة"، فوضح أن مفهوم "العلم" في أصله القرآني والنبوي كان يشمل كافة أشكال الوعي والفهم، ولم يكن مقصورًا على ما عُرف لاحقًا بـ "العلوم الشرعية"؛ ففي العصور الإسلامية الأولى، كان التعامل مع المعرفة يتسم بالشمولية، حيث اندرجت المعارف الإنسانية والكونية تحت مظلة الخطاب الشرعي. ولكن مع مرور الزمن، وبسبب ظروف تاريخية معينة وتأثيرات الفلسفات الوافدة، حدث انقسام وازدواجية في التعليم، وتم تصنيف العلوم وتقسيمها إلى علوم دينية وأخرى دنيوية، مما أدى إلى تجزئة العقل المسلم. كما تطرق المحاضر إلى مصطلح "الثقافة"، مشيرًا إلى أن النسق الثقافي الإسلامي أرحب وأشمل بكثير من المفهوم الغربي للكلمة، فهو يمثل العقيدة والتصور الشامل للحياة والسلوك والقيم التي تنظم حياة الفرد والمجتمع.

وأبرز المحاضر تحليلًا نفسيًا واجتماعيًا دقيقًا لرد فعل العقل المسلم تجاه أزمته الحضارية، حيث يصفه بأنه في حالة من "الهروب العاجز" الذي اتخذ مسارين متناقضين؛ المسار الأول هو "الهروب إلى الماضي" عبر التغني بأمجاد الأجداد والتعلق بالتاريخ، كنوع من التخدير واكتساب راحة مؤقتة تمنع العقل من مواجهة تعقيدات الحاضر ومشكلاته. أما المسار الثاني فهو "الهروب إلى التبعية للغرب"، حيث ينبهر البعض بالنموذج الغربي ويستوردون حلوله الجاهزة دون تمحيص، ليصبحوا مستغربين في أوطانهم. وقد تعمقت هذه الأزمة النفسية وتُرجمت مؤسسيًا فيما أطلق عليه المحاضر "ازدواجية التعليم"، حيث انقسمت النظم التعليمية في البلدان الإسلامية إلى مسارين منفصلين: مدارس وجامعات "عصرية" مدنية تُعنى بالعلوم التطبيقية والإنسانية، وأخرى "دينية" أو شرعية، مما أدى إلى شطر العقل المسلم وخلق أجيال تعاني من انفصام نكد بين قيمها واعتقاداتها وبين واقعها العلمي والعملي.

مناقشات الجلسة الأولى: شهدت نهاية هذه الجلسة وبداية الجلسة التي تلتها نقاشات مهمة أدارها د. جمال الدين عطية. تركزت الأسئلة حول سبب عدم حصر فريضة طلب العلم في "العلم الشرعي" فقط، فأجاب د. العلواني بأن القرآن لم يقيد مفهوم العلم، بل شمل كل ما يتعلق بالوعي والكون. وفي الجلسة التالية، طرح د. عطية تساؤلًا حول إسهامات العلماء المسلمين الأوائل (كابن خلدون) في تأسيس العلوم الإنسانية، فأوضح د. العلواني أنه رغم وجود نظريات متناثرة ونواة حقيقية، إلا أن ظروفًا تاريخية وسياسية (مثل سيطرة الحكام وتغييرهم المستمر للمعتقدات) حالت دون أن تتبلور هذه الإسهامات إلى "علوم" مستقلة ومتكاملة المنهج كعلم الاجتماع أو الاقتصاد.

 

المحاضرة الثانية: معالم نظرية المعرفة والموقف من التراث

بدأ الدكتور العلواني هذه المحاضرة بالانتقال من تشخيص الأزمة إلى وضع معالم الحل، وفيما يتعلق بنظرية المعرفة، أبرزت المحاضر بوضوح أن الإسلام يعتمد على مصدرين أساسيين متكاملين للوصول إلى الحقيقة: "الكتاب المقروء" وهو الوحي المتمثل في القرآن الكريم والسنة النبوية، و"الكتاب المفتوح" وهو الكون وما يضمه من سنن وقوانين أودعها الخالق. وللتعامل مع هذين المصدرين، زود الله الإنسان بوسيلتين هما "العقل" و"الحواس". وقرر د. العلواني أن الطرح الإسلامي يرفض بشدة النظرة الغربية المادية التي تحصر المعرفة في حدود العالم المحسوس والظواهر المادية فقط، وتنكر ما وراء الطبيعة أو "عالم الغيب"؛ ففي الرؤية الإسلامية، لا يوجد تعارض بين العقل الصريح والنقل الصحيح، بل إن العقل هو الأداة التي تستوعب الوحي وتتفكر في آيات الكون، والإيمان بالغيب يوسع مدارك الإنسان ولا يقيده، مما يؤسس لمنهجية علمية شاملة تربط بين عالم الغيب وعالم الشهادة.

انتقل المحاضر بعد ذلك لمعالجة قضية بالغة الأهمية وهي الموقف من "التراث الإسلامي" ومسألة "التقليد"، حيث وجه المحاضر نقدًا لاذعًا للعقلية التي تضفي هالة من القداسة والعصمة على التراث الفقهي والفكري الذي أنتجه العلماء السابقون، مؤكدًا أن هذا التراث هو نتاج بشري قابل للمراجعة والنقد والتطوير. واستشهد بمواقف تاريخية لكبار الأئمة، مثل الإمام مالك والإمام الشافعي، وصولًا إلى ابن تيمية، الذين كانوا دائمي المراجعة لآرائهم وأحكامهم بناءً على تغير الظروف والوقائع. وأكد المحاضر أن التوقف عن الاجتهاد، والركون إلى التقليد الأعمى، والتعصب المذهبي الذي وصل في بعض الفترات التاريخية إلى حد التكفير والاقتتال، هي عوامل أدت إلى شلل العقل المسلم وعجزه عن مواجهة التحديات المعاصرة. لذا، اعتبر المحاضر أن التحرر من هذا الجمود، وإعادة قراءة التراث بعقلية نقدية منفتحة، يُعد خطوة حتمية في مسيرة إسلامية المعرفة.

مناقشات المحاضرة الثانية (حوار حول منهجية أصول الفقه): واحتلت مناقشة منهجية "أصول الفقه" مساحة واسعة في الحوار بين المحاضر والمعقب (د. جمال الدين عطية). فقد طرح الدكتور العلواني فكرة رائدة تتمثل في إمكانية الاستفادة من "علم أصول الفقه" كمنهج بحثي يمكن تجريده وتطويره ليصبح أساسًا منهجيًا للعلوم الاجتماعية والإنسانية المعاصرة، بدلًا من اقتصاره على استنباط الأحكام الفقهية الجزئية. ورأى أن هذا العلم يمتلك أدوات دقيقة في التعامل مع النصوص وفهم المقاصد والمآلات التي يمكن أن تفيد الباحث في تحليل الظواهر الاجتماعية. في المقابل، أثار الدكتور جمال الدين عطية تساؤلًا منهجيًا دقيقًا حول مدى صلاحية منهج صُنع خصيصًا لاستخراج "الأحكام التكليفية" (افعل ولا تفعل) لدراسة "الأحكام الوضعية" أو السنن الكونية والاجتماعية التي تصف الواقع كما هو، مما يفتح الباب أمام نقاش علمي ثري حول ضرورة ابتكار منهج إسلامي جديد يستوعب طبيعة الظاهرة الإنسانية والاجتماعية المعقدة ولا يكتفي بالجانب الفقهي التكليفي.

 

المحاضرة الثالثة: تكامل المعرفة والموقف من العلوم الغربية

خصص الدكتور العلواني هذه المحاضرة لمناقشة "تكامل المعرفة"، منتقدًا النظرة التي جزأت المعرفة وجعلت هناك فواصل بين علوم الوحي وعلوم الكون. أما الموقف من العلوم الغربية الحديثة، فقد مثّل محورًا نقديًا جوهريًا في المحاضرة؛ إذ نبّه د. طه جابر العلواني إلى خطورة الاستيراد العشوائي للعلوم الاجتماعية والإنسانية الغربية. فهذه العلوم -في نظره- ليست أدوات محايدة، بل هي مشبعة بخلفيات فلسفية ورؤى كونية تشكّلت في سياق تاريخي خاص، اتسم بصراع مع الدين في التجربة الغربية، الأمر الذي انعكس في نزعات مادية وإقصائية للوحي. ومن ثمّ، فإن نقل هذه العلوم إلى البيئة الإسلامية دون تمحيص، وهي قائمة في كثير من نماذجها التفسيرية على مقاربات داروينية أو ماركسية أو فرويدية، يفضي إلى حالة من الاغتراب الفكري، ويُحدث خللًا في بنية الرؤية للإنسان والمجتمع.

وعليه، تبرز الحاجة إلى مشروع "إسلامية المعرفة" بوصفه مسارًا تأسيسيًا لا تلفيقيًا؛ فهو لا يقتصر على تزيين المنتج المعرفي الغربي بإشارات دينية سطحية، بل يستهدف إعادة بناء العلوم الإنسانية والاجتماعية من جذورها، في ضوء التصور الإسلامي المتكامل للإنسان والكون والحياة، وبما يفضي إلى تأسيس علوم -كعلم الاجتماع وعلم النفس والاقتصاد- تنطلق من الغايات والمقاصد الإسلامية، وتعبّر عن خصوصية المرجعية الحضارية للأمة.

مناقشات المحاضرة الثالثة: شهدت هذه المحاضرة تعقيبات لافتة من د. جمال الدين عطية حول الفهم الصحيح لبعض النصوص القرآنية في ظل العلوم الحديثة. فقد عارض د. عطية الاستدلال بآية (يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا...) على مسألة غزو الفضاء، معتبرًا إياها تتحدث عن أهوال يوم القيامة وليس عن إنجازات كونية. كما ناقش آية (أفلم يكونوا يرونها) في سياق الحديث عن الحواس والمعرفة. وامتد النقاش بينهما إلى قضية فلسفية حول "تعدد الصواب"؛ حيث اعتبر د. العلواني أن أقوال الأئمة تحتمل الصواب والخطأ وأن الحق لا يتعدد، بينما اقترح د. عطية أن مسار البحث قد يقبل الرأي والرأي الآخر؛ كلاهما صواب في المسائل العقلية.

 

المحاضرة الرابعة: إشكاليات المنهج اللغوي والتقييم التاريخي للنهضة

افتتح الدكتور العلواني المحاضرة الأخيرة بالإشارة إلى إشكالية منهجية كبرى؛ وهي أن العلوم الإسلامية في مجملها بُنيت على "النص"، مما أدى إلى هيمنة الدلالات اللغوية (الظاهر، الباطن، الحقيقة، المجاز) على العقل المسلم. ومع مرور الزمن، تحولت هذه القواعد اللغوية إلى التزام حرفي صارم (كقواعد الأصوليين) مما قيَّد الانطلاق الفكري وجعل العقل المسلم حبيس التفسيرات اللفظية الجزئية بدلًا من المقاصد الكلية.

سطحية الاستجابة التاريخية للتحدي الغربي وواقعية مشروع إسلامية المعرفة: سلط المحاضر الضوء على خطأ تشخيصي تاريخي وقعت فيه الأمة عند بداية مواجهتها للتحدي الغربي، حيث ظنت الدولة العثمانية وكذلك تجربة محمد علي في مصر أن التخلف هو مجرد "تخلف مادي وعسكري". بناءً على ذلك، انصب الاهتمام على استيراد الأسلحة والمصانع والعلوم التقنية، مع إهمال تام لمراجعة الفكر وتصحيح الحالة الثقافية، وهو ما أدى إلى فشل هذه التجارب وسقوطها في النهاية، وذلك في مفارقة واضحة مع التجربة اليابانية التي نجحت في الاستيعاب والتفوق.

وبناءً على إدراك عمق هذا الخلل المعرفي، طرح الدكتور العلواني مشروع "إسلامية المعرفة" بواقعية شديدة بعيدًا عن الحماس العاطفي، مقرًا بصعوبة المهمة. وضرب مثلًا بجهود تأسيس "علم الاقتصاد الإسلامي"، مشيرًا إلى أنه رغم مرور حوالي ثمانية عشر عامًا من العمل الجاد، فإن ما تحقق لا يتجاوز 10% إلى 15% من الطريق المطلوب. هذا يؤكد أن الأسلمة ليست مجرد وضع عناوين إسلامية على علوم غربية، بل هي عملية شاقة تتطلب صبرًا، وتراكمًا معرفيًا، وجهدًا يمتد لأجيال للخروج من حالة التخلف والتبعية.

 

خاتمة المحاضرات (خلاصة المشروع)

خلصت المحاضرات في مجملها إلى أن مشروع "إسلامية المعرفة" هو مشروع حضاري متكامل يهدف إلى تحرير العقل المسلم من التبعية المزدوجة؛ التبعية لتقليد الماضي الأعمى، والتبعية للغرب العلماني. ويدعو إلى توحيد مصادر المعرفة الإنسانية، ودمج القراءة في كتاب الله المقروء مع القراءة في كتاب الكون المفتوح. ويؤكد على أهمية تجاوز الخلافات الفقهية الجزئية والصراعات التاريخية، وتوجيه طاقات الأمة نحو بناء نسق ثقافي ومعرفي إسلامي أصيل قادر على تقديم إجابات وحلول حقيقية لأزمات الإنسان المعاصر، ووضع قواعد جديدة للبحث العلمي تتلاءم مع مقاصد الاستخلاف وعمارة الأرض، بما يضمن استعادة الأمة الإسلامية لدورها الشهودي والحضاري.

 

لتحميل ملف المحاضرات (هنا)

 

* الدكتور طه جابر العلواني (1935 - 2016م) هو عالم ومفكر عراقي، حاصل على شهادة الدكتوراه في أصول الفقه من جامعة الأزهر الشريف عام 1973م. يُعد أحد الأعضاء المؤسسين للمعهد العالمي للفكر الإسلامي، وشغل منصب رئيس جامعة قرطبة في الولايات المتحدة الأمريكية، بالإضافة إلى كونه رئيسًا للمجلس الفقهي لأمريكا الشمالية لفترة. ترك إرثًا ضخمًا من المؤلفات التي أسست لفقه الأقليات، وتجديد أصول الفقه، ومقاصد الشريعة.

 
Rate this item
(0 votes)
Last modified on الإثنين, 27 نيسان/أبريل 2026 13:40