Print this page

الشيخ محمد العباسي المهدي صاحب الفتاوى المهدية

الشيخ محمد العباسي المهدي الحفني الحنفي (1244 -1315ه/ 1828-1897) هو أحد رجال الشريعة البارزين في مصر خلال القرن التاسع عشر، تبوأ منصب مفتي المحروسة (مفتي الديار) طيلة نصف قرن تقريبا، واستطاع من خلال منصبه أن يشارك في عملية التشريع حيث كانت تُعرض عليه كثير من مشروعات القوانين لإبداء الرأي، كما كانت المحاكم المصرية ترفع إليه الدعاوى للتصديق على الأحكام إما بالموافقة أو التعديل، ولذا يعد مصنفه (الفتاوى المهدية) أهم موسوعة فقهية قانونية خلال القرن، علاوة على مشاركته في اختيار القضاة والمفتين في أنحاء القطر.

 

سيرته الذاتية

ولد الشيخ محمد العباسي المهدي في الاسكندرية عام 1244ه/1828م لأسرة معروفة مشهود لها بالعلم والثراء، كان جده محمد المهدي الحفني قبطيا وأسلم في صباه، ودرس بالأزهر وصار شيخا من شيوخه المعدودين، وتقرب من الأمراء والكبراء ومنحوه التزامات عديدة في البحيرة والمنوفية والجيزة وحصَّل من ذلك ثروة طائلة، وذاع صيته مع قدوم الحملة الفرنسية لحسن علاقاته بالفرنسيين وعاش مكرما في عهد محمد علي، ورغم شهرته العلمية لم يترك مؤلفات علمية لانهماكه في تحصيل أموال التزامه وتداخله في الدعاوى والفتاوى[1] أما الأب محمد أمين المهدي فقد درس العلم بالأزهر وتولى إفتاء الديار المصرية حتى وفاته عام 1247 ه/ 1831م.

 نشأ الشيخ المهدي في ظل هذه الأسرة التي جمعت بين الثراء والنفوذ المعنوي وتأهلت بذلك للارتباط بعلاقات مباشرة مع الأسرة العلوية الحاكمة ومع بعض النخب التركية الحاكمة، وقد انعكس ذلك على حياة الطفل العباسي المهدي الذي رحل أبوه وهو في الثالثة من عمره فلم يكابد الفاقة أو الحرمان؛ فقد تعهدته الأسرة بالرعاية وشرع في حفظ القرآن ثم حضر القاهرة عام 1255ه فأتم حفظ القرآن بها، وفي العام التالي جلس لتلقي العلم وكان من شيوخه: إبراهيم السقا الشافعي وخليل الرشيدي الحنفي والبلتاني الحنفي، ولم يتم دراسته حتى فاجأه قرار تعيينه مفتيا للديار المصرية عام 1264 ه/1848 م  ولم يتجاوز الحادية والعشرين من عمره في ظل وجود من يفوقه سنا وعلما، إذ جاء تعيينه بناء على توصية من عارف بك شيخ الإسلام في استانبول الذي ولي قضاء مصر من قبل حين اقترح على ابراهيم نجل محمد علي تعيين أحد أنجال الشيخ أمين المهدي في منصب والده، حيث شغله لمدة نصف قرن مع انقطاعات يسيرة حتى وفاته 1311ه/1893م.

كان على الشيخ المهدي استكمال تكوينه الشرعي ونهض بعبء هذه المهمة بنفسه فجلس في بيته يطالع الكتب الفقهية المعتمدة في الفقه الحنفي حتى نال من الدراسات الفقهية نصيبا وافرا، فلم تحفظ عليه بادرة خطأ أو مخالفة للشرع وهو ما يعزوه أحمد تيمور إلى "أنه تولاه وهو صغير والعيون شاخصة إليه فكان لا يفتي فتوى إلا بعد المراجعة والتدقيق والتعب الكثير فحصلت له بذلك ملكة فيه حتى صار معدوم النظير، لا يجاريه مجار في هذا المضمار"[2].

وقد شاع عن الشيخ المهدي أنه لا يفتي إلا بالأقوال المعتمدة في المذهب الحنفي، ولا يخضع في فتواه لإكراهات الحكام والسياسة، إذ لم يستجب لرغبة الخديوي إسماعيل في اصدار فتوى تجيز له الاستيلاء على الأوقاف الأهلية، ولم يخضع لإكراهات أحمد عرابي للتوقيع على فتوى تجيز عزل الخديوي توفيق رغم إلحاح العرابيين مرة تلو أخرى فما كان منه إلا أن قال إنه لا يوقع بيده ولكن لهم أن يأخذوا خاتمه ليوقعوا بدله إن كانت المسألة غصبا، فأسقط في أيديهم وتولوا عنه"[3].

تسمح لنا هذه المواقف بالاستنتاج أن المهدي تمتع بشخصية قوية وأنه مارس عمله باستقلالية ونزاهة، وهو ما أكسبه احترامًا ونفوذا بين العام والخاص، فكانت فتاواه محط احترام ورأيه هو الرأي الفصل في المسألة، ولم يُعرف أن أحدهم اتهمه قط بالميل إلى الخصم أو بتلقي رشوة لتعيين أحد القضاة أو المفتين في منصبه.

 

مصنفاته

تعد الفتاوى المهدية العمل الفقهي الأبرز للشيخ المهدي*، وله رسالتان أخريان؛ الأولى: "الصفوة المهدية في إرصاد الأراضي المصرية" وهي رسالة قصيرة وجهها لسعيد باشا أفاد فيها بعدم جواز إبطال الإرصاد (الوقف) على الأراضي وقد ضمنها ضمن الفتاوى المهدية، والثانية "رسالة في تحقيق ما اشتهر من التلفيق احتيالا لمنع وقوع الطلاق الثلاث" وهي موجودة ضمن المكتبة الأزهرية.

تقع الفتاوى المهدية في سبع مجلدات ضخام ويصل عدد الفتاوى بها إلى قرابة 13500 فتوى، وقد اختارها المهدي للنشر من بين الفتاوى التي رفعت إليه خلال الفترة من (1264-1304ه/ 1848-1886م)، وهي أهم موسوعة فقهية قضائية مصرية في القرن التاسع، إذ ضمت ألوفا من الدعاوى التي رفعت إلى المهدي من المحاكم المصرية لإبداء الرأي، ولذلك حظيت الفتاوى باهتمام الدارسين مثل: رودلف بيترز، جوديث تاكر، كينيث كونو وغيرهم.

 

منهجه في الإفتاء

اتسم منهج المهدي الإفتائي بعدد من الخصائص المميزة في مقدمتها: إثبات تاريخ الفتوى على الهامش وترتيب الفصل من الأقدم إلى الأحدث، وعدم اللجوء إلى الشواهد الدينية من آيات قرآنية وأحاديث نبوية، وعدم إثقال الفتوى بالنصوص الفقهية إلا في حالة ما إذا تطلب الجواب دعما فقهيًا أو توضيحا، واقتصر الجواب على الحكم الشرعي في المسألة، كما بدا حريصًا على التثبت من صحة السؤال حتى أنه كان يسأل عن صحة واقعة السؤال، وربما استعلم عن بعض المعلومات التي يتضمنها السؤال رغم أنه مهمته تنحصر -شرعًا وقانونًا- في الإجابة عن السؤال المرفوع إليه.

واستخدم المهدي في تدوين الفتاوى لغة فقهية قانونية منضبطة ولم يستخدم لغة الإدارة المشبعة بالعامية، وهذه اللغة المنضبطة ساعدته في حجب آرائه الذاتية ومنعها من التسلل إلى النص الإفتائي، فلم يعلق على أي فتوى إلا نادرا وفي صورة توجيه عام وليس شخصي.

 

إسهامه في تنقيح كتاب (مرشد الحيران)

وإلى جوار الفتاوى المهدية اضطلع المهدي -بمساعدة الشيخ حسونة النواوي- بمهمة مراجعة كتاب (مرشد الحيران في معرفة أحوال الإنسان) بعد وفاة قدري باشا، ويبدو أن المهدي والنواوي بذلا جهدا كبيرا تراوح بين التغيير والإصلاح والتطبيق طبقا لما عليه العمل في المذهب الحنفي، والإحالة المرجعية في الهامش إلى المصادر الفقهية لكل مادة من مواد القانون البالغ عددها 941 مادة، وانفرد المهدي بوضع فهرست للكتاب ومراجعة نسخ الكتاب المتعددة ومطابقتها للنسخة الأصلية بعد تبيضها، وكان هذا العمل من الضخامة بحيث استغرق قرابة عام حتى صدر الكتاب عام 1308ه/ 1891م[4]. وهذه التعديلات والتصويبات التي أدخلها الشيخان وما أنفقاه من وقت يفهم منه أن محاولة قدري باشا لم تكن مكتملة من الناحية الشرعية وأنهما يعدان شريكان في محاولة التقنين ولو بالمراجعة والتصويب[5].

ظل الشيخ يمارس عمله الإفتائي حتى أصيب بالشلل ومكث في منزله فترة قصيرة إلى أن توفي عام 1897.

 

[1] الجبرتي، عجائب الآثار في التراجم والأخبار، ج4، ص 372.

[2] أحمد تيمور، تراجم أعيان القرن الثالث عشر، دون تاريخ، ص 77.

[3] نفس المرجع السابق، ص72-78.

* لم يذكر ابنه في ترجمته سوى هذا العمل، فضلا عن أن المؤرخ رودلف بيترز أحد أهم المؤرخين لسيرة العباسي المهدي لم يثبت له سوى هذا العمل.

[4] محمد قدري باشا، مرشد الحيران إلى معرفة أحوال الإنسان في المعاملات الشرعية على مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان، القاهرة: المطبعة الكبرى الأميرية، 1308ه/1891م، ط2، ص 2-7.

[5] فاطمة حافظ، الفتوى والحداثة: تطور علاقة الدولة بالشريعة في مصر القرن التاسع عشر، مركز نماء للبحوث والدراسات، ص 126.

Rate this item
(0 votes)
Last modified on الإثنين, 04 أيار 2026 09:32
فريق تحرير الموقع