في إطار إحياء الأدبيات القانونية التأسيسية، أعادت دار العادل للنشر والتوزيع بالقاهرة طبع ونشر الكتاب المرجعي «نظرية حوالة الحق في قوانين البلاد العربية: دراسة مقارنة بالفقه الحنفي»، للعلامة القانوني: الدكتور شفيق شحاتة، بحليّة جديدة، وبدراسة واعتناء الدكتور: أحمد حسين عثمان، وتقديم الأستاذ الدكتورك محمد أحمد سراج.
وتنبع أهمية هذا الكتاب من أهمية صاحبه؛ فالدكتور شفيق شحاتة (1896–1976م) هو قانوني ومؤرخ مصري بارز، وأحد كبار أساتذة تاريخ القانون، والقانون المدني في جامعتي القاهرة وعين شمس. ويُعد رائدًا ومجددًا استثنائيًا في الدراسات الفقهية المقارنة؛ حيث امتلك السبق الأكاديمي في تأصيل نظرية عامة للالتزامات في الشريعة الإسلامية وصياغتها على غرار النظريات القانونية الحديثة المعاصرة. امتد أثره العلمي محليًا ودوليًا، واختير في الخمسينيات لشغل كرسي أستاذية الدّراسات الإسلامية وتاريخ القانون في جامعة باريس (الكوليدج دي فرانس)، تاركًا خلفه إرثًا قانونيًا وفقهيًا غنيًا باللغتين العربية والفرنسية شكّل مرجعًا أساسيًا للأجيال القانونية المتعاقبة.
كما تأتي أهمية هذا الطبعة الجديدة أولا من أن تقديمها جاء بقلم أستاذ له باع كبير في الدراسات المقارنة بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي، وهو الأستاذ الدكتور محمد أحمد سراج، والذي يشغل منصب أستاذ الدراسات الإسلامية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة. ويحظى بمسيرة دولية حافلة؛ حيث عُيِّن مبعوثًا دراسيًا بجامعة كامبريدج، وأسهم في تأسيس الجامعة الإسلامية العالمية في إسلام آباد بباكستان وعمل عميدًا لكلية الشريعة والقانون بها. كما يُعد الدكتور سراج من المفكرين الذين ينظرون إلى الفقه الإسلامي كنظام قانوني متكامل ويجب التعامل معه على هذا الأساس، وله أكثر من عشرين مؤلفًا وتحقيقًا وترجمةً أثرت المكتبة القانونية، ومن أبرزها كتاب "في تاريخ النظام القانوني الإسلامي" وكتاب "ضمان الطبيب في الفقه الإسلامي".
ثم تزداد أهمية هذه الطبعة بوجود دراسة مهمة ومطولة عن د. شحاتة، وعن جهوده الملهمة والتأسيسية في خدمة الفقه الإسلامي، للباحث المتميز د. أحمد حسين عثمان، المتخصص في الدراسات الفقهية والقانونية، والحاصل على درجة الدكتوراه في الشريعة الإسلامية والمقارنات التشريعية من كلية دار العلوم بجامعة القاهرة. والذي تتركز اهتماماته ومساهماته العلمية في حقل القانون المقارن، وتأصيل النظم التشريعية؛ حيث يُعد من الباحثين المهتمين بتتبع جذور المناهج القانونية وتطورها. ومن أبرز مؤلفاته المنشورة كتاب "أصول الدراسات المقارنة وتطورها بين الفقه والقانون"، بالإضافة إلى إسهاماته البحثية والنقدية المستمرة في قراءة وتفكيك كتب تاريخ النظام القانوني الإسلامي بالتعاون مع مراكز بحثية عربية.
ومما جاء في مقدمة الباحث للكتاب:
يُبرز هذا الكتاب إسهامات الدكتور شفيق شحاتة كواحد من أبرز رجالات القانون الذين دفعوا حركة الدراسات القانونية خطوات واسعة إلى الأمام. ويعود الفضل في ذلك إلى تكوينه العلمي والثقافي المتنوع؛ حيث تتلمذ على أيدي الرعيل الأول من أساتذة القانون، وأتقن اللغات الأجنبية كالفرنسية، واقترب اقترابًا كبيرًا من الفقه الإسلامي بفضل أساتذته الشرعيين في كلية الحقوق، مما مكنه من تفهم سمات هذا الفقه ومناهجه. وقد ساعدت هذه المعارف المتعددة في جعل شحاتة باحثًا مقارنًا بين النظم القانونية، واستطاع إحداث تفاعل بين المجالين الفقهي والقانوني، مما دعم حركات الإحياء الفقهي في الوطن العربي لاحقًا.
وقد نال الدكتور شحاتة تقدير كبار الفقهاء، أمثال الشيخ محمد أبو زهرة، وأحمد إبراهيم بك، لنجاحه في نقل المناهج الغربية إلى الفقه الإسلامي. ولم يكن هذا النقل مجرد انبهار أعمى، بل أخضع تلك المناهج لتهذيب دقيق وجردها مما يتعارض مع أصول الشريعة، ليُعيد صياغة الفقه الإسلامي وتقديمه بصورة حديثة وميسرة. ومن خلال المقارنة والتنظير والتقنين، ساهمت حركة الإحياء في توليد نظريات قانونية كبرى أثرت العدالة، كنظرية التعسف، والالتزامات، والسبب، ونظرية الحوالة. كما لفت هؤلاء الرواد أنظار الغرب إلى المنهج الفقهي الإسلامي عبر إبراز الفقه العملي (كالفتاوى والأقضية والنوازل) بدلًا من الاعتماد الحصري على الشروح والحواشي.
ويكشف الكتاب عن أمرين رئيسيين: الأول يتمثل في جهود شحاتة في تطوير الفقه الإسلامي ومنهجه في ذلك، والثاني هو عرض نظرية الحوالة في الفقه الإسلامي مقارنة بالقانون. وتبرز أهمية الأمر الأول في كون المؤلف لم ينل دراسة وافية تسلط الضوء على جهوده الكبيرة في التنقيب عن المصادر الفقهية المخطوطة، وهي جهود تحتاج إلى تقييم وإبراز لمن أراد البناء عليها. أما الأمر الثاني، فتكمن أهميته في أن نظرية الحوالة، وخاصة عند الحنفية، لم تحظَ بإطار نظري واحد يجمع عناصرها عند القدامى رغم حضورها في التطبيق الفقهي، مما يثبت أن الفقه الإسلامي لم يكن يومًا خاليًا من التصورات القانونية المنظمة للمعاملات.
محتويات الكتاب:
ينقسم الكتاب إلى قسمين رئيسيين؛
يحتوي القسم الأول على عشرة فصول تتناول فكر الدكتور شحاتة بشكل شامل. يبدأ الفصل الأول بتقديم بطاقة تعريفية بالمؤلف تتضمن نشأته، ودراسته، وأهم مؤلفاته، والوضع الفقهي والقانوني في تلك الفترة. ثم ينتقل الفصل الثاني لاستعراض علاقة شحاتة بالفقه الإسلامي، حيث يناقش تعرفه على الشريعة، والاتجاهات التي أثرت في كتاباته المقارنة، ومظاهر حيوية النظام القانوني الإسلامي، ومنهجيته التي تعتمد على المنهج التاريخي. وفي الفصل الثالث، يبرز الكتاب دور الفقه في عملية النهوض التشريعي، موضحًا كيف يقود الفقه الإسلامي المدنية العربية، مع عرض انتقادات المؤلف للواقع التشريعي وأسباب نجاح تطبيق القوانين الغربية. أما الفصل الرابع، فيُفصّل منهجية المقارنة لديه، مبينًا طبيعة علم القانون المقارن، والفرق بينه وبين فلسفة القانون وتاريخه، وإسهاماته البارزة في هذا الحقل.
ويستمر القسم الأول في فصله الخامس بتناول التنظير الفقهي والقانوني، متتبعًا بدايات ظهور مصطلح النظرية، والدور الذي قامت به كتب النظريات، ومظان استخراجها من الفقه الإسلامي. بينما يُخصص الفصل السادس لتاريخ النظام القضائي الإسلامي وتطوره وخصائصه. وفي الفصل السابع، يعرض الكتاب موقف شحاتة من مشروعات تقنين الفقه الإسلامي، معتبرًا القوانين العثمانية مظهرًا للنهضة التشريعية. ويتصدى الفصل الثامن لانتقادات شحاتة للدراسات الاستشراقية، مفندًا دعاوى مثالية الفقه وعدم واقعيته واستمداده من غيره. ويطرح الفصل التاسع مناقشات عامة حول آراء المؤلف، مثل تجريد العقد من خواصه الدينية، وموقفه من أصول الفقه، والإفراط في التقليد الغربي. ليُختتم هذا القسم بالفصل العاشر الذي يرصد الآثار التي أحدثتها كتاباته.
أما القسم الثاني من الكتاب، فيختص بدراسة نظرية حوالة الحق، مبتدئًا بمقدمة للمعتني توضح التصور العام للحوالة ومنهج الدكتور شفيق في دراستها والملاحظات الموجهة لبحثه. يتبع ذلك نص المؤلف الذي يُمهد للموضوع بمناقشة انتقال الالتزام وموضعه في القانون المدني، وتصور الحوالة في القانون الروماني والفقه الإسلامي والتشريعات الحديثة. وينقسم هذا النص إلى أربعة أبواب؛ يعالج الباب الأول أركان حوالة الحق عبر فصول مخصصة للاتفاق، وطرفي الحوالة، ومحلها. بينما يبحث الباب الثاني في آثار الحوالة مبنيًا على تفصيل العلاقات بين المحيل، والمحال له، والمدين المحال عليه. ويناقش الباب الثالث نفاذ الحوالة على الغير بتعريف ماهية "الغير" وتطبيقاته. وأخيرًا، يُفرد الباب الرابع لحوالة الحق في الفقه الإسلامي الحنفي، مبرزًا أهمية مقارنة الشريعة بالقانون المدني، ومستعرضًا المسائل والنظريات المتعلقة بها.
وختامًا،
فإن إعادة إحياء هذه الأطروحة التأسيسية للعلامة شفيق شحاتة تأتي لتؤكد صحة التوجه الداعي إلى ضرورة تجسير الفجوة بين الدراسات القانونية والأصول الفقهية المقاصدية.
إن وضع هذا الكتاب بين يدي الباحثين والدارسين اليوم يفتح أفقًا جديدًا لاستكمال ما بدأه الرواد، والانتقال بالدراسات المقارنة بين الشريعة والقانون من مرحلة المقارنات الشكلية التجزيئية إلى مرحلة البناء الحضاري والتأصيل المعرفي الشامل الذي يُعزز العدالة ويستجيب لمتطلبات العصر.