طباعة الصفحة

علاقة الأخلاق بالشريعة الإسلامية والقانون الوضعي (2-2)*

By عبد الله صيام** يوليو 27, 2026 8 0

(ج) أما المحافظة على العقل في الشريعة فبتحريم المسكرات لأنها تضر بمن يتناولها بنقص العقل ـ والشريعة كما ذكرنا تحمي الإنسان من إضرار نفسه بنفسه ـ أما الفكرة في المحافظة على العقل في القانون فليست لذات العقل ولا لأن المسكر يضر بعقل من يتعاطاه ولكن لما ينشأ عن السكر من الإضرار بالغير فلم تعاقب عليه إلا مع العربدة في الطريق العام أو في المحال العامة حيث يظن أن ينشأ عنه ضرر للغير.

والشريعة الإسلامية راعت في أصل عقوبة السكران حماية العقل ودفع أضرار الإنسان نفسه ولاحظت في تقدير العقوبة ضرر الغير ومن أجل ذلك جعلت عقوبة السُكر كعقوبة القذف لأن السُكر مظنة له وقد قال علي كرم الله وجهه لما سئل في تقدير عقوبة الشارب: "أرى أنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى فعليه حد المفتري وهو ثمانون سوطًا".

وقد أثبت الطب الحديث وجمعيات منع المسكرات أن ضرر المسكر لا يقتصر على العقل وحده بل يتعداه إلى إتلاف الأجسام وإفساد الأخلاق وإضعاف النسل، وقد نشطت بعض الأمم المتمدينة إلى تحريمها؛ كأمريكة (الولايات المتحدة)، وبعضها إلى محاربتها وتضييق الخناق عليها ووضع القيود من دون انتشارها؛ كإيطالية وألمانية وغيرهما، وإنا نعد هذا النشاط في تحريم الخمر أو مطاردتها انتصارًا للفكرة الإسلامية فيها ـ وبين فكرة الشرع وفكرة القانون هنا اتفاق في جنس الفكرة ونوعها تقريبًا واختلاف في طريقة المحافظة لاختلافهما في نص العقوبة.

(د) والمحافظة على المال في الشريعة بمعاقبة السارق وتحريم الغصب والأمر برد المغصوب قائمًا وضمانه هالكًا والأمر بأداء الأمانة وتحريم أكل أموال الناس بالباطل وتعويض الضرر المالي وحقوق الملكية والوصاية والقوامة على عديمي الأهلية إلى غير ذلك وهذه الأمور ونحوها منها ما هو من موضوع قانون العقوبات؛ كالسرقة، ومنها ما هو من موضوع القانون المدني والتجاري؛ كالتعويض وحقوق الملكية ونحو ذلك. وقد اتفقت فيه الشريعة مع القانون في جنس الفكرة ونوعها ـ واختلفا في طريقة المحافظة لاختلاف النصوص فيهما.

(هـ) والمحافظة على النسل في الشريعة الإسلامية بتشريع الزواج وتحريم الزنى والمخادنة ووجوب الإنفاق على الأبناء الفقراء وإثبات الأنساب وغير ذلك مما يرجع إلى حفظ النسل من أحكام اللقيط وغيره ـ والمحافظة على النسل في القانون بتشريع الزواج المدني والمحافظة على شروطه ورسمياته والتشريع الخاص باللقطاء ومجهولي الآباء والمتشردين من الأطفال ـ وقد اتفق مع الشريعة هنا في أصل الفكرة ونوعها دون طريقة المحافظة. ا هـ.

ونحن بعد أن تبين لنا اتفاق الشريعة والقانون على وجوب المحافظة على هذه الضروريات نجد طائفة من الآداب والأخلاق تخدمها وتكون سنادًا لها وعونًا على صيانتها، بل من المعتقدات الدينية نفسها ما يخدم هذه الضروريات؛ أليس الإيمان بالله واليوم الآخر والرضاء بالقضاء والقدر مما يجعل النفس تطيب بالنازلة إذا نزلت والجائحة إذا ألمت فلا تضيق بها ذرعًا حتى تتلمس الخلاص من الحياة بالانتحار ـ فهذا مما يخدم المحافظة: على النفس؟

أليس الصدق وطهارة الذمة مما يعتمد عليها القضاء في إيصال الحقوق إلى أربابها، وهما لازمان لعدل القاضي واستقامة الشاهد ـ فهذا مما يخدم الضروريات الخمس لأن القضاء وصلة إلى الحقوق التي ترجع إلى جميعها ـ والقضاء يلجأ عند العجز عن الإثبات إلى تحليف اليمين فيكل من يريد تحليفه إلى ضميره وذمته وخلقه في النطق باليمين فإن كان عف الضمير طاهر الخلق صدق بها أو نكل عنها، وإن كان سيء الخلق استحل بها الحقوق كذبًا وظلمًا، وكذلك قل عن اليمين المشروعة في تحليف الشهود.

ولا نذهب بعيدًا إذا قلنا إن القوانين الوضعية تقضي على القاضي إذا لم يجد نصًا في القانون أن يحكم بقواعد العدل والإنصاف وهي مستمدة من ضمير القاضي وذمته، وأنَّى له بذمة طاهرة وضمير ورع ما لم يكن له من الآداب والأخلاق الحظ الوفير؛ بل أي قيمة للقضاء وما قدر القوانين إذا فشت رذيلة الكذب مثلًا في مجتمع حتى شملت القضاء والشهود والمتقاضين بل كيف تعرف الحقوق وكيف يستطاع إيصالها إلى أربابها؟

أليس الحياء مقلصًا للنفوس عن الرذائل والمظالم وأن ليس ارتكاب الموبقات والجنايات إلا من حيث تخلت النفوس عن وجدانها وفارقها حياؤها؟

أليس الكذب مدعاة للزور وفساد الذمم أساس التلفيق وضياع الحقوق؟

أليس الحقد والضغينة بذر الجرائم والآثام المستنبت في القلوب والأكباد؟

أليست النميمة والسعي بالوقيعة بين الناس من رسل الشيطان وعوامل الفتن والجرائم؟

أليست خطبة المرء على خطبة أخيه وسومه على سوم أخيه مما يبعث التذمر والحزازة في النفوس؟

أليس كف الأذى وبذل المعروف وغض البصر عن المحرم وترك التسمع على حديث الناس والإحسان في المعاملة إلى غير ذلك من آداب الدين ومكملات الأخلاق صقالًا للنفوس وتهذيبًا للطباع يبتعدان بها من الشرور والآثام؟

أليس ضبط النفس عند الغضب حاقنًا للدماء مانعًا من الاعتداء؟

أليست المخيلة والكبرياء مدعاة إلى السرف والتبذير في سبيل المظاهر والمفاخر فضياع الأموال فالفقر فالإجرام؟

وقس على ما تقدم سائر آداب السلوك والأخلاق التي وردت الشريعة الغراء بالحث عليها فإنها لا تخرج عن أن تكون خادمة لضروريات المجتمع ـ فعجيب أن يصفها القانونيون مع هذا بأنها من الآداب التي لا يحتاج القانون إلى تنظيمها في حفظ كيان المجتمع وحمايته من الفوضى. قال صاحب الموافقات: "إن كل حاجي أو تحسيني إنما هو خادم للأصل الضروري ومحسن لصورته الخاصة إما مقدمة له أو مقارنًا أو تابعًا وعلى كل تقدير فهو يدور بالخدمة حواليه فهو أحرى أن يتأدى به الضروري على أحسن حالاته" اهـ.

ولا يخفى أن مكارم الأخلاق عند الأصوليين من المحسنات أي الأمور المستحسنة في الشرع والمراد من خدمتها للضروريات أنها تخدمها بالكل لا بالجزء فلا يتعين جزئي من هذه الكمالات الخلقية لخدمة الضروريات في فرد معين من الأمة لأنه قد يتخلف عن خدمتها بالجزء فقد يأتي الإجرام أو مخالفة الضروريات من الأحكام الشرعية والقانونية ممن تحلى بمكارم الأخلاق وتهذب بمحامد الشيم مدفوعًا إلى هذه المخالفة بظروف شاذة، وإنما المراد أن ذيوع هذه المكارم والمحامد في أمة يقلل فيها من الجرائم ومخالفة النظام والقانون وأنها لازمة لكل مجتمع بطريق الكلية أيضًا، فلا يؤثر تخلي أفراد من الأمة عنها، بل المؤثر في هدم المجتمع وإسلامه إلى الفوضى خلو مجموعه من آداب السلوك وصواقل الأخلاق.

 

علاقة الأخلاق بالشريعة الإسلامية والقانون الوضعي (1-2)

 

* مقال منشور في العدد الأول من مجلة «نور الإسلام» الصادر عام 1930م. ويُذكر أن هذه المجلة قد تأسست لسان حالٍ لمعاهد الأزهر الدينية، وقام على تحريرها نخبة من كبار العلماء، ثم تحول اسمها في عام 1935م إلى «مجلة الأزهر» المعاصرة، لتستمر في العطاء العلمي حتى يومنا هذا. (المحرر).

** عرفت المجلة الشيخ عبد الله صيام بأنه "متخصص في الشريعة ومحام شرعي". والحقيقة أنه يعد أحد الأعلام البارزين في مجال الفقه، والمحاماة أمام المحاكم الشرعية في مصر خلال النصف الأول من القرن العشرين، وتحديداً في الفترة التي شهدت توهجاً كبيراً للمحاماة الشرعية وقضايا الأحوال الشخصية والأوقاف. تلقى الشيخ عبد الله صيام تعليمه في جامع الأزهر الشريف، وتشرب الفقه الإسلامي على المذاهب الفقهية المعتمدة، ولا سيما المذهب الحنفي الذي كان المعول عليه في القضاء الشرعي المصري آنذاك. يُعد من الرعيل الأول الذين مارسوا مهنة "المحاماة الشرعية" بعد تنظيمها بصدور اللوائح الخاصة بها في أوائل القرن الماضي (مثل لائحة ترتيب المحاكم الشرعية). اشتهر ببراعته الفائقة في الترافع في قضايا الأوقاف المعقدة (إثباتاً ونظارةً واستحقاقاً) وقضايا الأحوال الشخصية، وكان مقصداً للعائلات الكبرى في مصر لتوثيق وحماية أوقافهم وحل النزاعات القضائية حولها. عاصر أقطاب الحركة الفكرية والقانونية في القرن الماضي، وكان له حضور في الأوساط التي تناقش إصلاح القضاء الشرعي وتقنين الأحوال الشخصية. (المحرر).

قيّم هذا المقال
(0 أصوات)
آخر تعديل بتاريخ الإثنين, 27 يوليو 2026 16:32