طباعة الصفحة

طبيعة وماهية العقوبة في النظام العقابي الإسلامي (3-3)*

By د. مصطفى عبد الرحيم آدم رشاش** يوليو 13, 2026 30 0

الحلقة الثالثة

فلسفة العقوبة في الفقه الجنائي الإسلامي:

تهدف العقوبة عمومًا في نظر الفقه الجنائي الإسلامي إلى تحقيق ثلاثة أهداف، وهي: العدالة، وزجر الجاني وغيره عن ارتكاب الجريمة، وإصلاح الجاني وجعله عضوًا صالحًا في المجتمع الذي يعيش فيه.

والمراد بالعدالة هو تحقيق العدالة بالنسبة للمجني عليه ولذويه فيما إذا كانت الجريمة قد أفضت بحياته، وتحقيق العدالة هنا يتمثل في معاقبة الجاني العقاب الذي يتلاءم مع جسامة الجريمة وشدة الألم الذي ألحقه فعله بالمجني عليه. ومن جانب آخر يجب أيضًا تحقيق العدالة بالنسبة للجاني نفسه، وذلك بأن ينال من العقاب ما يتناسب مع فعله من غير تجاوز أو مغالاة أو تنكيل أو تمثيل به.

وفيما يتعلق بالزجر، يُهدف من العقاب بأن تكون العقوبة بمثابة تحذير للجاني ولكل من تسول له نفسه خوض ذات المعترك الإجرامي من أفراد المجتمع، وذلك بحيث يكون الألم الذي توقعه العقوبة بالجاني كافيًا لردع وزجر غيره عن ذلك التفكير الإجرامي. ومن هذا تظهر لنا الفلسفة التي من أجلها قررت الشريعة الإسلامية أن تتم معاقبة الجناة في بعض الجرائم في مكان عام بحيث يشهد ذلك أكبر عدد من الناس؛ لعل مشاهدتهم هذه تجعلهم يقلعون عن ارتكاب مثل هذه الجرائم، وبالتالي يتحقق هدف الزجر الذي ترمي إليه العقوبة في النظام الجنائي الإسلامي.

أما إصلاح الجاني، فيتمثل في تقويمه خُلقيًا وإعداده روحيًا لأن يصبح عضوًا صالحًا في المجتمع بعد قضاء فترة العقوبة، وذلك فيما إذا كانت العقوبة سجنًا. لأننا اليوم نجد أن عقوبة السجن في ظل القوانين الوضعية السائدة الآن لا تخدم غرضًا ولم تؤد مطلقًا إلى الحد من درجة الإجرام، لأن الجناة اليوم يوضعون في السجن حيث يجدون الخلية والمناخ الملائم لاستعراض وتبادل الخبرات والتجارب الإجرامية والتخطيط لقيام شبكات إجرامية دقيقة ومحكمة يكون تنفيذها رهينًا بخروجهم من السجن. كما أنهم في داخل السجن يتناولون وجبات طعام موزونة من حيث القيمة الغذائية تكون كفيلة بأن تجعل منهم أكثر قوة وعنفًا ولا يبالون من ارتكاب أخطر الجرائم بعد قضاء فترة السجن، دون اكتراث لتعاليم الدين وقيم المجتمع ومعاني الإنسانية. وهذا كله لأنهم في ظل النظم القانونية الوضعية يفتقدون أبسط أنواع التوجيه والتربية الروحية والخُلقية التي من شأنها أن تجعلهم يقلعون عن هذا المسلك الإجرامي، وتنتهي بهم إلى اتخاذ نهج قويم بعد قضاء فترة السجن، مما يؤدي إلى نفعهم وبالتالي نفع المجتمع بأسره بكونهم جزءًا لا يتجزأ من أجزائه التي ينبغي أن تتضافر يدًا بيد لتشييد صرحه والذود عن قيمه وأخلاقياته وأمن وسلامة أعضائه، أي سلامة النفس والدين والعقل والمال والعرض.

ولهذا تولي السياسة العقابية في الفقه الجنائي الإسلامي جانب إصلاح الجناة قدرًا كبيرًا من الاهتمام والعناية، وذلك بتكثيف برامج ومناهج التربية الروحية لنزلاء السجون، لأن في صلاح الأخلاق صلاح المسلك والنهج. هذا بجانب تدريبهم على المهن الحرة المختلفة التي تؤهلهم في مستقبل حياتهم بعد قضاء فترة السجن إلى طرق سبل الكسب الشريف الحلال والابتعاد عن مواطن الرذيلة والهلاك.

 

الخاتمة:

يتضح لنا جليًا، على ضوء ما تقدم من استعراض لطبيعة العقوبة تحت السياسة العقابية في الفقه الجنائي الإسلامي، أن عقوبات الحدود تتميز بأنها غير قابلة لأي نوع من التسوية، هذا بمعنى أنه ليس للمجني عليه أو القاضي أو خليفة المسلمين بصفته رئيسًا للدولة أن يعفو عن المتهم الذي ثبتت إدانته في جريمة من جرائم الحدود.

أما عقوبات القصاص من جانب آخر، فإنها قابلة للتسوية، بمعنى أنه يجوز لكل من المجني عليه شخصيًا أو وليه فيما إذا كانت الجريمة قد أدت إلى موته، أن يعفو عن الجاني، ويطلب الدية بدلًا عن القصاص، بل يمكن أن يُسقط الدية نفسها. ويلاحظ هنا أن الإمام، أي خليفة المسلمين، لا يجوز له أن يستخدم سلطته بصفته رئيسًا للدولة أن يعفو عن الجاني الذي ثبتت إدانته في جريمة يُعاقب عليها بعقوبة القصاص، لأن هذا الحق، أي حق العفو في جرائم القصاص خاص بالمجني عليه أو وليه فقط. غير أن للإمام بصفته وليًا لمن لا ولي له، أن يعفو عن الجاني الذي ارتكب جريمة من جرائم القصاص في حق الصغير الذي لا ولي له، بشرط ألا يعفو عن الجاني كلية دون دفع تعويض مالي للصغير. هذا بمعنى أن للإمام في مثل هذه الحالات سلطة العفو عن توقيع عقوبة القصاص والمطالبة بالعقوبة البديلة وهي الدية تُدفع للصغير الذي تحت ولايته.

بينما عقوبات التعزير قابلة للعفو من حيث الأصل، إذ يجوز لكل من المجني عليه والإمام - رئيس الدولة - أن يعفو عن الجاني في أي جريمة من جرائم التعزير بشرط ألا يعفو المجني عليه عن الجاني الذي تمت إدانته في جريمة تعزيرية ألحقت ضررًا بأشخاص آخرين، كما ليس للإمام أن يعفو عن الجاني الذي تعلق بجريمته حق خاص بشخص آخر.

ويلاحظ أيضًا مما تقدم أن عقوبات الحدود لا يجوز إسقاطها أو تخفيفها أو استبدالها بعقوبة أخرى، بينما نجد عقوبات القصاص، من جانب آخر، يمكن استبدالها بالدية بناءً على طلب المجني عليه أو ولي القتيل الذي أدت الجناية إلى موته. وأما فيما يتعلق بعقوبات التعزير، فالخيار متروك للقضاة لتوقيع أكثر العقوبات ملاءمة لتحقيق الهدف الذي ترمي إليه فلسفة العقوبة في النظام الجنائي الإسلامي.

أهداف السياسة العقابية في الفقه الجنائي الإسلامي:

وفيما يتعلق بالأهداف التي ترمي إليها السياسة العقابية في الفقه الجنائي الإسلامي، من خلال أنواع العقوبات الثلاث التي تقدم بيانها وهي عقوبات الحدود والقصاص والتعزير، فيمكن إجمالها في الآتي:

أولًا: مراعاة توقيع العقوبة التي تتناسب مع حجم الجريمة المرتكبة، من غير تجاوز أو مغالاة.

ثانيًا: يُهدف من معاقبة الجاني إلى ردعه عن معاودة الجريمة وزجر غيره ممن لديهم نزعات إجرامية عن الإقدام لتنفيذ مخططاتهم العدوانية. وتحقيقًا لهدف زجر الغير هذا، تقرر في السياسة العقابية الإسلامية توقيع بعض العقوبات على الجناة في مكان عام بحيث يتمكن أكبر عدد من الناس من مشاهدة ذلك.

ثالثًا: يُرجى من معاقبة الجاني إصلاحه وإعداده ليصبح عضوًا صالحًا في المجتمع، والمراد بالإصلاح هو الإصلاح الروحي والأخلاقي على ضوء أحكام وتعاليم الشريعة الإسلامية. لأن الإصلاح الروحي والأخلاقي هو الوسيلة الوحيدة التي تؤدي إلى انخفاض معدل الجريمة في المجتمعات، إذ بغياب مثل هذا الإصلاح والتربية في السياسة العقابية الوضعية نجد الجريمة دائمًا في ازدياد مضطرد بدلًا من انحسارها والقضاء على مسبباتها.

رابعًا: شُرعت العقوبات في الفقه الجنائي الإسلامي أساسًا لحماية المقاصد التي عُنيت الشريعة الإسلامية بصونها ورعايتها، وهي حفظ النفس والدين والمال والعقل والنسل. لأننا إذا نظرنا إلى كل الجرائم التي تقدم ذكرها وهي الزنا والقذف وشرب الخمر والسرقة وقطع الطريق والبغي والردة وجرائم القتل والاعتداء على جسم الإنسان، نجدها كلها تتعلق بهذه المقاصد الخمسة.

 

سياسية التجريم والعقاب في الفقه الجنائي الإسلامي (1-3)

طبيعة وماهية العقوبة في النظام العقابي الإسلامي (2-3)

 

* رشاش، مصطفى عبد الرحيم آدم. "سياسة التجريم والعقاب في الفقه الجنائي الإسلامي (الحلقة الأولى)". مجلة البعث الإسلامي، الهند، مج 41، ع 3 (إبريل 1996)، ص ص. 61 - 69.

** أستاذ مشارك وعميد كلية التراث الإسلامي بالجامعة الإسلامية في يوغندا.

قيّم هذا المقال
(0 أصوات)
آخر تعديل بتاريخ الإثنين, 13 يوليو 2026 19:51