طباعة الصفحة

الإسلام وحق الأسير في الحياة مقارنة بقواعد القانون الدولي العام والممارسات الدولية

By د. محمد عبد المطلب الخشن يونيو 30, 2026 32 0

تعد ظاهرة النزاعات المسلحة من أقدم الظواهر الملازمة لتاريخ البشرية، حيث تشير الإحصاءات التاريخية إلى غلبة فترات الحروب على فترات السلام بشكل واسع. وما ينتج عن هذه الصراعات من آثار إنسانية وقانونية معقدة، يبرز في مقدمتها معضلة التعامل مع الأعداد الهائلة من أسرى الحرب والمصير المجهول الذي ينتظرهم، مما يستوجب وضع أطر قانونية وتشريعية لضبط هذا التعامل.

في هذا السياق، تأتي دراسة "الإسلام وحق الأسير في الحياة- مقارنة بقواعد القانون الدولي العام والممارسات الدولية"، والتي نشرت في مجلة القانون والاقتصاد (العدد الرابع والتسعون، كلية الحقوق بجامعة القاهرة، يونيو 2021م)، للدكتور محمد عبد المطلب الخشن، وهو أكاديمي وباحث مصري متخصص في مجال القانون الدولي العام. يشغل منصب أستاذ القانون الدولي العام المساعد بكلية الحقوق والعلوم السياسية في جامعة الملك سعود بالمملكة العربية السعودية، بعد نيله درجة الدكتوراه في الحقوق من جامعة القاهرة. تتركز نتاجاته العلمية ومؤلفاته حول قضايا القانون الدولي المعاصر، والمنظمات الدولية، والمسؤولية القانونية الدولية، ومن أبرز مؤلفاته المنشورة كتاب "الوضع القانوني لرئيس الدولة في القانون الدولي العام"، بالإضافة إلى عدد من الأبحاث المحكمة في مجالات الحصانات والنزاعات الدولية.

تعالج الدراسة إشكالية بحثية محورية ذات أبعاد تشريعية وحقوقية متداخلة. وتنطلق هذه الدراسة من حاجة علمية ماسة لتفكيك الإشكاليات والمغالطات التي يطرحها بعض المستشرقين والمناهضين للإسلام، والتي تدعي -استنادًا إلى فهم مجتزأ لبعض النصوص- أن التشريع الإسلامي يبيح كقاعدة عامة قتل الأسرى.

وتتأسس مشكلة الدراسة وأهميتها على ضرورة تقديم مراجعة علمية موضوعية تنفي هذه الصورة الدموية غير الحقيقية، والتي تتعارض مع المبادئ الإنسانية للمجتمع الدولي الحديث. وتهدف الدراسة إلى تحرير القول في حقيقة المركز القانوني للأسير في النظام الإسلامي، وتأصيل "الحق في الحياة" ضمن هذا النظام، مع بيان الإسهام الحضاري المبكر للشريعة الإسلامية في إرساء دعائم حقوق الإنسان قبل أن تتبلور في القانون الدولي الإنساني المعاصر بقرون.

وتتبنى الدراسة إطارًا منهجيًا يدمج بين المنهج التاريخي التحليلي والمنهج المقارن؛ للقيام بقراءة فاحصة في التراث الإسلامي والممارسات البشرية عبر العصور، ووضع المبادئ الإسلامية في ميزان المقارنة المنهجية مع نصوص القانون الدولي العام والممارسات الدولية المعاصرة، بغية الوصول إلى تقييم دقيق يبرز مدى اتساق الضمانات الإسلامية لحق الأسير مع المعايير القانونية والأخلاقية الحديثة، أو تفوقها عليها.

تبدأ الدراسة بتأصيل مفهوم الأسير في الفقه الإسلامي، حيث يُعرّف بأنه المقاتل الحربي الذي يقع في قبضة المسلمين أثناء قيام حالة الحرب. وتُبرز الدراسة الشروط الدقيقة التي وضعها الإسلام لاعتبار الشخص أسيرًا، والتي تستثني بشكل قاطع غير المقاتلين كالنساء والأطفال والعجزة، وتمنع أسر من دخل دار الإسلام بعهد أو أمان. وفي هذا السياق، تقرر الدراسة أن الإسلام قد أسس منظومة حقوقية متكاملة للأسير تشمل حقه في الحياة، وحريته الدينية دون إكراه، وتحريم تعذيبه أو إهانته، مع إلزام الدولة الحاجزة بحسن معاملته وتوفير احتياجاته الأساسية من طعام وكساء، ليُتوج ذلك بإقرار مبدأ "المَنّ" (العفو) أو "الفداء" كقاعدة أصلية للتعامل مع الأسرى.

ثم تنتقل الدراسة إلى استعراض المركز القانوني للأسير في نصوص القانون الدولي العام، متتبعة تطور هذا المفهوم عبر اتفاقيات لاهاي، وصولًا إلى اتفاقية جنيف الثالثة لعام 1949 والبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977. ويشير الباحث إلى أن القانون الدولي حصر صفة الأسير في أفراد القوات المسلحة أو المليشيات المنظمة الذين يقعون في قبضة العدو، وكفل لهم ضمانات قانونية تحميهم من المحاكمة لمجرد المشاركة في الأعمال العدائية، وحظر ممارسة أي تعذيب بدني أو معنوي ضدهم لحملهم على الإدلاء بالمعلومات، مع إلزام الدولة الآسرة بتوفير الرعاية الطبية والظروف المعيشية الملائمة لكرامتهم. وتخلص الدراسة في هذا الجزء إلى وجود توافق كبير بين القواعد المستقرة في القانون الدولي الحديث والمبادئ التي أرستها الشريعة الإسلامية منذ قرون.

وفي جوهر بحثها، تناقش الدراسة بعمق حق الأسير في الحياة ضمن المنظور الإسلامي، مؤكدة أن التشريع الإسلامي ينطلق من قاعدة تقديس النفس البشرية وحرمة إراقة الدماء إلا بالحق. ولضمان حماية هذا الحق، حصر الإسلام سلطة التصرف في الأسرى بيد رئيس الدولة أو السلطة القضائية، مانعًا بذلك الانتهاكات الفردية أو التصرفات الانتقامية من قبل الجنود الآسرين. وتوضح الدراسة بالأدلة الشرعية والتاريخية أن الأصل في حكم الأسير هو المنّ أو الفداء، وأن حالات القتل التي وقعت في التاريخ الإسلامي لبعض الأسرى، كما حدث مع نفر من أسرى غزوة بدر أو يهود بني قريظة، لم تكن لمجرد وقوعهم في الأسر أو لمشاركتهم في القتال، بل كانت عقوبات قضائية نُفذت بناءً على جرائم خيانة عظمى أو جرائم حرب استوجبت القصاص وفق محاكمات وإجراءات محددة.

وتختتم الدراسة بعقد مقارنة تحليلية بين المنهج الإسلامي والممارسات الدولية تجاه الأسرى عبر العصور. فقد أثبتت الشواهد التاريخية أن الحضارات القديمة والأنظمة التشريعية السابقة، كالقانون الروماني والممارسات الصليبية، كانت تتخذ من إبادة الأسرى والتمثيل بهم واسترقاقهم قاعدة عامة. كما تمتد المقارنة لتشمل العصر الحديث، حيث ترصد الدراسة تجاوزات جسيمة وانتهاكات ممنهجة لحقوق الأسرى وحقهم في الحياة، بدءًا من المذابح الجماعية في الحرب العالمية الثانية والمحاكمات التي تلتها في نورمبرغ، وصولًا إلى الانتهاكات المعاصرة في سجون مثل أبو غريب وغوانتانامو. وبذلك تُبرهن الدراسة على أن الإسلام قدّم نموذجًا تشريعيًا وأخلاقيًا متفردًا في حماية الأسير وصيانة كرامته الإنسانية، سابِقًا بذلك أعراف وقوانين المجتمع الدولي الحديث.

لتحميل ملف الدراسة (هنا)

قيّم هذا المقال
(0 أصوات)
آخر تعديل بتاريخ الثلاثاء, 30 يونيو 2026 14:48