Print this page

المحاكم الشرعية والمحاكم المدنية*

By جُرجي زيدان** أيار 17, 2026 61 0

(طنطا) محمود أفندي إبراهيم بمحكمة طنطا:

متى أنشئت المحاكم ومن هو مؤسسها ولماذا خصصت بالحكم على مقتضى القوانين الوضعية ولا تحكم بالشرائع حسب ديانة كل أمة حتى اقتضت الحال وجود قضائين في كل مملكة قضاء أهلي وآخر شرعي؟

(الهلال) إن الجواب على سؤالكم يتناول البحث في تاريخ القضاء عند كل الأمم مما لا يسعه هذا المقام.

على أننا نقول كلمتين في تاريخ الشرائع بوجه عام على سبيل التمهيد وهي نوعان طبيعية وإلهية أي أن بعضها وضعه الناس بالتدريج على مقتضيات الأحوال والبعض الآخر كتبه الأنبياء والشارعون على أنه موحى من الله تعالى وهو الذي لا يزال باقيًا وعليه قامت أشهر شرائع العالم المتمدن. على أن الشريعة لا تقوم وتثبت إلا إذا أتت بصبغة دينية وتصوَّر الناس فيها الرهبة. حتى الشرائع الوثنية كان واضعوها يعزونها إلى الآلهة أو نحوهم. وأشهر الشرائع التي قامت في العالم العبرانية واليونانية والرومانية والمسيحية والإسلامية ولكل منها تاريخ مستقل. فنقتصر منها كلها على ملخص تاريخ الشريعة الإسلامية مثالًا لغيرها من الشرائع التي انفصل فيها القضاء إلى ديني ومدني كما ذكرتم لأن الأسباب متشابهة فيها كلها فنقول. كان العرب في جاهليتهم يتقاضون إلى الكهان أو الأمراء أو الرؤساء على كيفيات لا ضابط لها إلا من كانوا يهودًا أو نصارى فربما تقاضوا إلى الحاخام أو القسيس تبعًا لأحوال الزمان والمكان.

فلما كانت البعثة المحمدية وظهر الإسلام اتخذوا القرآن الشريف حكمًا وأول من قضى في الإسلام حضرة صاحب الشريعة الإسلامية. وكان القضاء بسيطًا فيأتيه الناس بدعاويهم فيقضي بينهم والصحابة ينظرون أو يشيرون كما يفعل أعضاء المحاكم اليوم. وتولى القضاء بعد الرسول خلفاؤه أي أنهم خلفوه في القضاء كما خلفوه في الحكم ومرجعهم في أحكامهم ما حفظوه من الكتاب والسنة مما قاله الرسول أو عمله. ولم يكن لديهم في بادئ الرأي شريعة مدونة في كتاب.

حتى إذا اتسع نطاق الإسلام وكثرت شواغل الخلافة لم يعد في طاقة الخلفاء تولي القضاء بأنفسهم مع ما اقتضاه اتساع سلطانهم من الشؤون الإدارية والسياسية فعدلوا إلى الإنابة فولوا القضاء أئمة امتازوا بالفضيلة والعلم وخولوهم حق الفصل بين الناس. وأول من فعل ذلك منهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ثاني الخلفاء الراشدين فولى القضاء أبا الدرداء الأنصاري يقضي في الناس معه في المدينة وولى شريحًا قضاء البصرة وأبا موسى الأشعري قضاء الكوفة وكتب له في ذلك كتابًا هو أول شريعة كتبت في الإسلام وقد حوى من أحكام القضاء ما تضيق دونه المجلدات الضخمة وإليك نصه:

«أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة. فافهم إذا أدلي إليك. فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له وآسِ بين الناس في وجهك ومجلسك وعدلك حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك. البينة على من ادعى واليمين على من أنكر. والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا. ولا يمنعك قضاء قضيته بالأمس فراجعت فيه اليوم عقلك وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحق فإن الحق قديم ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل. الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة ثم اعرف الأمثال والأشباه وقس الأمور بنظائرها. واجعل لمن ادعى حقًا غائبًا أو بينة أمدًا ينتهي إليه فإن أحضر بينة أخذت له بحقه وإلا استحللت القضية عليه فإن ذلك أنفى للشك وأجلى للعمى. المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودًا في حد أو مجربًا عليه شهادة زور أو ظنينًا في نسب أو ولاء. فإن الله سبحانه عفا عن الأيمان ودرأ بالبينات. وإياك والقلق والضجر والتأفف بالخصوم فإن استقرار الحق في مواطن الحق يعظم الله به الأجر ويحسن به الذكر والسلام».

ولا يخفى أن القضاء في الإسلام منصب ديني فصاحبه صاحب الشريعة الإسلامية أو خلفاؤه أو من يولونه ذلك باختيارهم. فكانوا يقلدون القضاء في بادئ الرأي أهل عصبيتهم بالنسب أو الولاء حتى انقضت الخلافة العربية وقامت دول الملوك والسلاطين من الأكراد والشركس وغيرهم فصاروا يولون القضاء أهل الكفاءة والعلم بقطع النظر عن العصبية أو النسب.

وكانت الأحكام في أوائل الإسلام استنباطات تؤخذ عند الحاجة من الكتاب والسنة كما تقدم. ثم تألفت كتب الشريعة على المذاهب الأربعة المعروفة وأركانها الكتاب والسنة والإجماع والقياس مما لا محل له هنا.

ولزيادة التفصيل راجع «كتاب اختصاص المحاكم الأهلية» في مقدمته التاريخية فترون مما تقدم أن القضاء بحد نفسه النيابة عن الحق سبحانه وتعالى بالاقتصاص من الظالم للمظلوم. والقاضي الأعظم في الإسلام هو الخليفة أو من يوليه وليس لأحد سواه هذا الحق. وكان القضاء في بادئ الرأي كما قد رأيت شاملًا للسلطتين المدنية والدينية أي أن قضاة الشرع كانوا يحكمون في كل المسائل القضائية من الأحوال الشخصية والقضايا المدنية أو التجارية أو غيرها.

وما زالت دول الإسلام مكتفية بالشريعة الغراء في أحكامها حتى كثرت علاقاتها بدول الإفرنج في الأجيال الأخيرة على عهد الدولة العلية العثمانية فأخذت في تأليف القوانين الإدارية. ولكنها كانت مشتتة مبعثرة لم تجمع على شكلها الحاضر إلا بعد معاهدة باريس سنة ١٨٥٦ على إثر حرب الدولة العلية والروس المعروفة بحرب القرم. فأصدر الباب العالي يومئذ فرمانًا إلى جميع الولايات الشاهانية يتضمن أوجه الإصلاح وأشار فيه إلى عزمه على إنشاء المحاكم النظامية مستقلة عن المحاكم الشرعية على ما تقتضيه أحوال الزمان والمكان. ثم أخذت الدولة العلية من ذلك الحين في تنظيم الهيئات الحاكمة حسب النظام الأوربي وأنشأت القوانين واللوائح والنظامات المتعلقة بالحقوق المدنية والوطنية والسياسية في كتاب سمته «الدستور» وأنشأت أيضًا القضاء القانوني مشابهًا للنظام الفرنساوي مع مراعاة أحكام الشرع الشريف وأحوال البلاد ولم يبلغ ما بلغ إليه إلا بتوالي الأزمان.

فتألفت مجلة الأحكام العدلية المشهورة وإليها المرجع في القضاء القانوني. واقتصرت المحاكم الشرعية على الحكم في المسائل الشخصية. ومع ما حازته العائلة الخديوية من الامتيازات في ولاية مصر من حيث الإدارة والقضاء والجند فإن القضاء الشرعي ما زال مرتبطًا بالخلافة لأنه من حقوق الخليفة الأعظم كما قدمنا. فالقاضي الشرعي إنما يوليه جلالة السلطان من الآستانة.

وخلاصة ما تقدم أن الأصل في الأحكام القضائية عند سائر الملل كتبهم الدينية ثم تتفرع على ما تقتضيه الأحوال فتنفصل الأحوال الشخصية عن المسائل المدنية وقد تتفرع هذه إلى فروع شتى تتألف لها مجالس عديدة حسب مقتضيات الأحوال.

أما سؤالكم عن الحكم بمقتضى قوانين وضعية وعدم الاقتصار على الحكم بحسب الشرائع عند كل أمة فالجواب عليه ظاهر مما تقدم إذ تبين لكم أن اختلاط الأمم واتساع علاقاتها بعضها ببعض هو الذي دعا إلى هذا التمييز بحيث أصبحت القوانين المدنية متشابهة عند الأمم المتمدنة وظلت كل أمة في أحكامها الشرعية على ما تقتضيه ديانتها. فالنصارى يحكم في أحوالهم الشخصية بطاركتهم أو من يقوم مقامهم لا تتعرض لهم الحكومة المدنية في شيء. والمسلمون يحكم في أحوالهم الشخصية خليفتهم أو من يوليه وقس عليه سائر الأديان الكبرى.

 لتحميل ملف المقال (هنا)

 

* جُرجي زيدان، المحاكم الشرعية والمحاكم المدنية، مجلة الهلال، يوليو 1899- ج19، س 7.

** جُرجي حبيب زيدان (10 جمادى الآخرة 1278 هـ / 14 ديسمبر 1861م - 27 شعبان 1332 هـ / 21 يوليو 1914م) أديب وروائي ومؤرخ وصحفي لبناني. أجاد فضلًا عن اللغة العربية؛ اللغة العبرية والسريانية والفرنسية والإنجليزية. أصدر مجلة الهلال التي كان يقوم بتحريرها بنفسه في ربيع الأول 1310 هـ الموافق لعام 1892م، ونشر فيها كتبه. له من الكتب كتاب «تاريخ التمدن الإسلامي» و«تاريخ آداب اللغة العربية» و«تراجم مشاهير الشرق» وغيرها، فضلًا عن اشتهاره برواياته التاريخية مثل المملوك الشارد وأرمانوسة المصرية وغيرها. وهو من أوائل المفكرين الذين ساعدوا في صياغة نظرية القومية العربية (موسوعة ويكيبيديا).

 
Rate this item
(0 votes)
Last modified on الأحد, 17 أيار 2026 17:26