قُدمت هذه الدراسة إلى كلية الدراسات العليا- الجامعة الأردنية بعمان، للحصول على درجة الدكتوراه، عام 2008م، تحت إشراف الأستاذ الدكتور غسان هشام الجندي، ونُشرت على موقع "المنظومة".
وقد جاء في ملخص هذه الدراسة ما يلي:
لا يحتاج المرء إلى حاسة سادسة ليدرك من خلالها مدى الدمار الهائل الذي خلفته حروب العصر الحديث، ومدى فظاعة المآسي التي جرّتها النزاعات المسلحة على المجتمعات، فحاسة الشم وحدها تكفي لكي تشهد على هذه المآسي، فهاهي رائحة شواء لحوم المدنيين، والتي تسد الأنوف تترك دليلاً قاطعًا على عشوائية الهجمات التي تقوم بها الأطراف المتنازعة، وتترك دليلاً لا يقبل الشك والجدال على أن الأسلحة الحديثة التي تستخدم في النزاعات المسلحة هي في معظمها أسلحة عمياء لا تميز بين المقاتل والمدني.
لقد أصبحت الآلة العسكرية تحصد أرواح المدنيين بالجملة، لا تفرق بين صغير وكبير ولا بين شيخ وامرأة، حتى أصبح المدنيون يشكلون العدد الأكبر من ضحايا أي نزاع مسلح في عصرنا الحديث.
ومن بين المدنيين من الضحايا هناك فئة تتعرض للانتهاكات بسبب طبيعة عملها، والتي غالبًا ما تكون انتهاكات مقصودة، إلا أنها تختلف عما سواها من المدنيين بأنها تلقي بنفسها في رحى المعركة، وتتواجد دائمًا في الصفوف الأولى من الاقتتال الدائر بين الأطراف المتنازعة، ليس رغبةً منها في الاشتراك في هذا النزاع، ولا رغبة منها في بث الدعاية لصالح طرف دون الآخر، ولكن دافعها الأساسي هو تغطية الحدث، ونقل ما يحدث في ساحات القتال إلى العالم ليراه بعين الاهتمام والمراقبة وللوقوف على ما يحدث في هذه النزاعات من انتهاكات لأحكام القانون الدولي الإنساني.
إنهم الصحفيون الذين يقتلون بدم بارد، ولا يجدون من يحاسب قاتليهم؛ لأن ذرائع القتل التي تجعل منه مشروعًا في نظر الجناة دائمًا ما تكون متوافرة لديهم، ومن النادر جدًا أن نرى أو نسمع أن جنديًا يُحاكم بسبب قتله لأحد الصحفيين رغم وجود ما يكفي من القواعد القانونية الدولية الإنسانية لحماية هذا الصحفي، وكذلك ما يكفي لإدانة ذلك الجندي.
وما يدمي القلب ألمًا وحسرةً هو توجيه الآلة العسكرية الحديثة لهجماتها الصاروخية ضد مقرات الصحافة تلك المنشآت والأعيان المدنية التي تخرج عن مفهوم الأهداف العسكرية، والتي من المفترض أن توفر السبيل والملاذ الآمن للصحفي للقيام بمهمته على أكمل وجه بدلاً من أن تكون سبب قلقه المستمر وخوفه الدائم من ممارسة عمله من خلال وسيلة الإعلام الحرة المحايدة.
وعلى الرغم من وجود القواعد القانونية الدولية التي تحمي الصحفي ومقرات الصحافة أثناء النزاعات المسلحة، إلا أننا نلاحظ ازدياد وتيرة توجيه الآلة العسكرية تجاه الصحفيين ومقرات الصحافة في حروب العصر الحديث على وجه الخصوص.
هذا الوضع المتفاقم، وهذه العشوائية في توجيه آلة الدمار العسكرية، وهذه الفوضى التي تخلفها الحروب، وازدياد حصيلة الضحايا من الصحفيين، والقصف العشوائي لمقرات الصحافة على مرأى ومسمع من العالم أجمع دفع بالباحث إلى تناول هذه الإشكالية في محاولة جادة للوقوف على الأسباب التي تؤدي إلى مثل هذه الانتهاكات رغم وجود القواعد القانونية الدولية الأمرة بعدم التعرض لهذه الفئة من المدنيين على وجه الخصوص، بالإضافة إلى محاولة إيجاد آلية للتخفيف من وطأة الانتهاكات بحق هذه الفئة ومقراتهم الصحفية، وانطلاقًا من اعتبارهم مدنيين استنادًا لأحكام اتفاقية جنيف الرابعة لعام ١٩٤٩م، والبروتوكولين الإضافيين لعام ۱۹۷۷م الملحقين باتفاقيات جنيف الأربع، وكذلك تقديم الاقتراحات التي من شأنها أن تشكل حلاً لهذه المشكلة أو على الأقل أن تكون جزءًا من الحل.
وقد نهج الباحث في سبيل تناول هذه المشكلة بالبحث والتحليل إلى تقسيم دراستها إلى أربعة فصول بدأها الباحث بفصل تمهيدي تم تخصيصه كمدخل نظري لهذه الدراسة ليتم من خلاله التعريف بالقانون الدولي الإنساني، وكذلك بيان ماهية الصحفيين ضمن أحكام هذا القانون، وماهية النزاعات المسلحة في القانون الدولي الإنساني.
أما الفصل الأول فقد تطرق من خلاله الباحث إلى الحماية القانونية الدولية للصحفيين أثناء النزاع المسلح من خلال التعرف على الانتهاكات التي يتعرض لها الصحفيون أثناء النزاعات المسلحة، وكذلك تتبع مراحل تطور الحماية القانونية الدولية للصحفيين بالإضافة إلى مضمون هذه الحماية.
وفي الفصل الثاني تناول الباحث الحماية القانونية الدولية لمقرات الصحافة أثناء النزاع المسلح من خلال التعرض للانتهاكات التي تتعرض لها مقرات الصحافة أثناء هذا النزاع المسلح، ومضمون هذه الحماية، وكذلك الاستثناءات على حرمة هذه المقرات التي حددها القانون باعتبارها أعيانًا مدنية.
واختتم الباحث دراسته في الفصل الثالث الذي تناول فيه المسؤولية الدولية عن انتهاك حقوق الصحفيين ومقرات الصحافة من خلال تعريف هذه المسؤولية، وبيان أساسها القانوني، وكذلك التعرض للتكييف القانوني للانتهاكات التي يتعرض لها الصحفيون ومقراتهم الصحفية، بالإضافة إلى بيان المسؤولية الدولية المترتبة على مثل هذه الانتهاكات.
وفي نهاية هذه الدراسة توصل الباحث إلى مجموعة من النتائج والتوصيات تم إدراجها ضمن الخاتمة أشار الباحث فيها إلى الثغرات القانونية في التشريعات الدولية الإنسانية التي تحمي الصحفيين ومقراتهم الصحفية أثناء النزاع المسلح ووضع اقتراحات وتوصيات لسد هذه الثغرات ليتم من خلال ذلك توفير حماية أكثر أمنًا لهذه الفئة من المدنيين أثناء النزاعات المسلحة بشقيها الدولي والداخلي، ومن أهم تلك التوصيات: