قُدمت هذه الدراسة إلى كلية الدراسات العليا- جامعة العلوم الإسلامية العالمية بالأردن، للحصول على درجة الدكتوراه، عام 2014م، تحت إشراف الأستاذ الدكتور محمد راكان ضيف الله الدغمي، ونُشرت على موقع "المنظومة".
وقد جاء في مقدمة هذه الدراسة ما يلي:
الحمد لله القائل: ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن ِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ(8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9)﴾ (الممتحنة: ٨ - ٩)، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن وآلاه وبعد....
فيُعد علم السياسة الشرعية من أهم موضوعات الفقه الإسلامي وبابًا مهمًا من أبوابه، وقد اشتمل هذا العلم على عناوين كثيرة وموضوعات عدة، ومن أهم هذه الموضوعات هو الجهاد، والسبب الذي جعل الجهاد من أهم مواضيع السياسة الشرعية؛ وذلك لأنه يساهم في حفظ السلم الأهلي وتوازن القوى، وذلك مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِن قُوَّةٍ وَمِن رَبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (الأنفال: ٦٠)، والجهاد كذلك هو ضرورة من ضروريات الحفاظ على كيان الأمة من العدوان عليها حيث قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ (البقرة: 190)؛ ولأن الشريعة الإسلامية هي دعوة عالمية للناس كافة لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (سبأ: 28)، وهذه الدعوة تقوم على حرية الاعتقاد قال سبحانه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (البقرة: ٢٥٦)، والجهاد هو من أهم الوسائل التي تحمي حرية الدعوة والدعاة وتحمي حرية اختيار الدين والاعتقاد وتمنع فتنة الناس في دينهم، لقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ (البقرة: ۱۹۳)، والجهاد كذلك مهم لإنقاذ الناس من الظلم والاضطهاد، لقوله سبحانه: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ (النساء: ٧٥).
هذا ويُعد الجهاد أٌيضًا من وسائل حفظ السلم الأهلي من خلال تأديب ناقضي العهد لقوله تعالى: ﴿وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ (التوبة: 12).
وأخيرًا نستطيع القول إن الجهاد هو من الوسائل المهمة للحفاظ على الضروريات الخمس، والدفاع عنها، بل رغب الإسلام في الدفاع عنها وجعل مكانة من يقتل بقيامه بهذا الواجب الشهادة، وهي مكانة عالية لا تكون إلا جزاء لمهمة سامية، لقوله صلى الله عليه وسلم: "من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد".
ولما كان شرف العلم ومكانته على قدر شرف المعلوم وأهميته، فإن شرف هذا الباب من العلوم -أي الجهاد في سبيل الله– عظيم، وهو من أخطر قضايا الإسلام ويتعلق بذروة سنامه؛ وهذا ما أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل: "رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله"، والشواهد كثيرة على شرف هذا العلم حيث لا تكاد تخلو من مباحثه ومسائله المدونات الفقهية، بل وأن بعضهم أفرده في كتب مستقلة لبيان مسائله وفروعه.
وعليه فإني لأحمد الله كثير الحمد على كرمه ولطفه وإحسانه لي وتوفيقي على الاهتمام بهذا الباب، ووفقني فاخترت لأطروحتي هذه عنوان: (استخدام القوة في العلاقات الدولية بين القانون الدولي والشريعة الإسلامية).
مشكلة الدراسة وأهدافها والبواعث إليها:
هناك العديد من المؤلفات التي تحمل عنوان استخدام القوة في العلاقات الدولية كلفظ وإن لم تتطابق في المعنى، وعلى مستوى المقارنة أيضًا توجد عناوين تحمل هذا المعنى، وهذه المؤلفات تتناول أنواع الاستخدامات عمومًا؛ فكانت المشكلة الأساسية في هذا البحث بيان أوجه المقارنة في استخدام القوة في العلاقات الدولية بين الشريعة الإسلامية والقانون الدولي.
أهداف البحث:
يهدف البحث إلى بيان ما يأتي:
ومن جملة البواعث إلى هذا البحث:
السعي إلى تبرئة هذه الشريعة الغراء من التهم الباطلة التي توجه إليها وإلى العاملين بها؛ وذلك ببيان وإثبات صلاحيتها لتنظيم العلاقات الدولية في حالة السلم والحرب وحل المعضلات الراهنة -بل ومعضلاتها في كل زمان ومكان- بالحق والعدل، وإظهار ما تتميز به هذه الشريعة عن العلوم الوضعية عمومًا وعلم العلاقات الدولية على وجه الخصوص.
أهمية البحث:
وتكمن أهمية هذه الأطروحة إجمالاً، في الأمور التالية:
منهجية البحث:
اتبعت في هذه الدراسة المنهج الاستقرائي لأنواع استخدامات القوة في كل من الشريعة الإسلامية والقانون الدولي، وتحليلها ومن ثم مقارنة أوجه الإلتقاء والإفتراق بين تشريعات استخدامات القوة في الشريعة الإسلامية واستخداماتها في القانون الدولي مع بيان أوجه تميز الشريعة الاسلامية.
خطة البحث:
جاءت هذه الرسالة في مقدمة وسبعة فصول وخاتمة وعلى النحو الآتي:
المقدمة: وفيها بيان موضوع البحث وأهدافه، وأهميته وسبب اختياره، ومعوقاته، والدراسات السابقة وما يميز هذه الدراسة عنها.
الفصل الأول: التعريف بمصطلحات الدراسة.
الفصل الثاني: السلم في الشريعة الإسلامية والقانون الدولي.
الفصل الثالث: استخدام القوة في تدابير الأمن الجماعي.
الفصل الرابع: استخدام القوة في الدفاع الشرعي.
الفصل الخامس: استخدام القوة لحماية الحرية (تقرير المصير، الحرية الدينية).
الفصل السادس: استخدام القوة في التدخل الإنساني.
الفصل السابع: استخدام القوة ضد ناقضي العهد.
وخاتمة ونتائج وتوصيات.