تعَدّ هذه الدراسة أطروحةً علميةً رصينة، قُدِّمت لنيل درجة الدكتوراه في الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر عام 1971م، تحت إشراف الأستاذ الدكتور عبد السميع أحمد إمام (أستاذ الفقه المقارن بالكلية). واستهدفت الدراسة استجلاء الحكمة التشريعية والفلسفة الكامنة وراء النظام العقابي في الإسلام، مع مقارنته بالقوانين الوضعية الحديثة. وانطلق الباحث من إشكاليةٍ جوهرية تتمثل في انبهار بعض المسلمين، في عصور الضعف، بالقوانين الغربية، ساعيًا إلى إثبات أن الشريعة الإسلامية تمتلك نظامًا عقابيًا متكاملًا، يجمع بين الثبات والمرونة، وبين الردع والإصلاح.
أولًا: المقدمة والتمهيد
استهل الدكتور فكري أحمد عكاز أطروحته بتأسيس نظري عميق يكشف عن الدوافع الحقيقية وراء هذا البحث، حيث لم يكن الهدف مجرد سرد للأحكام الفقهية، بل كان استجابة لحالة الانبهار التي أصابت العالم الإسلامي بالقوانين الوضعية الغربية في فترات الضعف السياسي والحضاري. وضح الباحث في مقدمته أن الشريعة الإسلامية لم تشرع العقوبات عبثًا أو تسلطًا، وإنما جاءت كل عقوبة محملة بفلسفة "حكمية" تهدف إلى حماية المصالح الضرورية الخمس (الدين، النفس، العقل، النسل، المال). وشرح في هذا الجزء التأسيسي أن العقوبة في الإسلام تتميز عن القوانين الوضعية بكونها تجمع بين "الجزاء الدنيوي" و"الجزاء الأخروي"، مما يحيي ضمير الفرد المؤمن، بخلاف القانون الوضعي الذي يعتمد على الردع المادي فقط. كما أصّل المؤلف لمفهوم "الجريمة" باعتبارها محظورات شرعية زجر الله عنها بحد أو تعزير، مبرزًا أن الفلسفة العامة للتشريع الجنائي الإسلامي تقوم على التوازن الدقيق بين مصلحة الجماعة في الأمن والاستقرار، ومصلحة الفرد في العدالة والإصلاح.
ثانيًا: فلسفة الحدود
انتقلت الدراسة في بابها الأول للحديث عن "الحدود"، وهي العقوبات المقدرة حقًا لله تعالى، ليعالج القضايا التي تمس كيان المجتمع بشكل مباشر؛ حيث ناقش الباحث باستفاضة فلسفة "الثبات" في هذه العقوبات، معتبرًا أن الجرائم التي تهدد "الضروريات" لا ينبغي أن تخضع للأهواء أو التغيير بتغير الزمان. وفي سياق حديثه عن جريمة "شرب الخمر"، خاض الباحث نقاشًا فقهيًا وقانونيًا موسعًا للرد على الآراء الحديثة التي حاولت تصنيف عقوبة الخمر ضمن "التعزيرات" القابلة للتغيير؛ حيث أثبت عبر استعراض الأدلة التاريخية وفقه الصحابة أن عقوبة الشرب هي "حد مقدر" (ثمانون جلدة وفقًا لإجماع الصحابة في عهد عمر بن الخطاب)، مبررًا ذلك بفلسفة حماية "العقل" الذي هو مناط التكليف، وأن التساهل في هذه العقوبة يفتح بابًا لشرور لا تحصى، مشددًا على أن الاختلاف الفقهي كان في مقدار الحد لا في أصله.
وفي الإطار ذاته، عالج المؤلف جرائم "الزنا" و"القذف" و"الحرابة"، موضحًا أن القسوة الظاهرة في بعض العقوبات (كالرجم أو القطع) هي في جوهرها "رحمة عامة" بالمجتمع؛ إذ تهدف إلى استئصال دابر الجريمة من جذورها ومنع التفكير فيها. كما تطرق إلى مسألة "التغريب" في حد الزنا، مناقشًا إياها من منظور مقاصدي، حيث رأى أن الهدف هو إبعاد الجاني عن بيئة الجريمة، وهو ما يمكن تحقيقه في العصر الحديث عبر وسائل ملائمة تحقق الغرض نفسه دون الإخلال بالنص، مؤكدًا أن الشريعة سدت الذرائع المؤدية للجريمة قبل أن تفرض العقوبة.
ثالثًا: فلسفة القصاص والدية
يخصص المؤلف الباب الثاني من الكتاب للحديث عن الجنايات على النفس وما دونها، مستعرضًا نظام "القصاص" لا باعتباره انتقامًا بدائيًا، بل كضمانة للحياة نفسها مصداقًا للآية الكريمة "ولكم في القصاص حياة". أسهب الباحث في شرح فلسفة المساواة التامة بين الناس في الدماء، وكيف أن القصاص يشفى غليل أولياء الدم ويمنع تسلسل الثأر الذي كان سائدًا في الجاهلية. ومن أهم القضايا التي عالجها في هذا الباب بأسلوب تحليلي دقيق هي مسألة "قتل الجماعة بالواحد"؛ حيث انتصر لرأي جمهور الفقهاء القائل بوجوب قتل الجماعة المشتركين في قتل فرد واحد، معللًا ذلك بتعليل أمني واجتماعي بالغ الأهمية؛ وهو أنه لو سقط القصاص بسبب الاشتراك في القتل، لصار ذلك ذريعة للمجرمين لارتكاب جرائمهم بشكل جماعي للإفلات من العقاب، مما يفرغ العقوبة من محتواها ويهدر دماء الأبرياء.
وبالتوازي مع القصاص، يشرح المؤلف نظام "الدية" و"العاقلة" في الفقه الإسلامي، مقدمًا إياه كنموذج فريد للتكافل الاجتماعي لا يوجد له نظير في القوانين الوضعية. يوضح المؤلف أن تحميل العاقلة (عصبة الجاني وقبيلته) مسؤولية دفع الدية في القتل الخطأ ليس ظلمًا، بل هو توزيع للمسؤولية يضمن حق المجني عليه في التعويض، ويشعر المجتمع بمسؤوليته تجاه تصرفات أفراده، مما يعزز الروابط الاجتماعية ويحقق نوعًا من التأمين التعاوني ضد الحوادث والأخطاء.
رابعًا: فلسفة التعزير
توصّلت الدراسة في بابها الثالث إلى إبراز مفهوم "المرونة التشريعية" المتمثّل في نظام التعزير، حيث أبرز الباحث عبقرية الشريعة الإسلامية التي لم تجعل العقوبات كلَّها جامدة، بل تركت مساحةً واسعة لوليّ الأمر والقاضي لتقدير العقوبة المناسبة في الجرائم التي لا حدَّ مقدرًا لها. وقد أوضح الباحث أن فلسفة التعزير تقوم على مبدأ "تفريد العقاب"، أي مراعاة حال الجاني وظروفه وسوابقه، والنظر في كونه من أهل المروءات أو من أرباب السوابق؛ وهو المبدأ الذي تفخر به النظريات العقابية الحديثة وتظن أنه من مبتكراتها، في حين أنه أصلٌ راسخ في الفقه الإسلامي.
وفي فصل جريء ومهم ضمن هذا الباب، ناقش الباحث قضية "القتل تعزيرًا"، طارحًا تساؤلًا حول مدى صلاحية ولي الأمر في إيقاع عقوبة الإعدام في جرائم غير الحدود والقصاص؛ انتهى الباحث -بعد مناقشة الآراء المختلفة- إلى جواز ذلك في حالات الضرورة القصوى التي تهدد أمن الدولة والمجتمع، مثل قضية "الجاسوس" الذي يفشي أسرار الأمة للعدو، أو "الداعية المفرق للجماعة"، مؤكدًا أن هذه العقوبة الاستثنائية تستند إلى قاعدة "ارتكاب أخف الضررين" وتقديم المصلحة العامة على الخاصة، بشرط ألا يتخذ ذلك ذريعة للتوسع في سفك الدماء، بل يظل مقيدًا بتحقيق الأمن العام ودرء الفتنة الكبرى.
خلاصة المقارنة والنتائج
اختتم الدكتور فكري عكاز أطروحته بفقرات جامعة تلخص رؤيته النهائية، حيث أكد أن النظام العقابي في الإسلام هو نظام "وسطي" ومتكامل، جمع بين محاسن المدارس العقابية المختلفة وتجنب عيوبها. وخلص إلى أن الشريعة سبقت القوانين الوضعية بقرون في تقرير مبادئ العدالة وحقوق الإنسان، وأنها وازنت ببراعة بين "الزجر" الذي يحتاجه المجرمون قساة القلوب، وبين "الإصلاح والتهذيب" الذي يحتاجه من زلّت بهم القدم. وقرر الباحث أن صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان تكمن في هذا المزج الفريد بين ثبات النصوص في الكليات، ومرونة الاجتهاد في التفصيلات والتعزيرات، مما يجعلها النظام الأمثل لحفظ أمن المجتمعات والاحتفاظ برقيها الأخلاقي.
لتحميل ملف الدراسة (هنا)