
صدر هذا الكتاب عن دار نشر ذات السلاسل بالكويت، 1996م، وجاء في مقدمة المؤلف ما يأتي:
إن فكرة هذا الكتاب انبعثت من الحاجة إلى وجود فكر إدارى قائم على المبادئ الحضارية لديننا الإسلامي وتراثنا العربي. وقد رأيت أثناء دراستي للأدبيات الغربية في مجال إدارة الأعمال والإدارة العامة، أن هناك الكثير من الحكمة في تلك الأدبيات -والحكمة ضالة المؤمن- مما يمكن أن يستفاد منه في بناء الطاقة الإدارية الذاتية اللازمة لنمو وتقدم مجتمعاتنا الإسلامية. كما أن عملي ومعاناتي في مجال فريضة الزكاة والتنمية جعلاني أكثر يقينًا بهذه الحقيقة.
ومما لا يخفى على أي قارئ، أن حضارتنا بل حتى فقهنا لم يتسع وينمو إلا بعد بناء الدولة الإسلامية وتشكيل الدواوين والمؤسسات المختلفة اللازمة لنمائها وبقائها. وقد فرض هذا على المسلمين التعامل مع مشاكل معقدة، تستدعى إعمال الفكر وقدح الذهن. ولا أدل على ذلك من التوسع في انتشار الكتب حول الخراج والصدقات، بعدما إزدهرت إيرادات الخراج وتنامى أثرها في زمن الدولة الأموية والعباسية. وهذا يؤكد أن الأمور والقضايا لدى سلفنا الصالح كانت مرتبة بحسب أولويات واحتياجات المسلمين في ذلك الوقت وعلاجًا للمشاكل التي واجهتهم آنذاك. ولا بد للمخلصين من هذه الأمة، أن يقتفوا أثر سلفهم في ذلك إن أرادوا الخير والفلاح.
ولذلك فإن هناك حاجة -كجزء من عملية شاملة للنمو الذاتي- إلى بناء مؤسسات الزكاة والمؤسسات الدينية الأخرى ذات الصفة المالية كالأوقاف، لتقوم بواجبها ولتحقيق أهدافها المنشودة. وكتابنا هذا لبنة أولى ودعوة صريحة لبناء مثل هذه المؤسسات، على ما توصل إليه غيرنا -من حكمة ورأى سديد- وعلى ضوء التوجيهات السامية للكتاب والسنة.
كما أن التوجه نحو إنشاء مؤسسات الزكاة وتشجيع اللجان الأهلية للزكاة، يتوافق مع التوجه العالمي نحو تشجيع المؤسسات غير الحكومية والقطاع الخاص، على القيام بدورها في تنمية المجتمعات التي نعيش فيها. كما ينسجم هذا التوجه مع الاتجاه العام نحو تعبئة الموارد المالية من المجتمعات المحلية، لتقوم بدروها في تنمية وتقدم مجتمعاتها، وبالتالي فإنشاء لجان الزكاة كما أنه فريضة دينية، فهو ضرورة حياتية بالإضافة إلى أنه توجه عالمي.
ولذلك فالكتاب حافل بالمبادئ الأساسية والاعتبارات المهمة في إنشاء أي مؤسسة أو لجنة شعبية للزكاة. والبعض من تلك الاعتبارات، قد تناولتها في أبحاث قدمتها إلى المؤتمر العالمي الثالث للزكاة المنعقد في ماليزيا عام ۱۹۸۹م، والدورة التدريبية لكوادر الزكاة في الخرطوم عام ۱۹۸۹م، ومؤتمر الإدارة العامة من منظور إسلامي المنعقد في طهران عام ۱۹۹۲م، والتي استفدت منها في كتابي هذا. كما حاولت جذب انتباه القارى وقتل الرتابه في المطالعة، من خلال وضع مربعات في داخل كل فصل، تحتوى على معلومات مفيدة مرتبطة بطريق مباشر أو غير مباشر بمواضيع الفصل.
ولو أردنا تشبيه كتابنا هذا بقصة، لقلنا إنها سردت في البداية تجارب وتراث المسلمين في إنشاء المؤسسات. ولم يغفل هذا السرد تجاربهم المعاصرة في الوقت الحاضر، وما قاموا به من جهد متواضع في إحياء هذه المؤسسات. وتستمر القصة، ببيان الهياكل التنظيمية وأسسها وأنواعها في مؤسسات الزكاة وتطبيقاتها في المؤسسات المعاصرة. وحيث إن التخطيط للمستقبل هو أساس الحياة النامية، فتتناول قصتنا بعد ذلك مبادئ التخطيط وإعداد الميزانيات وتنفيذها في مؤسسات الزكاة. وبما أن الهياكل والتخطيط جماد لا أثر له ولا حياة إلا بالموارد البشرية، فلم تغفل قصتنا عن جوانب الحفز في مؤسسات الزكاة وأثره في تعظيم أثر هذه الفريضة.
ولعل أكثر ما تهدف إليه هذه القصة هو أن إعمار الدنيا واجب، بل هو مسلك للآخرة وإن بناء الحياة فن ولا بد لمن ينوى إعمارها أن يتقن فنونها ويسبر أغوارها، ولأولئك كتبت هذه القصة، ولهم ترجى روايتها، والأمل بالله ثم فيهم في تحقيقها في الحياة الدنيا.
وبعد فإن الإتقان وإن كان مطلب الباحثين، إلا أنه بعيد المنال إلا من يسره الله له. وبما أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويتواصون بالحق ويتواصون بالصبر، فأرجو من كل قارئ -بعد قراءته للكتاب- ألا يجاوز ثلاثة: إرشادًا ونصحًا لجوانب الخطأ والغفلة والنسيان، أو الجود بعلم يزيد الكتاب نفعًا وأثرًا، أو الدعاء لمؤلفه عن ظهر غيب. ومن جمع الثلاثة حاز الأمر كله، مصداقًا لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم (الدال على الخير كفاعله).
تقسيمات الكتاب:
قسم د. فؤاد عبد الله العمر كتابه إلى خمسة فصول على النحو التالي: