صدرت الطبعة الأولى من كُتيب "نحو اجتهاد فقهي معاصر" لفضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب[1] ضمن سلسلة "كلمات الإمام الأكبر (رقم 11)، والصادرة عن مجلس حكماء المسلمين بالإمارات العربية المتحدة، في 1440هـــــ/ 2019م.
ويُذكر أن أصل هذا الكُتيب هو كلمة أُلقيت في مؤتمر دار الإفتاء المصرية: "التكوين العلمي والتأهيل الإفتائي لأئمة المساجد للأقليات المسلمة" المنعقد بالقاهرة تاريخ 16- 17 من محرم سنة 1438هـــ الموافق 17- 18 من أكتوبر سنة 2016م.
وأكد فضيلة الإمام على أن بعضُ العُلماء المعاصِرِينَ تَفَطَّنَ إلى أنَّ إحجام الفقهاء عن الاجتهادِ سيترُكُ المجتمعات الإسلامية «للآخَرِ» يملؤُها بما يشاء، وهو: "لون مِنَ الوقوع في فصلِ الدِّينِ عَنِ الحَياةِ، أو فَصلِ الحَياةِ عَنِ الدِّينِ، الذي نتَنكَّر له كشِعارٍ، ثُمَّ نُمارِسُه كواقع".
هذا مع التأكيد والاعتراف على أن الأمة تعيش أَزمَةً حقيقيَّةً يدفَعُ جماهير المسلِمينَ ثَمَنَها غاليًا حيثما كانوا وأينما وُجِدُوا: أَوَّلًا بسبب التَّهَيُّبِ والإحجام عن التَّعامُلِ معَ الشَّرِيعَةِ الَّتي هي يُسر "كلها ورحمة كلها وعدل كلها" والتي نَصِفُها بأَنَّها صالِحَةٌ لكُلِّ زَمانٍ ومكانٍ، نتعامل معها بحُسبانِها شَريعةً عاجزةً عن مسايرةِ النَّوازلِ والوقائع المستجدة، وثانيًا نتيجة غيابِ الرُّؤيَةِ "المَقاصدِيَّةِ" الَّتي تُشَوِّشُ حَتمًا عَلَى النَّظَرَةِ الاجتهادية، وتأخُذُ الفَقِيهَ بعيدًا عَنِ رُوح الشَّرِيعَةِ ومقاصدِها العُليا مِنَ الحُكم الشرعي المُناسِبِ.. وثالثًا نتيجةَ الفَتاوَى المُعَلَّبةِ، والعابرة للدول والأقطار، والتي لا تتوقَّفُ كثيرًا ولا قليلاً عند اعتبار أحوالِ المُجتمعاتِ، وتضرِبُ عُرض الحائط باختلافِ الأعراف والعادات والثقافاتِ واللغات والأجناس، حتَّى صارَتِ الفتوى الواحِدةُ يُفتَى بها للمُسلِمِينَ مهما اختلفت دِيارهم وتنوعت أوطانهم وتبدَّلت أحوالهم مِن حَربٍ وسَلَامٍ وغِنِّى وَفَقْرِ وعِلمٍ وجَهل، فهل يُعقل أو يُقبَلُ أَن يُفْتَى للمُسلِم بِالفَتَوَى الواحِدَةِ فِي النَّوازِلِ المُتشابِهَةِ شكلاً والمُختلِفَةُ واقِعًا وضررًا ومصلحة - في القاهرة ونيامي ومقديشيو وجاكارتا ونيودلهي وموسكو وباريس وغيرها مِنَ الحَواضِرِ والبَوادِي في الشَّرقِ والغَرب؟!
وعلق سيادته ملاحظة على مصطلح الأقليات قائلاً: "أمَّا عُنوانُ هذا المُؤتمَرِ فَإِنِّي أَستسمِحُ أخي سَماحَةَ مفتي الديار المصرية في أن أُسَجِّل رأيي في أنَّ مُصْطَلَحَ الأَقَلِّيَّاتِ المُسلِمَةِ، الوارِدَ في عُنوانِ المُؤتمر، هو مُصْطَلَح وافِدٌ عَلَى ثَقافَتِنا الإسلامية، وقد تحاشاه الأَزهَرُ في خطاباته وفيما صَدَرَ عنه مِن وَثائقَ، لأنه مصطلح يحمل في طياته بذور الإحساس بالعُزلَةِ والدُّونِيَّةِ، ويُمَهِّدُ الأرض لبذور الفِتَنِ والانشقاق، بل إنَّ هذا المُصطلح ليُصادِرَ - ابتداء عَلَى أَيَّةِ أَقَليَّةٍ كثيرًا من حقوقها الدينية والمدنية، وفيما أَعْلَمُ فَإِنَّ ثَقافَتَنا الإسلامية لا تعرف هذا المُصْطَلَحَ، بل تُنكِرُه وتَرفُضُه، وتَعرِفُ بَدَلًا منه معنى المُواطَنَةِ الكامِلَةِ كما هو مُقَرَّرُ في وَثِيقَةِ المَدينة المنورة؛ لأنَّ المُواطَنة في الإسلام - حقوق وواجبات ينعم في ظلالها الجميع، وَفْقَ أُسسٍ وَمَعايير تُحَقِّقُ العدل والمساواة.
تقسيمات الكتاب:
تناول فضيلة الإمام العديد من العناصر والمحاور التي يمكن إجمالها على النحو التالي:
أوَّلُ أسبابِ الأَزمَةِ: الخوف والإحجامُ مِنَ التَّعَامُلِ مع الشريعة.
ثانيها: غِيابُ الرُّؤية المقاصدية التي تُشَوِّشُ على النظرة الاجتهادية.
ثالثها: الفَتاوَى المُعَلَّبَةُ العَابِرَةُ للدُّولِ والأقطارِ.
[1] الشيخ أحمد الطيب هو أحمد محمد أحمد الطيب الحسَاني، وُلد في 6 يناير 1946م الموافق 3 صفر 1365هـ، وهو الإمام الأكبر شيخ الأزهر (الإمام الثامن والأربعون) منذ 19 مارس 2010م حتى الآن (بارك الله في عمره)، والرئيس السابق لجامعة الأزهر، ومفتي الجمهورية سابقًا، ورئيس مجلس حكماء المسلمين، وهو أستاذ في العقيدة الإسلامية، يتحدث اللغتين الفرنسية والإنجليزية بطلاقة وترجم عددًا من المراجع الفرنسية إلى اللغة العربية وعمل محاضرًا جامعيًا لمدة في فرنسا.