كتاب ينشره موقعنا (مصورًا) على شبكة الإنترنت للمرة الأولى
(دار الساقي- لندن
الطبعة الثانية، 2004م)
لا تزال جدلية الدين والسياسة تشغل حيزًا واسعًا في كتابات المفكرين الإسلاميين الذين يسعون إلى رسم الخطوات الأولى نحو دولة الإسلام. وكتاب "السياسة والحكم- النظم السلطانية بين الأصول وسنن الواقع" ليس إلا من مجاهدات التحرر من عقدة تغريب الإسلام وأفكاره ومن ثمرات اليقين بأنه حق متى وافته الصحوة والدعوة بعد الغفلة العارضة ظاهرًا على الدين كله. ويجدّد الدكتور حسن الترابي مفهوم "السلطان" ويصله بالناس والشورى والمجتمع مصدر الإجماع والسلطة في الإسلام. ومهما انحرف التاريخ بالمصطلح إذ استبد الفرد دون الشعب أو أخذ السلطة بالوراثة أو غصبها بالقوة أو بالانقلاب، فإن بناء منظومة الحكم الإسلامي لا يكون إلا بالحرية الأتم والشورى الأوسع والعقد الاجتماعي المؤسس على الرضى والاختيار.
وإذ يقدم الترابي اجتهاده المثابر العميق لفكر إسلامي سياسي حديث، يحلل الظرفين الاجتماعي والتاريخي اللذين انحطا بواقع المسلمين دون مثال الحرية والمساواة والعدل، ووسما الفقه السياسي بالبؤس والانحسار، وأكدا الفصال بين الدين والحياة والسلطان والشعب والمجتمع والفرد، ولكن الدين توحيد يجمع ذلك كله ويصله إيمانًا بالغيب والأزل. وفي عمله هذا يصوب حسن الترابي سهامه على المارقين عن الإسلام دين التوحيد بفتنة اللادينية أو العلمانية العازلة لعالم الدنيا السياسي عن الغيب والهدي الديني، وإذ يخاطب الترابي عامة جمهور المسلمين يحثهم أن يتبينوا بأنفسهم أصول هدي الدين في السياسة والسلطان ومعاني أحكامه ووصاياه ومقتضى قواعده وكلياته ومحصول قيمه وموازينه في سياق حاجات واقعهم المعلوم الذي تنشأ فيه القضايا، وذلك ليطبقوها على الواقع حياة تستقر نظمها وضوابطها وتطمئن دوافعها وعلاقاتها. وأم القضايا اليوم -في رأي الترابي- هي قضية قيام الدين السياسي أو بقاؤه محجورًا كله مقبورًا.
وهذا الكتاب حصاد حياة زاخرة بالعلم والعمل للترابي، يقارن فيه فقه الإسلام السياسي إلى جملة كسب البشرية في علوم السياسة والحكم، ويبسط رؤيته لبناء إسلامي شامل إحياءً للاجتهاد الذي يستنبط أصول النظم السلطانية من هدي القرآن وسنة المجتمع الراشد الأول، ويصلها بقضايا المجتمع والدولة المعاصرة وتحدياتها الكثيفة، ويفتح الأبواب لحياة إنسانية عالمية مؤسسة على الحرية والسلام.
وحسن الترابي (1 فبراير 1932 - 5 مارس 2016) زعيم سياسي وديني سوداني، كان له دور فعّال في ترسيخ قانون الشّريعة الإسلامية في الجزء الشّمالي لدولة السودان. وقد صدر له عن دار الساقي كذلك: "التفسير التوحيدي"، و"المصطلحات السياسية في الإسلام"، و"السياسة والحكم"، بالإضافة إلى العديد من المؤلفات والدراسات المهمة الأخرى.
ومما جاء في مقدمة الكاتب:
"هذا كتاب من هدي الإسلام، وربما يحق أن تبين نسبته تلك لدى عنوانه ليجتذب القراء المهتمين بالإسلام السياسي، أو تغيب ليمضي سبيله بين سائر القراء الذين تعنيهم شئون السياسة. ذلك أن الشائع في سوق المنشورات السياسية العربية الحاضرة يغلب فيه المترجم أو المقتبس من الثقافة السياسية الأوروبية أو المستمد من هديها. وتلك ثقافة تأصلت من تراث أفكار يونانية وأعراف رومانية وتقاليد مسيحية خاصة، ثم تنورت برؤى العقلانية الإنسانية المنقطعة عن الغيب والدين وتطلقت بأهواء المادية الشهوانية وحاجات الدنيا وحاضراتها الواقعة، وتطورت بها الحياة والنظم السياسية خارجة على حكم الكنيسة ونفوذها متحررة من سلطان الملوك والعرف القديم مندفعة بثورات الشعوب وقواها المتصارعة وعلومها المتطورة. وقد تكثفت تلك الثقافة بعمران الحضارة الغربية وتعالت بوسائل الاتصال والاستكبار فائضة على سائر العالم المتخلف الواطئ الثقافة، فامتدت إلى أوساط الأمة المسلمة المستضعفة لاسيما في حياتها العامة التي كانت ثغرًا للغزو الثقافي إذ ضؤل فيها الوعي وانغمر الدين. في ذلك العهد، كان المنشور الصادر عن فقه القضايا السياسية بالإسلام واردًا غريبًا لابد أن ينسب لأصله ليتميز عن السائد المعروف، وأن يثار ذكره حتى يشتريه القراء المفتونون عادة بالمعروض الغربي الصبغة. لكن هذا الكتاب -ومثله- ليس إلا من مجاهدات التحرر من عقدة تغريب الإسلام وأفكاره ومن ثمرات اليقين بأنه حق متى وافته الصحوة والدعوة بعد الغفلة العارضة، ظاهرًا على الدين كله.
ولئن كان الإسلام المتجدد يعود لأول العهد غريبا في بيئته -على سنة التجديد في ثقافات العالم- فإن ساحة المسلمين اليوم لم يعد منطمسًا فيها ذكر الإسلام حتى يبدو كتابه منكرًا تلزمه شارة تعريف وجهدة ترويج. فإن ارتكمت على المسلمين قرون إدبار عن فقه سلطان الإسلام الراشد ثم ارتكزت غفلتهم عنه لمّا تمكن عليهم السلطان الغربي واستعمر فيهم قوته ودعوته، فها هي اليوم تنتشر دعوة الإسلام السياسية ويظهر حقه وأخذت تضمحل بين المسلمين فتنة المذاهب والقوى النازعة إلى شمالي الأرض. ولمّا يتحقق بعد هدي الإسلام السياسي واقعًا منبسطًا في كل دياره، ولكن بارت فيها شرعية النظم السلطانية المؤسسة كُرها على المسلمين تحمل شعارات وأشكالًا منسوبة غالبًا زورًا للديمقراطية وشيئًا ما أحيانًا للإسلام بل إن المارقين على الإسلام دين التوحيد بفتنة اللادينية أو العلمانية العازلة لعالم الدنيا السياسي عن الغيب والهدي الديني، هؤلاء اليوم في اضطراب يجادلون حول الإسلام، وأحيانًا في اضطرار يزينون مذهبهم بكلمات مبهمة تخادع بذكر من الإسلام وكذلك المتسلطون المستبدون بأهوائهم على الرعايا المسلمة المتلبسون زخرفًا ظاهرًا من صور الديمقراطية، هم اليوم يرفعون شارات زيف ليؤكدوا مزاعم النسبة للإسلام، وكلهم يحملون أحيانًا على دعاة الإسلام الشاهدين الصادعين بحق رشده السياسي والسلطاني خشية أن يودوا بهم إلى حرج فانفصال من الشرعية وإطراح، ويدّعون أن حشر الدين في السياسة ليس إلا سوء استغلال محترماته، ويتوهمون أنهم بالمنافقة يسترضون جماهير الرعية. ومهما يكن، فدعوة الإسلام السياسي ينتشر ذكرها بذلك من حيث لا يشعر الكارهون. أما الجماهير المسلمة فهم اليوم أكثر وعيا بالإسلام الحق وأرجح وقعا في مسيرة السياسة وأحمس للولاء والعطاء في سبيل الله. ومنشور الدعوة الإسلامية السياسية اليوم في غناء عن إعلان نسبته حذر الغربة وفى كفاية عن علامة تجارية طلب الرواج.
هذه الإلمامة بقضايا السياسة والسلطان أو المعالجة لها في هذا الكتاب ليست إلا ثمرة من توحيد مكاسب المعرفة في حياة الكاتب. بعضها علم أخذه المرء من مصادر غربية ناظرة في مطروح تلك القضايا أو راوية للمعمول به منها قديمًا وحاضرًا، وبعضها عبرة تلقاها مباشرة من مشاهد الواقعات في حكم الغرب، وبعضها زاد حكمة من ممارسة التجربة في الحياة السياسية لعشرات السنين في السودان، وبعضها أضواء اطلاعات من قريب أو بعيد على واقع الحياة العامة في كثير من ديار الإسلام. وذلك فضلًا عن أساس من دراسات لتراث فقه الإسلام في أحكام السلطان وقصص سيرته في السياسة، وقراءات لمنشورات حديثة شتى من ملة المسلمين تصدر عن ذوي علم أو تجربة بعضهم يحمل ميول المذاهب التقليدية وبعضهم يعبر عن مواقف عصرية متباينة المدى من حيث الإيمان بحق الإسلام واجتهاد النظر في صراطه السياسي المستقيم المتجدد أو الافتتان بالواقع انكبابًا على مثير أحواله وتقلباته أو بالغرب استقبالًا لفكره وخبره. وحيثما نشأت مصادر المعرفة للإنسان فبقدر وسعه في جمعها تتحد وتتناصر ويزداد في النفس رسوخ اليقين والعلم والحق والحكمة شعابًا للإيمان بدين التوحيد. فمتى كانت فطر النفوس تتزكى بالتجارب اطمأنت القلوب باليقين، وحيثما كانت العقول تتفكر في منظورات الوجود ومشهوداته اهتدت خواطرها إلى العلم الحق، وكلما كانت آيات الوحي المنزلة من الأزل تُتدبر تجلى بها عبر حادثات الحياة الدين الخالد، وأينما كانت الحياة تقرأ بسيرة عواقبها الشاهدة على صالحها وسيئها فعبرها وعظاتها تنزل الحكمة البالغة.
وكذلك من قصد الخلاص إلى محصول الرؤى في هدي الإسلام في القضايا السياسية والسلطانية ينبغي أن يتحرى ويوحد مادة من معرفة حق الإسلام وكل حقائق الحياة، يوحد النظر إلى أصل المثال الإسلامي المستقيم الخالد في الحكم وإلى واقع كسب المسلمين ثقافة مقصورة ومنقولة للمعتبر المتعظ، ويصل سيرة السلف والخلف السياسية الناهضة والهابطة والمتجددة والمتنقلة عبر تقلب ابتلاءات التاريخ، ويجمع ظاهر الحياة العامة وصورها ومراسمها الطيبة بباطنها في خلق الوجدان الخالص، ويربط عموم الوجهة والمبادئ والقواعد في أحكام السلطان ومُفصّل المناهج والقضايا والسنن، ويوحد الإنسان بمقارنة الأصيل من دين المؤمنين بلا نسخ ولا مسخ والدخيل عليهم من كسب سائر البشر وحضاراته في شئون الحكومة.
لا بد من أن نتعرف إلى أصول الإسلام المثال القرآني والواقع السنى فذلك فيه هدي الحق الخالد، ولئن عبرت عن بعضه حقائق مسنونة من الواقع والصور مثل الشعائر التعبدية المعروفة فإن بعضه لاسيما في السياسة والسلطان إنما يتحقق في أوضاع وهيئات وعلاقات متجددة عبر تبدلات ابتلاءات الدهر وتغيرات ظروفه. وينبغي ألا ينقطع خَلَف المسلمين عن تراث ثقافتهم برؤاها المتمذهبة وسيرها المتقلبة، ففي ذلك وجوه من إصابة تتبين للنظر الراجع تزوده علمًا وعبرة ومن خطأ يكسبه عظات، وفيها مجاهدات ومحاولات لبلوغ المستوى الأعلى والميزان الأقسط مما تطلبه تكاليف المثال، وفي ضوء التاريخ وسياقه يبين الدرج الذي سما إليه الواقع ليبني عليه صعدًا أو الدرك الذي تدهور إليه ليستدرك. وينبغي ألا تحجر الخلف المنقولات التقليدية التي تتراكم عليهم عن أن يتيمموا الأصول، وألا يقعدهم التعويل عليها عن الاجتهاد في ضوء البلاءات الجديدة ووجوه الرأي النابتة، بل أن تنشرح صدورهم بالاجتهاد المتجدد الممتد الذي لا تنسد أبوابه وتنفتح نفوسهم من ركام العصبية الموروثة مذهبية فقهية أو نحلية شيعة وسنة. وتعاقب التاريخ امتحان لكل أمة إما زادها علما وحكمة فرقيت، أو رهنها جمودًا وعصبية فهوت.
ومن هَدي دين التوحيد لمن يبتغى رشد الحياة السياسية بالدين دارسا ظاهرها وما يبدو من بلاءاتها بشتى مساقاتها وتطوراتها وما يلزم من خطها ورسمها وحكمها بوجوه من تجديد فقه الإسلام، أن يتأمل أيضًا باطنها متذكرًا عظة التاريخ. فقد اعتزل الخلف الصوفي الذي عم بين المسلمين ساحة السياسة، إذ هجر شيوخ المتصوفة حمى السلطان وأبوابه خوفًا أو قنوطًا مما غشيها من فتنة الشيطان واقتداء بما جرى لأئمة الفقه، فجفت السياسة من الإيمانيات إذ التهت بالجدليات والفرعيات عن أصول التدين وانقطعت عن التقوى منسطحة على ظاهر الصور والأقوال، فشاعت أعراض النفاق والفساد السياسي وفرغت القلوب من النيات الحية. لابد للدين علمًا وعملًا أن يتحد به الباطن والظاهر لتنشط الوجدانيات العامرة وتصدق التعبيرات الكثيفة وتتماثل تزكيًا وخشوعًا وتقوى في السياسة والإمارة، مثل الصلاة والإمامة فيها. وبلاء كل الثقافات أن تتفاصل فيها الأحكام القانونية الضابطة لظاهر السلوك والأخلاق الباطنية الموجهة لدوافعه، وذلك فساد وموات للحياة بما يجعلها قاصرة لا تتكامل ويحيلها إلى منافقة لا تتصادق حقائقها. وأشد ساحات الحياة عرضة لمرض الفصام بين الظاهر والباطن هي السياسة التي تباعد فيها في كل نظر النصارى وغالِب واقع المسلمين المشهود الحاضر والغيب الآجل، وتعازل الدنيوي والديني.
وكذلك على المعني بشأن السياسة في الدين، أن يوحد النظر لسياق البلاء عبر المراحل والانتقال. فسيرة المتدينين وغيرهم من البشر تتعاقب قرونا، قد يتصاعد الأوائل وعيا وتجددًا ونهضة إذا استفزهم تحد أصابهم من أمة أرقى منهم أو قوّمهم بعد الضلال والجمود هدي تنزل عليهم من السماء أو تذكروه بعد غفلة. وقد يخلف قرن يتم البناء بعد تأسيسه السالف ثم يعقب قرن عاطل لا يجتهد تعويلًا على التراث المنقول ولا يجتهد توكلًا على الفخر والكسب الموروث. وهكذا تتداول الأيام بالأمم وهي سُنّة كان وقعها ظاهرًا في تاريخ المسلمين لاسيما في سيرتهم سكونًا خاملًا بعد حركة حية وجبروتًا مطلقًا بعد شورى حرة وشتات ذليل بعد وحدة عزيزة. وفي دراسة تلك السياقات المتداولة عبرة لتقدير عوامل الانحطاط عن المثال ولتخطيط حركة جديدة نحو نهضة بعد وهدة، ولتدبير اتصال مراحل المستقبل تعاليًا مستمرًا ونزوعا دؤوبًا نحو المثال لا تصيبه العلة المعهودة من طروء العجز والحرف والتقادم عند الخالفين.
والداعون أول العهد للإسلام أو من بعد، إلى منهاج فيه متجدد يحييه بعد ذبول، أو يكيف مقتضى حقه الخالد حسب تطور الحقائق الواقعة، أولئك إنما يبدرون إلى عرض المبادئ إجمالًا لتقبل أساسًا جديدًا للحياة ووجهة عامة لها قبل أن تتنزل من بعد شعاب هُدى لفروع الحياة. وكذلك المجاهدون الآخذون دينهم بالقوة في وجه مستبد قوي يقيم جبروتا على المسلمين أو طاغوت عارض عاد عليهم من الخارج، هؤلاء يقيمون ما تيسر من الدين في جماعتهم لكنهم يرفعون سائر معانيه شعارات ورايات رمزية تركز الولاء للدين والبراء من نظام الباطل وسلطانه والتحرر للحق المنشود ولاستقامة الحياة. ولربما يكتب اسم النصر فيجابهون بلاءات الواقع التالي بغير عُدة من مناهج مفصلة تصدقها سياسات منزلة نظامًا سلطانيًا رشيدًا على الأرض التي تمكنوا فيها وهدايات منبسطة تحيط بكل ابتلاءات الحياة السياسية الجديدة المنتقلة ليرسخ أمرها ويستقر، ربما يتحير بهم المسير في مرحلة الحرج بعد النصر. وإنما الأرشد أن يتيسر لدعاة التغيير الإصلاحي ومجاهديه فقه أصول وفصول يمد روح المجاهدة ويعززها بنيات مركبة تتقصد كل الأهداف المفصلة التي يجادلون ويقاتلون في سبيلها، وليستعدوا إذا فتح الله بالاستجابة من الناس أو النصر على الطاغوت وسلمت أمة الخطاب بالمبادئ الأُول أن يبينوا لهم شعاب مقتضايتها ويفسروها مع تطور التساؤل ليطمئنوهم إلى ما ينشدون لصالح الحياة وليتمكنوا فيهم بلا خيبة أو اضطراب. وهذه سُنّة بلاء، التحولات والثورات كلها تتحير شيئا ما عند التجاوز من التبشير إلى مرحلة التطبيق، يتمادى الثوار خاصة بروح الصراع من فور ما يفاجئهم الانتقال فيصوبون المشارسة المنقولة من عهد الثورة إلى أنفسهم، إذ يهلك العدو المستهدف فينقلب بعضهم يهدف بعضًا، ويقوم فراغ بيّن في ثغور المبادئ المبهمة التي كانت كافية شعارًا لعهد الدعوة والثورة، فيغزوا باطل جديد يسد الفراغ ويبدو الفشل من حملة الرشد والعدل والخير الموعود بعد أن امتحنهم الواقع موطأ لهم ممهدًا، ولا تقوم سياسات متكاملة يرضاها الناس ويطمئنون ويسكنون. تلك مخاطر مسنونة في ظواهر التحول ومراحل الانتقال، ويلزم من ثم بسط فقه متكامل بشئون السياسة والسلطان في الإسلام أهدافًا عامة يدعى إليها أو يجاهد في سبيلها ومناهج وسياسات مفصلة منها تتم الدين حقائق متنزلة مطمئنة في كل واقع حاضر.
إن هذا الكاتب في شأن الإسلام والسياسة والسلطان ومعظم إخوانه هم من تغشاهم الثقافة الغربية المهيمنة، وقد ينصبغ بعضهم بها فلا يرى السياسة إلا مفتونًا بالدهريات الظاهرة منصرفًا عن الأزليات مدبرًا عن ثقافته الأصيلة. إن حفظ الأصالة الإيمانية المتجددة هو ضمان الرشد والهُدى في الدوافع والمقاصد والثبات والنفاذ في المناظم والمراسم التي تسير حياة المسلمين السياسية والسلطانية، ولا يجدي أن يقوموا فيها تشبهًا بغيرهم بغير أصالة، أفعالهم كالقرود وأقوالهم كالببغاوات مهما طاب المنقول المحاكى، ولا اتباعًا لبعض الذين نبتوا في دمن الثقافة الدينية التقليدية البائسة الفقه السياسي يقلدونه مفتين في مسائل فرعية لا يدركون الأصول والأركان والمغازي في هَدي الإسلام جامدين لا يجتهدون مجددين في ضوء الابتلاءات المتطورة ولا يسيحون في الأرض لا سيرًا ولا اتصالًا يسيرًا غزيرًا ليحيطوا بسنن العالمين من بني آدم، يتفهمون مذاهبهم ويتبينون واقعاتهم ويتدبرون عبرها ومواعظها ويقارنونها إلى مقتضى الدين الواجبة اليوم ليعوا المقبول منها تجربة بشر والمنكر ضلالًا. والحق على المؤمن المتعلم أن يوحد كل علوم الإنسان وتجاربه ويسخرها على أساس وإطار من الهدى المتنزل من الله لإقامة الحياة الأقوم والأحكم.
إن هذا الكتاب مخاطبة لعامة جمهور المسلمين، لا لتشغلهم بفرط تشعيب الفرعيات الدقيقة ولا لتربكهم بازدحام منقول المقولات والمحاجات المتعصبة والمختصمة، بل ليتبينوا ويتفهموا بأنفسهم أصول هَدي الدين في السياسة والسلطان ومعاني أحكامه ووصاياه ومقتضى قواعده وكلياته ومحصول قيمه وموازينه في سياق حاجات واقعهم المعلوم الذي تنشأ فيه القضايا، وذلك ليطبقوها على الواقع حياة تستقر نظمها وضوابطها وتطمئن دوافعها وعلاقاتها. وأم القضايا اليوم هي قيام الدين السياسي أو بقاءه محجورًا كله مقبورًا. والجماهير المؤمنة هم حَمَلة تلك الأمانة الثقيلة لإقامة أصل الحكم الإسلامي في وجه الابتلاءات والتحديات المثقل بها هذا العصر. والمعول والواجب الأول إنما هو على الجماهير أن تأخذ الدين بقوة وتحمل في سبيله ضغوط المدافعة السياسية للباطل القائم في حال الحرية والسلام أو دفوع المجاهدة الثورية في حال الكره والصدام للجبروت أو العدوان. ولا قوام بعدئذ لتحقيق الدين وتطبيقه واقعا كاملا إلا وقفا على جهد كل الجماهير ناشطة في أداء التكاليف، إليهم المرجع ليرفعوا ويخلعوا ببصيرتهم وإرادتهم سلطان الوضع ويقيموا سلطان الشرع وليحفظوا أسس الحكم مشاءَةً تمارس الحرية وإرادة لإجراءات الشورى وعقدا لقرارات الإجماع وليرتبوا نظم الحكم المتوازنة المتضابطة وليبسطوا ويحسموا الخيارات المتنافسة ويبعثوا المناصحات العامة ويكيفوا الإصلاحات المتضاعفة. وإنما جاهد واجتهد لتمكين الإسلام لأول عهده جمهور المؤمنين الصحب للرسول، ما كان فيهم متخصصون متفرغون لتدقيق العلم وإنما أخذوا الدين كافة من عموم هَدي القرآن وخصوص أحكامه المتنزلة على الأحداث والوقائع كما يبينها قائدهم، وما كانوا على أساس من فقه كثيف ورصيد غني من الثقافة السياسية. ومن ثم بدأ الاجتهاد الفقهي يتبارك مع تطور الحياة وتشعبها وظهر بعض الأئمة ناطقين بما عليه الرأي والعرف المقبول في الثقافة الحية الواسعة، لكن تدهور من بعد مستوى الدين السياسي باختلاط الجماهير الداخلة في الأمة بما تحمله من تراث وتعسرت وظائف الحكم وطرأت الفتن السياسية، وأخيرا ظهر خَلَف فقهى من الشراح الذين يفرعون التعليقات الموغلة المتنطعة في الحواشي الدقيقة علما يتباعد بعامة الناس عن أصول الدين ومنابعه ويغمر معالمه، بل تعازل أولئك المتفيقهون والعوام الذين أصبحوا يَسدُون في الحياة في غفلة وجهالة إلا سماع الفتاوى في صغائر المسائل ممن اختص بأمر الدين واحتكر معارفه.
والعهد اليوم تركة ساكنة لا حياة متعمرة بالدين لتعقبها نهضة ثقافية متفجرة بالاجتهاد تستدعى ضبطها بالعلم المتخصص المنظم، بل حياة يغشاها التماوت وثقافة دينية تغلب فيها المورّثات البالية من منثورات الفتاوى، وذلك يستدعى الاستنفار لدفع الحركة خوفا من الموت لا التحفظ حذرا من الفوضى، لاسيما في الثقافة السياسية التي هي أشد جمودًا لا تتحرك أو تنمو أو تلد وهي أبعد تخلفًا عن تطور الابتلاءات لا تناسب بروز قوة المجتمعات بقواها المستعصية حكمًا وظهور معضلات حاجاتها وأمورها العامة المعقدة وثقافاتها العالمية المتدافعة. فالخطاب الأجدى اليوم إنما هو بفقه الإسلام السياسي الحي لعامة الناس.
والكاتب كثيرًا ما ألقى من قبل رسائل خطاب عام ودعوة للجماهير لتحريكهم في مسالك السياسة والسلطان على هُدى من الإسلام، وما كانت تلك مادة تعد للمدارسة الدقيقة التي ينظر فيها العلماء ويحفظها الطلاب. وهذا خطاب جامع يعرض الآراء المتجددة الراجعة إلى الأصول مجردة من المقولات الشواهد من السلف غير محفوفة بكثيف حيثيات المحاجة في أمة خطاب مرهونة بالنظر إلى حرف النصوص لا سياقها، وظاهرها لا مغزاها، ومصروفة إلى قديم الفقه المعهود وقائم الأوضاع الحاضرة، قد تنكر الآراء الجديدة الداعية للإصلاح. والتعزي بالمصابرة لزام حتى تألف النفوس ما لم تعهد ويستقر فيها وحتى يقيض للفقه الجديد المتخصصون المتفرغون لسنده بالمأثورات ومده بالفرعيات، وحتى يدفع القدر قوى الدعوة والمجاهدة فطور مصائر الواقع فتصدق الحق والحكمة في ذلك الجديد. إن حال مجتمع المسلمين اليوم لم تبارحه بعد أزمة الضلال في الرؤية السياسية وفتور الحمية لحكم الشريعة وعوائق الأهواء العالقة بالواقع، ولا يصح تأخير نزول أصول الحق حتى تتوافر كل المباحث العلمية التي تجليه وتتهيأ من نفسها تصاريف الظروف منزلًا له ميسورًا. بل هَدي الدين أن يُسارع إلى الحق ما بانت وجهته العامة وإلى الخير ما ارتسمت معالمه الأساسية، والعمل بمبتدأ العلم يباركه بيانا ويحققه فعلا. ذلك ولو تعرض أول المسير لبعض الخطل والفشل وتعثرت الخطى فإن بني الإنسان ما اعتصموا بالقبلة هدى وبالله توكلًا هم خطاؤون توابون يتنامون بذلك علمًا وحكمة.
و الحق يقال أن كاتب هذه السطور إنما حررها وهو في حبس سياسي من فتن السلطان معتقلًا عن الإحاطة بكل الكتب في مكتبة خاصة أو عامة حتى يثبت بيان مراجعه فيها وينقل عنها حرف المنقولات ومواصف مصادرها، وإنما تيسر له ما يحفظ ويتلو من آي القرآن التي يجتهد أن يتفقهها موصولة بسياقاتها المبينة وبأطر نزولها الظرفية والثقافية بمنهج تفسير توحيدي لا يأخذ مقطع الكلمات ومجردها، وإنما يتبين معانى آيات القرآن في إطار منزلها أحداثًا وسيرة واقعة وأقوالًا مروية عن الرسول r، وقليلًا ما تُنثر هنا جمل من الأحاديث النبوية مبتورة من هوادي القرآن وظروف الواقع المبينة، لا سيما وأن الشأن سياسة سلطان متغيّرة متطورة ابتلاءاته يخط الدين هديه العام ولا يرسم كل منطق أقواله وحركة أفعاله وصورة علاقاته مثل شعائر الدين المسنونة كالصلاة والصيام والحج .
والكاتب، كما سبق القول، يحاول أن يوحد ما اجتمع لديه من مصادر المعرفة تتوالى وتتكامل ولا يرتبك الأعلى والأدنى حجة ولا يختلط الأقرب بالأقصى إطارًا لإخراج مثال للإسلام اليوم في الموضوع. وإنه ليسأل الله مستغفرًا من الخطأ مرجيًا رضوانه تعالى بالصواب، متشفعًا لكل أهل المشارع التي ورد ماءها واستقى منها علمًا ما أو حكمة، ليشملهم الله رأفة من رحمته للكافر الملة الموزور، ولاسيما الذي يعتدل ولا يتعدى على دين الإسلام، وبركة من فضله للمسلم المأجور قدر كسبه، من يبعّض إيمانه بالإسلام فينصرف عن هدي الدين في السياسة كفرًا صريحًا أو نفاقًا يوارى ضلته بحيل الكلام، ومن هو منفعل بمشاعر الولاء الديني لكنه يضرب في السياسة بجهالة، ومن هو صادق متبصر يأخذ دينه بتفقه واجتهاد. أولئك هم جميعًا علموا الكاتب مدارسة أو بسطوا له علمهم مطالعة أو هدوه إلى الحكمة مشاركة أو مشاهدة لهم في السياسة وما يعملون فيها من صالح يزود بحسن القدوة أو فاسد يعظ بسوء الفعلة، لا يستطيع المرء أن يحصيهم عددًا أو يشير إليهم ذكرًا في حاشية أو ملحق في هذا الكتاب الذي هو حصيلة كل بنيته المعرفية لا هديته في شأن السياسة والسلطان وحدها، وإنما كتاب أسباب المكاسب وحساب جزائها عند الله وهو بكل شيء محيط.
لئن سارع الكاتب إلى جمع تعاشيب معلومات كسبها وكلمات محاضرات تذكرها ورؤوس خواطر تدبرها، وإلى تحريرها في هذا الكتاب، أجمل فيه المتن بلا ترتيل للفروع وعطل النص بلا ذكر للمراجع، وآثر ألا يتركه أوراقًا مخطوطة محفوظة جمعت في السجن. ولئن كان في المادة غريب أفكار انتظرت عشرات السنين رجاء فراغ وبوح بعد الفرج يتمها محفوفة ويقدمها مألوفة لكن ظلت مغمورة بمشاغل الحرية. لئن كتب الكاتب اليوم فإنه ليرجو أن يقرأ القارئ بسماحة منفتحة ولو وجد غريبًا ينكره ويشذ عن مألوفة ومعهوده ولم يجد إيلافًا من شواهد رأى كثيفة من السلف. وإنما الكتاب استرفاد بكل رصيد سابق واجتهاد لمده نحو بناء لاحق وتحضيض لعامة الداعين الساعين المجاهدين في سبيل الحق وتثوير لفكر الهادين المجتهدين يوافقون رأيا ويؤيدونه ببيان المساند وجلاء الشعاب ويدركون خطأ فيستغفرون للخاطئ ويعدلون للسالك ويتدبرون ويطورون مسيرة المسلمين السياسية توبة ثقافية إلى بينة ويقين وقومة عملية على صراط مستقيم هدى للعالمين".
وإليكم فهرس موضوعات الكتاب:
توطئة
الفصل الأول: الدين والسلطان: التوحيد والفصال
الفصل الثاني: صور الأحكام السلطانية
الفصل الثالث: المجتمع المؤمن مصدر السلطان
الفصل الرابع: ميزان الحريات على سواء والسلطان
الفصل الخامس: الأحزاب والقوي السياسية
الفصل السادس: سلطة التشريع وضبط الإمارة
الفصل السابع: سلطة الإمارة والتنفيذ والإدارة
الفصل الثامن: سلطان الإمارة وشعابها التنظيمية
الفصل التاسع: سلطة العدالة وقضاء الخصومات
الفصل العاشر: أنظمة المحاسبة والمضابطة والقسطاس
الفصل الحادي عشر: تفاصل السلطات وتكاملها وتضابطها
الفصل الثاني عشر: مقاسم السلطان الإقليمية والمحلية
الفصل الثالث عشر: الدولة الوطنية ووحدة الأمة
الفصل الرابع عشر: علاقات السلطان والمجتمع العالمية