صدر هذا الكتاب في عام 1335/ 1917م، وقدم له الأستاذ خليل مطران، والذي أثنى على هذا الكتاب ثناء كبيرًا، ثم شرح الدواعي إلى تأليف هذا الكتاب من وجهة نظره، فكتب يقول:
طالما جاء في الحوادث اليومية منذ تأسيس المحاكم الأهلية ما دل على أن النصوص القانونية مهما يبالغ في دقة تحريرها وجلاء عبارتها وتقدير ألفاظها على معانيها لا يدع الغموض أن ينتابها ولا اللبس أن يعتورها فكان من يستقصي بحثًا أو يستقري مطلبًا ليتبين الغرض الصحيح من نص الشارع حيث تتنازعه التأويل وتختلف فيه الآراء والأقاويل لا يكاد إلا في ندور أو شذوذ يهتدي إلى أثر من تلك الآثار المزيلة للاشتباه النافية للريب التي اصطلح على تسميتها بالأعمال التحضيرية للقوانين والتي لا يستغنى عنها أهل الذكر في أيما بلد حذا حذو فرنسا في التشريع الوضعي ولا سيما من حيث الحصر بالنص والقصر على صريح المفهوم في مواد العقوبات.
لذلك كانت المحاكم في أطوارها الأولى تتباين في تقرير البادئ راجعًا بعضها إلى القانون الفرنساوى الذي أخذ عنه القانون الأهلي أو إلى آراء المحاكم الفرنساوية وذاهبًا بعضها الآخر في تفسير النصوص كل مذهب يوحيه الاجتهاد، وربما أخذت غير واحدة من تلك المحاكم بآراء الشراح من الفرنسيس أو أحكام القضاة منهم فأخطأت الصواب بعدم التوافق بين طائفة من مواد قانوننا المترجم وبين القواعد العامة الدائرة عليها قوانينهم فكان الاستنتاج ويتلوه الحكم على نقيض روح التشريع المصري إن صح أن يسمى بالتشريع المصري ما وقع في مواضع معدودات من الاختلاف المقصود بين الأصل والنقل.
استمرت العلة كذلك ولا دواء لها ما دامت الأعمال التحضيرية للقوانين المصرية مجهولة أو غير موجودة بالمرة - اللهم إلا شذرات من تلك الأعمال مبعثرة في أوراق مهملة من مباحث أولياء الأمر لذلك الوقت، وهي تلك المباحث التي نجمت عنها أوجه الخلاف التي أشرت إليها آنفًا إلى أن أخذ التشريع الأصيل يحل تباعًا محل التعريب اللصيق.
عندئذ وجدت شيئًا فشيئًا أعمال تحضيرية للقوانين الأهلية خليقة بهذه التسمية: إذ طفق الشارع المصري يسير بالقضاء في طريق الكمال وجعل حيثما صادف نصًا معقدًا أو غير ما تم مع العادات القومية يعدله أو يبدله مواظبًا على ذلك منذ سنة ۱۸۸۳ وخصوصًا في قانوني العقوبات وتحقيق الجنايات حتى إذا حلت سنة ١٩٠٣ فكر في تعديل طائفة من مواد قانون العقوبات دفعة وأرسل منويه (مشروعه) إلى أولياء الشأن كما أرسل إليهم مذكرات تفصيلية بأصل المواد والتعديل المراد إدخاله والسبب الداعي إليه.
عرض هذا المنويّ على مجلس شورى القوانين في أخريات سنة ١٩٠٣ فأحاله إلى اللجنة التي خصها بفحص (مشروعات القوانين) فنظرت فيه وأعادته إلى مجلس الشورى مشفوعًا برأيها فتناقش فيه المجلس ثم أعاده إلى مجلس النظار مصححًا على النحو الذي آثره، وفي ١٤ فبراير سنة ١٩٠٤ صدر الأمر العالي القاضي بأن يستعاض عن قانون العقوبات الأول بقانون العقوبات المعدل.
فالمؤلف على ما يظهر من هذه اللمحة التاريخية الشديدة الاختصار قد اعتمد إذن على مذكرة الحقانية (تعليقات الحقانية) المرسلة إلى مجلس النظار مع التعديل المنوي لمواد قانون العقوبات وعلى تقرير لجنة مجلس شورى القوانين ومحاضر جلساتها معتدًا إياها بحق أعمالاً تحضيرية لقانون العقوبات؛ لأن فيها روح ذلك التشريع المجدد وأسباب التغيير والتبديل مما يسهل معه على الباحث أن يستشف غرض الشارع من كل نص.
كذلك أدخلت تعديلات على طائفة من المواد في المدة التي غبرت بين ١٤ فبراير سنة ١٩٠٤ وبين سنة ١٩١٣ فكانت الحقانية تشفع كل منويّ من التعديل بمذكرة إيضاحية تبين فيها غرضها ورأيها، وكان هذا أيضًا موردًا من أغزر موارد التدوين لتلك الأعمال التحضيرية.
ولما كانت كل المعدات الآنف ذكرها ضرورية للوقوف على روح التشريع عنى المؤلف بكتابة كل مادة من مواد قانون العقوبات ثم أردفها أولاً - بالتعليقات التي أرسلتها الحقانية إلى مجلس النظار قبل سنة ١٩٠٤ حين أزمعت أن تعدل نصوص قانون العقوبات ثانيًا- بالمناقشات التي دارت في مجلس الشورى وما أدخلته لجنة هذا المجلس من التعديلات مع بيان السبب في كل منها، وثالثًا- بمفاوضات مجلس الشورى في المواد التي عدلت بعد تعديل القانون ورابعًا- برأي المستشار القضائي في كل تعديل وفيما دعا إليه ولم يفت المؤلف فيما عدا ذلك إيراد الآراء الصادرة عن اللجنة المراقبة القضائية وما استدركته على بعض المحاكم في طائفة من المبادئ (وذلك ما يسمونه بمنشورات اللجنة) كما لم يفته أيضًا جمع الأحكام المقررة للمبادئ القانونية مما أصدرته محكمة النقض والإبرام والمحاكم الكلية والجزئية بقدر ما وصلت إليه قدرته، وأكبر بها من قدرة.
فبعد ما تقدم من البيان يسوغ لي أن أقول أن هذا الكتاب خير مرشد لمن يريد الوقوف على روح التشريع في قانون العقوبات فقد اقتفى به واضعه طريقة «جارسونودالوز» التي هي أحدث طريقة يتوصل بها إلى الوقوف على مبادئ المحاكم، وأخرجه لقومه كتابًا كافيًا وافيًا غير مسبوق في مصر إلى هذا الأوان، ثم هل من المغالاة والشأن كما وصفت أن أزيد أن ذلك السِفر لا يستغنى عنه طالب الحقوق ولا المحامي ولا النائب ولا القاضي ولا مشتغل بالمسائل الجنائية أيًا كان لما يجده فيه كل ذي حاجة من الوفاء بحاجته والغنا عن التماسها في أشتات المظنات.
فحيا الله المؤلف الفاضل وبارك فيه من عالم عامل لئن جاء كتابه اليوم بين يدى أمته دليلاً جديدًا على البر والوفاء وشاهدًا ناطقًا بصدق الولاء فليكونن له خير ناصر يوم يلتفت الوطن العزيز إلى عماد بنائه، ويحاسب كلاً من كبار أبنائه، فيقول له بنص الآية الشريفة «اقرأ كتابك».