صدر هذا الكتاب عن مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت، سلسلة كتب المستقبل العربي (47)، يناير 2006م، ط1، ويشتمل الكتاب على مجموعة من الأبحاث لعدد من المؤلفين.
وجاء في مقدمة الكتاب ما يلي:
شهد الوطن العربي في السنوات الأخيرة، مراجعة فكرية واسعة لموضوع الدستور، مترافقة مع الدعوات للإصلاح وتحقيق المزيد من الإجراءات الضامنة لحقوق المشاركة السياسية والعدالة الاجتماعية، وأخذت تلك المراجعات سبلاً متعددة للوصول إلى أهدافها، ابتداءً من إعادة صياغة الدساتير وعرضها على الشعب لمناقشتها والاستفتاء عليها، إلى تعديل بعض نصوصها اقتضاءً لمصالح وطنية واستحقاقات يمليها عامل التغيير والتطور.
والخبرة الدستورية في الوطن العربي، على حداثة عهدها نسبيًا بالمقارنة مع الخبرة الدستورية الأوروبية، إلا أنها ترافقت مع تصاعد دور النخب السياسية في صياغة آليات الحكم وأنماط المشاركة، واستطاعت أن تتحقق، مع تفاوت نسبي بين بلد عربي وآخر، تمثيل الروح القومية في التحرر وحماية السيادة والدفاع عن المقدسات، وسيكون لتلك الخبرة، بالإضافة إلى ما يتحقق من تجارب وخطوات تكميلية الأثر البارز في استكمال الشروط الأساسية لأي دستور عربي مستقبلاً.
إن إرث القرون الأربعة التي عاشها العرب تحت الحكم العثماني، وما اتبعها من نضال ضد الأشكال الجديدة من الاستعمار الأوروبي، وقد انعكست على صباغة الدساتير العربية في محتواها الفكري والسياسي، حيث عادت موضوعة السيادة والشخصية المستقلة للدولة تأخذ رجحانًا وتقدمًا على القضايا الاجتماعية، في إطار من تواصل التعبير لمحتوى حركة التحرر الوطني وبناء الكيان المستقل، ولا تزال هذه العملية مستمرة بشكل أو بآخر في غیر بلد عربي باتجاه المزيد من الإصلاحات الدستورية لصالح ضمان أوسع مشاركة شعبية في الحكم والرأي.
ولا شك أن تطور الوعي، وتوسع قاعدة منظمات المجتمع المدني، وتطور أدوارها في الفعاليات السياسية والاجتماعية يفرض إجراء تعديلات على مضامين الدساتير العربية، ورغم التفاوت في إجراءات التغيير، إلا أن العقد الأخير قد شهد تقدمًا محسوسًا في هذا الإطار، معبرًا عنه بشكل تآزر شعبي لدعم الإصلاحات، ومن خلال دعم قرار التغيير، أخذت بعض الدساتير العربية نفحة من رياح التغيير نحو استكمال عناصرها الأساسية كمعبرة عن إرادة الأمة مجتمعة في سبيل المصالح العليا.
وإذا كان الاختلاف في طبيعة كل مرحلة من مراحل النضال الوطني وتباين النظم السياسية في البلاد العربية قد أدى إلى تفاوت في تفاصيل الدساتير، إلا أن مبادئها لا تزال موحدة، وفي المقدمة منها الحفاظ على هوية كل بلد في إطار الهوية الأكبر، الهوية العربية، على الرغم من بعض المحاولات، كالتي شهدها العراق مؤخرًا لتحجيم الانتماء القومي لصالح خصوصيات وطنية وعصبيات فئوية، إلا أن الثابت، وغير القابل للاجتزاء، هو تعبير الدساتير العربية عن مضمون فكرة الوحدة العربية والنضال في سبيلها، واعتبار وحدة الأمة وارتباطها المصيري، هو الطريق نحو تحقيق الحرية والعدالة والمساواة الاجتماعية وصولاً إلى التقدم والرفاه.
ومن دون شك فإن العمل الفكري ومواجهات إصلاح الدساتير العربية لن يتوقف عند حدود، فإذا كان الدستور هو الوثيقة الأسمى في الدولة التي تحدد نظام الحكم وتنظم عمل السلطات فيها، وتكفل حقوق الأفراد والجماعات وتجسد تطلعات الشعب، إلا أنه يبقى في صيرورة فكرية وعملية مستمرة مستجيبًا، بشكل أو بآخر لمتطلبات التطور، مع تأكيد ثباته كقواعد قانونية ملزمة، ولكنه في ذات الوقت سيستجيب لدواعي التطور الحتمية التي تشمل جميع مناحي الحياة، ومستوعبًا حركة التاريخ ومتطلبات التقدم.
ومن هنا فإن مركز دراسات الوحدة العربية حين يضع هذا الكتاب أمام القارئ، فإنه يسعى لتقديم مساهمة فكرية لتفعيل العمل من أجل مواصلة إصلاح الواقع الدستوري مع التمسك بالثوابت والقيم الأساسية، مع إيمانه - المركز - بأن الانتقال بروحية الدساتير العربية لتعبر فعلاً عن إرادة الشعب العربي سوف يأخذ طريقًا قد يطول، ويتطلب تضحيات قد تكون باهظة الثمن، إلا أن الطريق يجب أن يسلك، والهدف لا بد وأن يُنال.
تقسيمات الكتاب:
مقدمة
القسم الأول: دراسات نظرية سياسية وقانونية في الدستور
القسم الثاني: دراسات في واقع الدساتير العربية